islamaumaroc

التشريع الإسلامي بين التشريعات الحديثة

  دعوة الحق

26 العدد

تمهيد :
يعرف الباحثون عن تاريخ الأمم والشعوب أنه كان لكل مجتمع، مهما كانت درجته من الفكر والحضارة، حظه من قواعد قانونية يجري عليها في معاملاته وتصرفاته المالية، وفي الأحوال الشخصية التي تقوم عليها الأسرة عن الزواج وما يتصل به، وفي علاج جرائم المجتمع بوضع العقوبات الزاجرة الرادعة، وفي غير هذا كله من الشؤون ومسائل الحياة ومشاكلها.
نعم. إن هذه المعاملات التي تقوم بين الناس في أي مجتمع، وعلاقات بعضهم ببعض، لا يمكن أن تترك فوضى ينظمها كل فرد وفق رغبته ومشيئته، وإلا حقت قولة الفيلسوف الفرنسي (بوسويه) : «حيث يملك الكل فعل ما يشاؤون، لا يملك أحد فعل ما يشاء، وحيث لا سيد، فالكل سيد وحيث الكل سيد، فالكل عبيد، وتلك حال لا يتصور أن تكون، وإن كانت فهي لا تدوم، إذ ينتهي الأمر إلى أن يكون الحكم للقوة تقضي في الضعفاء بما تشاء».
والمجتمع العربي، في شبه جزيرة العرب قبل الإسلام، لم يشذ طبعا عن هذا الأصل الذي يقوم عليه بقاء الشخص والنوع والاجتماع العمران. من أجل ذلك، نعرف التاريخ أن العرب عرفوا في جاهليتهم قواعد قانونية كثيرة قام عليها مجتمعه، وكان ذلك في نواح شتى من النواحي التي عالجها الإسلام فيما بعد، فألغى منها ما لا يتفق والعدل الصالح العام، وأبقى ما وجده خيرا، فما كان الإسلام ليغير كل ما كانت عليه الأمة العربية، حتى ما كان صالحا لبناء مجتمع صالح للحياة الطيبة.
على أنه مهما كان حظ العرب قبل الإسلام من القواعد والمبادئ القانونية في هذه الناحية أو تلك من نواحي الحياة العملية، فإننا لا نستطيع أن نزعم أنهم وصلوا من ذلك إلى ما يكفي لتقوم عليه أمة صالحة للحياة، ومن أجل هذا وغيره كانت الحاجة ماسة للإسلام وشريعته.
أجل، ظهر الإسلام والعرب –بل العالم كله- في أشد الحاجة إليه فآتاهم العقيدة الحقة، والشريعة الصحيحة، والنظم التي يقوم عليها المجتمع والأمة،لنسهم في بعث العالم وإخراجه من الظلمات إلى النور، وكان هذا ما نسميه اليوم بالفقه أو التشريع الإسلامي.

شموله وغناؤه :
والتشريع الإسلامي نظام شامل بلا ريب، فهو يحكم الإنسان وتصرفاته في كل حالاته، في خاصة نفسه، وفي صلاته بالله تعالى. وفي علاقاته بالمجتمع الذي يعيش فيه، وفي علاقة الأمة أو الدولة الإسلامية بالدول الأخرى. إنه ينظم كل هذه العلاقات، وذلك ببيان القواعد التي تهيمن عليها وتحكمها على اختلاف أنواعها.
وذلك يرجع إلى أن الإسلام –على خلاف غيره من الأديان التي سبقته- ليس عقيدة دينية فحسب، بل هو دين وأخلاق ودولة بكل ما تتسع هذه الكلمة من معنى ومدلول. والواقع يؤيد هذا الذي نقول. فكان لابد إذن من أن يكون في التشريع الذي جاء به جميع النظم والحكام التي تقوم عليها كل هذه العلاقات، من عامة وخاصة، وسواء في ذلك ما يتصل بالفرد أو المجتمع أو الدولة.
ولذلك نجد في هذا التشريع العبادات وأحكامه، وهذا ما لا يوجد في أي تشريع آخر قديم أو حديث، والمعاملات وأحكامها على اختلاف ضروبها. وبعبارات أخرى نجد في التشريع الإسلامي –فضلا عن أحكام العبادات التي تنظم صلة العبد بربه وخالقه –كل ما يشتمله القانون بقسميه الكبيرين : القانون الخاص والقانون العام. 
ففيه القانون المدني الذي يعتبر أصل القانون الخاص بجميع فروعه الأخرى، وفيه القانون التجاري، وقانون المرافعات، والدولي الخاص، ثم فيه القانون الدولي العام، والقانون الدستوري، والقانون الإداري، والقانون المالي الذي يلحق به، ثم القانون الجنائي(1).
ومن هذا نرى بوضوح أن التشريع الإسلامي قد عرض لكل مسائل القانون بأقسامه وفروعه العديدة المختلفة، وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى إيضاح أو تعليل، مادام انه كان تشريعا كاملا للأمة الإسلامية في كل أحوالها الداخلية والخارجية، وكذاك لكل أمة أخرى تريد الخير لنفسها.
على هذا التشريع الشامل لكل أبواب وفروع التشريعات الحديثة، والغني بأصوله القوية وأحكامه الصالحة لكل زمن ومكان، قامت الأمة الإسلامية قرونا طويلة وأفاد منه الغربيون أنفسهم في قوانينهم الوضعية أيام كانوا يعتبرون المسلمين عباقرة ومثلا عليا في كل شيء، وبخاصة فرنسا. فقد استمد القانون المدني الفرنسي الذي وضع عام 1805 ميلادية مذهب الإمام مالك بن انس رضي الله عنه.
وذلك بأنه لم تأت سنة مائتين من الهجرة حتى كان مذهب مالك قد ساد في الأندلس في الحكم والقضاء، وهو لا يزال سائدا في المغرب الإفريقي حتى اليوم، وكانت بلاد الأندلس مثابة يفد إليها علماء أوربا يغترفون من العلم الإسلامي ويستضيئون بنوره، وهي مع هذا قطعة من أوربا، وبذلك يكون التشريع الإسلامي قد حكمت به أقاليم من اسبانيا وفرنسا وإيطاليا.
وكان من هذا أن انتشر مذهب مالك في تلك الأصقاع، وأن استمرت قواعده وأحكامه معروفة في تلك البلاد بعد خروج المسلمين منها، فأفاد منه واضعو القانون المدني الفرنسي حين آن لفرنسا أن تضع لها قانونا مستقلا، وليس على من يريد التأكد من ذلك الذي نقول إلا أن يقوم بشيء من المقارنات بين التشريع الإسلامي وبين القانون المدني الفرنسي : هذا القانون الذي هو الأصل الأول لقوانيننا الوضعية الحديثة(2).
ولكن بعد أن تزحزح المسلمون في أزمان ماضية عن قيادتهم للعالم، وأخذ علماء الفقه الإسلامي بالتقليد في الأحكام الشرعية، وقف الاجتهاد في التشريع وانزوى الفقهاء عن الحياة العامة قليلا أو كثيرا حسب الأزمان المختلفة. ولولا ذلك ما كنا بحاجة أبدلا لاصطناع قوانين لا تتفق وديننا وتقاليدنا، قوانين يبين من المقارنة أن التشريع الإسلامي بفضلها في كثير من النواحي.

مقارنــات :
يطول بنا الحديث إذا دخلنا في المقارنات الكثيرة بين التشريع الإسلامي وبين التشريعات الوضعية القديمة والحديثة، ولأن حيز هذا المقال ضيق محدود نكتفي بالبعض منها، وبذلك يتبين لنا سمو التشريع الإسلامي على غيره من القوانين الوضعية في نواح كثيرة ليس من اليسير عدها وإحصاؤها.
أ‌- يرى الأستاذ الدكتور علي بدوي، وهو أحد المصريين الأعلام في القانون –بحق- أن التشريع الإسلامي له استقلاله عن غيره من التشريعات القديمة، وأنه يفوق في كثير من النواحي غيره من التشريعات الحديثة، ومن ذلك نظام «الحبسة» وهي وظيفة اجتماعية قانونية إسلامية تقابل وظيفة النيابة العمومية اليوم، ونظام العقاب بالتعزيز وهو ترك تحديد العقوبة نوعا ومقدارا للقاضي فيحكم بما يراه تبعا لما يراه من ظروف الجريمة وحالة المجرم ونفسيته، وهو نظام يمتاز به الفقه الإسلامي وينادي به كبار العلماء الجنائيين في العصر الحديث(3).
ب‌-  والدكتور شفيق شحاته الأستاذ بكلية الحقوق يقول في بعض ما كتبه، وإذا أردنا المقارنة من حيث قيمة النظم القانونية، وجدنا التشريع الإسلامي قد سبق التشريع الروماني في تقدير بعض المبادئ العظيمة، ومنها مبدأ انتقال الملكية لمجرد الاتفاق (أي بلا حاجة إجراءات رسمية وأمور شكلية) ومبدأ سلطان الإرادة (أي إرادة كل من المتعاقدين)(4).
ومبدأ النيابة التعاقدية، كما يقول وهو بصدد بحث نظرية النيابة هذا لم يصل بطريق الوكالة أو الفضالة، ومبدأ النيابة هذا لم يصل إليه التشريع الروماني إلا بعد جهاد عنيف وهو قد بقي مجهولا من التشريع الفرنسي القديم، أما الفقه الإسلامي فقد قال بالنيابة التامة، وبالنيابة التامة إلى حدود بعيدة جدا(5) 
ج – والأستاذان الدكتور عبد الرزاق السنهوري والدكتور احمد حشمت أبو ستيت يقولان في المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الروماني، ما يحسن أن ننقله حرفيا أيضا «لم تسلك الشريعة الإسلامية في نموها الطريق الذي سلكه الفقه الروماني، فإن هذا القانون بدأ عادات كما قدمنا، ونما وازدهر من طريق الدعوى والإجراءات الشكلية. أما الشريعة الإسلامية، فقد بدأت كتابا منزلا ووحيا من عند الله، ونمت وازدهرت من طريق القياس المنطقي والأحكام الموضوعية... إلا أن الفقهاء المسلمين امتازوا على فقهاء الرومان، بل امتازوا على فقهاء العالم، باستخلاصهم أصولا ومبادئ عامة من نوع آخر، هي أصول الأحكام من مصادرها، وهذا ما سموه بعلم أصول الفقه(6).
د- هذا ونكتفي في ناحية المقارنات ببيان أن التشريع الإسلامي تسوده «الجماعية» التي تهدف على صالح الفرد والمجتمع معا، وهذه النزعة تجدها واضحة في تشريعات العبادات والمعاملات معا فكل التشريعات ف يهاتين الناحيتين تهدف إلى تهذيب الرفد وتحقيق ما فيه خيره وخير المجتمع بأسره، والتل لذلك واضحة ندركها بسهولة ويسر وتكفينا فيها الإشارة.
شير مثلا على حكمة تشريع الصلاة والصوم والزكاة والحج، وحل البيع وتحريم الربا، والأمر برعاية الجار والوفاء بالعقود وتحريم الزنا، وإقامة الحدود صيانة لمجتمع، إلى آخر ما نعرف من الأحكام التي جاءت بالأمر والنهي والحل والحرمة، ففيها كلها تهذيب للفرد وخير له للمجتمع معا.
وبعد هذا التعميم لابد من التخصيص، وذلك بالإتيان ببعض المثل المحدود الواضحة الدلالة على ما نقول، أي على أن الطابع العام السائد في التشريع الإسلامي من أول أمره هو الطابع الجماعي، وذلك بعكس التشريعات الوضعية.
أوجب الله تعالى في أموال الأغنياء حقا معلوما للسائل والمحروم، هذا ما نسميه بالزكاة التي تؤخذ من الأغنياء لتعطى للفقراء، ثم جعل في أموال الأغنياء حقوقا أخرى غير الزكاة، ولهذا نرى الله تعالى يقول : «سورة البقرة آية 177» «ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب، ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين، وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب، وأقام الصلاة وآتى الزكاة»... وإذن، ففي المال حقوق أخرى غير الزكاة وهذه الحقوق تعطى لذوي القربى واليتامى والمساكين ونحوهم.
ومثال ثان، وهو من المعروف، كما رواه الإمام أبو يوسف(7)، أنه لما فتح الله العراق والشام على المسلمين أيام عمر بن الخطاب أراد فريق كبير من المسلمين قسمة الأرض وما عليها بين أصحاب الحق الفاتحين، لكن الإمام عمر رأي أن يترك الأرض بيد ملاكها على أن يدفعوا الخراج والجزية لصالح المسلمين جميعا، وكان هذا توفقا من الله لعمر بن الخطاب كما عوده في كثير من الحالات.
واوجب التشريع الإسلامي من ناحية أخرى، التفقه اللازمة في بيت المال لكل فقير عاجز عن العمل وليس له قريب تجب عليه نفقته، لا فرق قي ذلك بين المسلم وغير المسلم الذي يعيش تحت ظل الإسلام، وفي هذا يروي التاريخ أن عمر بن الخطاب أمر برفع الجزية عن كل ذمي لا يقدر على أدائها وبأن يفرض له في بيت المال ما يكفيه هو وعياله ما أقام بدار الإسلام.
ومثال آخر بل مثل أخرى نأخذها من تطبيقات القاعدة الإسلامية المعروفة، وهي: «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» هذه القاعدة التي عرفها التشريع الإسلامي منذ وجودهن والتي عرفتها التشريعات الحديثة بعد ذلك بقرون وقرون تحت عنوان «نظرية سوء استعمال الحقوق».
فطبقا لهذا الأصل العظيم يجب ألا يسيء المرء استعمال حقه لدرجة أن يكون في ذلك ضرر كبير لآخر، ولهذا، يكون للزوجة أن تطلب تطليقها من زوجها إذا نالها بضرر غير مشروع، وللجار أو الشريك أن يطالب بالشفعة فيما باعه شريكه أو جاره الآخر لأجنبي، مع أن من خصائص الملكية حرية المالك في التصرف فيما يملك، وللإنسان أن يحفر في أرض غيره مجرى ماء ليروي أرضه البعيدة عن مجرى الماء، ويجبر صاحب الأرض الأخرى المجاورة للماء على ذلك.
تلك المثل، ولو شئنا لأتينا بأخرى كثيرة، فيها الكفاية لإثبات النزعة «الجماعية» للتشريع الإسلامي هذه النزعة التي نجد مصدرها الأصيل في القرآن الكريم وسنة الرسول العظيم وأحكام وآراء كبار الصحابة والتابعين، وذلك –كما قلنا- لأن الشريعة الإسلامية لم تأت لصالح الفرد وحده، بل لصالح المجتمع كل في أوسع حدوده.
أما التشريعات التي هي من صنع البشر، فلم تلاحظ في أول أمرها بخاصة هذه النظرية الجماعية أو الاجتماعية السامية، بل كانت تسودها الروح الفردية العنيفة، ولنأخذ مثلا لذلك القانون الفرنسي الذي صدر في مفتتح القرن التاسع عشر.
لقد ساد هذا القانون روح فردية قوية تلتئم مع الروح التي أملت حقوق الإنسان، وهي تدعيم حقوق الأفراد وحمايتها، وتنظر إلى الفرد باعتباره العنصر الأهم في الحياة لا باعتباره جزءا من كل هو الجماعة، وقد كان من نتائج ذلك، أن أتى وقت اعتبرت فيه الحقوق مطلقة المدى، وأن صاحب الحق في استعماله سيد لا يسأل عما يترتب على هذا الاستعمال من الأضرار التي تحيق بغيره(8).
ومن الحق أن التشريعات الوضعية في هذا العصر الحديث أخذت في الحد من استعمال المرء لحقوقه، فنشأت نظرية سوء استعمال الحقوق التي أشرنا إليها آنفا، ولكن بقي من الثابت الذي  لا ريب فيه أن نظر التشريع الإسلامي إلى حقوق الأفراد وتقييدها بما يحقق مصلحة الجماعة ولا يضر صاحب الحق، توسع مدى وأبعد أثرا من نظر التشريعات الحديثة إلى اليوم في هذه الناحية.
ونعتقد أن هذه التفرقة الواضحة، بين طابع التشريع الإسلامي الإلهي وبين طابع التشريعات الوضعية، ترجع إلى تفرقة أساسية في أصول حقوق الفرد في الشريعة الإسلامية والقوانين البشرية.
إن القوانين الوضعية تعتبر حقوق الفرد حقوقا طبيعية له، فهو يملكها ويتصرف فيها كما يرى، فلا حرج عليه ولا تثريب أن أساء استعمالها، أما الشريعة السماوية الإسلامية فترى أن الفرد نفسه وكل ما يعتبر له عادة من حقوق ملك لله وحده، والله يمنح ما يمنح لعبيده من حقوق إلا لغرض حكيم هو تحقيق الخير للفرد والمجتمع معا، ولذلك نجد تقييد استعمال الحقوق في نواح مختلفة وكثيرة جدا، ومن ثم، وجب يكون الإنسان في عمله واستعماله لحقوقه متفقا مع قصد الله من التشريع، وإلا كان عمله باطلا لمناقضته للشريعة ومقاصدها.

الحاجة دائما لهذا التشريع :
يتبين من هذا الذي قلناه، أن حاجتنا للتشريع الإسلامي –وذلك مبلغ علوه على التشريعات الوضعية وغناه في كل ناحية من نواحي القانون- لا تزال اليوم أمرا ضروريا كما كانت فيما مضى، أنه تشريع صلحت به أمة عظيمة سادت البشرية قرونا طويلة، ولن تصلح في هذا العصر وفي كل عصر إلا إذا أخذت به وأقامت حياتها على أسسه ومبادئه وأحكامه.
وإذا، لنا الحق في أن نريد أن يكون هذا التشريع الأساس الأول والمصدر الرسمي لقوانيننا الحديثة، ولا بأس علينا مع هذا في أن نفيد من كل خير نجده في التفكير القانوني لأي أمة من الأمم الأخرى، بل لعل هذا يكون واجبا، فما كانت أمة لتستغني عن غيرها في كل شؤونها.
ونحمد الله تعالى على أنه وجد وعي قومي في مصر والبلاد العربية والإسلامية، أخذ يطالب بتخليص قوانيننا من الاحتلال الأجنبي، وهو احتلال فرنسي في الأكثر من نواحي القانون، كما أخذ كثير من رجال القانون وأعلامه ينادون بما نطالب به، وكان من هذا أن دخل في القانون المدني الجديد كثير من الحكام والنظريات المستمدة من الفقه الإسلامي وذلك أمر معروف.
على أن هذه بداية طيبة نرجو أن تصل بنا إلى ما نريد، ويسرنا هنا أن ننقل عن الأستاذ الدكتور السنهوري هذه الكلمة القيمة على وجازتها :
«والهدف الذي نرمي إليه هو تطوير الفقه الإسلامي، وفقا لصناعته، حتى نشتق منه قانونا حديثا يصلح للعصر الذي نعيش فيه، وليس القانون المصري الجديد أو القانون العراقي الجديد، إلا قانونا مناسبا في الوقت الحاضر لمصر أو العراق، والقانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق، بل ولجميع البلاد العربية، إنما هو «القانون المدني» الذي نشتقه من الشريعة الإسلامية بعد أن ثبت تطورها، وقد تكون البلاد العربية عند ظهور هذا القانون قد توحدت، فيأتي القانون ليدعم وحدتها، وقد تكون في طريقها إلى التوحيد، فيأتي القانون عاملا من عوامل توحيدها، ويبقى على كل رمز لهذه  الوحدة»(9).
أما كيف نصل لهذا الذي نريد، من سيادة الشريعة الإسلامية في مصر وسائر البلاد العربية والإسلامية، وما هي الوسائل التي تؤدي بنا إلى ما نرجو في المستقبل القريب. هذا، وذاك، لا يتسع له نطاق هذا المقال، ولعلنا نتكلم عن ذلك في مقال آخر، والله المستعان.


(1) من الخير الرجوع في هذا كله إلى كتابنا «الفقه الإسلامي» -مدخل لدرسته ونظام المعاملات فيه- ص 103/115 من الطبعة الثانية –فقد تكلمنا عن ذلك بتفصيل.
(2) هذا رأي بدأ يأخذ قوة في أوساط علماء التاريخ والقوانين والشرائع المنصفين، ومع هذا راجع (المقارنات التشريعية بين القوانين الوضعية المدنية والتشريع الإسلامي) للأستاذ سيد عبد الله حسين ج 1 ص 17 وما بعدها.
(3) راجع مجلة القانون الاقتصادي، العدد 5 من السنة الأولى الصادر في نوفمبر 1931 ص 733 وما بعدها.
(4) النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية، جـ، 1، 1،2.
(5) النظرية العامة للالتزامات في الشريعة الإسلامية، جـ، 1، 161.
(6) أصول القانون، ص 132.
(7) كتاب الخراج، ص 14-15.
(8) راجع «مدى استعمال حقوق الزوجية وما تتقيد به في الشريعة الإسلامية، والقانون المدني الحديث»، للأستاذ الدكتور السعيد مصطفى السعيد، ص 5.
(9) راجع العالم العربي مقالات وبحوث، الكتاب الثاني، بحث القانون المدني العربي ص 28 و29 نشر الإدارة الثقافية بجامعة الدول العربية مطبعة مصر سنة 1953.


العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here