islamaumaroc

من فنون الخطب المنبرية

  دعوة الحق

216 العدد

** ألقى الأستاذ العلامة السيد محمد ابن عبد الصمد كنون الحسني خطبة منبرية بمسجد الناصرية بطنجة بمناسبة ذكرى ثورة الملك و الشعب . و الخطيب من البلغاء المتفوقين في فن القول إنشاء و إلقاء . وهو إلى ذلك شاعر مجيد و إن كان مقلا في إنتاجه. و تعتبر مجموعة الخطب التي ألقاها من أجود خطب الجمعة، و هي نموذج فريد. تجمث بين سمو المعنى و جلال الأسلوب وجمال الأداء .
وننشر فيما يلي الخطبة التي ألقاها العلامة محمد بن عبد الصمد كنون يوم الجمعة 13 شوال عام 1401 موافق 14 غشت سنة 1981.
الحمد لله الذي جعل ثورة الملك و الشعب ، قاصمة ظهر الاستعمار ، وسير صروحه تزلزل من أصلها ، و لسرع إلى الانهيار ، أحمده تعالى و أشكره ، و استعينه جل جلاله واستغفره ، وأشهد أن لا اله  إلا الله ، و أشهد أن سيدنا محمدا رسول الله ، اللهم صل وسلم عليه و على اله الأطهار ، و صحابته الهداة الأخيار ،
أما بعد ،
 أخي المسلم ، كان في غالب من سبق الأمم ، و من تلاحق و التأم ، يقوم قادتهم ، بأعمال عمرانية ، تدوم تذكر و تنشر ، و أفعال عرفانية ، تبقى تحمد وتشكر ، وتعترف لهم شعوبهم بذلك، و ما أبرموه هنالك ، ويبلغ الشاهد الغائب ما صدر عنهم ، و ما تقرر و ظهر منهم ، و لا يقف ذلك لدى حدود المستوطنين ، بل تنقله لسواهم أقلام المؤرخين ، ليكون الجميع على بصيرة من الواقع ، في المصالح و المنافع ، و تنويها بالعاملين منهم و تكريما ، و تقديسا لهم و تعظيما ، يصير يتعاقب من الأجيال ، لا يبخس أعمال أولئك الرجال ، فيحيون لهم الذكريات ، عندما تحيي الأوقات لها و المناسبات ، و هكذا صار المغاربة يقرون لرجالهم ، بصالح أعمالهم ، و بالأخص في ميادين الكفاح و النضال ، و معارك الجهاد و القتال ، تلك سنتهم القديمة ، و صفتهم الكريمة .
وكم من الذكريات ، تقام لملوك الإسلام ، و القياهل العظام و المناضلين عن حوزة الدين ، والواقفين في وجود المعمرين و ذلك ما دأب عليه جلالة المغفور له محمد الخامس ، الذي أحيا من المعالم الدينية الغابر منها و الدارس ، وفي مقدمة مادرج عليه ، و كان من أقدس الأعمال لديه ، تصلبه في عدم تنفيذ خطط المستعمرين ، والمتنطعين و المتجبرين ، بدون قوة محسوسة ، و سلطة ملموسة ، فما هاب قط مسدسات ، و لايوارج و لا مفرقعات ، و لا طائرات و لا غواصات ، و لا فيالق جند و لا دبابات ، بل كان معتصما بحبل الله المتين ، و عقيدة إيمانه واليقين ، تلك القوة التي كانت بفضل الله لا تقهر ، و لا تغلب و لا تدحر ، فقد عاهد الله ووفى أن لا يستكين ، و أن لا يلين في وجه المستعمر لا يستهين ، و قد اشتد الصراع بينه و بين خصومه، الذين رفض مطالبهم المعروضة عليه ، و حلولهم المقدمة إليه ، كان يوحي بها إليه ممثلوهم الذين لم يراعوا حرمة ملكه ، و سلطة سلطانه ، و لم تنل منه دمائهم السياسية أي منال ، بل صمد في وجوههم صمود الشجعان و الأبطال ، يتلو قول الله العلي  الجليل ،) حسبنا الله و نعم الوكيل (، و قوله تعالى و هو أصدق القائلين) رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه و إلا تصرف علي كيدهن أحب إليهن و أكن من الجاهلين (، و قد عم جمعهم القلق ، بل تفرق و تمزق ، واستولى عليهم اليأس و الضجر ، و انحل عقدهم و اندثر ، يوم جاهرهم في إحدى خطبه الرسمية ، بقول جده رسول الله أشرف البرية ، حين عرض عليه عمه أبو طالب ، و هو فيما عرضه عليه راغب ، مقالة القرشيين ، و غلاة المكيين ، فان يتخلى عن دعوته التي أنذرتهم بالوبال ، و سوء المثال ، و يقربون إليهم ، و يملكون عليهم ، فما الذي قال له صلى الله عليه وسلم ، و ما الذي وجه به الجواب إليه ، لقد قال ، و ما أعظمه من مقال ، و الله لو وضعوا الشمس في يميني ، و القمر في يساري ، ما تأخرت عن هذا الأمر الخ .
لما عظم عليهم ما سمعوه ، واستكبروه و استعظموه ، وضاقت الأرض بما رحبت عليهم ، وخابت كل حيلة لديهم ، مدت أيديهم إلى مقامهم السامي ، و شخصه المتسامي فطارت به الطائرة إلى المنفى السحيق ، حيث لا صديق له به و لا رفيق ، فألقى لقضاء الله و قدره و قدرة عنانه ، و فارق سكنه وأوطانه ، الأمر الذي سير الخصوم ، في دهشة و حيرة يتعجبون ، إذ ضرب عرض الحائط بما كانوا يطلبون ، هان عليه رضي الله عنه أن  يترك ملكه ، أن يترك ما ملكه ، هان عليه أن يترك وطنه ، هان عليه أن يترك سكنه : و مكروا و مكر الله ، و الله خير الماكرين .
لقد نقلت يومئذ أمواج الأثير أخبار هذه الشجاعة التي منحه الله إياها ، هذه التضحية التي حباها الله له و أعطاها ، في وقت كان من أصعب الأوقات ، في ساعة كانت من أحرج الساعات ، لقد كان ساعتاه بصدق من اللذين نوه الله بهم في كتابه المبين ، حيث قال و هو أصدق القائلين :(فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله و ما ضعفوا و ما استكانوا ، و الله يحب الصابرين).
وبصريح الحق ، و بكامل الصدق تعتز و تفتخر ، بتسمية يوم عشرين غشت بيوم ثورة الملك والشعب ، تلك التسمية التي غدا كل مغربي من صميم القلب يحب ، و ستدوم بهذا الاسم تعرف ، و إلى يوم عشرين غشت من كل سنة تصرف ، وفي أعقاب هذا اليوم ظهر الغداء ، فاندهش المعمر و استاء ، و اغتاظ و تألم وبدا كالأمم و الأبكم ، لايسمع و لا يتكلم ، يخطو خطواته جزعا .
وجلا، إذا رأى غير شيء ظنه رجلا، وأيقن أنه أشرف على النهاية، ولكل شيء حد وغاية، ومن يظلم وجور، عليه الدوائر تدور.
     مادام قط لذى ظلم تسيطره
               ولو تجلد بالأحداث ينخدل
إلى الدمار إلى الخراب مصرعه
                عليه يلزم بالتأكيد يرتحل
( لا يأمن الدهر ذو بغي ولو ملكا
                جنوده ضاق عنها السهل والجبل)
في هذه الثورة تلاحمت عزائم الشعب المغربي، القوي الابي ، وتناسقت له كل الجهود، في صدوره والورود، وسائد ابن يوسف الملك الهمام، الغضنفر المقدام، في مقاومة المستعمر الغاشم، المستبد الظالم، لينزع من يده الحق الذي اغتصبه، وبغير وازع شرعي اكتسبه. لقد كان جلالة محمد بن يوسف يرى في شعبه المخلص في مفترق طرفه، ضائعا في حقه ، فخاض قدس الله روحه المعارك ، غير عابئ بالمهالك ، أراد بهذه الروح الجهادية ، أن يحيي حياة العزة القعساء ، أو يموت موتة الشهداء ، ومن نتائج هذا الأقدام ، الصادر من الشعب المغربي المقدام، إقامة الخلايا الشبيهة بالرباط ، المتبتة الارتباط ، ينطلق منها الفدائيون لشن غازاتهم ، وتشديد ضرباتهم ، وافلاق المستعمر الذي عجز أن يعرف لهاته الخلايا موضعها ، ومقرعا وموقعها ، والى أين امتدت أطنابها ، وبأي الجهات ارتبطت أسبابها ، وفي شأن هؤلاء الذين كالمرابطين في الثغور، والقرى والدور، قال الرسول الأكرم ، صلى الله عليه وسلم ، رباط  شهر ، خير من صيام دهر ، ومن مات مرابطا في سبيل الله ، أمن من الفزع الأكبر ، وغدي عليه برزقه ، وربح من الجنة ، ويجزي عليه أجر المرابط ، حتى يبعثه الله عز وجل . كانت عاقبة صبر محمد الخامس الفتح المبين ، والنصر والتمكين ، فعاد من منفاه إلى مملكته عالي الرأس ، طيب النفس ، يلوح بأوراق الزيتون ، ويخيب كل الظنون، يحمل للاستقلال إعلامه ، وتشع أنوار الحرية خلفه وأمامه ، يتلو قول الله العلي القدير : ( الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور ) ، وبعودته عاد إلى الوطن استقراره ، وزالت عنه مخاوفه وأخطاره، وخعت صوت الاستعمار وصار مخنوقا ، وجاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا . ناهيكم به من ملك ظهر بنفسه في سبيل الوطن يجود، والجود بالنفس أعلا غابات الجود، ليرفع رأس وطنه عاليا، لينيله مقاما سامية، ليستغل خيرات بلاده ليجني ثمرات جهاده. فلتبق ذكرى يوم عشرين غشت حية الأجيال، وما دامت الأسحار والآصال.
فإليك يا رب الأرباب نضرع ، واليك نمد أكف الدعاء ونرفع ، أن ترسل شئابيب الرضوان ، وسحائب الرحمة والغفران ، على جدث محرر البلاد ، من قيود الاستبعاد ، الذي أحيا من معالم الذين الغابر منها والدارس ، جلالة المغفور له ، مولانا محمد الخامس ، وان ترفع مقامه في أعلا عليين ، مع المنعم عليهم من النبيئين والمرسلين ، وان تجازيه مجازات من جاهد لتكون كلمة الله هي العليا ، وكلمة الشرك هي الدنيا ، وان ترحم أرواح الشهداء ، وان تنعم عليهم بالتنعيم ، في دار النعيم والبقاء . كما نسأل الله العظيم ، ذا الفضل العميم ، أن يديم النصر والتمكين ، والظفر والفتح المبين ، لخلفه ووارث أسراره ، وشريكه في منفاه وأخطاره ، الرائد الملهم في السر والعلن ، اللذائذ عن حمى الدين والعلم والوطن ، المحفوظ بالسبع المثاني ، جلالة الحسن الثاني . لازلت يا فخر البلاد وعزها ، في كل ثانية تسود وتنصر ، اللهم  افتح له وعلى يديه ، اللهم وفقه لخير وأعنه عليه ، اللهم  أدم في كنفه محفوظا ، وبعين العناية ملحوظا ، فلذة كبده ، وولي عهده ، الأمير الاصعد ، سيدي محمد، وصنوه الموفق الرشيد ، الأمير سيدي رشيد ، وسائر الأسرة العلوية ، التي وفقتها إرادتك الأبدية ، لخدمة الإسلام ، والسير بهذا الوطن إلى الأمام ، والنزول به في أعلا مقام ، أمين أمين لا أرضى بواحدة ، حتى أضيف إليه ، ألاف أمين .

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here