islamaumaroc

حدث أبو هريرة.

  دعوة الحق

214 العدد

يخبرنا الاستاذ محمود المسعدي في مقدمته انه هذا الكتاب منذ احقاب، إذ كان به يروم كما قال ان يفتح مسلكا الى كيانه الانساني ويقضي حجا الى موطن المفقود، قال : "وقد طرحته طرح الحية جلدها". وهذه عبارة علانية المعدن تنظر بعين الى قول ابي العلاء في مقدمة سقط الزند، انه قد رفض الشعر رفض السقب غرسه والرال تريكنه وبعين اخرى الى ذكر الحية الذي استهل به ابو العلاء حديثه في رسالة الغفران من عند قوله : "ولا الناكزة بها غانية" الى آخر ما قاله في ذلك الباب. السقب بفتح السين وسكون القاف الصغير من الابل بمنزلة الطفل من الناس والغرس بكسر الغين الجلدة التي تكون مع الطفل (الراء ساكنة). والرال بفتح فسكون فرخ النعامة، والتريكة بيضة النعام، والناكزة الحية التي تلذغ. غانية اي قيمة.
لعل كتاب السد وقد صدر للمؤلف بزمان قبل صدور هذا الكتاب، قد ألف بعده، ألا أن أسلوب الكتابين متقارب كأنه واحد، اختلاق "السد" الكبير عن "حدث ابو هريرة قال" إنه مسرحية ذهب بها في ظاهر شكلها مذهب ما يقال له الان "اللامعقول" وهي ترجمة لاصطلاح افرنجي هو في الانجليزية The Abusurd. وعندي ان قولنا "اللامعقول" ترجمة غير دقيقة، إذ كأن فيه اعتذارا للكلام المسوق على مذهب "اللامعقول" انه فوق مستوى الادراك المألوف فلابد لقائه او سامعه من مجهود زائد ليدرك معناه الذي هو وراء ظاهر ما يتناوله حس العقل. على أن قولهم The Abusurd  يدل على ان الكلام هتر وسقط غير مفهوم يراد به تمثيل الضلال الذي يعيشه عصرهم.
بعض ادبائنا يأخذون بمذهب اللامعقول تقليدا كأخذهم بغيره من أبواب الباطل كالشعر الحر مثلا مما يقدم على اكثره بداعي الفتنة، إذ ليس له طبيعة الفكر العربي من صلة واشجة أو نسب. فبعضهم يأخذون به وما أشبه املا  يجدوا في ذلك ما يستترون من ورائه فيتمكنون ان يقولوا من خلف حجابه وستره ما لا يستطيعون  ان يجهروا به أو يبينوا ان هم عمدوا الى الاساليب الواضحة المألوفة.
ليت هل كتاب المسعدي السد وكتابه هذا ايضا كلاهما من هذا الضرب ؟ ذلك بأنه ممن يضن بمثله على التقليد البحث لما يحس في أنفاس كلمه من نفس اصالة البلاغة العربية.
الفصل الاول من "حدث ابو هريرة قال" حديث البعث الاول. وقبله يتيب لأبي العتاهية :
طلبت المستقر بكل أرض 
           فلم أر لي بأرض مستقرا
جعله المؤلف لكتابه الفاتحة وعنونه بذلك فتأمل.
وفي نعت "البعث" بالاول ما يوقف عنده. فهل عني عالم الذر، قال تعالى : "وإذ اخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم" الآية . أو هل عني خلق آدم او النطفة التي يتكون من خلقها الجنين ؟ ولا يخفى ان في ذكر البعث بعد ابي العتاهية وشعره نوعا من المناسبة لكثرة حديث ابي العتاهية عن الموت. وقد اتهم بالزندقة.
وعند المستشرقين في ما زعمه نيكلسون في تاريخه للادب العربي انه هو والمعري اشعر الشعراء المحدثين خلافا لما عليه نقاد العرب من تقديم المتنبي وصاحبيه المجتري وابي تمام.
ونتساءل عن ابي هريرة هذا الذي بنى عليه المسعدي حديث كتابه "حدث ابو هريرة قال" لم وسمه باسم ذلك الصحابي الجليل ؟ وقد نرى أنه يدعوه صاحبه الى ترك صلاة الفجر في وقتها فيفعل ذلك ويرافقه في رحلة على نجيدين، كما في رسالة الغفران، ليشهد منظر فتاة وفتى يرقصان "الاوبيرا" و"الباليه" ويصليان صلاة وثنية بألفاظ نستلبانها من القرءان :
   سلام على الروح
          يسري على يسر
   سلام على النـور
          سلام على الفجر
وانظر الى هذا التشبيه : "ثم انقضت من صوت المزمار قوته فارتد رقيقا كأنه وحي من الله او همس الشياطين". لا يخفى ان قوله : "فارتد رقيقا" محاكاة لآية يوسف : "فلما ان جاء البشير القيه على وجهه فارتد بصيرا" وما استبعد ان يكون الكاتب لسعة اطلاعه وازدحام انواع المعرفة عليه قد رام اصابة جانب من معنى قوله تعالى في سورة الحج : "وما أرسلنا قبلك من رسول ولا نبي الا إذا تمنى القى الشيطان في أمنيته فينسخ الله مايلقى الشيطان ثم يحكم الله ءاياته والله عليه حكيم". فلك يصحبه التوفيق ههنا، إذ الجمع بين وحي الله سبحانه وتعالى وهمس الشياطين الملاعين  في قرن واحد من المنكرات.
والفصل الثاني وعنوانه حديث المزح والجد بدايته اقرب وايسر مأتى من سابقه. قال : "حدث رجل من الانمار قال : كانت ريحانة من سبايانا. سباها في بعض غزواتنا بالحيرة رجل منا يقال له لبيد وهي لا تزال صغير مرسلة الشعر، فنشأت فينا. وكانت حسناء غريبة الحسن. كان في عينيها نارا وبفيها ماء حميما الى آخر ما قال ". قلت والعجب للرجل القاص ممن سماهم الانمار، نكره فلم يعرفنا اسمه وسمة جاريته التي يحدثنا عنها والغزوة التي سببت فيها والرجل الذي سباها. وقوله : "كأن في عينيها نارا" يحتمل. ولكن قوله : "وبفيها ماء حميما" يوقف عنده. فإن يك اراد به صفة لهيب الغرام وتوقده مع ما يرى للماء من ترقرق فإن ماء حميما التي اختارها وإنما جاء بها من قوله تعالى : "وسقوا ماء حميما فقطع امعاءهم". ومن قوله تعالى : "من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد"، من صفات اهل النار والعياذ بالله. و"مرسلة الشعر" عبارة جميلة أخذها من ذوائب ابن الخطيم (1).
وسرعان ما ينقشع اسماح الفصل الثاني وبسره ويكاد الكاتب تنقطع مادته ويغلبه الاعياء بعيد الخبر الذي ساقه على لسان ريحانة انه كان لقومها عن ااف ونائلة غير الخبر المعروف وانه مكنون في صدرها الى ان يتوفاها حمام الموت.
ومن الفصل الثالث الى آخر الكتاب تختلط الصور وكأنها أضغاث احلام, ومع ذلك يربط بينها احيانا بانسياب واحيانا بتعثر وتكلف وصناعة خيط اسلوب واحد ذي نفس او ذي كنفس "كما يعبر
اصحاب متون الفقه احيانا" من عربية واصالة ما لو محاولة اصالة م. خذ هذه الامثلة :
اولا في ص 53- 54 : "ولم ار كالاصنام ظاهرها الروح وتملك الجسد. فأردت ان أثنيه عما اخذ فيه من مبهم القول، فقلت : ماذا صنعت بعد الانصراف من الضيعة ؟ وأين الجواري والفتيان وصحبنا وريحانة ؟ وما خبر البيت ؟ قال : ملكت ريحانة عن نفسها فأردفتها الى مكة وانطلقت بها في ليل يحجب عنها جسدها. فما كادت ابرح الضيعة حتى جاءت المعصرات بالانواء. وكان البرق يستطير فتنطلق السماء وركامها والاشجار والجبال وتقوم عصا الطريق فترتمي جميعا في وجهي وسيل الماء يكاد يجرفنا والفرس. وتهيج الكون حتى كأنه جهنم الشياطين ولا نار. وكانت ريحانة تقول : يا أبا هريرة ذهبت ناري وتبكي. وكنت لا اعي فالمطر فالريح فالشدة فأنا املأ ما اكون".
ثانيا في ص 64- 65 : "وكان أبو هريرة في أولها يكثر من الانصراف ويدعني بالبيت فلا يرده علي الا الغداء والعشاء. وكنت كلما دخل البيت وجد العنبر والمسك والعود قد نثرت فيه وألوان الطعام قد صفقت ودعت بالافواء، وأطيب النبيذ والريحان قد تضوع وفاح، فيضيء انشراحا ويصرف سروره إلي ويقول : لقد علمتني الطعام ما لذته وما سكرته فهل علمتك يا ريحانة الجوع ؟ فأقول نعم ولكني مكتفية بك، ويجلس فأغنيه ويأكل ويسقيني. وكان كلما أتى طعاما أخذه خشوع غريب، وسمعته يقول يوما وشواء بين يديه يتقاطر : ما أعظم الشواء يستحيل الى دمي ثم تأمله طويلا وقال : هذه متع الدنيا.
"وكنا كثيرا ما نجلس للطعام بفناء البيت والشمس علينا. فيعبث بكأسه في النور ويقول : يا لهفي على خمري تغشاه ظمات الاحشاء. وددت والله لو تبع البصر ضياءه فيها. ثم يشرب قدحه صبا فيغيب بصره وكأنما جره النبيذ الى غيب احشائه. وكان إذا أراد الطعام تطهر له كتطهره للاحرام".
ثالثا : ص 68 – 69 : "وان لك يا ريحانة سابقات فهل لك في قصة أحبهن الي. قلت : هات خبرك. قال : لم تقبل علي من التساء الا جارية واحدة في شبابي. فقد كنت أطوف بالكعبة كل يوم واقف على الحجر الاسود استغفر به واستفحضه. فأرى جارية تخرج الى شأن لها من بيت هناك. تفعل ذلك كل يوم وتسترق النظر إلي حتى ملكت بصري وأصبح الطواف والحجر الاسود سرابا في عيني. وتجرأت يوما، فأومأت إليها ان تلقاني عند الصفا ليلتنا تلك. فلما جاء الليل سبقتها اليها".
رابعا : ص. 9 : "أتذكر صبانا ؟ كنت أشهد سباق الخيل، فلا ينتهي السابق الى القصب حتى أكون قد استفرغت في قلبي جهده وسرقت تعبه. وكنت ألاعب أترابي في الحي، فنكون ملوكا كملوك الروم وطيورا وسباعا ورياحا عاصفة ونستوفي جميع ما خلق الله. فكان يبلغ بي الود والشوق مبلغه، حتى لقد تشبهت يوما ببعض قطاع الطريق، فتلبست به، فلم أطلق أصحاب القافلة الا بعد ان عقلت رواحهم وشددت عليهم حتى بكوا وعلت أصواتهم صياحا. ثم أفقت  فإذا قد مزقت ثياب أصحابي تمزيقا واوجعت أكثرهم ضربا وشكوني الى امهاتهم".
حسبنا هذه القطع الاربع فهي على كثير غيرها مما في الكتاب تدل، اللهم الا ما يقع فيه أحيانا من محاولة الكلام الموزون المقفى مثل القطعة التي أولها : "ان نفسي لحميم" في ص 47 و ص 48 والابيات الرائية في ص 66 :
تراكض لدى قلبــي 
       خيول كرؤى البحــر
يدوي عصفها الدنيـا
       ويلرو جبل الصخــر
والتي في ص 67 :
مضى دهر به كنـا 
       وجدنا جدة العمـــر
وشاخ النور ريحان
       وقرت خلجة الفجــر
أي  يا ريحانة على الترخيم.
في المثال الاول اشارى الى قول ابن ابي ربيعة :
وكم من قتيل لا يباء بــه دم
        ومن غلق رهنا اذا ضمه منـــى
ومن مالئ عينيه من شيء غيره
        إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
فلم ار كالتجمير منظر ناظــر
        ولا كليالي الحج أفلتن ذا هــوى
والابيات مما اختاره المبرد في الكامل. وقد أخذ المسعدي من ابي ربيعة وشعراء الغزل على زمانه فكرة الرمز بالكعبة والحج الى مسائل الحب والغزل. وأضاف الى ذلك الاخذ من اخبار السيرة كالذي أكثر فيه من ترداد اسم اساف ونائلة وقد صنع لهما نشيدا وثنيا مطلعه :
اساف ونائلـــــة
       اوقدا جذواتـــــي
اساف ونائلـــــة
       وانفيا عبراتـــــي
وكأنهما عنده كناية عما يسمى الان الحب الحر اي الرفث بلا عصمة، وكأنه قد حولهما الخين وثنيين كما كانا صنمين في الجاهلية. قالوا كان أول امرهما انهما رجل وامرأة من جرهم ثم فسقا في الكعبة فمسخا حجرين ثم عبدهما الناس.
وهل نظر المسعدي في بعض ما قال محيي الدين بن العربي في الفتوحات المكية، إذ ينظر الى بنية الكعبة ويتأملها بذهول رمزي ذي حبوية عجيب ؟
وريحانة المسعدي منظور في اختيار اسمها الى خبر عمرون بن معد يكرب الزبيدي ولعله لم يخل من نظر اليه، إذ اختار لسابي ريحانته اسم لبيد فكلاهما جاهلي اسلم وكان له مع عمر حديث، وريحانة اسم اخت عمرو واليها اشار بقوله :
امن ريحانة الداعي السميع
        يؤرقني واصحابي هجوع
وكان قد وضع عليها سباء، وكانت السبايا يرتدفن وقد قالت كبشة اخت عمرو هذا تعيره العقود عن الثأر :
فإن انتمو لم تثاروا بأخيكـم
        فمشوا بآذان النعام المصلم
ولا تردوا الا فضول نسائكم 
        إذا ذهبت اعقابهن من الدم
ولعل كبشة وريحانة شخص واحد.
وجعل المسعدي من ريحانة رمزا للشهوة وقد مر أنها من السبايا وزعم على لسان من زعمه أبا هريرة أو باسم ذلك الصحابي الجليل رضي الله عنه سماه، انه ملكها عن نفسها واردفها الى مكة فتأمل.
.......... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى
لا على عهد التحصن وضرب الخمر على الجيوب ولكن على عهد الجاهلية الاولى و"من يعيرني تطوافا" والمكاء والتصدية والحنث العظيم. التطواف بكسر التاء خرقة كانت تستتر بها التي تطوف عارية او شبه عارية. والمعصرات والانواء والخراب بعد الذي ذكره المسعدي من شراب وغناء منظور في ذلك الى خبر الجرادتين اذ غنتا وقد عاد اذ شغلوا بهما عما قدموا اليه من الاستسقاء لقومهم لهم سحابة العذاب فقالوا هذا عار ممطرنا "بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم". لفظ المعصرات قرآني وكذلك الركام. والشجر والجبال في هذا السياق يتضمنان نظرا الى سجدة آية الحج.
وهي عند الامام مالك رضي الله عنه (وأهل تونس على مذهبه الا ما قل) : "الم تر ان الله يسجد له من في السماوات ومن في الارض والشمس والقمر والنجوم والشجر..." تأمل قول المسعدي : "والاشجار والجبال وتقوم عصا الطريق فترتمي جميعا على وجهيّ أليس هذا بسجدة أو كالاشارة الى السجدة ؟
وفي المثال الثاني لمح نحو خبر زكرياء (بالمد كما في قراءة نافع وأبي عمرو) ومريم عليهما السلام : "كلما دخل عليها زكرياء المحراب وجد عندها رزقا
قال يا مريم أنى لك هذا". تأمل قول المسعدي : "وكنت كلما دخلت" الى قوله "وألوان الطعام"، وقوله : "فيضيء انشراحا ويقول لقد علمتني الطعام مالذته". وتأمل قوله : "أخذه خشوع غريب"، وفي خبر زكرياء عليه السلام في سورة الانبياء كما تعلم ايها القارء الكريم قوله تعالى : "فاستجبنا له ووهبنا له يحيى وأصلحنا له زوجه انهم كانوا يسارعون في الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين".
وقد ضمن الكاتب لمحه الى القرآن الكرين وأخذه منه لمحا الى الشعر كقوله امرئ القيس :
ألم ترياني كلما جئت طارقـا 
        وجدت لها طيبا وان لم تطيـب
وكقول الاعشى :
إذا تقوم يضوع المسك اصورة
        والزئبق الورد من اردانها خضل
نفس كلا هذين البيتين في قوله : "وكنت كلما دخل البيت وجد العنبر والمسك والعود قد نثرت فيه إلخ".
وأمر الطعام والنبيذ والشراب وانس الحسان مما قصائد الجاهلين به مفعمة : قول امرئ القيس مثلا :
نمش بأعراف الجياد اكفنـا
      إذا نحن قمنا عن شواء  مضهب
وفي حديث المسعدي ههنا الفرس والشواء والجارية. وقوله "وكنا كثيرا ما نجلس للطعام بفناء البيت والشمس علينا" كأنما ولدع من ابيات امرئ القيس المعروفة :
وقلنا لفتيان كرام الا انزلوا
        فعالوا علينا فضل ثوب مطنب
وأوتاده ماذية وعمـــاده
        ردينية فيها اسنة قعضـــب
فلما دخلناه أضفنا ظهورنا
        الى كل حاري جديد مشطـب
نمش باعراف الجياد اكفنا
        اذا نحن قمنا عن شواء مضهب
واستحالة الشواء دما في قوله : "ما أعظم الشواء يستحيل الى دمى"، وبعده قوله : "يا لهفي على خمري تغشاه ظلمات الاحشاء" كأنه مولد من بعض ما يذكر من خبر المسيح عليه السلام : "اخذ خبزا وشكر وكسر واعطاهم قائلا هذا هو جسدي الذي يبذل عنكم واصطنعوا هذا لذكري، وكذلذ الكأس ايضا بعد العشاء قائلا هذه الكأس في العهد الجديد بدمي الذي يسفك عنكم". (انظر الكتاب المقدس العهد الجديد).
هذا والمثال الثالث يشير الى الخبر عن ابي هرير اذ كان على  درسه فرأى عائشة بيت طلحة تجتاز في بعض شأنها مسرعة فزعموا انه قال كأنها من الحور العين او كأنها خرجت من الجنة والخبر فيما نرجع مصنوع لورع ابي هريرة رضي الله عنه ولكثرة امثال هذا الخبر على السن الشعراء في الجاهلية والاسلام. قال النابغة :
لو انها عرضت لاشحط راهب
              عبد الاله صرورة متعبــد- الخ
وقال كثير :
رهبان مدين والذي عهدتهم 
              يبكون من حذر العقاب رقدا – إلخ
وقول المسعدي : "واقف على الحجر الاسود استغفر به واستخمضه" فيه نظر لما يروى عن امير المؤمنين عمر رضي الله عنه في هذا المعراض. وتأثر المسعدي بالمعري لا يخفى. وحديث ابي العلاء عن البيت والحج والحجر الاسود في اللزوميات وغيرها معروف.
والمثال الرابع اقل الامثلة التي ذكرنا خفاء معنى. يقص الكاتب علينا فيه قصة ذكرى من عهد طريقة تواردها على النائم بعض كتابه ؛ تأمل قوله : "ثم افقت فيقص الكاتب علينا فيه قصة ذكرى من عهد طريقة تواردها على النائم بعض كتابه ؛ تأمل قوله : "ثم افقت فإذا انا قد مزقت ثياب اصحابي تمزيقا واوجعت اكثرهم ضربا وشكوني الى اماتهم", ولعله مزق ثياب اصحابه في الذكرى التي تذكرها وشكوه بها ثم جعلها حلما كما ترى وخلطها بما كان جاء به وما اتبعه من بعد من أضغاث صراع الحياة.
هذه القطعة بوضوحها النسبي تنبهنا الى ان المسعدي قد نهج منهج الدكتور طه حسين في مراعاة نقاء العربية وفصاحة اللفظ، ثم له مع ذلك رنة أسلوب الدكتور طه حسين رحمه الله. هذه الرنة الطاهيو شيء احتفظ به المسعدي في كتابه "حدث ابو هريرة قال" من اوله الى آخره الا ما قدمنا من محاولة الموزون المقفى وهي عينيها رنة أسلوبه في كتابه "السد". تأثره بنغم طه حسين رحمه الله وطريقة رنين موسيثا اسلوبه امر لا مدفع له، غير أن ألفاظ المسعدي كأنهن امضغ وربما دنون قليلا الى مذهب مصطفى صادق الرافعي رحمه الله  في اختيار اللفظ الجزل مع الصناعة واحسب انه لا يصيب الجزالة في ما يجيء به موزونا ؛  مع هذا رنته الطاهية اظهر ؛  غير أنه ينبغي ان نحترس فنقول ان رنة اسلوب المسعدي ليست في ذات نفسها بشيء مستعار، ولكنها شيء منبعث منه من نوع اصالة لا يقدح في ذلك شدة تأثره بغيره على نحو ما ذكرناه.
يبقى بعد هذا كله امر غموض المسعدي وخفاء مراده.
عم كنى الكاتب بأبي هريرة ؟ عم كنى بالفتيات والفتيان والرقص والجحيم ؟ ما اساف وما نائله. وهذا الاقحام لمكة والمدينة والبيت والحج ؟ ماهذه الاحلام التي تخلط بين ستة الشورى وقيام الساعة وابن بطوطة ودهليز الدين ونفخة اسرافيل ؟- "اضغاث احلام وما نحن بتاويل الاحلام بعالمين"- لو قد كن حقا هن اضغاث احلام.
البيان العربي من ائتلاف عناصر ثلاثة. العنصر الاول هو الروح الدافع وهو نغم الكلام الخفي المعتلج في النفس الذي يريد أن يظهره البيان. العنصر الثاني هو اللفظ ويعبر عن هذه الموسيقا الداخلية كما يعبر عن معان معقولة واضحة الدلالة. العنصر الثالث هو المعنى وهو ظاهر يصلنا من دلالات الالفاظ الواضحة وباطن يصلنا من الايحاء الكامن في نغم الكلام وموسيقاه الداخلية. ائتلاف هذه العناصر الثلاثة معا حتى يصرن كلا واحدا امر بين جلي في الشعر الجيد مثلا خذ معلقة زهير وتأمل قوله فيها :
وكائن ترى صامت لك معجـب
              زيادته او نقصه في التكلم
لسان الفتى نصف ونصف فؤاده
              فلم يبق الا صورة اللحم والدم
كما ههنا حكمة، ههنا ايضا تعريض حاذق دقيقة بضروب من البشر شهدوا اندية الصلح في  امر حرب داحس والخبراء. (هذان البيتان عندنا من شعر زهير بلا ريب وبعضهم لم يروهما له). هذا، وللع در البحتري، إذ بقول في ابن الزيات :
لتفننت في الكتابة حتــــى
              عطل الناس فن عبد الحميد
في نظام من البلاغة ما شك امرؤ انه نظام فريد (اي نظام عقد فريد).
وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد مشرق في جوانب السمع ما يخلقه عوده على المستعيد
 مستميل سمع الطروب المغنى
              عن أغاني مخارق وعقيـد
حجج تخرس الالد بألفــــا
               ظ فرادى كالجوهر المعدود
ومعان لو فصلتها القوافـــي
              هجنت شعر جرول ولبيـد
حزن مستعمل الكلام اختيـارا
              وتجنبن ظلمة التعقيـــد
وركبن اللفظ القريب فـــأ
              دركن به غاية المراد البعيد
وربما حسن هنا ان نستطرد فنقول ان هذا السهل الممتنع الموجز من كلام ابي عبادة رحمه الله احوى لأصناف من تحليل اسرار البيان من كل ما اسهبه عبد القاهر رحمه الله في كلا "دلائله وأسراره والناس بهما جد مفتونين وقد نسب قوم كل ابداع البلاغة الى النظم ولا يعدو النظم انه احد عناصر البلاغة كما قال البحتري :
في نظام من البلاغة ما شك امرؤ انه نظام فريد  وبديع كأنه الزهر الضاحك في رونق الربيع الجديد اذ هو ائتلاف عنصرب اللفظ والمعنى في نظام جيد النسق انيق الرونق كما ذكر ابو عبادة ههنا. ويبقى بعد امر ائتلاف عنصري اللفظ والمعنى مع نغم الكلام وموسيقاه الداخلية، وهذا لا يستطاع "بالتحليل الاكاديمي" كما نقول الآن، ولا بالتحليل المنطقي كما حاول قدامة، ولكن يدركه الذوق. والى ذلك فطن ابو عبادة إذ قال :
حزن مستعمل الكلام اختيـارا 
              وتجنبن ظلمة التعقيــــد
وركبن اللفظ القريب فأدركـ
              ـن به غاية المراد البعيــد
وقوله :
مستميل سمع الطروب المعنى
              عن أغاني مخارق وعقيــد
فيه تنبه على النغم والرنين الداخلي. وقوله من بعد :
ما اعيرت منه بطون القراطيـ
              ـس وما حملت ظهور البريد
كالتأكيد لما تقدم. وفي شعراء ابن قتيبة حيث ذكر ان من الشعر ما له حلاوة من غير كبير طائل شرف في المعاني كالاشارة الى بعض هذا. وقد عورض ابن قتيبة حيث ذكر ابيات كثير عزة واحسب ان مراده قد خفي على غير واحد ممن عارضوه والله تعالى اعلم.
من عناصر البيان الثلاثة التي ذكرنا عنصر غيابه هو الذي نشأ عن  خفاء مراد المسعدي وغموضه في "حدث ابو هريرة قال". أصاب المسعدي رنة نظام لفظ ائتلافه. ولكن ذلك يحمل الينا اشباحا من المعاني والنغم الداخلي لا بيانا ناصعا. وانما الاشباح بالنسبة الى ما يرمن تمثيله من ارواح واجساد اشياء مبهمات وصور مشوهات.
الروح الذي هو سر البيان ويدركه القلب والذوق بلا عناء لابد له من المعنى المعقول الواضح الذي من وراء ظلاله وايقاعه يكون التأثير والايحاء. إذا ائتلف المعنى والنغم الداخلي وتعثر اللفظ وهو جسد الكلام، جاء الكلام كزا شحيحا ذا عقد وهذا ما عناه البحتري رحمه الله حيث قال :
حزن مستعمل اختيـــارا
              وتجنبن ظلمــة التعقيــد
واستشهد ابن قتيبة بقول الفرزدق : 
والشيب ينهض بالشباب كأنــه 
              ليل يصيح بجانبيـه نهـــار
تعثر المعنى هنا سببه قصور اللفظ كما نبه ابن قتيبة :
وقول كثير عزة :
ولما قضينا من منى كل حاجــة
              ومسح بالاركان من هو ماسـح
وشدت على حدب المهارى رحالنا 
              ولم ينظر الغادي الذي هو رائح
أخذنا بأطراف الاحاديث بيننــا
              وسالت بأعناق المطي الاباطـح
فيه حلاوة المعنى واللفظ مع نغم حلو من موسيقا الكلام. وفطن ابن قتيبة رحمه الله الى جميع هذا. وأتى من جهة طلبه الشرف للمعنى لا الاكتفاء بالحلاوة وحدها ولعله لم يخل من بعض التحامل على تشيع كثير والله تعالى اعلم.
ونتساءل ما المعاني التي ضن بها الكاتب علينا او حقا ضن بها عن التعبير فجثمت جنوم ظلام على أشباح معانيه وبعض لفتاته التي قد يحس منها بعض ما ينبو عنه الذوق ؟ مع الجمجمة والاحجام عن صريح البيان اسرف الكاتب في الاشارة الى كتب واشعار واخبار لا يعلمها اكثر القراء في العالم العربي المعاصر، وقد يحمد له ان ما صنعه قد يغري بعضهم ان يطلعوا على القديم. الا ان طابع الانغلاق الذي وسمه به ربما نفر اكثر من ان يكون يغري. ان
القارئ لن يسلم بحال بعد اقباله على "حدث ابو هريرة قال" بانشراح نفس ليستمتع ويستزيد من ان يحس بعد انحسار السطر بعد الاسطار والصفح بعد الصفحات بخيبة امل شديدة. حتى أشباح المعاني المبهمة في الكتاب يخالطهن نوع تكرار وإخلاء, أي فقدان للزيادة في المعاني والبيان.
هل يتم القارئ الكاتب على ما في ذلك من جهد وعناء ؟
هل يطبقه وهو على ما فاته من مغلق اسراره حزين ؟
الم أم ليست له اسرار ؟
أم هي يد فكر حريص حديث تعطو لتنال، فلا تقدر ان تنال، وليس تم يا للاسف ويا للصنيعة ما ينال أو يمكن ان ينال ؟
ولله در ابي الطيب رحمه الله إذ قال في زمانه القديم :
ابلغ ما يبلغ المراد به الطبـ
              ــع وعند التعمق الزلـل
والحمد لله أولا واخيرا.

(1) قال قيس الخطيم في عمرة الخزرجية :
ولم ارها الا ثلاثا على منى        وعدي بها عذراء ذات ذوائب

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here