islamaumaroc

المجالس العلمية خطوة رائدة في تثبيت دعائم الإسلام في هذه البلاد

  دعوة الحق

216 العدد

لقد كان مولانا أمير المومنين جلالة الحسن الثاني حفظه الله كعادته موفق الرأي ، ملهما بالصواب مسدد الخطى ، ناجح السعي ، حينما وجه مستشاره الخاص إلى المؤتمر الثامن لرابطة علماء المغرب الذي انعقد في يومي 13 و 14 يونيه بمدينة الناظور ، ليتلو على هيئة العلماء الموقرة نص الظهير الشريف المؤسس للمجالس العلمية الإقليمية . والمجلس العلمي الأعلى الذي يتشرف و يعتز برئاسته جلالة مولانا الإمام.
وقد تحدث الظهير الشريف في ديباجته عن الأسباب الداعية لإنشاء هذه المجالس. وسلط أضواء كافية على أسباب أبرازها في هذا الظرف الدقيق الذي تجتازه امتنا الناهضة . حيث ذكر أن الإسلام كان ولايزال أهم مقومات الشخصية المغربية وكانت وحدة العقيدة والمذهب الذي قامت عليه وحدة الأمة . والعامل الفعال الذي ضمن لها التماسك والاعتزاز . وجعلها بمأمن من التفكك والانقسام اللذين أصابا كثيرا من الأمم الأخرى .. ولهذا وذاك حرص ملوك مختلف الدول التي تعاقبت في المغرب على العناية بشؤون الإسلام . وإجراء العمل بأحكامه . والذوذ عن عقائده . ونشر تعاليمه الصحيحة بين الناس ليكونوا على بصيرة من أوامره ونواهيه في كل ما يرجع إلى أمور دينهم ودنياهم على حد سواء . و لايزال عالقا بالأذهان ما قام به في هذا المضمار والدنا المقدس صاحب الجلالة محمد الخامس طيب الله ثراه من جليل الأعمال . وما بذله من حميد الجهود .في سبيل الحفاظ على المقومات الإسلامية وترسيخها في نفوس الأمة وتطهيرها من كل ما شاب صفوفها من زيغ وبدع ....» تلك كانت فلسفة ملوك هذه الدولة العلوية المنيفة التي عملت على بلورة الفكر الإسلامي. وتجميع الأمة حول العقيدة السلفية التي لا يزيغ عنها إلا هالك » ولقد كان ملوكنا العلويين يعتمدون في تركيز العقيدة الإسلامية ووحدة المذهب على مؤازرة العلماء ويهتدون بتوجيهاتهم السلمية المسلمة المؤمنة ويستعينون بإخلاصهم ونصحهم ، وكان العلماء رضوان الله عليهم يعدون الإخلاص في النصح و التشبث بحبهم من أعظم ما يتقربون به إلى الله عز وجل . وكان مركز العلماء داخل الدولة رمزا لشرعية النظام، والمحافظة على استقلال البلاد. فهم المسؤولون عن الحفاظ على الأصالة المغربية، وسلامة العقيدة ، وهم الحراس الأمناء على التراث الحضاري الإسلامي ، وضمان انتقاله من جيل إلى آخر سليما من الشوائب والأغراض بل أهم من ذلك ... ...... فقد حافظ العلماء المخلصون في هذا البلد الأمين و في ظلال الدوحة العلوية الوارفة على خصائص شرعية الدولة.... وبذلك حققوا وجودهم . وأكدوا حضورهم فاخلصوا دينهم لله وارخصوا في سبيل الحق الدماء وبذلوا في سبيل الله المهج والأرواح وتقدموا الصفوف الأولى للدفاع عن حرمات الله فكانوا قدوة حسنة أعادوا أمنهم إلى جادة الصواب . ونهج الفضيلة وسبيل الخلاص وهدوها إلى الطيب من القول كما هدوها إلى الصراط المستقيم . فالعلماء الصالحون المخلصون هم حراس العقيدة وجند الحق ولسان الشعب وقلبه وعقله ورأيه وضميره ووجدانه. إن إعداد الأمة إعدادا إسلاميا هو أول لبنات البناء ثم يتبعه البناء المادي ، نعم الأساس الذي يجب أن يقوم عليه أي بناء ذاتي لأمة من الأمم ، فإذا كان الأساس قويا ثابتا راسخا منيعا ارتفع البنيان شامخا شاهقا لا يخشى عليه تفوض أو انقضاض أو انهيار. وإذا ما بلغ البنيان يوما تمامه شاملا كل نواحي الأمة وكل أفراد شعبها من الجندي حتى القائد، ومن الرجل العادي حتى رئيس الدولة. أصبحت هذه الأمة متحدة متكافئة متنا صرة متحابة، رقيقة الحواشي مهذبة الأخلاق، مشذبة الطباع، مصقولة النفوس مشحوذة العزائم متألقة القلوب متآخية الأرواح راسخة الإيمان طاهرة الوجدان. تخفق في ضميرها راية الحق ، وتسطع في نفوسها شمس الحرية ، وتظللها دوحة العدالة حينذاك لا تلبث أن تثور بكل قواها لتحقق أشواقها وتطلعاتها وتثبت بكل عزيمتها وتتقلب في معركتها الرهيبة الخفية الدائرة بين المخلصين من أبناء الوطن الحر والأمة الإسلامية وبين المخططين الماكرين الحاقدين من أعدائها الألداء أنها الحياة: وهي عقيدة وجهاد وأنها المعركة التي لا تستهدف إلا سيادة الأمة الإسلامية وتريد إبادة الأفكار والمفاهيم والمثل والعقيدة كما تقصد أبعاد هذه الأمة عن منبع قوتها ومنعتها ومعين عزتها وسؤددها .  وقد أدرك خصوم ديننا ووحدتنا أن لا سبيل إلى استبعادنا واستدلالنا.وإذابة كياننا ، وتفويض أركاننا و الجشوم على صدرنا وسلب خيراتنا والتحكم في مقدراتنا ما دمنا متمسكين عاضين عليه بالنواجذ حريصين على تنفيذ تعاليمه والسير على هداه .... لذا فقد عمد هؤلاء الخصوم والأعداء الذين في قلوبهم مرض على أبعاد الأمة الإسلامية عن دينها لتقليص أثره في نفوسها... وجرى ذلك بكل أساليب المكر والخداع والدقة والحذر والدهاء لقد حول أعداء الأمة الإسلامية مناهج التعليم السليمة وحررها لتلائم أغراضهم وعملوا بالتخطيط الماكر والدعاية الماهرة على زحزحة هذه الأمة عن معتقداتها في هاوية الضياع والاستلاب الفكري والفراغ الروحي والتيه العقيدي .
وإذا كان العالم ينشد الإخاء و العدالة والمساواة وينأي عن الترهات والسفاسف ويجنح إلى المعاني . ويريد القيم الروحية ويحب العيش في طمأنينة وامن وسلام فلن يجد ذلك إلا في الإسلام الذي ليله كنهاره . إنها الديانة التي قصدها الفيلسوف «كانت» بهذه المقولة« الديانة الحق الوحيدة هي التي لا تحتوي إلا على قوانين وقواعد صالحة للجري عليها فنشعر من ذاتنا بضرورتها المطلقة ». والنتيجة التي تفرض نفسها وتحتم على كل إنسان أن يقتنع بها ونقصد إنسان الإيمان بالله بدين الحق بالحقيقة الكبرى ، حقيقة هذا الدين بالأمانة الفضلى التي تناط بكل مسلم بالمسؤولية العظمى التي تتعلق بكل مومن بهذا الإسلام المتمثلة في الحياة به والدعوة له والاعتماد عليه حتى يعد من المحبوبين عند الله المومنين بالرسول المحبوب عند رب الناس .
فما أحوج الإسلام في هذا العصر إلى مسلم ملتزم لا يضيع في خضم الحضارة المادية بل يصمد ضد الباطل ويجابه كل جاهلية بشخصيته القوية المومنة . إن مجتمعنا لا يمكن أن يعيش بمعزل عن الأحداث والتطورات العالمية، فكان لا بد أن يصيبنا شيء من هذا الطوفان المدمر ويتضاعف التهديد.
والتخريب خصوصا بعد أن أصبح العالم قريبا بعضه من بعض تعمل فيه عوامل الهدم وتهب عليه أعاصير الاديولوجيات التي تأتي من وراء البحار وخلف السهوب . فالتربية الإسلامية بكل ما في هذه الكلمة من معنى ابتداء من المدارس الابتدائية حتى المرحلة الجامعية هي التي تخلق في الإنسان المسلم الضمير الديني اليقظ الذي يحرسه في غيبة القانون و الناس ويدفعه إلى السلوك السوي ومخالقة الناس بخلق حسن . وقد تنبه إلى ذلك احد رؤساء أمريكا في الماضي وهو الدكتور« ويلسون» فقال :« خلاصة المسالة أن حضارتنا إن لم تنفد بالمعنويات فلن تستطيع المثابرة على البقاء بماديتها ، وأنها لا يمكن أن تنجوا إلا إذ سرى الروح الديني في جميع مسامها ، وذلك هو الأمر الذي يجب أن نناقشه في معابدنا ومنظماتنا السياسية وأصحاب رؤوس الأموال وكل فرد خائف من الله محب لبلاده » إن الدعوة الإسلامية حين تنمو ويشتد عودها وتنتشر في حنايا الضلوع ستجد الكثير ممن يأوي إلى حظيرتها حكاما دون يضطروا إلى التخلي عن كراسيهم لكن لإحساسهم بان الأمة أصبحت مؤهلة للتقويم إلى هدى الله ... ومحكومين ون أن يكرهوا على حق هم عنه غافلون ، ولكن ببزوغ فجر الوعي في بصيرتهم . وعلى حملة مشاعل هذه الدعوة أن يعملوا إن اشتداد عودها لن يكون إلا بالصبر الجميل عليها لمحتواها والحكمة في استنفار الناس إليها ، والنصيحة المخلصة المسؤولة في سبيلها والفهم الواعي والبصيرة النافذة التي تدرك دوافع النفور منها والتمييز بين الغافل عنها والمتصرف في عداواتها . وعلى أجيال الدعوة أن تعمل للنصر على انه آت غدا .. فان تأخر فلا يأس و لاقنوط مهما كبرت التضحيات . ومستقبل بلادنا في يد شبابها المتطلع اللهفان اغرودة الأمل الباسم ، وسر النشاط المتدفق في وجدان الأمة . والنهضة في كل مجالات الحياة على اختلاف أنواعها وألوانها وطعومها سواء في المجال العلمي أو السياسي أو الاجتماعي تتطلب حركة مستمرة وجهدا متراصا ودابا عظيما وصبرا قويا . وهذه الخصائص قلما توجد إلا عند الشباب المومن الواعي معقد الأمل ومناط الرجاء ، فهم درع الأمة وحماتها وعدتها وعتادها ، فالأقدام يحتاج إلى فكر سريع وعزم وثاب وإرادة حازمة وثبات وصلابة . لقد جاء الرسول ص برسالة وجه بها امة وكون دولة ونشر دينا وقاد جنودا ، وانشأ حضارة وربى رجالا وأبطالا ، وكان شباب المسلمين في الصدر الأول ذوي نفوس بريئة ووجدانيات حية وقلوب طاهرة . كانوا يخطئون ولكنهم سرعان ما يعودون إلى جادة الصواب فيستقيم أمرهم ويصلح حالهم ويهدوا إلى الطيب من القول . وقتئذ أتانا عهد الرسول صلى الله عليه وسلم يموج بحركة الشباب ويزخر بنشاط الشبيبة، ولا عجب في ذلك، فنبيهم يطل الشباب وان كان قد جاوز الأربعين. لهذا تجد الشباب المسلم في كل جيل هم عماد كل نهضة يحملون مشاعلها ويوقدون جذوتها بقلوبهم، ويعملون من اجلها، وينفخون فيها روح الأمل وإرداء.. فهم جنود القيادات التي تكون في أيدي الكهول ، وهم الأسلحة لتنفيذ المبادئ التي تصدر عن حكمة الشيوخ ،فالكهول هم القادة و الشباب هم الجنود، وحينما تتوفر الأهلية يتقدم الشباب للقيادة ، لذلك كان الرسول ص يوجه الشباب إلى العمل لخير المجتمع وسعادة أفراده وإيثار الغير على النفس ، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الخاصة ، وكان يحفز همم الشباب ويشجعهم على عمل الخير بمنحهم ألقابا مقابل أفعالهم . ومن ذلك انه لقب أبا بكر بالصديق في صبيحة ليلة الإسراء حين صدقه في حديثه عن الإسراء والمعراج في الوقت الذي كذبته فيه قريش. ولقب عمر بن الخطاب بابي حفص في موقعة بدر. ولقب عمرو بن ياسر بالطيب المطيب لأنه اسلم وذهب إلى أمه وأبيه ودعاهما إلى الإسلام وقرا عليهما ما حفظه من القرءان الكريم فاسلما على يديه. ولما أكثر طلحة بن عبيد الله من الإنفاق في غزوة حنين لقبه الرسول بالجواد لقد أحسن مولانا الإمام حينما أسس هذه المجالس العلمية في هذه الظروف التي تكالبت فيها أطماع الطامعين الذين وجدوا في ذهنية شبابنا مرتعا خصبا يعملون في ساحاته لتسميم عقولهم وتخدير مشاعرهم بألوان زاهية في هذه الحضارات الزائفة ، فلا غرو إذا قال مولانا في ديباجة الظهير الشريف للمجلس العلمي انه : قد قر رأينا بعد أن أصبحنا من خطر على كيان الأمة المربية وقيمها الأصيلة أن يستمر عملنا المتواصل في إطار مؤسسات تنتظم فيها وتتناسق جهود العلماء الإعلام للعمل برعاية جلالتنا الشريفة وار شادتنا على التعرف بالإسلام .وإقامة البرهان على أن ما جاء به صالح لكل زمان ومكان في أمر الدين والدنيا معا ، وان فه غنى عما عداه من المذاهب والعقائد التي لاتمت بصلة إلى القيم التي يقوم عليها كيان الأمة المغربية . لقد كان علماء هذه البلاد يؤازرون ملوكهم ويخلصون إليهم ويمدونهم بالعون والمؤازرة ويؤكدون ولاءهم في كل المناسبات ، في المنشط والمكره كما أنهم كانوا يجدون في رعاية أولئك الملوك سندا لهم وحماية لدعواتهم . ولقد كان على رأس الدعاة المخلصين المستنبرين في بلادنا المغربية التي نعمت بكثير من العلماء الإعلام المتفتحين عبد الله بن ادريس السنوسي احد دعاة الحركة السلفية في عهد المولى الحسن الأول . وهناك عالم خطير كان له شان كبير واثر عظيم على مولاي الحسن الأول وحتى على خلفائه المولى عبد العزيز وعبد الحفيظ وهو الشيخ ماء العينين الذي تفرغ للدين والعلم والجهاد في سبيل العرش وحماية لعقيدة ، وتجاوز صيته حدود الصحراء حيث أصبح علما من أعلام الدين ، وبات من أكثر الناس إكراما عند ملوك المغرب ، ومما زاده سمعة لدى إخوانه المغاربة انه استنهض همم الصحراويين لمقاومة الفرنسيين الذين كان تسربهم قد بدا من الجنوب . وقد تحدث في هذا الصدد الأستاذ « ادموند بورك » في مقال له عن العلماء المغاربة في 1860 ـ 1912 فقال : « وقد اعتمد السلطان مولاي عبد العزيز على بعض العلماء ممن ساندوا موقفه لإدخال إصلاح شامل على النظام الإداري بأمثال المفضل السوسي وهو فقيه من مراكش ومحمد العراقي قاضي فاس الجديدة واستعان خلفه مولاي عبد الحفيظ بشخصية دينية مرموقة هي العالم الفقيه أبي شعيب الدكالي حيث عمل مستشارا للسلطان في الشؤون الدينية ثم عينه أستاذ بالقرويين علاوة على انه كان عضوا في مجلس الملك ، وكان لهذا العالم الفقيه تأثير واضح في  الحملة التي أعلنها السلطان ضد الزوايا ، وقبل هؤلاء الملوك المخلصين من أقطاب العلم ورجال الفكر ، فقد كان أجدادهم يسيرون على نفس النهج ويقبلون على العلم ، ويشجعون العلماء يوافر العطايا وجزيل الصلات فازدهرت الحركة الفكرية في البلاد ، وقد عمت أركان الملة في نفوس الأمة وراجت سوق العلم وكانت النهضة العلمية وافرة. فهذا المولى الرشيد الذي قضى الخصم العنيد والعدو اللدود بالعلاج النافع الحاسم وحل النزاعات الإقليمية ورد على المغرب  وحدته وجمع كلمته وأهاب بشوارد الأنفس إلى سواء السبيل . اختط الخطة لرفع قواعد العلم ، وجمع شمل العلماء لتنويرالافكار وبث روح المعرفة بين طبقات الشعب ، ضاربا المثل بنفسه حتى كان رضي الله عنه يحضر مجالس العلماء ويغشى رحاب القرويين التي كانت إلى عهد قريب مبعث الحركات الإصلاحية والتطورات الاجتماعية التي يزخر بها المغرب عبر تاريخه ، ومنطلق الثورات السياسية التي تقف سدا في وجه الطغيان والظلم ، كما تضع حدا لتصرفات ولاة الجور في كل عصر . ولقد قال العلامة أبو علي الحسن بن مسعود اليوسي في رسالته لأبي النصر إسماعيل بعد أن ذكر من رفع منار العلم من الملوك ووقع الفتور فيه بعده ماصورته : « ثم جاء المولى الرشيد بن الشريف فأعلى مناره وأوضح نهاره ، وأكرم العلماء إكراما لم يعهد وأعطاهم ما لم يعد : ولا سيما بمدينة فاس ، ففضح من قبله واتعب من بعده ولو طالت مدته فجاءته علماء كل بلده » وقد وجه المولى إسماعيل الذي امتاز عهده بالبقاء و العدل عنايته إلى التربية والتوجيه وبسط رعايته على كل عمل من أعمال الفكر، والى كل فن من فنون الثقافة. فسلك سبيل أخيه في إحياء المعاهد وإعلان شان المدارس، حتى عم العلم وانتشرت الثقافة وخر الجهل الفاضح صريعا لليدين وللفم. وهذا محمد بن عبد الله الذي انفح مدى نظره ، واتسع أفق تفكيره ، فترك أثرا ضخما ، وتاريخا حافلا في ميدان الفكر والثقافة ، فقد كان إماما من أئمة الدين ، وعلما هاديا من أعلام المسليمن ، ترك تصانيف عديدة ، وكتبا شهيرة ، تشهد لعقليته العلمية الفريدة ، تقرا بالمشرق و المغرب . 
فهو الإمام الموهوب لهذه الأمة المغربية على رأس المائة، كما قال في حقه عبد السلام بن الخياط القادري رحمه الله ...
 واهتمام ملوكنا العلويين بتشكيل المجالس العلمية الرائعة كان أبرزها ما ينهضون به ، فلم تكن تصرفهم عن حلاوتها تبعات الملك ولا أ عباد السياسة  ولم يلههم عن عذوبتها زخرف الدنيا ، ولا بيع عن ذكر الله و أقام الصلاة و إيتاء الزكاة ، لأنهم يعرفون مسبقا أن التماسك الحضاري والاطراد التقدمي لا يتحقق إلا على أساس العرفان والعلم وليس أدل على ذلك من أن السلطان سيدي محمد بعبد الله استقدم إلى حضرته كبار العلماء وأسس مجالس علمية وخصص لها وقتا معينا لطرح القضايا العلمية.. وكان ذلك بعد صلاة الجمعة.. وكان من مجالسيه أمثال السيد محمد المير ، والسيد علي بن إدريس الفيلالي ، والسيد عبد الرحمن المنجرة ، والسيد محمد بن عبد الصادق ، والسيد عبد الرحمان بوخريص.
كما انه رحمه الله عمل على نقل علماء من أنحاء أخرى إلى مراكش وطلب منهم أن يقوموا بالتدريس في مساجدها ويحضروا مجالسه الحديثية ، ومن هؤلاء السيد أحمد بن عثمان المكناسي والسيد الطاهر بن عبد السلام السلوي والسيد عبد الله المنجرة الفاسي. تلك هي المجالس العلمية التي كانت المرحلة التمهيدية للمجالس العلمية التي أخذت تنمو باطراد متوالية في عهد دولتنا العلوية. وهكذا استوت النهضة الفكرية وازدهرت الحركة العلمية في عهد المولى محمد بن عبد الله باعتماد باعتماد القرءان والحديث وبتوجيه التعليم وتنظيمه وتحديد برامجه ومناهجه.
وقد نشر رضي الله عنه منشورا للتعليم اذاعه على عموم المواطنين ، وتوعد كل من خرج على أحكامه بالويل  والثبور ، وراقب التعليم مراقبة صارمة تمنع من التصرف المطلق في أبوابه. بل كان من داب ملوك هذه الدولة العلوية الباعثة للهمم والحافزة للعزائم والمراقبة لاحوال الأمة ، إن جلالة سيدي محمد بن عبد الله وصل في بعض أسفاره التفقدية إلى قبيلة احمر من منطقة أسفي وخرج ذات ليلة متنكرا لتفقد الأحوال فرأى جماعات من القراء يتلون القرءان ، ورأى فقيها مشرفا على تلك الجماعات و مريبا ومفسرا لبعض الآيات فسره ذلك كثيرا .... وفي الغد جاء القواد والأعيان لاستقباله وقدم له القراء ، وكان من بينهم ذلك الفقيه الذي رآه فأمر بتنحية القائد ، وعين ذلك الفقيه مكانه ، وقال للناس إن أهل القرءان والمعرفة أولى بالولاية من غيرهم .... ثم قرر أن يرسل أولاده .... ومن يرافقهم عادة من أبناء المحاسب واعيان الجيش والمخزن للإقامة هناك سنوات لحفظ القرءان وتجويده ودراسة العلوم . واستمر الأمر على ذلك إلى زمن مولاي سليمان ومولاي عبد الرحمن وسيدي محمد بن عبد الرحمن، وفي هذه القبيلة درس كل من السلطان مولاي الحسن الأول ومولاي عبد العزيز ومولاي عبد الحفيظ. وكان للمولى سليمان ولوع لزيارة القرويين وتفقد علمائها وحضور مجالسهم والإيعاز لهم بالتصنيف والتأليف في مختلف العلوم والفنون ، وضروب المعرفة والثقافة والفكر .وقد اهتم المولى عبد الرحمن بشان العلم اهتماما زائدا ورعاية مجالسه فألزم جميع قواد ايالته بإنشاء مراكز للعلم لتعليم الناس أمور دينهم كما ربط ابنه المولى محمد بن عبد الرحمن أوثق الصلات بين الشرق والغرب ، فأوفد بعثته المشهورة إلى مصر لتعليم فن الطباعة وعلوم الطب والفلك .....
وكان له باع طويل، وقدم راسخ في العلوم العقلية كالحساب والتوقيت والتنجيم والموسيقى حيث درس تلك العلوم والنقد والتحرير، وختم كتاب اقليدس.
وهذا ما يدعو إلى الاعتزاز والفخر ويبقى محكما في جبين الدهر ، أن دولة ملوكنا العلويين غنية بملوك كان دابهم رفع منالا العلم ، وإعلاء قواعده وتقويمه فكانوا غرة المجد وعنوان النجابة والشهامة .  وعود على بدء، فان إنشاء المجالس العلمية الإقليمية والمجلس العلمي الأعلى برئاسة سيد البلاد الذي قيضه الله لهذه الأمة ، وفهم دينه ووعاه ، واشترى آخرته بدنياه ، وتمسك بالدين وأقام دولة على أساس من الإسلام متين وقرب أهل العلم والفضل ولجأ إلى الله كلما دهمته الخطوب وضاقت عليه المسالك ، وتناوشته الشدائد فيجد الفرج والنجاة لأنها إن سدت أبواب الأرض أحيانا ، فان أبواب السماء لا تسد أبدا في وجه عباده المخلصين  لما ادخره الله لهذه الأمة في ظرفها الدقيق ، ومصيرها المحتوم ، وإنها لسلسلة ذهبية موصولة الحلقات من ماثر هذه الدولة العلوية الشريفة التي ما فتئت تتفقد روح هذا الشعب بالسهر والسقيا ، وتتعهده بالرى والحيا ... وان كانت هذه المجالس العلمية في حجمها وبنيتها واتساعها، وبعدها تخالف ما داب عليه الأولون من الملوك ، فإنما ذلك استجابة لمستلزمات التطور ، ومقتضيات روح العصر الذي ازدهرت فيه المعارف والعلوم . لقد فيض الله في هذا العصر الزاهر عصر التكتلات والتجمعات أن يجمع على يد مولانا العالم شتات العلماء ، وهو حفظه الله اعلم عضو بارز فيهم ، يوحد رأيهم ويجمع على الحق كلمتهم وينسق جهودهم  ويسمع رأيهم حتى يفرضوا كلمة الله ، ويعيدوا للدين الإسلامي في قلوب هذه الأمة المؤمنة صفاءه وبهاءه ونوره وضياءه مسترشدين بكتاب فيه هدى ونور ، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام . واجتماع علماء الأمة على كلمة سواء إنما هو تكريم لهم وتأكيد لوجودهم، وتقوية لحضورهم، وعنوان على أنهم قوامون على رسالة الحق والدين ووحي السماء وما عليهم إلا البلاغ ... وبعد فلم يبق بعد اليوم عذر ولامجال لتخلف العلماء عن تأدية رسالتهم باعتبارهم مصدر الرضا وميزان الاستقرار وكهف المهضوم وملاذ المظلوم  وملجأ المكروب المغبون ، وعامل التوازن بين الحاكم والمحكوم . فعلينا أن نعمل تحت راية مولانا الإسلامية لتعود إلى هذه الأمة المخلصة المسلمة الحياة كما كانت ضاحكة مستبشرة ولنرى نور الإسلام يضيء هذه الربوع الأمينة بعد أن يضيء قلوبنا وبصائرنا .. وحين ذاك نرى العالم كله يخر أمامنا صاغرا كما خر أمام أجدادنا النبلاء بفضل تقواهم وإخلاصهم وإدراكهم لرسالتهم ولمعنى الحياة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here