islamaumaroc

إن الدين عند الله الإسلام

  دعوة الحق

216 العدد

في عدد يونيه 1980 ، أدرجت مجلة العربي الغراء ـ ضمن  فصوله ـ فصلا لـ  "مدير تحريرها" ...الأستاذ « فهمي هويدي » بعنوان : « الله ليس منحازا لاحد » .  وفي عدد مارس الماضي ، أدرجت له فصلا آخر ـ يبدو أنه تكملة أو ملحق أو امتداد لسابقه ـ بعنوان : « جسور مفتوحة في الارض و السماء» و يظهر أن الكاتب الفاضل عازم على مواصلة عرض هـــــــذا« النمط من « التأويل ... » لنصوص من الكتاب والسنة ، وآراء لبعض العلماء من السلف و الخلف . وقد لا يكون من شاننا ـ و لا من شأن أي كان غيره ـ محاولة استشفاف الحوافز و المرامي التي تلابس اتجاه الكاتب ـ بالحاح ... ـ الى معالجة موضوع كهذا بالغ الرهافة و الدقة و الحرج ـ في هاته الظروف الاقليمية و الدولية بالذات ـ لولا ذلك النمط من التأويل ـ الذي يتركز عليه ـ لنصوص من الكتاب و السنة ـ بالمعنى الاصولي لكلمة «نصوص » ـ  ولآاراء لبعض العلماء من السلف و الخلف ، لهم مقام بارز من الاعتبار و التقدير .....
وكان عنوان الفصل الاول : « الله ليس منحازا لاحد » قد استوقفني طويلا ، حتى لا وشكت أن أتعفف عن المضي في قراءته ... فليس مما يقتضيه الادب مع الله ، و لا مما تسكن اليه نفس المسلم القانت .. ان نستعمل في الحديث عن الله أو عن شيء مما يستلزم أن يرد خلاله ذكر اسمه ـ جل جلاله ـ كلمات أو تعابير قد توحي ـ وأن ايحاء خفايا ـ بنوع من المشاكلة أو الموازاة بين الله و خلقه في « حالة » أو« وضع » أو« تصرف » أو « تدبير ». و «الانحياز» ـ في ما نفهم ـ وصف لوضع مكاني . أو حالة نفسية ، أو تصرف ناتج عن احدهما ، أو له به علاقة ما ، و هذا ملحظ لا نظن أنه قد يخفي عن الحاسة «البيانية » لدى « الكاتب »  البليغ ، فيما نعجب كيف غفل عنه ، وهو« يكتب » ذلك العنوان  ....  !
وحين قرأت الفصل فكرت في مناقشته ، تم أرتأيت ان مناقشته قد تركز عليه الاهتمام ، و تلفت اليه من قد يكون انصرف عنه غفلة أو زهدا . و ليس من الخير للامة الاسلامية في فترة الانبعاث هذه أن يتوزعها الجدل حول أنماط من التأويل الغريب لنصوص اساسية في ضبط و تكييف و توجيه كيانها العقيدي ، و علاقتها الاجتماعية و السياسة ، بل  ، و النفسية ، ومناهجها التشريعية .... فالخطر أشد الخطر أن نتورط في « الفتن » التي توزعت صنعة المذاهب و الاحزاب من قبل بضروب التمحل و الاعتساف و الاهتبال في تأويل النصوص ، أو تفسير آراء المجتهدين . و أن تساءلت عما اذا كان مجرد مصادفة أن يستعلن مثل هذا الاغراب في الدعـــوة و التأويل في نفس الوقت الذي أخد يحتشد البعض و يستحشد فيه ل « تشييد » ما يمكن أن نسميه « مجمع المعابد » لليهودية ... و النصرانية ، و الاسلام ، على حين تجأر أصوات من هنــــــا و هناك ملحة في « التبويق » بالدعوة الى « شكل » من «التوفيق » بين الاديان الثلاثة ، او مع البوذية أيضا ... و استنباط خلاصة منها ـ مازلوا لم يجرؤا على تسميتها دينا ... بصورة علنية ـ يجتمع عليها الؤمنون كافة ... !
ثم جاء الفصل الثاني ـ و يبدو أنه ليس الاخير ... ـ مؤكدا لما اشتمل عليه سابقه ، و مضيفا اليه ، وموحيا بالمزيد من الاضافة أو التوضيح أو التفريع ... فوقر في نفسي أن مناقشة «  الكاتب » لا مناص منها ، لاستجلاء و جهته و مرماه و أن أدري ، فقد أكون أنا المخطيء في الفهـــــــم ، و هو المصيب ... فلا عصمة الا الانبياء في مايتلقونه من عند الله .....
و يظهر أن مصدر« الالباس » و مدار الاشتباه لديى الكاتب الفاضل ـ على مايتسم به أسلوبه من رشاقة لفظ و أناقة تعبير ، ينمان عن ملابسة واعية للغة ، و مخالصة رهيفة للبيان ـ هو الحاجة الى مزيد الثلاث  ،  «الدين » و« الاسلام » و« الايمان » في من التدقيق في تحديد و ضبط دلالات الكلمات مواردها المختلفة ـ من الكتاب و السنة ـ باختلاف السياق ، المتوقف تعيينها على القرائين في كل مساق .... ثم الحاجة الى مزيد من « اكتشاف » طبيعة التوفيق بين « المساواة » المترتبة عن الوحدة العرقية للناس كافة ، و« المغايرة » ثم « المفاضلة » بين جماعاتهم ، نتيجة لتغاير انتمائهم الديني ، و اختلاف مواقف تلك الجماعات من الاسلام ، أو مواقف الاسلام منها ، تبعا لهذا الانتماء على أن « اللبس » المتعلق بموضوع « المساواة » أو« المغايــــــرة » أو  «المفاضلة » يرتفع بيسر . حين ينجلي الاشتباه في ضبظ و تحديد دلالات الكلمات الثلاث . ومناط ضبطها و تحديدها هو« التمييز»  بين الحقيقة اللغوية للكلمة و بين الحقيقة العرفيــــــة ، أو الاستعمال « النصي » أو الفقهي لها . ذلك بأن دلالة الكلمة ـ و خاصة في القراءان الكريم ـ يحكمها الموضوع و السياق و التركيب ضبطا و تحديدا ، حتى ليكاد المعنى اللغوي ينحصر ـ أحيانا ـ في مجرد الالماح الى النشأة الاولى للكلمة.
و هذا التكييف القراءني لمعاني الكلمات و دلالاتها ليس في شيء من « المجاز» على الطراز الذي يتذرع به بعض الصوفية و الباطنية في ما يتحملونه من غرائب الانحراف بتأويل القرءان ، و أنما هو توسيع و تطوير لها ، تبعا لتطور و تطوير الانسان حضاريا ، و لاتساع و تنوع حاجاته التعبيرية ، وتصوراته و فهومه لما يستجد في حياته المادية و المعنوية من ملموســــات و مدركات و أحاسيس . بل أن القرءان الكريم شرع للانسان منهاجا لتطوير لغته ـ على اعتبار أنه يريد أن تكون اللغة العربية أداة التفاهم المشتركة للناس كافة كما سن له بشريعة لتكييـــــــف و تطوير و تنظيم حياته الفردية و الاجتماعية ، و النفسية و المادية .
و على هذا السنن جرء تطور معاني و دلالات الكلمات الثلاث ، وتشريع ما تعلق بها من أحكام ... على أن الاستعمال القرءاني لها شمل معانيها و دلالاتها في مختلف أطوارها . وبذلك حفظ للانسان ـ بطريقة بديعة ـ معالم تطوره العيدي ، تبعا لتدرج أهليته للتجاوب مع التوجيه السماوي الذي يرسم و يساوق تحوله الحضاري ، بذلك النمط العجيب من التأهيل المتمثل في تعاقب الشرائع و الرسالات و« تعارجها » بالتشريع تنويعا و توسيعا و تعميقا .
فكلمة « الدين » جاءت في القراءن الكريم بمعنى الطاعة ( ماكان لياخد أخاه في دين الملك.... ) « سورة يوسف ». وبمعنى الحساب أو الجزاء « مالك يوم الدين » ( سور الفاتحة ) . وبمعنى الحكم «.. و لاتأخدكم بهما رافة في دين الله .... » ( سورة النور) . وبمعنى مجرد العقيد « لكم دينكم و لي دين » ( سورة الكافرون ). و بمعنى الشريعة ـ أيا كانت ـ «... و لايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب » (سورة التوبة ) . ثم بمعنى الاسلام خاصة ـ باعتباره الطور النهائي لدلالة « الكلمة » أن الدين عند الله الاسلام» ( سورة ءال عمران) .
ومن الطائف البيان القرءاني المعجز صياغة هذا المعنى بصيغة الحصر التي تقتضي حصر المسند اليه ، وهو الدين ، في المسند ، و هو الاسلام على ( قاعدة الحصر بتعريف جزءي الجملة) ... أي ، لادين الا الاسلام ، و قد أكد هذا الانحصار بحرف توكيد . وقوله« عند الله » وصف الدين . و العندية عندية الاعتبار و الاعتناء و ليست عندية علم : فأفاد ، أن( الدين الصحيح )هو الاسلام . « التحريرو التنوير» للاستاذ الامام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور ، رحمه الله و على هذا النسق وردة كلمة« الاسلام » في القرءان الكريم . فجاءت بمعنى الانقياد و الخضوع في مثل قوله تعالى : «... و له أسلم ما في السموات و الارض طوعا وكرها ...» ( سورة ال عمران ). و قوله جل جلاله : « قالت الاعراب أمنا قل لم تؤمنوا و لكن قولوا أسلمنا .... ،( سورة الحجرات ). و جاء بمعنى اخلاص العبادة لله ، في مثل قول ابراهيم عليه السلام : « ربنا واجعلنا مسلمين لك و من ذريتنا أمة مسلمة ....» .و قول أبناء يعقوب لابيهم : « ... ونحن له مسلمون . (سورة البقرة) . ثم جاءت بمعنى ـ الدين الحنيف أو الالتزام به في مثل : «... لا شريك له و بذلك أمرت و أنا أول المسلمين » ،(سورة الانعام) . «... فان أسلموا فقد اهتدوا ... » و من يتبع غير الاسلام دينا فلن يقبل منه .... » سورة ءال عمران .
و لا مسوغ للالتباس من ورودها على هذا المعنى أو قريبا منه في ما ذكره القرءان الكريم من كلام بعض الانبياء غير ابراهيم و محمد ـ عليهما و على جمعيهم أفضل الصلاة والسلام ـ متل قول نوح :« ... و أمرت أن أكون من المسلمين ». وقول موسى :«... يا قوم ان كنتم ءامنتم بالله فعليه توكلوا ان كنتم مسلمين » (سورة يونس ). فالاسلام ليس بدعا من الاديان« قل ما كنت بدعا من الرسل ...»( سورة الاحقاف) . «شرع لكم من الدين ماوصى به نوحا ...»( سورة الشورى) . بل هو استمرار لملة ابراهيم « دينا فيما ملة ابراهيم حنيفا... »( سورة الانعـــــام ) .و ابراهيم هو الذي سمى اتباع ملته بالمسلمين . «ملة ابيكم ابراهيم هو سماكم المسلمين من قبل ... » ( سورة الحج ). فالاسلام هو دين الفطرة الذي توالت الشرائع و النبؤات على التدرج بالانسانية في التأهيل لحمل أمانته التي استكملت أركانها في القرءان الكريم . «فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها ...» ( سورة الروم ).« و أنزلنا اليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب و مهيمنا عليه ... » ( سورة المائدة ) . و لم يكن من قبل رسول الله صلى الله عليه و سلم من تأهل لمستوى « الاسلام الحنيف » غير الانبياء عليهم السلام . فحتى اليهودية و النصرانية ، وهما شريعتان من شرائع الله ، ورد النص الصريح بتنزيه ابراهيم عليه السلام عن ان ينسب اليهما« ما كان ابراهيم يهوديا و لا نصرانيا و لكن كان حنيفا مسلما ... » (سورة البقرة) فالصلة مباشرة بين ملة محمد و ملة ابراهيم ـ عليهما الصــــــــــلاة و السلام ـ لا تفصلهما اية حلقة تشريعية  من تلك التي جاءت موقوتة ... لتأهيل غير الانبياء لتقبل الاسلام في وضعه الكامل « و قالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا قل بل ملة ابراهيم حنيفا ...» ( سورة البقرة ). و الهيمنة التي كانت للقرءان الكريم على الشرائع السابقة لــــــــــــه و مهيمنا عليه و خاصة التوراة و الانجيل ـ بحكم دلالة السياق ـ هي الغاء ما جاءت به من مقتضيات ظروف حضارية مرحلية ، و تمحيض التشريع الدائم الذي استكمل الانسان أهليته لتقبل التكليف ، و القدرة على الالتزام ، به ـ لما يتجاوب مع حاجات و مصالح الناس جميعا على اختلاف بيئاتهم و أجناسهم تجاوبا متسقا منسجما متواكبا مع تطور الانسان المضطرد، الدائب ... حضاريا و اجتماعيا . و ذلك مصداق الايتين الكريمتين: « ان الدين عند الله الاسلام ، ومن يتبغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الاخرة من الخاسرين »( سورة ءال عمران) .
وعلى نفس النسق ـايضا ـ و لكن بأبرز تدقيقا ، و أشد تأكيدا ، و أصرح تحديدا ، وردت كلمة الايمان في القرءان الكريم ، فمعناها اللغوي ، من مجرد الاقرار أو التصديق أو هما معا ، يصدف عنه ،بل ينكر انكارا حاسما ، المطمئن المستحوذ على قلب « المؤمن » استحوذا يجعل من أعماله و تصرفاته ترجمة شاملة ـ أو بالاحرى أمينة ـ له ...على أن لا يقف عند حدود الايمان بالله ، و تنزيهه عن الشرك و الند ... بل يشمل ـ و بنفس القوة و العمق ـ الايمان برسوله و بجميع الرسل من قبله ... و بكتابه و بجميع ما أنزل قبله من الكتب ... دون أي تمييز« الذين يؤمنون بالغيب و يقيمون الصلواة و مما رزقناهم ينفقون و الذين يؤمنون بما أنزل اليك و ما أنزل من قبل و بالاخرة هم يوقنون اولئك على هدى من بهم و أولئك على هدى من ربهم و أولئك هم المفلحون » . « ءامن الرسول بما أنزل اليه من ربه و المؤمنون كل ءامن بالله و ملائكته و كتبه و رسله لا نفرق بين أحد من رسله...»( سورة البقرة ). « و الذين ءامنوا بالله و رسله و لم يفرقوا بين أحد منهم ..» « فلا وربك لايؤمنون حتى يحكموك في شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت و يسلموا تسليما » (سورة النساء) «انما المؤمنون بالله و رسوله ثم لم يرتابوا ...» ،( سورة النور) . ومن لم يؤمن بالله و رسوله فانا اعتدنا للكافرين سعيرا» ( سورة الفتح). وطبقا لهذه النصوص الصريحة المبنية و أمثالها الكتير في القراءن الكريم فانه لا مجال لاي وهم بأن من لم يؤمن برسول الله صلى الله عليه و سلم و بالكتاب الذي أنزله عليه« هدى للناس و بينات من الهدى و الفرقان » ، منذ « البعثة » الى يوم يبعثون ، ممن بلغتهم الرسالة المحمدية يمكن أن يكون له حظ من الايمان ، مهما يبلغ عمله من الصلاح ، و التزامه بكتابه عقيدة و شعائر من العمق و الدقة و اليقضة .. و اية سورة البقرة. الذين أمنوا و الذين هــــــادوا و النصارى و الصائيبين من ءامن بالله و اليوم الاخر و عمل صالحا فلا خوف عليهم و لاهم يحزنون » و اية (سورة المائدة ) ، المماثلة لها ، لا تختلف دلالتها عن الايات السابقة و ما شاكلها و ما في حكمها . ذلك بأن « الايمان » لا يستقيم دينا ـ بل لا يكون ـ ما لم يشمل الايمان برسول الله صلى الله عليه و سلم و بما جاء به من قرءان و (هدى) « ومن لم يؤمــــــــــــــن بالله و رسوله فانا اعتدنا للكافرين سعيرا» ( سورة الفتح ) . و جملة ( من ءامن بالله ...) في ايتي «البقرة» و« المائدة » سواء اعتبرت «من» شريطة أو موصولا، وسواء اعتبـــــــــــرت « فا» (فلهم أجرهم..) جوابية أو تعليلية ، لاتتيج اية ذريعة أو تعلة لدعوى الالتباس أو الاشتباه أو الابهام . فرفع الخوف و الحزن ، و تأكيد « الامن » منهما لا يرتبط بالايمان وحده ، بـــــــل و بالعمل الصالح . فليس ل « الذين ءامنوا ولم يعملوا صالحا أن يركنوا الى ايمانهم وحــــده أن « يؤمنهم » من الخوف و الحزن ، أنهم موعودون بالمغفرة اذا شاء الله  « أن الله يغفر أن يشرك به و يغفر مادون ذلك لمن يشاء ...  »  (سورة النساء ). ولكن « المغفرة» تقتضي الحساب الذي يعني موقفا حرجا مخيفا و استعراضا ل « حصيلة » لا محيص من أن يكون فيها ما يحزن ... و الملاذ الامن من هذا« الموقف» و هذا « الاستعراض» هو العمل الصالح الذي يؤهل ارتفاع الخوف و الحزن و الخطوة بالامن الشامل و الطمأنينة المطلقة ، و هذا وضع سواء فيه (الذين ءامنوا ) (ومن ءامن) من أهل الاديان السابقة ، الايمان الذي شرعـــــه « الاسلام ». و خيرهم بينه و بين الجزية أو السيف ... « قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله و لا باليوم الاخر و لا يحرمون ما حرم الله و رسوله و لايدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون»( سورة التوبة ) لا جرام أن الكلمات الثلاث ، الدين و الاسلام و الايمان، و اضحة الدلالة في « مواقعها» القرءانية وضوحا حاسما قطعيا ، لايدع مجالا في تبيان نصوصها و اجتلاء مقتضياتها التشريعية و التوجيهية ... لاي لبس و اشتباه . فلا مسوغ لابتغاء التأويل نص قرآني ، الا أن يكون غير واضح الدلالة ، قابلا لا كثر من احتمال .. و لقد تحرج كثير من السلف أن يحاولوا تأويل ما لم تلجنهم ضرورة « عملية » الى تأويله أو ابتغاء شرحه من مشكل القرءان أو غريبه ، فكيف بالجرأة على تحمل التأويل للنصوص القاضية في ما هو من أصول التشريع ، البالغة غاية الاعجاز في الجمع بين و ضوح البيان و لطائف الاشارات . روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه سئل عن تفسير« الاب»  في قوله تعالى«... و فاكهــــــــــــة و أبا...» ( سورة عبس و تولى) ، فقال : أي أرض تقلني و أي سماء تظلني اذا قلت في القرءان برأيي ». ( التحرير و التنوير) بل قد روي عن الرسول صلى الله عليه و سلم أنه قال : ( من قال في القرءان برأيه  ـ وفي رواية « بغير علم » فليتبوأ مقعده من النار« سنن الترمــــــذي» و« أصول التفسير» لابن تيمية.و لهذا الوضوح الحاسم القطعي دلالة دامغة على أن« المغايرة» التي شرعها القراءن و أقامها بين المسلمين و غيرهم من الكتابيين ومن في حكمهم . ثم بين المسلمين و هؤلاء و بين الوثنيين و من في حكمهم من الملحدين و الماديين « اللادينيين »، سواء من تنظيم« التعايش» في الدنيا ، أو في تقرير «المصائر...» في الاخرة ، ليس« انحيازا» وانما هو اصطفاء ناتج عن الموقف الذي اتخذه ـ اختياريا ـ كل فريق من الله و شرائعه التي ارتضــــاها و شرعها متتالية متكاملة حتى بلغت غاية الكمال الذي ارتضاه لها بالقرءان الكريم . و عن العدل في الجزاء على كل موقف جزاءا و فاقا . ومناط هذه المغايرة بين المسلميــــــــــــن و غيرهم فرق الكافرين ليس اختلاف المصائر في الاخرة فحسب و انما هو تحديد المعـــــــــالم و تمييز الملامح للمجتمع الاسلامي ، ثم تنظيم علاقاته ـ أفرادا و جماعة ـ مع تلك الفرق أفـــــرادا و جماعات أيضا ... ذلك بأن الاسلام ميز « الوحشية » بين أفراده ـ على اختلافهم السنة و شعوبا و اعرفا ـ بما سماه« الولاية » ـ بفتح الواو ـ و هي حالة من التعاطف و «التكامل » توشك أن توازي و تسامت« لحمة» الرحم .. بل قد تنسخها و تحل محلها اذا « غاير» الدين بين بعض أولي الارحام « ان الذين ءامنوا و هاجروا و جاهدوا بأموالهم و أنفسهم في سبيل الله و الذينءامنوا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض ...» « و الذين كفروا بعضهم أولياء بعض ألا تفعلوه تكن فتنة في الارض و فساد كبير» ( سورة الانفال ) « يأيها الذين ءامنوا لا تتخذوا عدوي و عدوكم أولياء ...» «ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل»( سورة الممتحنة) . على حين وصم علاقة الكفار ـ على اختلاف مللهم و نحلهم ـ بالمسلمين بأنها « عداوة » و أن تفاوتت حدة و عنفا« لتجدن أشد الناس عدواة للذين ءامنوا اليهود و الذين قالوا انا نصارى ...»( سورة المائدة ) . فيما وصف علاقاتهم ، بعضهم ببعض« بالولاية » ... ونهى المسلمين عن اتخاذهم أولياء أو أنذرهم بأن من تولاهم فهو منهم .« ... تسرون اليهم بالمودة و أنا أعلم بما أخفيتم و ما أعلنتم و من يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل» « لن تنفعكم أرحامكم و لا أولادكم يوم القيامة يفصل بينكم ... » (سورة الممتحنة ). «  يأيهاالذين ءامنوا لا تتخذوا اليهود و النصارى أولياء بعضهم أولياء بعض و من يتولهم منكم فانه منهم ان الله لا يهدي القوم الظالمين فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين » (سورة المائدة) . و هذا التحديد الحاسم الحازم لنوع و طبيعة و أحكام العلاقة بين المسلمين و غيرهم يرتكز على و ضع نفسي و عقيدي « أن يثقفوكم يكونوا لكم اعداء و يبسطوا اليكم أيديهم و ألسنتهم بالسوء، (سورة الممتحنة). « ولن ترضى عتك اليهود و لا النصارى حتى تتبع ملتهم ...» (سورة البقرة) . على أن الاسلام حصر هذه« العدواة » بين المسلمين و غيرهم في « مرتكزها » النفسي و العقيدي ما لم يتجازوه بها الجانب الاخر... فأوضح أن « التعايش » ممكن بيت الفريقين على أساس من البـــر والاقساط ... ما لم يجنح الفريق الاخر الى ترجمة عدواته أعمالا .« لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين و لم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم و تقسطوا اليهم أن الله يحب المقسطين»( سورة الممتحنة ). و هذا هو« الجسر» الوحيد الذي فتحه الاسلام بين المسلميـــــن و غيرهم و هو نمط مما يطلق عليه الساسة اليوم «التعايش السلمي» و لاسبيل لاي مسلم صادق الاسلام الى اداعاء أي «جسر» غيره في الارض فكيف بالسماء ... و« عسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على مأسروا في أنفسهم نادمين »...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here