islamaumaroc

مع شعراء المغرب في أرض الحجاز -1-

  دعوة الحق

214 العدد

قلما تجد شاعرا من شعراء المغرب، لم يتغن بأرض الحجاز الحبيبة : مهبط الوحي، وموطن الرسالة، حيث المسجد الحرام، والكعبة المشرفة، وزمزم، والصفا والمروة، ومنى، وعرفات، والمشعر الحرام، والجمرات... ومدينة الرسول (طيبة- يثرب)، والروضة المنورة، والقبر الشريف، والبقيع، وبدر، واحد، وسواها من المشاهد والمناسك، مشاهد تهفو إليها افئدة المومنين، وتتحرق شوقا للتملي من طلعتها، والتعفر بترابها، والانحناء في محاربها، حيث تغفر الذنوب، وتصفو القلوب، وتستجاب الدعوات، وتدر البركات..
ومن هؤلاء الشعراء، أبو الفضل عياض بن موسى اليحصبي السبتي (ت 544 هـ 1149م (1) وقد كتب رسالة الى قبر الرسول تأنق فيها ما شاء له التأنق، وافتن أيما افتنان، وهو نمط من الادب، اختص به المغاربة- كما يقل القلقشندس- (2) لشط المزار، وبعد الديار، ويمتاز بحرارة العاطفة، وصدق التعبير، (... وبعد فأني كتبت إليك، صلى الله عليك، يا خاتم الرسل، وهادي اوضح السبل، ورحمة العالمين، ونعمة الله على المومنين، وشارح القلوب والصدور، ومخرجها من الظلمات الى النور، فإني عبد من أهل ملتك، المتحملين لأمانتك : منهاجك وشريعتك، والمتلزمين للحنيفية ملة أبيك ابراهيم المؤملين النجاة بالدعوة : دعوتك، التي خبأتها شفاعة لأمتك، ممن أشرق فؤاده بشعاع أنوارك، واهتدى قلبه بعلم منارك، وتاه عقله بحسرة قوات رؤيتك وابصارك، وهام قلبه في حبك وتوقير عظيم مقدارك، وعدته العوادي (3) عن التشفي بقصد قبرك ومزارك، وقطعت به القواطع عن التشرف بمشاهدة مشاهدك الشريفة وآثارك، مصافح بالايمان بك وتصديقك، شاهد الجوارح بالتقصير عن أداء حقوق الله وحقوقك، فهو طليح (4) ذنوب ومآثم، وأسير تباعات (5) وخل آثم، أثقلت ظهره مع العاصين خطاياه وآثامه، وانقطعت في التمني مع العادين لياليه وأيامه، وقصرت به عن جد المخلصين أوزاره واجرامه، فلا رجاء له إلا في عفو الله واستشفاعك، ولا خلاص له إلا بالتعلق بحقوك (6)، يوم يكون آدم ومن ولد تحت لوائك ومن اتباعك، فيا محمداه ! طال شوقي الى لقائك، ويا محمداه ! ما كان اسعدني لو متع المسلمون ببقائك، ويا نبياه ! عليك مني أفضل الصلوات والبركات والتسليم، ويا حبيباه ! اذكرني عند ربك في مقامك المحمود الكريم، ويا شفيعاه ! اشفع لي ولوالدي في ذلك الموقف العظيم..) (7).
وهذا- كما يقول المقري- مقام طالما طمحت إليه همم الرجال، وتسابقت جياد أفكارهم في مضماره بالروية والارتجال، وسارت أرواحهم مع الرفاق،- وإن اقامت الاشباح، وطارت قلوبهم بالاشواق، ولم لا وهو سوق تعظم في الارباح (8)..
ومن شعر عياض- في هذا الصدد قوله :
يا دار خير المرسلين ومن بـــه
           هذي الانان وخص بالآيــــات
عندي لأجلك لوعة وصبابــــة
           وتشوق متوقد الجمــــــرات
وعلى عهد ان ملأت محاجـــري
           من تلكم الجدران والعرصـــات
لأغفرن مصون شيبي بينهــــا
           من كثرة التقبيـل والرشفـــات
لولا العوادي والاعادي زرتهـــا
           ابدا ولو سحبا على الوجنـــات
لكن ساهدي من جميـل تحيـــة 
           لقطين تلك الـدار و الحجــرات
اذكى من المسك المفتق نفحـــة
           تغشـاه بالآصـال والبكـــرات (9)
وممن سلك هذا المسلك وبلغ غاية الاماد، الكاتب الاديب ابن الغماد (10)، فإنه قال يتشوق الى ذلك الجناب المنيع، ويترجى التيسير وحسن الصنيع (11) :
شوقي الى خير الخلق متصـــل
           يا ليت شعري هل ادنو وهل أصل
وهل أزور ثراه وهو خير ثــرى
           استنشق المسك منه ثم اكتحـــل
وهل أرى روضة حل الكمال بهـا
           من كل ارض اليها تجهـد الابـل
وحتى يقول :
في كل عام ارجى زورة معكــم
           فتنهضون وشأني دونكـم ثقــل
لو خف ظهري لكان الجسم مرتحلا
           لكن قلبي أمام الركب مرتحـــل
يحدو به وجده والشـوق سائقــه
           وكيف يدنو كلال منه أو ملل
واحسرتاه ! فاز غيري بالوصال الى 
           أرض الحبيب ودوني سدت السبل
متى ينادي به الحادي يبشرنــي
           بشراك- يا مغربي- انزل فقد نزلوا
انزل بطيبة طاب العيش قد ظفرت
           به يداك فلا خوف ولا وجـــل
عبد له أنا أن نادى وبشرنـــي
           وانت حر إذا بلغن يا جمــــل
قلبي بحب رسول الله مشتغـــل
           يا ويح قلب له عن حبه شغـــل (12)
وبرز في هذا الميدان وأوفى على من سبقه، الشاعر المبدع ذو الوزارتين، أبو عبد الله محمد بن مسعود بن أبي الخصال (ت 540هـ- 1145م) (13).
له قصائد ورسائل طوال الى المقام النبوي، والحجرة الشريفة، وقد جاء في بعضها قوله :
(... كتبته- يا واضع الاصر والاغلال،  ورافع رايات الهدى على الضلال، ومدلنا بالظل من الحرور، ومخرجنا الظلمات الى النور، ومروينا من الرحيق المختوم، والحوض الذي آنيته بعدد النجوم، ومحظينا بالنظر الى الحي القيوم،- عن دمع يسفح، ونفس يلفح، وصدر بأشواقه ملآن يطفح، وعرف عليك من الصلاة والسلام ينفح، واسف إليك بتلهب, وزفرة بأحناء الضلوع تجيء وتذهب، وحشاشة بعوائق البعد عندك تنهب، وكيف لا أقضي حزنا، ولا أرسل دموع الوجد والتلهف مزنا، أم كيف ألذ حياة، وأؤمل نجاة، ولم أعبر الى زيارتك لجة ولا مومأة، ولا اخطرن في قصدك نفسا انت منقذها ومنجيها، ولا مثلت بمعاهدها المشهرة، ومشاهدك المطهرة، أحييها، ولا نزلت عن الكسور- كرامة للبقعة المقدسة التي نويت فيها، فوا أسفا ! الا اخب الى ثراك مقبلا، ولا اكب الى مثواك مستقبلا، والا اصافح من تلك العرصات، مدارس الايات، ومهبط الوحي والمناجات، حيث قضى فرض الصوم والصلوات، وحيث انتشر التنزيل، وسفر بالوحي جبريل، وبرزت خبيثة الدهر، وأوثرت بليلة خير من ألف شهر، اسفا لا يمحو رسمه، ولا يعفو تربه ووسمه، الا الوقوف بحرم الله وحرمك والتوسل هناك الى كرمه بكرمك، اللهم كما جعلتني من أمته، واستعملتني بستنه، وشوقتني الى آثاره، وشغلت قلبي بتذكره وتذكاره، واريتني تلك المعالم المنيفة خيالا، وخططت منها في الضمير مثالا، واريتنيها ملء السمع والفؤاد جمالا، فأشف بمرآها بصرا ضريرا، وبسناها يرتد بصيرا، واجعل لي فيها معرسا ومقبلا، وضع عني من شوقها اصرا ثقيلا, اللهم اعدني بالقرب عى بعده، واجعلني من المقتفين لهداه من بعده، واغمرني بين قبره ومنبره، ومبدئه ومحضره، ومصلاه ومنحره، وانخ هذه الشيبة، بباب بني شيبة، واغسلها هناك من ذنوبها وخطاياها، وعج الى خاتم انبيائك صدور مطاياها، وهب لي عزمة من اطاع، وبسطة من استطاع، وادفع عني الضرر والضرورة، ولا تمتني حلس البيت صرورة (14). لو اتيت- يا رسول الله- سولي، لسبقت اليك كتابي ورسولي، لكن قل الوفر، واستقل السفر، وغادروني حرضا (15)، ولسهام الوجد غرضا، اتبعتهم نفسا لا يؤوب، وقلبا يستخفه القلق والوثوب، فاتشبث بهم تشبث الاسير بالطليق، والحظهم لحظ السقيم للمفيق، فلم أملك- يا رسول الله- الا رقعة تشكو بث التبريج، وتحية خفيفة المحمل طيبة الريح، تشارج- يارسول الله- بارجائك، وتنضرج (16) الى قبولك ورجائك,,) (17).
ومن شعره :
   كتاب وقيد(18) من زمانته مشفـي
              بقبر رسول الله  احمد مستشفــي
   له قدم قد قيد الدهر خطوهــــا
              فلم يستطع الا الاشارة بالكـــف
ولما رأى الزوار يبتدرونه
           وقد عاقه عن قصده عالق الضعف
بكى اسفا واستودع الركب اذ غدوا
            تحية صدق تفعم الركب بالعرف
فيا خاتم الرسل الشيع لربع
           دعاء مهيض خاشع القلب والطرف
عتيقك عبد الله ناداك ضارعا
           وقد اخلص النجوى وايقن بالعطف
رجاك لضر اعجز الناس كشفه 
           ليصدر داعيه بما شاء من كشف 
 خطاها عن الصف المقدم والزحف
            ولأني لارجو ان تعود سوية
  برحمة من يحيي العظام ومن يشفي
            عليك سلام الله عدة خلقه
  وما يرتضيه من مزيد ومن ضعف(20)
ولنا وقفة مع قصيدته الشهيرة "معراج المناقب"- في العدد القادم بحول الله.

(1) اختص ترجمته ولده محمد بتأليف أسماه "التعريف"- نشرته وزارة الاوقاف والشؤون الاسلامية بالمغرب.
وأبو العباس المقري في كتابه "أزهاؤ الرياض في اخبار عياض"- طبعته أخيرا- كاملا في خمسة اجزاء- وزارة الاوقاف بالمغرب
(2) انظر صبح الاعشى ج 6 ص 46
(3) عدته العوادي : صرفته شواغل الدهر.
(4) طليح : حبيس
(5) التباعات جمع تباعة : ما يتربت على الفعل من الشر.
(6) الحقو : الذيل.
(7) المقري، ازهار الرياض : ج 4 / 17- 19.
(8) نفس المصدر ص 20.
(9) انظر في ترجمته "أزهار الرياض" ج 4 ص 32- الحاشية رقم (161).
(10) أورد القصيدة المقري في "ازهار الرياض" ج 4 ص (180).
(11) ازهار الرياض ج 4 ص 32.
(12) اورد القصيدة المقري في "أزهار الرياض" ج 4 ص 33- 34.
(13) ترجمته في "قلائد العقبان" للفتح بن خاقان ص 174- 182، والمغرب في حلى المغرب- لابن سعيد ج 2 ص 66، والمعجب للمراكشي ص 137 – نشر سعيد العريان.
(14) فلان حلس البيت : ملازمه لا يفارقه، وهو ذم له، والصورة الذي لم يحج حياته مع الاستطاعة.
(15) حرضا : مشفيا على الهلاك.
(16) تأرج الزهر : فاح، وتضرج : تفتح.
(17) ازهار الرياض ج 4 ص 24- 27.
(18) الوقيذ : الشديد المرض.
(19) نظم هذه القصيدة نيابة عن رجل من قرطبة يقال له عبد الله الصيرفي، أصابته زمانه.
(20) أزهار الرياض ج 4 ص 30- 31.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here