islamaumaroc

ملامح المغرب الحديث. بوادر المسرح الإسلامي بالمغرب -2-

  دعوة الحق

214 العدد

سبق لي أن قدمت في عدد سابق دراسة من (ملامح المغرب الحديث) في موضوع (بوادر المسرح الاسلامي بالمغرب) (1) وقد سرني أن يكون الموضوع محل نقاش من طرف عدد من الاوساط المهتمة والعلمية- الا المختصة- شارك فيها عدد من السادة العلماء الاجلاء بالخصوص، وهذا النقاش إلهام دفعني الى العودة الى الموضوع.
والملاحظة الاكثر اهمية فيما استنتجه من هذا الحوار هو أن عددا من علمائنا اضافوا الى أن رسالة المغرب الحديث، وأن حركة النهضة التي اتبدأت في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين ترتكز على أسس ومعطيات لها أهميتها البالغة. وتتمثل هذه المعطيات في :
1- ان حركة النهضة قامت على أكتاف عدد من العلماء وبرعايتهم انطلاقا كما يجمع عدد من الذين واكبوا ظهور الحركة الفنية الجديدة، انها طريقا من طرق الاتصال بمختلف المواطنين وفئاتهم، كما كان مظهرا من مظاهر توعية المجتمع المغربي، والتزامه للتطور الزمني المطلوب تبعا لـ : (حركة الانبعاث والتطور) التي عرفها المغرب ولدعوة الذين آمنوا منذ العقد الثامن من القرن التاسع عشر من ضرورة بعث الوعي الثامن من القرن التاسع عشر من ضرورة بعث الوعي الجديد، والتخلص من تهمة الانزواء، والتقوقع، التي اتهم بها من البعض، أو تخيل البعض الاخر ان الاراء الشاذة والمتطرفة التي ظهر بها بعض العلماء مقياسا للفكر المغربي الذي أعلن مؤمنا في نفس الوقت ان وسائل الاعلام هي في الحقيقة حرب بالاقلام، وان الحركة الفنية قد ارتكزت اولا على منطق استفاد من أسس المعرفة الانسانية مصارعا الذين لا يدركون حقيقة الاختبيار المغربي الاصيل لا في مضمونه ولا في مفهومه.. فكان الاختيار الجديد في المجال الفني يستخدم الوسائل الوقتية الحساسة للوصول الى الغاية.. وهو : اختيار يستهدف تركيز الوعي بصفة عامة، والانطلاق نحو التخلص، مؤكدا أن هذا الاختيار لم يكن عفويا، أو يتمركز في المجال الفني، على التمثيلية بمفهومها العام من جهة، والحماسية من جهة ثانية.
2- ان هؤلاء الرواد كانوا أهلا لتحمل هذه الحركة بما فيهم بعض الذين توحي إلينا اليوم هيأتهم العامة انهم مجرد "فقهاء".
وترتكز هذه الملاحظات على ما سجلته من أن هؤلاء ناقشوا هذا الموضوع التقني من منطلق الالهام الشامل، والوعي الكامل بالمسؤولية ماداموا فقهاء  زمانهم، ومثقفي عصرهم، مما يدعو الى الاعتزازا والفخر بهؤلاء :

فالملاحظة الاولى :
الاقتناع الكامل بأن المسرح أصيلة في المغرب، وعرفت تطورا مختلفا حسب الامكانيات الزمانية والظرفية. فإذا كان المغرب اهتم بـ "الحلاقي" الى درجة تسخيرها الى العمل السياسي والعسكري مما لا يتسع له المجال في هذا العرض، فإنه ركز هذا الاهتمام على صور البطولات الاسلامية، ومواقف الشرف والدفاع، فإن (مسرح البساط) (2) كان تطورا ضروريا لهذا النوع من التعبير خصوصا بعد ان رعته السلطات العليا، وقام بدور مدروس، حيث نجد بوادر المسرح العصري وجد صداه في وقت مبكر جدا عندنا ويؤكد ذلك الصراع الذي أحدثه بين السادة العلماء حتى تناولوه من حيث رأي الشرع فيه هل هو حلال أم حرام كما هو الشأن بالنسبة لكل جديد، وكل تحول مما تعرض إليه صاحب كتاب : (تحذير المسلمين من مذهب العصريين) (3) عند انتقاده لفرقة قامت بتمثيل رواية بعنوان : (يوم القيامة).

الملاحظة الثانية :
ان الذين ناقشوا الموضوع يعلمون جيدا ان حركة المسرح الاسلامي ابتدأت خارج المغرب قبل سنة 1941 بل قب عرض مسرحية (عبد الرحمن الناصر)..
وإذا كان أغلب العلماء بالخصوص ينابعون ذلك عن طريق الوثائق التي تناولها من قبل بخصوص هذا الموضوع، فإن البعض الآخر يعلم جيدا أن المسرح يبتدئ بظهور مسرحية (يوسف الصديق)  التي نشرت بمجلة (الهلال) في مارس 1897 وبرواية (محمد) لتوفيق الحكيم المنشورة سنة 1936، وبمسرحية : (مولد الهدى) للاستاذ أحمد الشرباطي المنشورة سنة 1955، الى غير ذلك من المعلومات القيمة التي يحيط بها العالم المغربي في عدة جهات.
وإذا كانت قد ارتكزت في البحث السابق بخصوص المنطلق المغربي على تمثيلية : (في ليلة المولد) للاستاذ أحمد زياد المطبوعة (سنة 1367 هـ 1947م) فإنني ارى من الضروري أن أتناول بالتعريف مسرحية (مولد الهدى) للدكتور احمد الشرباصي المطبوعة (سنة 1382 هـ 1962م) نظرا لاهميتها العلمية من جهة، واعتبارا لقيمتها الفنية، وهي مسرحية- كما يؤكد مؤلفها- (4) تتحدث عن "مولد الهدى"، فيها لشخصية الرسول نصوير، ولحياته تجلية، ولدعوة الاسلام العادلة الفاضلة تمجيد، تأتي من بعيد من ناحية كتابتها، لأنها صيغت (5) حينما بدأنا وضع اللبنات الاولى في بناء "المسرح الاسلامي"، وكان هذا المسرح الوليد يتطلع يومئذ الى زاد يحدو به خطواته الوئيدة الاولى، وكانت هذه المسرحية جزءا متواضعا من هذا الزاد، ثم مرت عليها السنون وهي على حالها، تصور بلغة الحوار وأسلوب القصة مادار من احداث، وما انبثق من أضواء، وما كان حول هذه الاضواء من ضلال، حين شاءت عناية الله العلي الكبير أن يمن على العالم بهذا الرسول صلوات وسلامه عليه. ونستطيع أن نجدد معالم هذه المسرحية في المعالم التالية :
اولا : في صدر هذه المسرحية نرى تصويرا للفترة التي كانت قبيل ميلاد النبي الرسول، عليه السلام، ونرى كيف كانت الدنيا محتاجة اليه، يقوم عوجها، ويصلح فسادها. ويقيمها على سواء السبيل، وكيف كانت الارهاصات والرموز البادية أو الخافية تشير الى قرب هذا الظهور، وكيف نال بعضها تزيين التصور او التخيل.
ثانيا : ثم تنتقل المسرحية لتظهر لنا كيف أشرقت شمس المولود الفقير في ماله، النبيل في عنصره، الطهور في حسه ونفسه، المهد لغد حافل بجلائل   الاعمال وعظائم الاصلاح، ثم كيف تجلت الاشارات والامارات على ملامح هذا النشء الكريم، تشير الى أن له مع الدنيا والناس والحياة تاريخا أي تاريخ..
ثالثا : ثم يتحدث النص كيف يبلغ الامين سن الاربعين من عمره، ويستوي عوده، ويكتمل شبابه، ويتم عقله، ويصبح صالحا لحمل الامانة وتأدية الرسالة، فإذا سفير السماء وأمين الرحمن جبريل عليه السلام يتنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بباكورة الدعوة وطليعة التنزيل وهو يتعبد في غار "حراء" يهبط عليه جبريل ليردد على مسمعيه قول ربه عز من قائل : "اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الانسان من علق، اقرأ وربك الاكرم، الذي علم بالقلم، علم الانسان ما لم يعلم" وإذا رجفة كبرى تهز هذا الكيان البشري الطهور، كيان محمد عليه الصلاة والسلام، ولم لا والواجب خطير، والمهمة جليلة ؟ ماهي الا لحظات أو ساعات، حتى يعاود جبريل نزوله، ويهتف في مسمعي النبي الرسول بناء ربه له : "يا أيها المدثر, قم فأنذر، وربك فكبر، وثيابك فطهر، والرجز فاهجر، ولا تمنن تستكثر، ولربك فاصبر".
رابعا : وينهض المدتر عليه السلام بالدعوة الكبرى، ونرى المسرحية تصور لنا المجهود الضخم الذي يبذله، والعنت الشديد الذي يلقاه من أهل الشرك والكفران والعناد وألوان التعذيب هو المؤمنون الاولون، وقد كانوا في أول الامر قلة ضعفاء فقراء، ومنهم من جار عليه الزمن، واستبد به طيغيان البغاة، فأنزله على حكم الرق لو الخدمة للمتجبرين في الارض.
خامسا : وكان كل هؤلاء الضعفاء والارقاء يملكون قوة أخرى هائلة : انها قوة تفوق قوة المال، والجاه، والسلطان، إنها قوة اليقين والايمان : ولذلك هم يصبرون على ما ناله في سبيل الله صبرا جميلا، هم يصبرون على ما نالهم في سبيل الله صبرا جميلا، يبذلون لوجهه من ذوات انفسهم وأرواحهم بذلا جليلا، وهم يوقنون بأن غدا قريبا سيطلع فجره، ويشرق نوره.
سادسا : وتتألق شمسه، فإذا الزبونية لله وحده، وإذا الاسلاك يسري في الارجاء سريان الاضواء في الانحاء، وإذا العدل والخير والبر والاخاء شعارات نبيلة كريمة لهذا الدين الالهي السمح العظيم، وإذا تطبيقه يؤيد قول الله فيه : "قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين، يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام، ويخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه، ويديهم الى صراط مستقيم". حيث ينتهي موضوع المسرحية وهو يصور شخصية سيدنا محمد النبي الامين التي  تبلغ من الجلال والجمال منزلة تتقاصر عنها بمراحل ومراحل، هذه الصفحات التالية التي أن فخرت بشيء فإنها تفخر أولا وقبل كل شيء بأنها تشرف نفسها بالانتساب الى الحديث عن الرسول الذي قال عن نفسه : "إنما أنا رحمة مهداة" وهو بقوله هذا يفسر قول ربه مخاطبا إياه : "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
وبعد، فإن المنطلق الذي استهدفته من تقديم  هذا التعريف بمسرحية  (مولد الهدى) يرتكز على أن هذه المسرحية تعتبر بحق من المسرحيات الاسلامية كان لها أثر في الفكر المغربي وإن كانت لا ترقى من حيث التركيب المسرحي الى ما وصلت اليه مسرحيات  أخرى من بعد، فإن دورها من حيث الموضوع والمبادرة تجعلها في مقدمة  النماذج العلمية الرائعة لأنها اعتمدت نصا مكتملا يعتمد على القيمة العلمية التي استطاع مؤلفها العالم الكاتب ان يبرزه بهذا النص الذي لا يمكن أن يغفله سواء الباحث أو الدارس او المختص في مجال المسرح الاسلامي بصفة عامة، وهذا ما سنراه فيما سنأتي عليه في جزء قادم من هذا البحث بعون الله في نطاق البحث عن بوادر المسرح الاسلامي بالمغرب.


(1) دعوة الحق- السنة : 19، عدد : 9- شوال 1398 هـ شتنبر 1978 م صفحات : 60- 64
(2) انظر مجلة (صوت الشباب) ع : 6 يناير 1961، صفحة : 18-19.
(3) الكتاب للاستاذ محمد الزمزمي بن الصديق طبع بطنجة سنة 1938 (انظ صفحة : 25).
(4) في مقدمة المسرحية بسلسلة (كتب ثقافية) المصرية، صفحات  10- 13 بتصرف.
(5) نشرت ومثلت خلال عامي 1955- 1956 باسم (مولد الرسول)، انظر (مجلة الشبان المسلمين) القاهرية عدد : مايو1979 صفحة : 29.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here