islamaumaroc

بمناسبة تأسيس المجالس العلمية " هيئات العلماء بالمغرب "

  دعوة الحق

216 العدد

في صدر الإسلام :
الملاحظ أن المجتمع البشري لا يد له من خلايا عضوية يقوم كل منها بدوره المادي أو المعنوي فيما تقتضيه ضرورات المجتمع وتستدعيه تطوراته البنيوية أو الخلقية حتى يبقى سالما معافى وينمو باستمرار مستمدا أسباب نموه وازدهاره مما تمده به أعضاؤه الخلاقة وخلايا الحية النشيطة . والملاحظ كذلك أن غياب خلية من خلايا المجتمع يسبب له الضمور ويصيبه بالهزال ويدفع به حاليا أو آتيا إلى قدره المحتوم. من هنا جاءت فكرة تطعيم الكيان البشري بكل مستلزماته الوقائية وتحصينه بهيآت دفاعية تقية شر التفسخ و الانحلال وتضمن له البقاء والاستمرار . فهناك هيآت للأطباء وهيآت للمجالس وأخريات للمقاومة ولحماية التراب الوطني ولمكافحة الأوبئة والوقاية المدنية ... إلى غير ذلك من وسائل مقاومة الأخطار المحدقة . فلا بد إذن من هيآت العلماء المعروفين بالذب عن المحارم والقيام على حراسة القيم ومقدسات الأمة , والداعين إلى سلوك الجادة والمحذرين من أسباب الانحراف والزيغ عن الطريق المستقيم ... بالإضافة إلى ماهو موكول إليهم أصلا من تحمل علوم الشريعة وأعباء الرسالة وتبليغها ونشرها بين الناس سواء بالتلقين و التعليم أو عن طريق الوعظ والإرشاد أو بواسطة ما يطلب منهم إفتاء ومشورة ... فهذه الهيئة ـ هيئة العلماء ـ ربما جاءت في مقدمة عن سائر الهيئات اللازمة للمجتمع ، باعتبارها هيئة قيادة تنير السبيل لبقية الهيئات وتبصرها طريق الشريعة الغراء وتدلها على المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك .  لذلك كانت هيئة علماء الإسلام من مستلزمات المجتمعات الإسلامية بل ومن ضروراتها الحتمية ... فلا بد من إيجادها وإفساح المجال لها وإمدادها بما يلزمها ماديا وأدبيا كي تؤدي رسالتها الإلهية وتقوم بواجبها الملقى على عاتقها من لدن رب العالمين وسيد المرسلين . ومن نافلة القول التذكير هنا بأن هذه الهيئة العلمية كانت قائمة الذات متميزة وبارزة من عهد الرسول الأكرم صلوات الله و سلامه عليه ، إذ كانت هناك جماعة من كبار الصحابة لا يغيبون عن مجلسه صلى الله عليه وسلم يتلقون الوحي و يتولون عنه تعليم المستجدين وإرشاد الأبعدين والأقربين إلى أحكام الله وإقراءهم آياته المنزلة ويرجعون فيما أشكل عليهم إلى رسول الله ليبين لهم ..وهو صلى الله عليه وسلم يستشيرهم فيما لم ينزل عليه لقوله تعالى : « و شاورهم في الأمر ....» وخاصة في بعض المواقف كقضية أسرى بدر... وقضية الحديبية وقضية الافك وبالضرورة فان هذه الهيئة الاستشارية عرفت أهميتها وتولت مسؤولياتها أيام الخلفاء الراشدين حيث لا وحي يلجئون إليه فيما ينزل بم من معضلات ومشاكل ... لذلك كانت هناك طائفة معينة من الصحابة يسمون القرءان يحفظون ككتاب الله ويروون سنة رسول الله (ص) ولهم دراية ودرية على حل المشاكل واستعداد فطري وفكري على التأويل والاستنباط ، كان من أبرزهم العبادلة الثلاثة عبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن مسعود وكذلك أبو الدرداء وأبو موسى الأشعري وزيد بن ثابت وطلحة والزبير وعائشة أم المومنين و سعد أبي وقاص . فهؤلاء وإضرابهم هم الذين كانوا إذ ذاك يمثلون الهيئة العلمية الاستشارية بجانب الخلفاء الراشدين .. فقد استشارهم أبو بكر و عمر في غير ما مسألة كقضية خلافة رسول الله وقضية أهل الردة الممتنعين من دفع الزكاة ، وقضية جمع القرءان من الصدور والسطور خوفا أن يضيع بموت القراء ...وقضية الاقتصار على مصحف واحد وإحراق ما عداه أيام عثمان بن عفان ، وقضية الخلافة من جديد أيام علي بن أبي طالب ... ولما تفرق فقهاء الصحابة والتابعين في عدة أمصار كالكوفة والبصرة ودمشق أيام الأمويين بالإضافة إلى من تبقى منهم بالمدينة ومكة تباعدت المسافات وتشبعت الأفكار و الآراء باختلاف البيآت وتباين المقتضيات ... فكان كل مصر يستمد ما يحتاج إليه من علم وأحكام ممن نزل به من كبار الصحابة ، فكان أهل مكة يعتمدون في الغالب على أقوال عبد الله بن عباس ، وأهل المدينة على أراء عبد الله بن عمر ، وأهل الكوفة على عبد الله بن مسعود ... وهكذا. ومن ثم نشأ في كل إقليم جماعة من علماء التابعين تنفرد أو تتفق على رأي ، فكان من فقهاء مكة عطاء و طاووس وابن دينار وعكرمة .. وبالمدينة الفقهاء السبعة المعرفون بالتشبث والصيت البعيد وهم سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم محمد وعبيد الله بن عتبة وخارجة بن زيد وسليمان محمد وعبيد الله بن عتبة وخارجة بن زيد وسليمان ابن دينار وأبو بكر بن عبد الرحمن وقيل سالم بن عبد الله بن عمر... وبعد التابعين ظهر أئمة مشاهير وكان من أشهرهم بالمدينة ابن شهاب وربيعة ومالك ... وبمكة ابن جريح وسفيان والشافعي ، وبالبصرة قتادة وإياس، وبالكوفة النخعي والشيعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة .... وبالشام الاوزاعي ، وبمصر الليث بن سعد .. ثم ظهر ابن حنبل ببغداد ...وآخرين . فهؤلاء العلماء وأمثالهم في كل قطر إسلامي هم الذين وضعوا اللبنات الأولى في صرح البنيان الشامخ واراسخ لمعاني الرسالة العلمية التي أرادها السلف خير أداء و تحملها من كل خلف عدوله وعلماؤه الأوفياء ... ونحن نطوي المراحل اختصار واكتفاء بالمعلوم بالضرورة من أن علماء الإسلام في كل زمان ومكان حافظوا على الرسالة المحمدية وحملوها إلى كل صقع ونشروها بين مختلف الطبقات شرقا وغربا .. وإنهم مازالوا يسهرون على سلامتها ويقومون دون كلل أو ملل بكل ما يضمن لها البقاء وواسع الانتشار ودوام الاستمرار... وتقتصر بالمناسبة على استعراض ما يخص هيئات العلماء بقطرنا المغربي العزيز في مختلف المراحل وتعاقب الدول المغربية.

في العهد الإدريسي :
من المعلوم أن الاسم تمكن في هذه الديار المغربية بفضل الفتوحات الإسلامية وبفضل تتابع هجرات جموع العرب المسلمين وحلولهم بربوعه مع طوائف متتابعة من القراء والدعاة الذين نشروا فيه ألوية العدل والأمن وغرسوا فيه بذور العروبة والإسلام التي زكت ونمت واتت أكلها بانتظام أهله والتفافهم حول آل البيت الوافدين ومبايعتهم لإدريس الأول والثاني ومن تعاقب بعدهما على خدمة الإسلام ونشره وترسيخه في أطراف المغرب الكبير والأقطار المجاورة ... فكان من أثر تأسيس العاصمة العلمية فاس العامرة وتشييد جامع القرويين الذي أصبح جامعة ذات الإشعاع الفكري والنور الإلهي والأثر الروحي في هذه الديار التي استقبلت وأنجبت أفواج العلماء المتعاقبين والمكونين فيها أول هيئة علمية عرفت في هذه الديار ... نذكر منها :
ـ أبو جيدة احمد شيخ علماء وقته.
ـ أبو محمد الاصيلي رواية البخاري الشهير .
ـ أبو هرون البصري نسبة إلى مدينة البصرة المغربية .
ـ احمد بن الفتح المليلي .
ـ دراس بن إسماعيل الذي ادخل المدونة إلى المغرب .
ـ عيسى بن سعادة الفاسي .
ـ احمد بن العجوز السبتي وأحفاده .
ـ ابن سمحون الطنجي .
ـ احمد بن قاسم السبتي .
ـ عثمان بن مالك أول مغربي كتب تعليقا على المدونة.
ـ علي بن هرون الطنجي .
ـ ابن يربوع السبتي .
ـ جبر الله بن القاسم الفاسي .
ـ أبو عمران الفاسي .
ـ وجاج بن زلو اللمطي تلميذ أبي عمران الفاسي.
ـ عبد الله بن ياسين تلميذ وجاج المذكور
وآخرون يطول ذكرهم و ينبغي أن يذكر معهم أولئك العلماء الوافدون على الأدارسة من المشرق وبلاد الأندلس وإفريقيا و لا سيما علماء الربض النازحين من قرطبة إلى فاس وعلماء القيروان الذين اغنوا أقطار المغرب رواية ودراية وكان تأسيس القرويين من حسناتهم بهمة الأختين الفهريتين أم البنين وأختها فاطمة مؤسسة جامع الأندلس .. ونذكر معهم ذلك العالم الجليل الذي كان ينبغي أن نذكره في مقدمتهم وهو عامر بن محمد القيسي الموصوف بكونه من تلامذة مالك والمعدود من أعوان المولى إدريس الاداريين حيث اسند إليه  منصب القضاء وهو منصب هام إذ ذاك يدخل تحته مهام جسام ... وقد عده بعضهم أول قاض بالمغرب عين من سلطة مغربية مستقلة عن الخارج .. هذه الهيئة العلمية الادريسية تستحق أن توصف كذلك بأنها الهيئة الأولى لعلماء المغرب الحائزة قصب السبق في مضمار التسابق في المكرمات ... وبالأخص أنهم أول من عمر جامع القرويين و تدرج به إلى أن صار جامعة إسلامية تشد إليه الرحال وتدرس بين جنباتها العلوم و الفنون بكيفية جامعية سبقت بها غيرها من الجامعات .. و لا شك أنها كانت هناك مجالس علمية تطرح فيها المسائل وتعرض المشاكل فيتصدى العلماء لمناقشتها و الجواب عنها .. مثل ما ذكره غير واحد من أن عامل المنصور بن أبي عامر لما تغلب على فاس سأل علماءها : هل أرضكم فتحت عنوة أم صلحا قصد قرض الخراج عليها .. فتوقفوا إلى أن حضر الشيخ أبو جيدة فقال : لم تفتح بصلح ولا بعثوة وإنما اسلم عليها أهلها فبقيت لهم .. فاقتنع العامل وقال : خلصكم الفقيه ... وهذا يذكرنا بما أجاب به علماء فاس في العصر الحاضر سلطات الحماية الفرنسية لما عزمت على انتزاع ملكية ماء فاس من أهلها .

في العصر المرابطي :
من المعلوم كذلك أن مقاليد الحكم ووظائف الدولة في عهد المرابطين كانت بيد الفقهاء ، وعلماء الشريعة الغراء ، إذ أن الدولة قامت على أحياء الشريعة وتطبيقها في الشاذة و الفاذة بحيث لم يكن أمراؤها يبرمون أمرا أو يصدرون حكما إلا بمحضر الفقهاء وإتباع ما يشيرون به .. والقاضي لا يحكم إلا بمحضر أربعة فقهاء ومشاورتهم و لا يشد احد عن هذه القاعدة ولو كان في أصقاع ممتلكتهم الواسعة ... مما صح القول بأن هذا العصر هو عصر الفقهاء الذهبي .. وبالأحرى تكون مملكة المرابطين تعج بالفقهاء الواقفين عند حدود الله الملتزمين مذهب الإمام مالك وعقيدة أهل سنة ، لا يحيدون عنها قيد أنملة .. وهذه نخبة من إعلامهم على سبيل المثال :
عبد الله بن ياسين الجزولي السوسي إمام المرابطين أعدنا ذكره لأنه هنا بمنزلة الصدر.     
و هناك بمنزلة العجز أو بمنزلة العائد بين الصلة والموصول.
ـ عبد الملك المصمودي قاضي الجماعة بمراكش
ـ إبراهيم بن جعفر اللواتي الفقيه المشاور.
ـ عبد الله بن سعيد الوجدي.
ـ عبد الله بن محمد النكوري.
ـ منصور بن مسلم الزرهوني .
ـ عبد الله بن خلوف السبتي المعروف بابن سبوبة .
ـ عبد المنعم بن علوش الطنجي .
ـ يكار بن برهون بن الغرديس الفاسي.
ـ إبراهيم السلمي المعروف بابن فرتون .
ـ أبو الحسن بن زنباع.
ـ عيسى بن الملجوم.
ـ علي بن حرزهم ( حرازم)
ـ مروان بن سمحون الطنجي .
ـ علماء سبتة الثلاثة الذين تمنى ابن عباد أن لو كانوا في بلاطه : أن غازي الخطيب وابن عطاء الكاتب وابن مرانه الفرضي .
ـ القاضي عياض فخر علماء المغرب .
ـ محمد بن تومرت السوسي الداهية .
فهذا بعض من كل .. فجريدة هيئة علماء المرابطين طويلة جدا .. ويكفي من القلادة ما أحاط بالجيد .. وأما الواردون والصادرون من علماء الأندلس وإفريقيا والمشرق فحدث عنهم و لا حرج .. حتى قالوا إن الإمام الغزالي كان في طريقه إلى مراكش لولا أن أخبارا بلغته عن موقف فقهاء المرابطين من كتابه الأحياء فرجع إدراجه.. وبالجملة فان عهد المرابطين على قصره عرف ازدهارا فقهيا قليل النظير ، اقبل فيه العلماء على الدراسات المذهبية بمقتضى المنهاج الفقهي المسطور والمتتبع عند علماء المذهب المالكي بإفريقيا و الأندلس وخاصة بعد ما أحدثوا جامع ابن يوسف بمراكش كمركز منافس للقرويين .. فكانت المجالس العلمية متصلة ومنظمة في كل من القرويين وجامع ابن يوسف و غيرهما من الجوامع الكائنة بسبتة و غيرها .. ومما يدل على ذلك ما قصه أبو مدين الغوث العارف بالله من انه قصد فاسا للأخذ عن علمائها فكان يدخل القرويين ويجدها مكتظة بمجالس العلم ويذكر إنها تنيف على المائة فيمر عليها مجلسا مجلسا ولا يستقر بقلبه منها شيء إلى أن جلس في مجلس ابن حرزهم الأنف الذكر فإذا بقلبه ينفتح ويستقر به كل ما يسمعه منه ، ولما ذكر ذلك للشيخ قال أن الكلام إذا خرج من القلب استقر في القلب وإذا خرج من اللسان لم يتجاوز الأذان ...
ويدل أيضا على ازدهار المجالس العلمية في ذلك الحين ما ذكروه من انعقاد مجلس علمي عال في جامع ابن يوسف بمراكش العاصمة برياسة أمير المسلمين بن يوسف حضره جم غفير من علماء العدوتين وكان من جملتهم العالم الأندلسي وهيب بن مالك الموصوف بكونه عالم المنقول والمعقول وكان الغرض من هذا الجمع هو محاكمة محمد بن تومرت و النظر في التهم الموجهة أليه الراجعة إلى استشارته العامة و الخاصة ضد الدولة تشهيرا بها .. وتاليها عليها وطالت المناقشة بين الجانبين كان ابن تومرت خلالها يفيض بالحجج ويطنب مدعما موقفه بكلام علمي عال غير مالوف ... ولم يتصد له إلا وهيب المذكور لما كان يعرفه ويتقنه من أساليب الجدل والمناظرة .. تلك المناظرة التي لم يدون منها إلا فقرات دالة رغم قصرها واختزالها على مبلغ القوم وهيئة العلماء في ضروب المعرفة ودروب الجدل و النقاش ..

في العهد الموحدي:
إن هذا العهد يمتاز بين بقية العهود بكونه يكتسي صبغة انقلاب الأوضاع القائمة وطغت فيه ثورة عارمة على العقيدة السلفية السائدة وعلى تقليد الفقهاء لمذهب مالك واقتصارهم على كتب الفروع المدونة دون الرجوع في الأحكام والفتوى إلى الأصلين الكتاب والسنة .. وعوضا عن ذلك قامت الدولة الموحدية على أساس العقيدة الاشعرية القائمة على تأويل لبعض الصفات الإلهية خوفا من التجسيم وتحقيقا للتوحيد ، من هنا سموا أنفسهم موحدين وسموا خصومهم المرابطين مجسمين .. ويبدو أن الذي دعاهم إلى ركوب هذا المتن الصعب هو حمل الناس على الاعتقاد و التسليم بالمهدوية و العصمة اللتين ادعاهما إمامهم ابن تومرت لنفسه ، وهما لا يصحان له إلا بالتأويل وهو الذي أقامت عليه الشيعة معظم عقائدها ، لذلك رمي هو الآخر بالتشيع من هذه الوجهة لا غير .. كما أن الموحدين دعوا إلى إلغاء كتب فروع المذهب المالكي والرجوع إلى الاجتهاد والأخذ بنصوص الكتاب والسنة والوقوف على ظاهرهما تيسيرا للناس وبعدا عن الخلافات المذهبية والأقوال المتضاربة .. لذلك رموهم بأنهم ينزعون إلى الأخذ بالمذهب الظاهري المروي عن دواد الظاهري والمبسوط في كتب ابن حزم .. ولكن الباحثين لم يجدوا نصا صريحا يقضي بعزم الموحدين على استبدال المذهب الظاهري بالمذهب المالكي عمليا ورسميا ... وإنما غاية ما يرمون إليه هو القضاء على الفروع الفقهية وحمل الفقهاء والحكام على الاجتهاد واعتماد الكتاب و السنة .. لذلك بالغوا في هذا الصد ووصل بهم إلى جمع الكتب الفقهية وإحراقها بالنار في الساحات العمومية ولكن سرعان ما عادت إليها الحياة وعادت إلى النشور من جديد ..
وهذه قائمة ببعض علماء هذه الفترة :
ـ محمد بن تومرت إمام الموحدين نعيد ذكره كما أعدنا سلفه عبد الله بن ياسين .
ـ أبو محمد صالح الفقيه الفاسي المضروب به المثل في العدالة .. وكذلك معاصره وسميه أبو محمد صالح الاسفي المشهور بصلاحه وجليل أعماله .
ـ أبو القاسم علي بن يحيى الجزيري واصله من الريف نزل الجزيرة الخضراء قاضيا فنسب إليها ..
ـ عبد الجليل القصري من أهل القصر الكبير.
ـ أبو الحجاج يوسف المزدغي.
ـ محمد بن قاسم التميمي من أهل فاس .
ـ ابن القطان من أهل مراكش .
ـ عثمان السلالجي الفاسي صاحب البرهانية في العقائد ألفها لامرأة صالحة تدعى خيرونة .
ـ محمد بن عبد الكريم المعروف بابن الكتاني.
ـ أبو العباس السبتي الصوفي المشهور بين سبعة الرجال بمراكش .
ـ عبد السلام بن مشيش القطب الرباني صاحب جبل العلم .
ـ أبو موسى الجزولي المراكشي صاحب المقدمة الفريدة في نوعها في علم النحو .
ـ وكذلك تلميذه وبلديه يحيى بن معطي الجزولي صاحب الألفية التي نظم ابن مالك على غرارها ألفيته المشهورة .
ـ وكذلك الإخوان عثمان وأبو إسحاق ابنا دحية السبتيان.
ـ عبد الواحد المراكشي صاحب كتاب المعجب.
ـ أحمد بن يوسف المعروف بابن فرتون .
ـ محمد الإدريسي السبتي الجغرافي الشهير.
ـ عبد الله بن الياسمين الفاسي الرياضي الكبير.
ـ الحسن بن علي المراكشي الرياضي كذلك .
نكتفي بهذا القدر من العلماء المغاربة في عهد الموحدين ، إذ لو استرسلنا في تتبعهم لطال بنا الكلام ، ولا حاجة بنا إلى تعداد العلماء الوافدين على البلاط الموحدي بمراكش الذين أشار إليهم صاحب المعجب وذكر منهم ابن زهر وابن رشد وابن طفيل وابن الجد وغيرهم من الفطاحل الذين كانوا زينة العصر وآية في المشاركة والتبريز في سائر العرفان وكان منهم ابن العربي المعا فري وابن عربي الحاتمي .. مما كان بهم بلاط مراكش ينافس أو يفوق بلاط بني العباس أيام ازدهارهم وتفوقهم .. وهنا نأتي بوصف للمجالس العلمية التي كان يعقدها خلفاء الموحدين وكانوا يسمونها المجامع ..طبق ما ذكره صاحب المعجب من أنهم كانوا يعقدونها في أوقات معلومة وبنظام مخصوص تعرض فيها المسائل الهامة وتود أمهات الكتب وتقرأ المراسم وتسمع الدعوات على نحو معروف لا متخلف .. وذلك أنهم كانوا يعقدونها مع كبار العلماء من مغاربة وواردين .. وان لكل فن مجلسا .. تحت رياسة الخليفة نفسه ، وكان الجلوس على ترتيب مخصوص ، يجلس الخليفة في الصدر وبجانبه قاضي الجماعة فرئيس الأطباء فاكبر العلماء فباقي الحاضرين .. مع وقار وأدب جم.. يفتتح المجلس بإلقاء مسألة علمية يلقيها الخليفة بنفســــه أو بإذنه ... ثم ينتهي المجلس بدعاء من الخليفة بدعاء من الخليفة يؤمن عليه الوزير بأعلى صوته ليسمع من بعيد .. ومن العلماء المغاربة الذين كانوا يحضرون مجلس الخليفة احمد بن عبد الرحمن الازهاري المعروف بابن الصقر محافظ خزانة الكتب الموحدية ويحضر من الواردين محمد بن طفيل ومحمد ابن الجد الفهري ومحمد بن رشد ومحمد بن زهر ومحمد بن احمد بن عبد المالك اللخمي الباجي وهو الذي كان يتولى الإملاء على الطلبة في مجلس الخلفاء .. ومن المغاربة محمد بن احمد العجلاني الفاسي الذي كان يقرأ كتب الحديث على الأمراء في مجلس الخلفاء.. ومن جهة أخرى كان لأمراء آخرين مجالس علمية خاصة مثل المجلس الذي يعقده يحيى بن يوسف بن عبد المومن بمراكش .. وذكر عبد الواحد المراكشي انه كان من جملة من يحضره . ومثله مجلس صاحب سبتة الأمير أبي يحيي بن أبي زكرياء .. وكان من جملة ما دار في هذا المجلس مناظرة بين العالمين أبي الوليد الشقندي الأندلسي وأبي يحيى بن المعلم الطنجي حول المفاضلة بين العدوتين المغرب والأندلس مما دعا إلى أن يكتب كل واحد منهما رسالة في الموضوع ضمنها وجهة نظره مع ما يقتضيه المقام من مناقشة أدبية وانتقادات لاذعة ... وقد أورد صاحب نفح الطيب نص الرسالتين ... وغير ذلك من المجالس العلمية الهامة التي يمتاز بها هذا العصر .. ومن ذلك ما ذكره من أن الخليفة عقد مجلسا علميا ليحاكم عالما منهما بانت يقدح في ابن حزم المعتمد عند الموحدين .. ولكن تبين من المحاكمة أن للعالم أن يقول ما شاء ..

في عهد المرينين :
عرف المرينيون عامة بشغفهم بالعلم وأهله يؤسسون المراكز العلمية ويؤسسون المدراس لإيواء العلماء والطلبة و يوقفون لهذه الغاية الأملاك العريضة وخزائن الكتب العامرة ... ويكرمون العلماء ويخصونهم بالهبات والمبرات ويختصون بهم في الحضر و السفر ويعقدون لهم الجلسات المتوالية ... ويستصحبونهم أينما حلوا وارتحلوا .. حتى أن جمهورا من العلماء ذهبوا ضحية صحبة أبي الحسن المريني حين صاحبوه في وجهته إلى الديار التونسية .. فقد قيل أن عدد العلماء الذين كانوا معه يتجاوز 400 عالم من مختلف الأقطار.. فغرقوا مع أدواتهم بغرق أسطوله عند أوبنه من تلك الديار ولم ينج هو نفسه إلا بأعجوبة حيث تعلق بلوح ألقى به إلى البابة .. فكانت خسارة كبرى أدت إلى انتكاس البلاد علما وكفاءات .. إلا أن أبا عنان ابن الحسن استطاع أن يراب الصدع ويعوض ما ضاع وهو المعروف بشدة حدبه على العلماء وولعه بتقريبهم وحثهم على الإنتاج والإبداع .. فكانت هناك جمهرة من العلماء المبرزين تعاقبوا على الأمد الطويل لبني مرين نستطيع أن نختار منهم هؤلاء كهيئة علمية مرينية تعطي صورة عما كانوا عليه من عظمة و تفنن.
ـ أبو القاسم عبد العزيز العبدوسي أحد أفراد البيت العبدوسي الذين ظلوا رجالا ونساء حاملين راية العلم زمنا طويلا ..
ـ أبو محمد عبد الله الورياخلي احد صدور العلم
ـ ابن رشيد السبت الرحالة الشهير.
ـ عبد المومن الحضرمي المحدث .
ـ محمد بن عبد الملك المراكشي المؤرخ.
ـ محمد العبدري الحاحي صاحب الرحلة والناقد اللاذع .
ـ ابن الحاج الفاسي الصوفي كذلك.
ـ ابن عباد الرندي المربي الصوفي.
ـ ابن البناء العددي المراكشي .
ـ احمد زروق الشيخ الصوفي الكبير .
ـ القاضي أبو الحسن الصغير.
ـ الفقيه قاضي جبل طارق.
ـ محمد بن آجروم صاحب الجرومية في مبادئ النحو.
ـ عبد الرحمن المكودي شارح ألفية ابن مالك.
ـ محمد بن هاني السبتي شارح التسهيل لابن مالك .
ـ المؤرخ محمد بن أبي زرع.
ـ محمد بن بطوطة الرحالة الشهير .
ونشير مع هؤلاء المكونين للهيئة العلمية إلى أولئك العلماء الكبار الوافدين على ملوك بني مرين أو المنحازين إليهم واستقروا في معيتهم وهم عدد كثير نخص منهم بالذكر عبد الرحمن بن خلدون ولسان الدين بن الخطيب ومحمد المقري وابن الاحمر وابن جزى وابن مرزوق التلمساني واحمد الونشريسي في الآخرين .. هذا وان من تتبع مسيرة ملوك بني مرين مع العلماء العاملين تيقن بان الدولة المرينية استطاعت أن تعيد للعلم والعلماء ما كان لهم من مجد في صدر الإسلام وعند كافة خلفاء بني أمية وبني العباس .. وذلك بأن فسحت لهم المجال وأطلقت لهم يد السطوة لكي يقوموا بواجبهم في تقويم المعوج والنهي عن المنكر .. يكفي دليلا على ذلك ما قام به علماء فاس ضد طغمة من اليهود طغوا وتجبروا واستبدوا بشؤون الدولة وعاثوا في المدينة فسادا يقتلون وينتهكون الحرمات والسلطة القائمة عاجزة عن كبح جماحهم ورد كيدهم من نحورهم، فما كان من علماء المدينة إلا أن هبوا وتسلحوا وفتكوا باليهود وقضوا فتنتهم بوسائلهم الخاصة .. و أما المجالس العلمية التي كانت تعقد في هذه الفترة بين يدي الخلفاء فهي كثيرة ومتنوعة يضيق المقام عن تتبعها.

في العهد السعدي:
حقيقة الأمر أن العهد السعدي كان بمثابة استمرار نسبي لما كانت عليه حالة العلماء في العهد المريني والوطاسي الأخير .. وقد رام السعديون إصلاح بعض الوهن الذي دخل على بعض الأوساط العلمية ، وخاصة تلك المحاولات والترميمات والإصلاحات التي كان المنصور الذهبي أبا عذرتها ومصدر فكرتها ، فانتعشت الآمال واستيقظت وتفتحت القرائح وظهرت مواهب وعم رجاء الانبعاث قاصي البلاد رغبة في الانطلاق والانعتاق من تلك التي أحاطت بالبلاد وكادت تلقي بها في مهاوي الضياع وسوء المصير الذي حل بالأندلس أولا ما أحرز عليه الإخوان عبد الملك المتوكل واحمد المنصور من انتصار باهر في وقعة وادي المخازن . وكان جم غفير من العلماء قد شاركوا في هذه المعركة وكانوا فيها للعدو بالصاعين فنالوا بذلك كلتا الحسنيين . وعندي أن علماء المغرب سواء منهم الفقهاء ورجال التصوف هم الذين أقاموا دولة الأشراف السعديين وكذلك دولة الأشراف العلويين بدافع الجهاد الخالص وباعث الحفاظ على بيضة الإسلام في هذه الديار. إلا أن العلماء كما كانوا خير سند لقيام الدولة السعدية فإنهم كادوا يخذلونها في أواخر أيامهم ، فقد قام كثير منهم يجاذبونها حبل الحكم بعد موت المنصور ، فأبو محلى من جانب والعياشي من جانب والدلائي جانب مما آذن بزوالها وآل إلى اضمحلالها . ثم هذه قائمة يمكن أن تكون مثالا للهيئة العلمية في ذلك العصر: 
ـ الشيخ احمد المنجور رئيس الهيئة العلمية غير مدافع .
ـ الاستاذ المقرئ محمد بن أبي جمعة الصماتي واضع وقف القرءان المتبع إلى الآن .
ـ المؤرخون الثلاثة : احمد بن القاضي ، وعبد العزيز الفشتالي ومحمد بن علي الفشتالي.
ـ الفلكي أبو سعيد المرغيشي السوسي .
ـ المهندس أبو القاسم الغول.
ـ والمؤرخ ابن عسكر صاحب الدوحة .
ـ المحدث محمد سقين السفياني القصري .
ـ الفقيه عبد الواحد بن عاشر الفاسي.
ـ الصوفي أبو المحاسن الفاسي.
ـ الفقيه محمد القصار الفاسي.
ـ الحافظ احمد بن يوسف الفاسي.
ـ الفقيه أبو عبد الله ميارة الفاسي.
ـ المقرئ عبد الله بن محمد الهبطي .
ـ الفقيه أبو القاسم بن علي بن خجو الحساني .
ـ الصوفي احمد الصومعي.     
و يمكن أن يذكر مع هؤلاء الشيخ احمد بابا السوداني الذي أزعجه المنصور من بلده تمبكتو وألزمه سكنى مراكش زمنا، وكذلك الشيخ احمد  المقري صاحب نفح الطيب باعتباره وافدا على المنصور وملازما له وأقام بفاس متصدرا قبل أن يرحل إلى الشرق . هذا وكان للمنصور مجالس علمية أطنب فيها وزيره عبد العزيز الفشتالي في كتابه « مناهل الصفا » ، و لاسيما المجلس الذي عقده لاستشارة العلماء فيما عزم عليه من غزو السودان فلقي من الحاضرين معارضة شديدة لم يأبه لها ومضى في تحقيق غزوه . كما كان له مجلس دائم مثابة مجلس الشورى كان يماثل به مجالس الدول المعاصرة. ويذكر بهذا الصدد استشارة المنصور لعلماء وقته في حكم العشبة (طابة) التي عمت بها البلوى إذ ذاك .. فأفتوه بحرمتها ومنع الاتجار بها وترويجها فادر بذلك حكما قضائيا أورده صاحب نوازل المعيار الجديد .

في عهد العلويين:
يذكر التاريخ أن المولى رشيد يعوب الدولة العلوية كان له مجلس علمي لا يخلو من رجال العلم وأهل الخير يشاورهم ويستمد منهم الرأي والنصح ، وفي المقابل يفيض عليهم من بره وتوالي أفضاله ، و لاتمنعه مخالفتهم إياه أن يبر بهم و يقربهم مثلما فعل مع علماء الزاوية الدلائية التي خربها وقوض أركانها وشرد أهلها إلا ما كان من علمائها فانه عاملهم بالحسنى وألزم بعضهم مجلسه كالأستاذ أبي عبد الله المرابط وألزم آخرين بان يقروا بفاس ويعمروا القرويين بالدرس والتحصيل كالشيخين اليوسي والمسناوي . وكانت نفس المعاملة من المولى إسماعيل الذي يخفض جناحه للعلماء ويقبل  منهم النصح وان أغلطوا له في القول كالذي كان يتلقاه من الحسن اليوسي عبر رسائله إليه . وهذا شيء ألفنا أن نقرأه في سيرة الملوك العلويين مع العلماء العاملين مثل ما تواتر عن سيدي محمد بن عبد الله والمولى سليمان والمولى الحسن الأول ووصولا إلى سيدي محمد الخامس رضي الله عنهم أجمعين. وهذه قائمة مختصرة بهيئة العلماء في عهد العلويين :
ـ الشيخ الطيب بن كيران المفر الكبير.
ـ  أبو العلاء إدريس بن محمد العراقي المحدث الحافظ.
ـ أبو علي بن رحال الفقيه المحقق.
ـ سيدي عبد القادر الفاسي كبير علماء وقته وولده سيدي عبد الرحمن الفاسي.
ـ أحمد الهلالي النوازلي الكبير.
ـ محمد الرهوني الفقيه الشهير.
ـ الفقيه بناني المحشي المعروف.
ـ المؤرخ محمد الصغير الافراني المراكشي.
ـ ومثله ابن الطيب القادري.
ـ وكذلك أبو القاسم الزياني واكنسوس .
ـ ومن العلماء المبرزين في علوم الحكمة العقلية ابن سليمان الروداني واحمد بن مبارك اللمطي وعبد الوهاب ادراق وعبد القادر بن شقرون وعبد الله بن عزوز المراكشي ومحمد بن الحسين الحايك.
ـ الإمام محمد بن ناصر الدرعي شيخ أهل العلم والعمل .
ـ أبو علي الحسن اليوسي نابغة زمانه .
ـ ورفيقه محمد بن احمد المسناوي .
ـ اللغوي محمد بن الطيب الشرقي الفاسي.
ـ الشيخ التاودي بن سودة المري الفاسي.
ـ العالم السلفي محمد بن المدني كنون.
ـ الصوفي سيدي احمد بن عجيبة.
ـ الشيخ الحضيكي السوسي صاحب الطبقات .
ـ أبو قاسم جسوس الفاسي الواقف في وجه المولى إسماعيل.
ـ إبراهيم التادلي الرباطي المفكر المبدع .
ـ سيدي المكي البطاوري الرباطي .
ـ سيدي علي بركة التطواني .
ـ الشيخ سيدي محمد الحراق.
ـ سيدي علي بن ريسون .
ـ سيدي احمد بن الخياط.
ـ سيدي المهدي الوزاني .
ـ سيدي محمد بن جعفر الكتاني .
ـ عبد الرحمن بن القرشي .
ـ سيدي احمد الزواقي التطواني.
ـ سيدي احمد الرهوني التطواني.
ـ الشيخ شعيب الدكالي.
ـ سيدي المدني بن الحسني الرباطي .
ـ المؤرخ احمد بن خالد الناصري.
ـ مولاي عبد الرحمن بن زيدان .
ـ سيدي عبد الله السنوسي .
ـ محمد بن العربي العلوي.
ـ الشيخ ماء العينين الصحراوي.
ـ محمد المختار السوسي .
ـ علال الفاسي الفهري .
إلى آخر القائمة الطويلة الغنية بالشخصيات العلمية البارزة في العصر العلوي المتميز بالتنوع والتعدد . وتمتاز الهيئة العلمية في هذا العصر وخاصة في الأخريات بأنها كانت حية تحوب مع الأحداث و تتخذ المبادرات وتقيم وتعمد من تشاء متى تشاء، كما أنها تبدي رأيها الصريح دون مواربة في كل ما يجري ويحدث في شؤون الدين والدنيا ، والأمثلة عن ذلك كثيرة لما برزها وقوف الهيئة العلمية في وجه المولى إسماعيل في قضية العبيد وفي قضية تحرير بعض أسرى العرائش ، ووقوفها ضد الإصلاحات المزمع إدخالها على يد الدول الأجنبية أيام المولى الحسن الأول سدا للذريعة وعملا بقاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ... كما عارضت ما عمت به البلوى من خلع الحمايات الأجنبية على بعض الأشخاص ، وعارضت كذلك أوفاق مؤتمر الخزيرات أيام المولى عبد العزيز وكذلك عقد الحماية أيام المولى عبد الحفيظ. وأخيرا وقف العلماء وقفة رجل واحد لما أبعدت سلطات الحماية سيدي محمد الخامس عن عرشه إلى منفاه السحق مما جعل لكتلة العلماء مكانة مرموقة عند العامة و الخاصة واكسبهم عطف ورضا ملوكنا الأكرمين من عهد المولى رشيد إلى عهد مولانا الحسن الثاني أطال الله بقاءه الذي أعلى مقام العلماء وبواهم المكانة اللائقة بهم بين أجهزة الدولة وأسس لهم المجالس العلمية الجديدة بظهائر شريفة وبكيفية رسمية منيفة .. وتم تنصيبهم في مهماتهم خلال شهر رمضان الماضي 1401 ـ 1981 .

المجالس العلمية:
المعروف من تقاليد العلماء شرقا وغربا أن لكل جماعة منهم رياسة عملية أو شرفية يدعونها المشيخة يتولاها أعلاهم قدرا وأكبرهم سنا يخضعون لما يرسم لهم ويتحاكمون إليه فيما يعرض لهم من منازعات . وكان الولاة يحترمون هيئات العلماء ويقرون تشكيلاتها وفلما يتدخلون في تنظيماتهم وطرق تدريسهم إلا أن يكون هناك داع قوي ومصلحة عامة. وفي نفس الوقت لا يغفلون عن الانتباه لشؤونهم وتفقد أحوالهم.. فكانوا يتصلون بهم إذا اقتضى الأمر بواسطة القضاة المحليين إضافة إلى ناظر الأوقاف الموكول إليه أمر المساجد وأئمتها والعلماء العاملين بها. لذلك رأينا سيدي محمد بن عبد الله يحرر مكتوبا رسميا إلى قضاة المملكة بأمر فيه أن يتولوا مع علماء الجهات النظر في شؤون إصلاح التعليم بما يتلاءم مع مقتضيات الوقت راسما لهم خطة يسيرون عليها في هذا الصدد .. وذلك المكتوب الذي هو في صورة منشورة معروف ومتداول وهو يعتبر محاولة أولى لإدخال تحسينات على مناهج التعليم مع الرفع من شان العلماء وإعانتهم على تأدية مهماتهم الكبرى. ونرى في عهد مولاي يوسف محاولة أخرى وذلك أن مندوبا مخزينا توجه بأمر مولوي إلى جامعة القرويين قصد ترتيب العلماء وتأسيس مجلس علمي خاص بهم يقوم بوضع خطة تكفل تنظيم الدراسة بالجامعة وفق النظم العصرية . وقد اجتمعوا فعلا وأسسوا مجلسا علميا بطريقة الانتخاب يرأسه سيدي احمد بن الخياط مع عضوية سبعة أعضاء من العلماء المرتبين في المشروع على أربعة درجات كما وضعوا برنامجا لإصلاح التعليم بمراحله الثلاث ابتدائي .  ...... وثانوي وعالي .. إلا أن هذا الإصلاح حالت عوائق خفية عن تطبيقه إذ ذاك ولم يظهر فيه للوجود إلا المجلس العلمي المشار إليه حسب ما ذكره صاحب الفكر السامي .. ويظهر أن ذلك الإصلاح وجد طريقة إلى حيز التطبيق في أوائل عهد سيدي محمد الخامس إذ استطاعت الحركة الوطنية المنبعثة من نفس علماء جامعة القرويين وطلبتها أن يظفروا بالظهير المولوي الصادر سنة 1931 علميا أخر يتولى الإشراف على تطبيق ذلك الإصلاح ، الأمر الذي كان له صدى طيب في بقية المعاهد التابعة والمماثلة لجامعة القرويين .. إذ سرعان ما وجد طريقه أيضا إلى جامعة ابن يوسف بمراكش فتأسس مجلس علمي بها ونظمت الدراسة فيها على غرار القرويين وأما في منطقة الشمال فان السلطات المخزنية هناك حاولت في وقت مبكر خلال 1915 إصلاح التعليم الإسلامي المتمثل في مدرسة لوقاش بتطوان التابعة للجامع الكبير وذلك بتنظيم صفوفه وتعيين علمائه وترتيبهم في درجتين الأولى والثانية ، ثم انه في سنة 1916 تأسس المجمع العلمي الأدبي (المجلس العلمي) برياسة وزير العدل الحاج احمد الرهوني للسهر على التعليم الديني فكان من نتائجه إصدار ظهير خليفي سنة 1918 يقضي بتنظيم الدراسات الإسلامية .. وبموجبه عين الأساتذة احمد الزواقي ومحمد بن الابار ومحمد الموذن كعلماء من الدرجة الأولى ... ومحمد الزواقي ومحمد افيلال ومحمد المرير كفقهاء من الدرجة الثانية . والحسن افيلال والمهدي الموفق وعبد الرحمن اشقار كطلبة من الدرجة الثانية . ولكن هذا الإصلاح لم يستجيب لما يطلب منه .. إلى أن صدر ظهير 1927 يقض بفرض امتحانات وتفتيش .. ثم توالت التشريعات لتنظيم التعليم الديني بالمنطقة وكان من نتائجها أحداث معاهد وتعيين مشايخها داخل تطوان وخارجها ، وكان منهم الشيخ محمد بن عياد الخمسي المعين سنة 193 شيخا لمعهد شفشاون ، وفي سنة 1937 سجل اكبر تنظيم للتعليم الديني بالمنطقة مع إدخال إصلاحات وتنظيمات ومنها تعين مجلس أعلى للتعليم الإسلامي برياسة العلامة الحاج احمد الرهوني بمقتضى مرسوم 1938 كما أحدثت مناصب المديرين والأساتذة فكانوا في أول الأمر عشرة ثم بلغوا ستة وثمانين أستاذا سنة 1946 ، وأحدثت التعليم الديني ثلاث مراحل : الابتدائي والثانوي والعالي. هذا وقد فتح المعهد الديني العالي ودشن في محفل رسمي سنة 1944 وأسندت إدارته إلى الشيخ احمد الزواقي ثم إلى الأستاذ إبراهيم الالغي . وكان الطلبة يتخرجون منه تكفل بشهادات علمية عليا تكفل لهم الانخراط في سلك القضاة والأساتذة .. ومازال في الموضوع بقية تأتي في فرصة أخرى.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here