islamaumaroc

عبد السلام بن سودة مؤلف أكبر موسوعة تراجم في العصر العلوي.

  دعوة الحق

214 العدد

تعرفت على الاستاذ عبد السلام ابن سودة بفاس في اوائل الستينات، وقضيت اوقاتا طويلة في مكتبته الاحمدية بالروض المقابل لبيته، اطلعت فيها على بعض ذخائر المخطوطات سبق ان عرفت عناوينها في كتابع دليل مؤرخ المغرب الاقصى، ووقفت على عدد من مؤلفاته الاخرى، لاسيما كتب التراجم الثلاثة التي تكون مجتمعة اكبر موسوعة مغربية في تراجم اعلام العصر العلوي، وهي :
- زبد الاثر
- واختصاره اتحاف المطالع
- وذيلع التابع الذي كان مايزال مشتغلا بتحريره.
لقد اطلع المرحوم عبد السلام بن سودة على معظم ما كتبه المغاربة والاندلسيون من تراجم عبر القرون، سواء في كتب الطبقات او الفهارس او الاجازات او المناقب او غيرها، وتأثر بصفة خاصة بعلمين من اعلام المترجمين المغاربة، هما احمد ابن القاض المكناسي الفاسي، ومحمد ابن الطيب القادري الفاسي. ذلك ان احمد ابن القاضي اكمل الكتابين الشهيرين في التراجم : وفيات الاعيان لأحمد ابن خلكان، وشرف الطالب في اسني المطالب لأحمد ابن القنفذ. ذيل ابن القاضي وفيات الاعيان بكتابه درة الحجال في اسماء الرجال مبتدئا بترجمة ان خلكان نفسه المتوفى عام 681، ومنتهيا بعام 999 ؛ كما ذيل كتاب شرف الطالب بكتابة لقط الفرائد من لفاظة حقق الفوائد، مبتدئا بعام 700، ومنتهيا كذلك بعام 999. وهنا نشير الى ان احمد ابن القاضي اعتبر نهاية القرن أو المائة سنة بعام 99. وبداية القرن أو المائة التالية بالعام الموفي مائة.
وجاء محمد بن الطيب القادري فذيل كتابي ابن القاضي درة الحجال ولقط الفرائد بكتابه المطول نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني، ومختصره التقاط الدرر ومستفاد المواعظ والعبر، من اخبار اعيان المائة الحادية والثانية عشر، بداهما معا بعام 1001، وانتهى  الى عام 1170. وهنا يستلم الزمام فقيدنا العزيز عبد السلام ابن سودة.
نعم الف المغاربة بعد محمد بن الطيب القادري عشرات الكتب في التراجم، لكنها لم تصطبغ بصبغة الشمولية والاحاطة، فلم ترق الى درجة كتب ابن القاضي وابن الطيب القادري. ومن اشهرها الدرر المرصعة، في اخبار اعيان درعة لمحمد المكي الناصري الدرعي، وطبقات الحضيكي السوسي، وسلو الانفاس لمحمد بن جعفر الكتاني الفاسي، واتحاف اعلام الناس لعبد الرحمان ابن زيدان العلوي المكناسي، والاعلام بمن حل بمراكش واغمات من الاعلام لمحمد ابن ابراهيم المراكشي، والمعسول لمحمد ابن ابراهيم المراكشي، والمعسول لمحمد المختار السوسي. هذه الكتب وغيرها- على اهميتها وطول نفسها- بقيت جزئية محلية محدودية، وادخر الله للمرحوم عبد السلام ابن سودة فضل ربط سلسلة تراجم اعيان هذا البلاد السعيدة من عصر النبوة الى ايام الناس هذه، فتهيأ بذلك ليكون ثالث اعلام التراجم البارزين بالمغرب دون منازع : أحمد ابن القاضي في القرن العاشر، ومحمد بن الطيب القادري في القرن الثاني عشر، وعبد السلام ابن سودة في القرن الرابع عشر.
1) زبدة الاثر، مما مضى من الخبر، في القرن الثالث والرابع عشر.
وهو الكتاب الاساس الذي ذيل به عبد السلام ابن سودة نشر المتاني. يبتدئ من حيث وقف القادري، اي عام 1171، وينتهي بعام تمام تأليفه وهو 1370. يتفق كتاب ابن سودة هذا مع كتب ابن القاضي وابن الطيب القادري في المزاوجة بين تراجم الاشخاص، والاشارة الى اهم الأحداث التاريخية المعاصرة لهم، سياسية كانت او طبيعية او اجتماعية، ويتفق اكثر مع كتب القادري في ترتيب التراجم على السنين. ويختلف كتاب زبدة الاثر من مؤلفات ابن القاضي والقاجري في اقتصاره على تراجم رجال المغرب الاقصى، في حين يترجم الاخران لعدد من اعلام المسلمين غير المغاربة.
2- اتحاف المطالع بوفيات اعلام القرن الثالث عشر والرابع.
وهو اختصار لزبدة الاثر، بين المؤلف سبب اختصاره في مقدمة الاتحاف بقوله : "فجاء- يعني زبدة الاثر- كتابا كبير الحجم، عظيم، يسع نحو اربعة اسفار ضخام، يصعب على المستعجل البحث فيه والاستفادة منه، وهو على منوال نشر المثاني واسلوبه.. ولما جمعته وخرجته من مسودته، ظهر لي ان اختصره في هذا العجالة، واجعله ذيلا على كتاب التقاط الدرر على منواله واسلوبه، ورتبته على السنين- كأصله-، من اول عام 1171، الى عامنا هذا عام سبعين وثلاثمائة والف".
لقد احسن المرحوم عبد السلام ابن سودة صنعا بهذا الاختصار، وأصبح بذلك اتحاف المطالع مجردا من كل حشو يشوش على القارئ، سهل الاستعمال، قريب المأخذ للمتعجل والمتاني على السواء.
واتحاف المطالع، فضلا عن كونه وحيدا في بابه، لا يحل غيره محله، ولايسد مسده، يمتاز بمحاسن كثيرة، نشير الى بعضها :
أ- تثبت المؤلف في تحلية المترجمين، الاعند ما يجمح به القلم في التحامل على بعض المنحرفين في نظره- وتحريه غالبا فيما يستحقون من ألقاب علمية او دنيوية، بحيث يتمكن القارئ من أن يعرف دون عناء هوية  المترجم، ويدرك ما إذا كان فقيها او اديبا او مشاركا او شيخا متصوفا او حاكما صالحا او فاسدا، او قائدا حربيا. ويحيل من يريد مزيدا من التوسع في بعض التراجم على الاصل زبدة الاثر.
ب- حرصه على ذكر تآليف المترجم، ووصف ما وقف عليه منها، والتنبيه على ما عرف من عناوينها ومحتواها اثناء مطالعاته وقراءاته في الكتب المخطوطة بصفة خاصة.
ج- امانته في النقل، إذ يعزو كل شيء اقتبسه الى صاحبه، ويتوقف عندما لا يقف على تاريخ وفاة، او تحديد مكان، او تعليل حادثة. وكم رأيته- رحمه الله- في السنوات التي قضاها بالخزانة العامة بالرباط، مبتهجا في بعض الايام اشد الابتهاج، وبين يديه مخطوطة او اضبارة يأبة الا ان يطلعني على ما عثر فيها من كنز او كنوز، قد لا يتعدى تاريخ وفاة شخصية ظل يبحث عنه السنين الطوال، او ذكر اسم كتاب، او نص رسالة او قصيدة او وثيقة تاريخية او ما الى ذلك.
3- الذيل التابع لاتحاف المطالع
يزداد التشابه ويشتد التقارب بين معاجم التراجم لكل من ابن القاضي والقادري وابن سودة، ذلك انهم جميعا انهوا كتبهم في تواريخ محددة، ومد الله في اعمارهم فأضافوا تراجم اخرى الحقت بكتبهم. فابن القاضي الذي توقف في درة الحجال ولقط الفرائد عام 999، كتب تراجم من توفوا في العشرة الاولى من القرن الحادي عشر، وادماجها  هو او ادمجت بعده في الكتابين. ومحمد بن الطيب القادري الذي اتم نشر المثاني والتقاط الدرر عام 1170، كتب بعد ذلك تراجم اخرى اثبتها في المقصد الثاني من خاتمة التقاط الدرر، استمرت الى عام 1180.
أما عبد السلام ابن سودة فقد عاش بعد انهائه اتحاف المطالع ثلاثين سنة كتب فيها ثلاثة ذيول :
أ- يتناول الذيل الاول- وهو الذي سماع الذيل التابع لاتحاف المطالع فترة ست سنوات : 1371- 1376هـ/ 1951- 1956م. اطلق فيه لقلمه العنان في تسجيل الدواهي والفواجع التي عرفها المغرب مع نهاية عهد الحماية، والاحداث المجيدة التي البلاد في فجر الاستقلال، وأثبت عددا من النصوص والوثائق، خوفا على ضياعها- كما قال-. وبذلك طغت الحوادث على الوفيات، وأربى الذيل على الاصل، إذ خرج في مجلدين تنيف صفحاتهما على 700. ثم اختصره في كتيب مفيد سماه : وفيات الذيل التابع.
ب- ويسجل الذيل الثاني وفيات ووقائع احدى وعشرين سنة : 1377- 1397هـ.
ج- بينما يختص القسم الثالث من الذيل بالسنوات الثلاث الاخيرة : 1398- 1400هـ، لأن المرحوم ظل يكتب الى ما قبل وفاته ببضعة ايام.
وقد شاء القدر الا تطوى صفحة الفقيد الا بعد ان طوى تراجم القرن الرابع عشر وما قبلع كامله مستوفاة. لكن من ذا يا ترى سيخلف عبد السلام ابن سودة في البحث والتنقيب وتسجيل تراجم اعلام القرن الهجري الخامس عشر ؟ ومن سيوطن نفسه للقيام بهذا الواجب العلمي- الوطني، ايمانا بأصالة هذه البلاد وعملا على صلة الخلف بالسلف ؟
وما كان قيس هلكه هلك واحد
                 ولكنه بنيان قوم تهدمــا
ان  الحفاظ على تراث الفقيد والعمل على نشره حق لاهله وعليهم. واراني اتحمل معهم بخصوص اتحاف المطالع، وذيله التابع، تبعة السهر على تخريجه ونشره، فقد طلب مني ذلك الفقيد بالحاج، وكلفني به شفويا وكتابيا، وقال لي رحمة الله بصدده مازحا جادا- على عادته- : لقد خلعت شاشية التاريخ والبستك اياها، كما خلع سيدي عبد الرحمان  المجذوب شاشية  الولاية وألبسها للشيخ ابي المحاسن الفاسي. بل اتفقت وإياه على خطة نشر سلسلة كاملة للتراجم المغربية، من فجر الاسلام الى ايامنا هذه. وبدأ العمل فعلا بنشر ألف سنة من الوفايات في ثلاثة كتب : شرف الطالب لابن القنفذ، ووفيات احمد الونشريسيي، ولقط الفرائد لأحمد ابن القاضي وهي تمتد من وفاة الرسول عليه السلام عام 11 الى عام 1000 للهجرة. وتلا ذلك تخريج نشر المثاني الكبير لمحمد بن الطيب القادري، فطبعا الجزء الاول منه ويمتد من 1001 الى عام 1050. والاجزاء الثلاثة الباقية منه هي الان قيد الاخراج والطبع، وتمتد- كما رأينا- الى عام 1170هـ.
وقد ذكرت في مقدمة الجزء المطبوع من نشر المثاني ان الخطوة التالية هي نشر اتحاف المطالع للاستاذ عبد السلام ابن سودة، ثم الذيل التابع الذي وصل فيه آنذاك الى عام 1397، وبلغ بعد ذلك عام 1400، متم القرن الهجري الرابع عشر، وستكون ترجمته الموسعة- بحول الله- في كتابه يوم ينشر خاتمة المطاف ومسك الختام.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here