islamaumaroc

الطوفان الأزرق

  دعوة الحق

216 العدد

كتب الاديب القاص و الناقد العربي المعروف، الأستاذ يوسف الشاروني، عرضا وافيا رصينا في مجلة ( العربي) الغراء ـ عدد غشت 1980 ـ لروايتي الخيالية العلمية : ( الطوفان الازرق ) (1) .
واذا شكر الكاتب الكبير يوسف الشاروني على عرضه القيم ، و على ما ورد في مقدمته من معلومات   عن هذا اللون الجديد من الادب على العربية ، أود أن أضيف الى عرضه بعض المعلومات و التوضيحات التي اعتقد أن وقتها قد حان .
مقارنة عقد الاستاذ الشاروني مقارنة بين رواية ( الطوفان الازرق) ورواية الكاتب المصــــري « نهاد » ( سكان العالم الثاني ) ورد فيها :  « ولئن كان نهاد شريف نشر روايته الثانية ( سكان العالم الثاني ) ، عام 1977 ( وان كان المفهوم من تاريخ الاهداء انه كتبها أو انتهى من كتابتها عام 1973) فيبدو أنه في تلك الفترة نفسها  كان أحمد عبد السلام البقالي ( المولود عام 1932، وهو نفس العام المولود فيه نهاد شريف أيضا ) يكتب روايته ( الطوفان الازرق) التي نشرها عام 1976 ، قبل أن يتنى لنهاد شريف أن ينشر روايته « سكان العالم الثاني » بعام واحــــــــــــد . « ومع أن أحدهما قاهري ، و الآخر مغربي ، الا أن هناك أكثر من وجه من وجوه الشبه بين العملين مما يؤكد الفرض القائل : « بأن العقول المفكرة تتلاقى في الظروف المتشابهة » . فكلا الروايتين يبدأ باختفاء مجموعة من العلماء المرموقين في مختلف العلوم واحدا بعد آخر . وتحدد رواية « سكان العالم الثاني » وقوع تلك الحوداث في عام 1979 ، أما رواية (الطوفان الازرق ) فلا تحدد تاريخها . ثم يتضح من الروايتين أن هناك تجمعا من العلماء المختصين بالقوة أولا ، غير أنهم ما يلبثون أن يقتنعوا بالفكرة و ينضموا اليها ، بل و يتحمسوا لها . وان الدافع الى هذا التجمع العلمي هو الثورة على ساسة العالم الذين يهددون وجوده بما يمتلكون من قوى نووية، ولهذا فكروا في الاختفاء بعيدا عن هذه القوى التدميرية و مقاومتها . « في رواية ( سكان العالم الثاني ) اختار العلماء قاع البحر مأوى لهم ، وفي رواية ( الطوفان الازرق ) اختاروا منطقة معزولة من الصحراء الغربية الافريقية أطلقوا عليها « جبل الجودى » للشبه الكبير بين قصتهم، وقصة نوح . فهربوا من عالم أوشك على الغرق هذه المرة في طوفان الاشعاع النووي، و أملهم أن يبقى هذا الجبل جزيرة آمنة داخل طوفان الموت القادم عند اندلاع الحرب الثالثة . « جبل الجودى » اذن له دلالة . ( أحمد عبد السلام البقالي . الطوفان الأزرق. الدار التونسية للنشر . 1976 . ص .131 ) » . و يمضي يوسف الشاروني في المقارنة بين بعض تفاصيل الروايتين، مثل وسائل . تفادي الكشف بالراديوا أو الليزر من طرف العالم الخارجي ، فيخترع نهاد شريف « الجدار الموجي» و البقالي « الاشعة السرابية » لاخفاء نشاط العلماء وراءهما .
ثم يخلص من المقارنة بين الروايتين الى عرضه ( للطوفان الازرق ) بعمق وتركيز يستحقان الشكر و التنويه .
تدقيق لابد منه وأود أن أضيف الى مقدمته تدقيقا لتاريخ كتابة ( الطوفان اللأزرق) لفائدة الباحثين في هذا الفن من الآدب و نقاده ، حين يزدهر و يكتمل في بلادنا ، بحول الله . فقد كتبت ( الطوفان الأزرق ) في بحر سنة 1968 . ولم يتح لها الصدور إلا سنة 1976 أي بعد حوالي عقد كامل من كتابتها . ويشهد الله انني لا أقصد من وراء هذا ابراز سبق أدبي بقدر ما أريد تقرير حقيقة اود التنبيه من خلالها الى ما يعانيه الكاتب العربي اليوم في بعض المناطق من صعوبات في نشر انتاجه مهما كان جيدا . وحتى لو قدر للكتاب الخروج الى الوجود في بلد ما من البلاد العربية ، فان مشكل التوزيع يبقى حائلا دون تعميمه في جميع أرجاء الوطن العربي .
و الحديث عن أهمية انتشار الكتاب في توحيد الثقافات ، ووضع الامة في إطار فكري واحد ، طويل جدا . وهو الخطوة الاولى في تطبيق الوحدة العربية المنشودة ....وبدونها سنبقى شعوبا معزولة بعضها عن بعض، تزداد الفوارق بينها تحجرا و اتساعا ...مكانة الخيال العلمي والى ما قاله الأستاذ يوسف الشاروني ، في مقدمة عرضه عن هذا اللون الجديد و الجميل من الادب ، أضيف أن له سوقا رائجة في الولايات المتحدة ، وغرب أوروبا وغيرها يقدر حجمها بملايين الدولارات. وأن هذا الادب لا بد سيغزو أسواق العالم العربي بعد أن يذوق القارىء العربي حلاوته ، ويقتنع بجديته.فكلمته « الخيال »  المقرونة به لا تعني بتاتا التهويم في الفـــــــــراغ ، و الايغال في الديمية و الهراء الذي لا جدوى من ورائه ، بالعكس ، هذا الادب الذي كتبه ويكتبه عدد من الادباء ، والعلماء مثل ( هـ.ج. ويلز) و ( اسحاق اسيموف ) و ( زيلازنى) و ( براد بورى) ، وغيرهم كثير ، يحمل في طياته قضايا انسانية مستقبلية هادفة و خطيرة . فكما هيا ( جول فيرن) و ( ويلز) العالم الغربي لما نراه اليوم من أدوات الحضارة و التقدم : كالتلفـــــون و التلفزيون ، والاسفار الفضائية يهيء كتاب الخيال العلمي المكتوب اليوم لمستقبل العالم الآتي انطلاقا من المخترعات الحالية و ايقاع تطورها و تأثيرها في مجتمع الغد القريب.

اكتشاف المستقبل
وقد سبق ( ويلز) الى كشف هذه الحقيقة في محاضرة بعنوان : « اكتشاف المستقبل » ( بالمعهد الملكي البريطاني ) في يناير سنة 1902 حيث قال : « هناك نوعان من العقول فيما يتعلق بالنظر الى المستقبل، نوع يراه فراغا و عدما أسود نتقدم نحوه أو نكتب فيه ما نشاء من واقع ، وهذا النوع هو الغالب بين الناس ، ونوع آخر أكثر حداثة ، وأنذر من الأول ، يفكر في الزمن الآتي ، ويتوقع ما سيحدث فيه لوجودنا الحاضر من تغيرات نتيجة احتكاكه بالمستقبل » .ومن هذه القلة المفكرة كتاب( الخيال العلمي) الذين أخذوا على أنفسهم تقريب النظريات المستقبلية المعقدة الى جمهور القراء و اخراجها اليهم من المخابرالاكاديمية الوقورة الى الشـــــــــــارع ، و المنزل ، عن طريق الكتاب أو شاشة السينما و التلفزيون . . .

الكاتب العربي والخيال العلمي
وهناك سؤال أود أن أجازف به هنا ، وهو : « هل في امكان الكاتب العربي أن يبرع في كتابة الأدب الخيالي العلمي في بيئته اللاعلمية الحالية ؟ » . و هذا لا يعني الشك في قدرة العقل العربي على هذا المستوى ، فقد أثبت الاقدمون قدرتهم الفائقة على غزو مجاهل الخيال ، كما هو الامر في ( ألف ليلة وليلة )، وغيرها من الازليات المطولة ، بل وفيما هو أعقد من فلسفات الاغريق و الشرق . و في اعتقادي أن أقرب ما وصل اليه الذهن العربي الى الخيال العلمي هو أزلية الملك « سيف بن ذي يزن » . فقد ارتفع الخيال القصصي فيها الى درجات عالية من الرهافة و الابداع .. والفرق الوحيد بينهما هو أن الخيال العلمي المعاصر يستخدم طاقة الــــذرة و غيرها ، بينما يستعمل الخيال العربي في الازليات القوى الغيبية الخارقة كقوى الجن ، والعفاريت ، والسحر ، و الطلاسم ، و الارصاد .

السبق العربي
وليس من قبيل التبجج الاجوف اذا قلنا أن العرب سبقوا الى كثير من المواضيع التي تطرق اليها كتاب الخيال العلمي الغربيون . فقد سبقت حكاية « طاقية الاخفاء » قصة « الرجل الخفي » التي كتبها ( هـ .ج .ويلز) في أوائل هذا القرن ، بقرون عديدة ! و كل ما فعل ( ويلز) هو أنه استبدل بالطاقية المسحورة ، ترياقا اخترعه عالم كميائي يخفي الجسد البشري عن الانظار ، وجعل القدرة على الاختفاء مصدر شقاء كبير للعالم الذي اختفى و لم يستطع العودة الى الظهور . بخلاف طاقية الاخفاء في الادب الخيالي العربي ، جعل منها صاحبها مصدر سعـــــادة و اسعاد للفقراء ، و أخذ حق المظلومين ، وتقويم اعوجاج الحكام الفاسدين ، الى جانب ما أصبغه صاحبها من روح مرحة ، و ما اصطنعه من مواقف فكاهية مسلية . 

آلة الزمن وصندوق الحكمة
ومثال آخر ، هو ( آلة الزمن) التي لايشك الغربيون أنها من ابتكار (ويلز) في قصته بنفس العنوان. فقد سبق الادباء الخياليون العرب الى الفكرة بقرون ! وبدلا من تسمية الجهاز( بآلة الزمن) فقد أطلقوا عليه صندوق الحكمة أو( صندوق العجب )... وقصته متدوالة على الصعيد الشعبي ... وهي باختصار شديد ، لمن لم يسمعها من شبابنا ، تتخلص في مرض أمير شاب على أثر وفاة خطيبته ، و دخوله في غيبوبة فشل جميع الاطباء في اخراجه منها ، مما استوجب غضب والده الملك عليهم ، وارسال المنادين في البلاد للبحث عن طبيب يستجيب للنداء أن يقتطعه نصف مملكته اذا شفى الابن ، أما اذا فشل في علاجه فتقطع راسه ، وذلك حتى يبعد الفضولين عن قصره ! . « و هكذا توارد العديد من الاطباء على القصر ، وعلق العديد من الرؤوس على بوابته . « وذات يوم جاء رجل يحمل على ظهره بلغته صندوقا في طول تابوت ، واستأذن في علاج الامير . و سخر منه الحراس ، واشفق عليه الحاجب من ضرب عنقـــــــه ، و لكنه أصر فأدخلوه على الأمير الغائب عن الوجود ... وبمحضر أبويه أمر الطبيب الهرم بوضعه في صندوق و قفله عليه لحظة قصيرة ثم فتحه ، فذا الأمير يجلس في التابوت يشهق مرتاعا و لكنه صحيح معافي ، وقد ابتلت ملابسه بالماء ، وهو يصيح ولدي ولدي . وحكى قصة طويلة عن حياته في الصندوق انتهت باشرافه على الغرق في نهر . وهكذا استطاع الأمير أن يعيش داخل صندوق الحكمة ، و في لحظة قصيرة مستقبله بكامله مختزلا .

الحوريات الطائرة
و المثال الثالث هو القدرة على الطيران ، و قد حل كاتب ازلية (الملك سيف) مشكلة الطاقة و آلة الطيران عن طريق كسوة سحرية من الريش الابيض في قصة زواج( الملك سيف) ببنت أحد ملوك الجن حين خرج لتفتيش مملكته متنكرا في زي راع ، وهام على وجهه في الفلاة حتى اهتدى الى واحة غناء في وسطها مسبح من الرخام الازرق اللازودي،وبينما هو يهيم باالشرب منه أذ رأى سرب حمام قادما نحوه،فاختفى بين الاشجارحتى نزل السرب.
حول المسبح ، فاذا به سرب من الطيور الكبير أخذت تخلع ملابسها الريشية فتكشف عن بنات من أجمل ما رأت عينا الملك التائه . « و انتظر حتى نزلن الى الماء فاخد ملابسا أجملهــــــــن و اعلاهن مقاما بين البنات. «و تبحث البنات ويلبسن ملابسهن ، وتبقى هي تبحث عن ملابسها ، فيذهبن و يتركنها بوعد العودة اليها بكسوة جديدة ... و يخرج ( الملك سيف ) فصرح لها بغرامه وبهويته ، ويخطبها من نفسها ويعود بها الى عاصمة ملكة فيتزوجها ... ولكن هذه ليست نهاية القصة ... وهي طويلة و جميلة للغاية ..

لابد من قضية
ولست ادري كيف كتب الزملاء العرب الذين تناولوا هذا النوع من الادب ، ولم أقرأ لاحدهم بعد . و لا أدري أين كتبوا ما كتبوه ، ولا تحت أي تأثير أو ظروف . ولكن تجربتي في كتابتي لرواية ( الطوفان الازرق) اقنعتني أنه لابد من انغماس الكاتب في وسط علمي عصري حتى يستطيع الكتابة في هذا الميدان . ولابد أن يحمل على ظهره عبء قضية انسانية كبيرة أو صغيرة يبحث لها عن حل .. حتى لايسقط في عمل بلا هدف الا التسلية العابرة التي لا تترك أثرا و لا توقد نورا على طريق الانسانية .

أنا و البيت الأبيض
وقد كانت قضيتي منذ أواسط الستينات ، أضخم من كل قضايانا العربية الكبرى التي نعيش على أخبارها صباح مساء . فقد كنت أسكن على بعد أمتار من البيت الأبيض الأمريكي . و كنت أعرف الكثيرين ممن يعملون فيه على عهد الرئيس المخلوع ( نيكسن) ـ وقبله ( جانصن ، وكيندي ، وايزنهاور ) ـ وكنت أتحدث الى أولئك الموظفين أثناء الاستقبالات الدبلوماسيــــــــة ، و أعرف كيف يفكرون ، فكانوا بالنسبة الي بشرا كغيرهم يصيبون و يخطئون و ما كان أكثر أخطاء أغلبهم في ما يخص قضيتنا العربية الاولى : فلسطين ..
و كنت أقول لنفسي : « يمكن لاي انسان أن يخطىء دون أن تكون لاخطائه نتائج مدمرة على الوجود البشري .. ولكن هؤلاء .. أي خطأ ، كنوبة جنون أو هيستريا ، فلا يمكن أن تجعل أصبعا يضغط على الزر الاحمر... و « بوم ! »  ينتهي العالم الذي نعيش فيه ...هذا العالم الجميل على تناقضاته ..وهذه الحياة التي قال عنها : « كارول ساغان » ، العالم الفلكي الامريكي المعروف : « أنها نتيجة لتطور طويل طويل ، وسلسلة من المصادفات الغربية و المعقدة التي لا يمكن أن تكرر على ظهر كوكب آخر بنفس الطريقة ، و الايقاع ، و الترتيب ، وتحت نفس الظروف التي انتجت الحياة كما نعرفها الا بمعجزة الهية  » . ومعنى هذا أنه ينفي نفيا قاطعا وجود الحياة على ظهر كوكب آخر كما نعرفها على الأرض !

القلق على مصير لانسانية
هذا القلق اليومي الذي ملأ على عقد الستينات بأكمله جعلني أبحث عن مخرج عملي أشكو فيه بثي و حزني الى الله و الناس .... فكانت رواية ( الطوفان الأزرق) .. و هي كما عرف القراء ، باستتناء جزئها الاول المليء بالمفاجآت و التشويق القصصي ، اقتراح عملي لسكان الارض لانقاد حضارتها ، و تراثها الهائل من الدمار و الاندثار في حالة ما اذا ضغط مجنون في البيـــــت « الأبيض » أو « الأحمر »على من أزرار الفناء ! 
أضيف الى هذا الدافع القوي الذي كانت (الطوفان الأزرق) نتيجة له ، انني لم أجد بعدها حافزا آخر لكتابة رواية أخرى من صنف الادب الخيالي العلمي... و السبب راجع في نظري ، الى ابتعادي عن تلك البيئة الملهمة ، و عن مصدر القلق الذي ألح علي في البحث عن الحل! وليس الاديب الا مرآة لعصره ، وصورة لبيئته .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here