islamaumaroc

الحروف المنقوشة في القرويين في خدمة الآثار

  دعوة الحق

26 العدد

عندما يتحدث المرء عن الحرف المنقوش بجامعة القرويين فإنما يحاول أن يتحدث عن تاريخها المعماري عبر التاريخ، ذلك لأنه لم تخل مرحلة من المراحل التي عاشتها دون أن تترك من ورائها أثرا شاخصا يذكرك بهاتيك العصور... والحقيقة أن القرويين منذ كانت وهي «قديسة مدللة» سواء من لدن رجال «السلطة المركزية» أو من لدن «الطبقات الشعبية» فكلهم كان يتسابق إلى إظهار آيات الإكبار والإجلال لها باعتبارها «المنار» الذي أشع على المغرب نور العلم والإيمان، وباعتبارها المعقل الذي كانت تعتمد عليه البلاد في إعداد رجالها وقادتها... والكلام على «الحروف المنحوتة» بالقرويين له جوانب كثيرة فهناك جانب الفن... وهناك جانب النوع والشكل، وهناك أيضا جانب «القيمة الأثرية» ونحن في هذا البحث سنحاول أن نأخذ نظرة عن هذه الجوانب سيما وقد ظلت النقوش بالقرويين حديثا يروى ولكن من غير أن يستوعب، بل ومن غير أن يتناوله الأثريون بالتنقيب والتحميص..

أول خط منحوت
ويرجع تاريخ أول خط منحوت عرف بالقرويين لأواسط القرن الثالث الهجري ويتعلق الأمر بلوحة أثرية ووثيقة تاريخية في الوقت نفسه عثر عليها في القبة الرابعة من جهة «العنزة» أي في منتهى «البلاطات الأربعة» القديمة(1)... لقد اكتشفت مدفونة في الجبس تحت كثافة سبعة سنتيمات... مكتوبة بالخط الكوفي العتيق وهي –ولو أن طائفة من حروفها منهوك ومتعب بيد أنها مقروءة في الجملة ولم يفت منها إلا القدر اليسير- لوحة من طول أربعة أمتار وأربعة وسبعين سانتيما ولكنها ليست عريضة إذ أن سعتها لا تتجاوز تسعة سانتيمات ونصف لقد عرفنا من كتب التاريخ أن فاطمة الفهرية التي تطوعت ببناء القرويين حفرت أساسها ف يفاتح رمضان 245 وأنها لم تزل صائمة إلى أن انتهت أعمال البناء ولم يستطع أحد من المؤرخين أن يتكهن بالفترة التي انتهت فيها تلك الأعمال... وتحدثت كذلك على أن العمل كان يباشر بمطالعة العاهل الإدريسي يحيى الأول ولكن أحدا لم يردد صدى عاهل آخر من بعده كان له النصيب الكبر في هذا المشروع... بل إن جميع المصادر التاريخية التي تحت أيدينا لم تتعرض لهذا العاهل الثاني إلا في سطر واحد لا يتجاوز عشرة سانتيمات(2). هنا ندرك القيمة الأثرية والتاريخية كذلك التي تنعم بها هذه «اللوحة» فهي أولا تحمل انتهاء العمل في المسجد أعني «شهر ذي القعدة من سنة ثلاثة وستين ومائتين» فتكون أعمال البناء استغرقت ثمان عشرة سنة... واللوحة تحمل ثانيا سرا آخر يفوق الأول في الخطوة ذلك أنها تنصف عاهلا إدريسيا مرت عليه الكتب مرور الكرام بالرغم من أنه ظل المسيطر الحقيقي طيلة الفترة «الغامضة» التي عاشتها فاس بعد توزع الأمر بين بني إدريس هذا العاهل هو داود بن إدريس الذي كان عاملا على إقليم تازة من قبل أخيه محمد... لقد نحت في هذه اللوحة اسمه على النحو التالي : «مما أمر به الإمام أعزه الله داود بن إدريس أبقاه الله ونصره نصرا عزيزا...» وإذا كنت قد ألحت على إبراز هذا الأثر النفيس فلانة من جهة أول أثر عربي استطاع أن يصمد أحد عشر قرنا في هذه البلاد، ولأنه من جهة أخرى ينطوي على «فتح» جديد في التاريخ المغربي إذ أنه فيما اعتقد سيضطر الذين يعنون بالتاريخ إلى مراجعة القرطاس وابن خلدون والاستقصا فيما نقلوه تباعا عن أيام الأدارسة... سيضطرهم هذا الأثر الذي لا يصل إلى نصف متر مربع إلى تحبير عشرات الأمتار... إن عليهم أن يتساءلوا عن الملك داود ؟ وعن العاهل الذي بنيت على عهده القرويين هل هو حقيقة «يحيى أو إنما هو عمه داود بن إدريس... أن أنها ابتدأت على عهد الأول وانتهت على عهد الثاني ؟»

وإذا نحن جاوزنا هذه الحقبة من التاريخ فسنجد أنفسنا أمام ثروة هامة وهامة جدا... ثروة تحدثت عنها الكتب ولكنها ظلت دفينة طوال قرون حتى هذه الأيام... لقد قام المرابطون في أوائل القرن السادس الهجري بإصلاحات هامة في القرويين –ولو أن أيامهم بالمغرب لم تكن طويلة- ولقد اختفوا من الميدان ومن سوء الحظ أن ظهور الولاة الجدد كان –بدافع الغيرة- عاملا على كتم أنفاس الفن المرابطي الجميل مما دعا طائفة من رجال الآثار إلى الحكم على المرابطين بحسور الذوق وضحالة الإنتاج؛ وبالرغم من أن كتب التاريخ قد عرضت في شيء من الإيجاز لما قامت به أيدي المرابطين من إبداع في البلاط العمودي الذي يمتد من المحراب إلى «العنزة» وبالرغم من أنها رددت صدى «النقش والتخريم وأصناف الصبغة» على حد تعبير القرطاس(3)، فإن سوء الظن بالفن المرابطي ظل حليفا لطائفة من رجال الآثار لدرجة أن بعضهم نسب بعض آثارهم للموحدين، وراح يقارن بين آثار هؤلاء في فاس وآثارهم في مدينة مراكش مثلا(4)... نعم تقرر منذ عشر سنوات –بإلحاح من مدير جامعة القرويين إذ ذاك- القيام بإصلاح عميق في تلك الجهات من المسجد، وهنا برزت للعيان تلك النقوش، وتلك التخريمات، وظهرت أصناف الصبغة الحمراء والصفراء والبنفسجية... ولا يهمني –وأنا أتحدث عن المنقوشات- إلا هذه الحروف المنحوتة التي كشفت عن كثير من الأسرار التي استمرت مكتوبة طيلة ثمانية قرون... لقد عرفنا في كل الكتب التي تحدثت عن تاريخ فاس أن أعمال البناء التي قام بها المرابطون –بما في ذلك جامع الجنائز- تمت(5) سنة 538 لكنا وقفنا من تحت هذه الطبقات من الجبس على وثيقتين أثريتين... ثم وقفنا على وثيقة أخرى نحتت على باب جامع الجنائز... وكل هذه الوثائق تؤكد أن أعمال البناء انتهت سنة 531 أي سبع سنوات قبل التاريخ الذي توطأت عليه المؤلفات... وهكذا ففوق الشماسية الوسطى الموجودة على المحراب عثر على «لوحة كتبت بالخط النسخي» تحمل اسم الفنان الذي باشر عمله هنا (عبد الله بن محمد) كما تضبط (وقت إنها العمل : شهر رمضان المعظم سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة (1137). وإلى جانب هذا تقرأ في الجهة الشرقية من القبة المستطيلة التي تلي قبة المحراب بخط كوفي عتيق وجميل أيضا : اسم العاهل المرابطي الذي أذن بالقيام بهذه الإصلاحات وأعني به السلطان علي بن يوسف بن تاشفين... وفي الجهة الغربية من القبة المكورة نقرأ نفس التاريخ الذي تحمل الوثيقة الأولى فإذا ما انتقلنا على باب جامع الجنائز سنقرأ هذه الجملة منحوتة على الصفر يمين عروة الباب : «عمل عبد الواحد عام إحدى وثلاثين وخمس مائة» ولا أحب أن أودع هذا الباب دون أن أعيد إلى الأذهان أن هذا الباب هو الذي نقل إلى الخارج ليعرض في أول مؤتمر للمهندسين المعماريين بباريس سنة 1957، وهو الذي شاهد المعروض الدولي في بروكسيل سنة 1958 فكان الوجه المشرق للثار الإسلامية بالمغرب وانهالت آيات التقدير والتهاني على اثر لم يكن وليد اليوم ولكن من عمل صانع مغربي من أوائل القرن السادس الهجري... واعتقد أنه سيكون في إبراز هذه الخطوط بتمامها سواء منها الرسومات التي تحتوي التاريخ والمؤسس... أو التي تتضمن بعض الآي والحكم سيكون في إبرازها للعموم أثر قوي على تصحيح الفكرة التي حشيت بها بعض الأدمغة حول الفن المرابطي ردحا من الزمان، ولعل مما ينبغي أن نذكره في هذا الصدد أن ظهور هذه الفنون دعا بالفعل منذ الآن –بعض الذين يعنون بالآثار إلى الإشادة بالشخصية التي ينعم بها الفن المرابطي وإلى تتبع مفاتنها ومفارزها، والمقارنة بينها وبين الفنون التي استطاع التاريخ أن يحفظها للمرابطين في جهات(6) أخرى بل إن في رجال الآثار الغربيين من راح يعلن أن هذه القبة المستطيلة التي تصافحها أعيننا بالقرويين هي من أقدم القباب القائمة على مقر نصات (Stalactite) ذات أبعاد واسعة(7)... ولا نترك العصر المرابطي دون أن نقف برهة أمام منبر المرابطين لقد كان من الروعة الفنية والقيمة الأثرية بحيث يكون وحده «عالما» يستحق عناية الآثاريين أنه أفخر أثاث خلفته لنا العصور الوسطى وأنه إلى جانب هذا أروع مثل يحتذى في الزخرف المبني على الأسس الهندسية. 
إن الحديث عن نقوش المنبر يتطلب من المرء أن يتزود بمقاييس فنية دقيقة وصائبة... وهو علاوة على الزخرف المتناسق الجذاب الذي كسا كل جوانبه، طرز بآيات شريفة من العاج الثمين تحيط بمدخله ذاهبة من اليمين إلى اليسار بخط نسخي أندلسي مقروء... وعلى طول درجه طرز ببقية من آية أخرى بالعاج ولكن الحروف القديم الذي تتحكم فيه الزخرفة فيستعصى أحيانا على مستكشفيه، أنك ستقرأ عن يسار المنبر : «يوفون بالنذر ويخافون يوما كان شره مستطيرا..» ويدلك على شدة اعتناء المتقدمين بهذه الثروة النادرة المثال أنهم خصصوا للمنبر غشائين أحدهما من الجلد، والثاني من الكتان يزاحان عنه كل جمعة(8)... وبذلك على ثروته أيضا أن النفقة عليه قدرت بما يزيد على ثلاثة آلاف وثمانمائة دينار أي ما يساوي أزيد من أربعة ملايين، من الفرنكات الحالية(9)، ولقد كان المنبر يحمل على ذروته تاريخ انتهاء العمل فيه(10) لكن هيام المختلسين بالعاج جعلت هذه الأحرف هدفا للضياع وهكذا فلم يبق منها سوى بعض الحروف المنهوكة كما يلاحظ ذلك من تسلق أدرجه التسعة...
ولنودع العصر المرابطي لنعيش قليلا مع الموحدين : توجد أبواب داخل تنفذ من قاعة الصلاة إلى جامع الجنائز، تعرف هذه الأبواب تحت اسم «أبواب الرواح»... فيها الباب الأعلى الذي يجاور المحراب والأوسط تم الأسفل، وكل هذه الأبواب من خشب لكنها استحالت إلى لوحات فنية قليلة النظير فهي سلسلة من زهور ورسوم منقوشة، ويمتاز الأعلى من هذه الثلاثة بأن مصاريعه تحتوي عدة آيات وهكذا فستقرأ هناك محيطا بها : إن في خلق السموات والأرض الآيات وستقرأ تحت هذا : «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله» (الآيات)، كما تقرأ «يا أيها الذين أمنوا اركعوا واسجدوا» (الآيات)، وستقف إلى جانب هذا وسط الباب على بيتين على هذا الوزن :
يـــــا واقـفـــــا لـــــــدي إن             أبصـــرت منـــي  مـــا تــــرى
جـــد بالدعـــــا  لصانعــــــــي          بجــــــاه سيـــــد الـــــورى
ترى أنهم لم يجدوا عنتا ما في التخريم والتطريز... ولقد كانت هذه «الدفف الحمراء» تحمل اسم مالكها ابن الملجوم. واسم الصانع وتاريخ الصنع أعني سنة 578 لكن الذين كانوا يقومون بين الفينة والأخرى بأمر الإصلاح في القرويين كانوا لا يكترثون بمثل هذه الوثائق وإن من البرور ما يعتبر عقوقا كما يقولون(11)!.
ولننتقل من نقوش أبواب الرواح إلى صحن المسجد لنقف على «خصة العين» التي نعتها الشعراء الأقدمون «بالخصة الحسناء»(12) والتي تمتاز في أبرز ما تمتاز به بشباك من رخام أبيض يحتوي على مائة وأربعة وعشرين خاتما(13).. يوجد تحت هذه النافذة البديعة تاريخ الصنع وقد نحت بخطوط نسخية على حجر أحمر هكذا بعد التسمية والتصلية : «وإن من الحجارة لما يتفجر من الأنهار» (الآية) ثم بعد هذا «كمل شهر جمادى الأخيرة سنة تسعة وتسعين وخمسمائة».
وهذه الحروف المنحوتة علاوة على احتفاظها بروعتها الأثرية فإنها تؤرخ دخول الماء إلى صحن القرويين بعد أن كان يقتصر على باب الحفاة..
ولننتقل من «الخصة الحسناء» إلى «الثريا الكبرى» هذه الثريا الأثرية التي لا يمكن أن تقارن مطلقا في الشرق والغرب إلا بالثريا التي توجد بالمسجد الأعظم بمدينة تازة سواء من حيث أبعادها وثروتها الفنية أو زخرفتها البديعة(14)... لقد احتوى جانب من الساق الذي يحملها على هذه «الوثيقة» التي تتضمن اسم العاهل الموحدي أبا عبد الله الناصر الذي أمر بصنع هذه التحفة العديمة المثال في العالم الإسلامي، كما يتضمن جانب من الساق أيضا هذه العبارة : «صنعت هذه الثريا بمدينة فاس حرسها الله وكان الفراغ منها في شهر جمادى الأولى سنة ستمائة» هذا على ما نقش على إفريزها الأول والثاني والثالث من آيات بخطوط نسخية تخنفي أحيانا بين الزهور المنحوتة... وبخطوط كوفية تتحول أطرافها هي الأخرى إلى باقات منسجمة(15)..

(1) – القرطاس الجزء الأول طبعة فاس  صفحة 77.
(2) – القرطاس ص 71- ابن خلدون الجزء 16 طبعة دار الكتب اللبناني ص 27 – الاستقصا الأول 179.
(3) - القرطاس الجزء الأول ص 87 طبعة المغرب سنة 1936.
(4) – Les mosquées de Fès et du Nord par Boris Maslow : L’introduction de M.Trrasse page (XI).
(5) – القرطاس الجزء الأول طبعة المغرب ص 88-89.
(6)  - ARS orientalis volumes II 1957 : La mosquée d’Alquarawâyin à Fès et l’art des Alinaravides par Henri Terrasse Page 135.
(7) - ARS orientalis volumes II 1957 : La mosquée d’Alquarawâyin à Fès et l’art des Alinaravides par Henri Terrasse Page 143.
(8) - Le Maroc dans les premières années XVIe siècle page 101-103.
(9) – القرطاس الجزء الأول طبعة المغرب ص 88.
(10) – زهرة الآس طبعة... ص 42.
(11) – القرطاس الجزء الأول طبعة المغرب ص 96-97.
(12) – القرطاس صفحة 43-44.
(13) – القرطاس ص 21.
(14) - La grande mosquée de Taza par Terrasse page 56-57-58.
(15) - «القرويين في أحد عشر قرنا» للمؤلف...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here