islamaumaroc

ابن سيده المرسي: حياته-آثاره، تأليف: د. داريو كابانيلاس رودز

  دعوة الحق

216 العدد

كان للاندلسيين عبر الفترة الممتدة من الفتح الاسلامي لشبه الجزيرة الايبرية ( 82 هـ ـ711 م ) الى سقوط غرناطة ( 897 هـ ـ 1492 م) اسهامات وافرة متعددة ، تألقت بها شتى واجهات الأدب و الفن، وازدهرت بها مختلف مجالات العلم و المعرفة ، وقد لفتت هذه الظاهرة ، ظاهرة الاسهام الوافر ، المتعدد منذ القرن الماضي ، نظر المستشرفين بعامة و المستعمرين الاسبان بخاصة ، فكتب أولئك أبحاثا ودراسات في تاريخ اسبانية الاسلامية وفكرها و أدبها ، وأكب هؤلاء في شيء غير قليل من الحب و الشغف و الاكبار يرصدون مسيرة أدب وفكر استغرقت حوالي ثمانية قرون على أرض اسبانية ، وكان من نتيجة ذلك أن عمد بعضهم ( كوديرا وريبيرا) الى نشر كتب الطبقات أو معاجم الرجال الاندلسية، وانصرف البعض الآخر ( اسن بلانيوس ) الى رسم صورة للفكر الأندلسي في النشأة و التطور و النضج متمثلا في مدرسة ابن مسرة وابن عربي وابن حزم (1) وكان للادب و الشعر الأندلسيين نصيبهما الموفور من عناية المستعربين واهتمامهم تجلى فيما كتبه حولهما من دراسات ليست تخلو من جدة وطرافة كل من ( بالنثيا وغومث) وغيرهما . وكما انبتت أرض الأندلس مفكرين متميزين وشعراء أفذاذا، انبتت علماء كبارا عنوا بدراسة اللغة نحوا ومعجما ـ وقد انتهت الينا بعض آثارهم تدل على ماكانو يستشرفونه في دراساتهم من آفاق التجديد و الابتكار ـ من أمثال الزبيدي وابن القوطية وابن سيده وابن مضاء النحوي وأبي حيان الأندلسي وغير هؤلاء ، ومع ذلك فقد ظل الاسهام الأندلسي في القطاع اللغوي ـ نحوا ومعجما ـ في منطقة الظل ، لم يظفر بنشر علمي لنصوصه الباقية أو يبحث مستقل ينتظمه أو درس خاص يجلوه سواء من طرف الباحثين العرب ـ الذين نشطوا في العقود الأخيرة لدراسة التراث الأندلسي ونشر نصوصه ـ أو المستشرقين بما فيهم الاسبان . على أنه منذ أواخر الاربعينات تلفت الدارسون العرب الى تراث الأندلس اللغوي ليبلوروه عن طريقتين ، أولهما تحقيق ما تبقى من آثار ذلك التراث ونشره ، وثانيهما تتبعه بالتحليل والدرس ، وهكذا ظهر سنة ( 1366 هـ ـ1947 م ) كتاب الرد على النحاة لابن مضاء النحوي بتحقيق الدكتور شوقي ضيف ، وهو دعوة ( الى الانتفاض على النحاة وما أصلوا وفرعوا في النحو العربي ) يفتح لنا بذلك الابواب لندرك ما ( ننشده من تيسير النحو وتدليل صعوباته و مشاكله ) كما يقول محقق الكتاب في تقديمه . وشهدت الخمسينات عملين رائدين في هذا المجال وهمـــــــا : « المخصص » لابن سيده . دراسة ـ دليل للاستاذ محمد الطالبي ، وهي رسالة جامعية أعدها صاحبها باشراف المستشرق الفرنسي ـ ر . لاثير ( 1956) . استهدف بها التعريف بمخصص ابن سيده و تسهيل تناوله بوضع فهارس متقنة لمضامينه . أما العمل الثاني فهو الشروع في نشر علمي محقق لمعجم ابن سيده « المحكم و المحيط الاعظم في اللغة » قام به الاستاذ مصطفى السقا و الدكتور حسن نصار ( 1958) و يعتبر المحكم كما يقول الدكتور طه حسين ( أصلا خطيرا من أصول المعجمات العربية ) ، كذلك شهدت الستينات ثلاثة أعمال في نفس المجال وكلها على جانب من الأهمية لاينكر ، اقترن اثنان منها أو كاد يقترنان في الظهور ، وهما : « أبو حيان النحوي » للدكتورة خديجة الحديثي (1966) ، وقد جلت في دراستها آثار أبي حيان النحوية ورسمت له مذهبا نحويا واضحا ، وكتب المستشرق الدكتور كابانيلاس عن ابن سيده المرسي وجهوده في حقل المعاجم ( 1966) وأعقبت هذين الكتابين كتاب الاستاذ البير حبيب مطلق عن « الحركة اللغوية في الاندلس منذ الفتح العربي حتى نهاية عصر ملوك الطوائف ( 1967) (2) وهو عرض مركز استقطب مشاركة الاندلسيين ونتاجهم في دراسة اللغة من زوايا مختلفة. ومنذ سنتين ، تلطف الصديق الدكتور كابانيلاس فأهداني نسخة من كتاب عن ابن سيده ، فلما مضيت في قراءة الكتاب أثار اعجابي به استقصاء مؤلفه لموضوعه وامتلاكه لناصية بحثه ، تحدوه في ذلك روح موضوعية تناقش وتعلل في وضوح فكري خليق بالتقدير ، وتعرض وتدل على المظان التي أفادت منها في أمانة أكاديمية جديرة بالاكبار ، ذلك الوضوح الفكري في المناقشة والتعليل ، وهذه الأمانة الاكاديمية في العـــــرض والتدليل انتهيا بكتاب الدكتور كابانيلاس الى أن يكون صورة واضحة السمات ، بينة القسمات لحياة و آثار « معجمي » مرسية الفذابي الحسن علي بن اسماعيل بن سيده . ولعل ذلك هو ما حملني على التفكير في ترجمة الكتاب الى العربية ، وكان أن كتبت الى مؤلفه أشكره على هديته واستأذنه في الترجمة ، فاذن بها ، مشكورا . وأني اذ أقدم اليوم، دراسة الدكتور كابانيلاس عن ابن سيده في حلتها العربية ، أرجو أن يجد فيها الاساتذة و الطلبة ، بجامعتنا ملامح من تراث جاد وخصب ، ينبغي العمل على بعه و استلهامه على ضوء ما يطرحه واقعنا من متطلبات واحتياجات . ومن الله نستلهم الحق والصواب ، وهو ولي التوفيق بدءا ونهاية .

(1) عني المستشرق الكبير اسين بلانيوس يدراسة هؤلاء الاعلام وتحليل عطاءاتهم الفكرية في كتب ثلاثة ، وقد ترجم د . عبد الرحمن بدوي كتابه عن « ابن عربي » . ونحن الآن بصدد نقل كتابه القيم عن « ابن مسرة ومدرسته الفلسفية » الى العربية
(2) يبدوا أن السبعينات ستشهد هى الاخرى محاولات جديدة في دراسة شخصية ابن سيده اللغوية خاصة ، فلقد سجلت أخيرا رساة دكتوراه في النحو و اللغة بكلية الآداب ـ جامعة القاهرة بعنوان ( ابن سيده اللغوي) كما سجلت رسالة دكتوراه أخرى بكلية اللغة العربية ـ جامعة الازهر ، موضوعها « الاحكام اللغوية بين ابن فارس وابن سيده » وفي كلية الآداب بجامعة محمد الخامس سجلت رسالة دبلوم الدراسات العليا حول ابي علي القالي و تأثيره في الدراسات اللغوية في الاندلس .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here