islamaumaroc

قصة قصيرة " المريد "

  دعوة الحق

214 العدد

الفراغ بنوعيه : المادي، والروحي، مخالف لنواميس الطبيعة. ولابد أن يمتلئ.. فإما أم تملأه الامم بما يضمن لها الاستقرار والاستمرار، والتضامن والتعاون، والسعادة  والرخاء ؛ وأما يملأه من داخل البلاد أو من خارجها من يتربص بها الدوائر، ويرجو لها الدمار والبوار!

ووقف الحاج ميمون في ذلك الضحى على  قمة نجاحه بقدم راسخة ورأس شامخة.
كان قد انتقل، داخل ذلك الاسبوع الى داره الجديدة.. أو بالاحرى قصره البديع الذي بناه على رقعة أرض واسعة مطلة على الغابة شرقا والمحيط الاطلسي غربا. وجمع في أبهائها، وغرفها وقبابها، وأقواسها، كل ما أبدعته يد الصانع المغربي والاوربي من أناقة وجمال..
وقف ينظر من دربوز الحلقة بالطابق الثاني الى البهو الارضي الفسيح المكسو بزربية وردية فاتحة من الحائط للحائط، وقد فرشت فوقها زرابي رباطية حمراء ووضعت عليها ثمانسة صالونات من طراز لويس الخامس عشر، وفي وسطها موائد من الرخام المغربي المرصع بالقواقع والمحار المتحجر.
كانت زوجته الشابة الجميلة (مليكة) تقود الخدم بين الغرف الارضية توزع عليهن مسؤولياتهن.. وخلفها مربيتها الحاجة كريمة.. تحمل مبخرة يصدر عنها دخان خليط من البخور مثل الجاوي والفاسوخ، وحصى اللبنان، وغيرها من البخور التي تفسخ السحر، وتدرا العين.. وفي كل غرفة كانت العجوز تطلق زغردة قوية عالية، وتصلي على رسول الله، وتدعو لسيدها بالسعادة والهناء، وطول العمر، ولكل حسود بالطالع المنكود..
ونادى الحاج  ميمون زوجته من فوق :
- اطلقي العود وكولونيا حتي تختفي رائحة البخور.. الشيخ لا يحب البخور.. يقول لنا أنها شعوذة..
ووافقته زوجته بسرعة على غير عادتها، كما سبق أن وافقته على دعوة شيخه " سيدي عبد الحي
الزمزامي" على مضض، لأنها لم تكن تثق في مشيخته، وكانت تعتبره دجالا كبيرا، ومشعوذا خطيرا..  ولم تعد تصارح زوجها بذلك منذ ضربها ضربا مبرحا حين روت له حكاية الحاجة (أمينة) معه أثناء رحلته معها هي وزوجها الى الحج بالسيارة .. فقد اشتكت الحاجة (امينة) الى زوجها من مضايقات الشيخ لها، وهي المرأة الورعة التقية، ولم يصدقها حتى اكتشف الامر بنفسه، وحينئذ تبرأ منه، وأنزله من سيارته في أول مدينة !
وحين عاد الشيخ الزمزامي الى الوطن، كان أول حديثه عن "اصحاب الافك"، وقصة "سيدنا يوسف" وتهمة امرأة العزيز له ليصد بها أية تهمة يشيعها زوج الحاجة أمينة !
ورغم أن زوجها قاطع مجالس الشيخ (الزمزامي) فإنه احتفظ بسر الفضيحة حرصا على شرف زوجته، وحفظا لسمعته بين الناس.
ولكن الحاجة أمينة التي كانت صديقة حميمة (لمليكة)، زوجة الحاج ميمون، لم تجد أحدا تفضي إليه بسريرتها غيرها.. وذلك لتنفس عن نفسها أولا، ولتحذرها من الشيخ المنافق، ثانيا..
كانت (مليكة)، في ذلك الصباح الميمون اسعد من أن تحرم زوجها من سعادته باستدعاء شيخه ليبارك قصره الجديد، ويدعو له فيه بالخير والبركة، ورغم أن يقينها كان قاطعا بأن دعوات (الزمزامي) شيخ (الطريقة الزمزامية)، أو (الزمارية) كما كانت تسميها وراء ظهره، لا تقبل، فلم تكن تستبعد أن يكون من بين أتباعه ومريديه فرد مؤمن يستجيب الله لدعواته فتحصل البركة.. وبهذه الفلسفة طمأنت نفسها، وانطلقت تجر أذيال المرح والسعادة في أبهاء قصرها الجديد وتلقي بالاوامر..
وبعد صلاة العشاء حضر الشيخ (الزمزامي) على راس جماعة من أتباعه المخلصين وهم ينشدون ورد الطريقة بأصوات منغومة..
وقف الشيخ الذي كان يناهز السبعين بجلبابه الابيض، ووجهه المستدير، ولحيته المنسدلة على صدره ينظر من فوق أنفه الكبير الى بهو الدار الفسيح، ويردد، ملتهما بأصبعيه حبات سبحته :
- تبارك الله.. تبارك الله.. تبارك الله. كان يحاول إخفاء انبهاره بالثريات البلورية التي تصب أضواءها الملونة على الارض المكسورة بأبهى ما أنتجته الرباط من نمارق وزرابي.. ولم يحول انتباهه عن بهاء الدار الا زغاريد النساء من فوق الدربوز، وعبوب الحاج ميمون في بذلته الرمانية اللون، المفصلة في باريس على آخر طراز، لاستقباله بتقبيل كتفه..
ودخل الجميع فقادهم الحاج ميمون الى الصالة الكبرى المواجهة لمدخل الدار. وقصد الشيخ (الزمزامي)  صدر القاعةمتجاهلا الحاج ميمون الذي يشير له الى جانبها الايمن ليترك للنساء حرية التجول وسط الدار بعيدا عن عيون الشيخ والاتباع.
ومر العشاء الفاخر على أحسن ما أراده الحاج ميمون، رغم أن زوجته كانت غير راضية على كثير مما فعلته المتعلمات والخادمات.. لم يكن الحاج ميمون، الذي نشأ في البادية، يلقي بالا لكثير من التفاصيل والجزئيات التي كانت زوجته المدنية تصر عليها، ويعتقدها زوائد وكماليات لا داعي لها، مثل مرشات ماء الزهر، ومباخر العود، وأوراق الورد في صحون غسل الفواكه، وباقات الزهور وغيرها من الالتفاتات الحضارية الناعمة..
وحين جاء وقت الانصراف طلب الحاج ميمون من شيخه أن يزوده بنصائحه وملاحظاته حول الدار، فقال له هذا، بعد أن بسمل، وحوقل، ومسح لحيته بقبضته :
"قال تبارك وتعالى : "إن الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم. يوم يحمى عليهم في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون"، وقال تعالى : "ولا تفرحوا إن الله لا يحب الفرحين" "وأنت يا محل ولدنا، الحاج ميمون، أعز علينا من أن نترك غضب الله ينزل عليك"..
والتفت إليه قائلا :
"هل تريد أن ينزل غضب الله عليك ؟"
فحرك الحاج ميمون رأسه نافيا بعنف، وقد فاجأه موقف شيخه من داره التي بناها من ماله الحلال، واستشاره في بنائها قبل أن يفعل، فبارك له في بنائها، بل ونصحه بإظهار النعمة عليه..  وهو يتذكر الان بوضوح الاية التي تلاها عليه حينئذ، وهي : "قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق؟"، وقوله تعالى : "لئن شكرتم لأزيدنكم" فكيف غير رأيه الآن ؟.
ولم يترك له شيخه الوقت للتفكير فأضاف.
"اذن عليك أن تفعل شيئا للتخفيف من حدة غضب الله"..
فاستبق الحاج ميمون سائلا شيخه بلهفة :
"ماذا يا سيدي ؟ قل لي وأنا أفعل ! حالا  !.
فأشار الشيخ الى الزرابي المبثوثة وسط البهو الكبير :
"أعتقد انه يكفي أن تترك بقية اخوانك المريدين والمحبين وأنصار الزاوية في التمتع بهذه الزرابي.. أنت تعرف أن حصر الزاوية بدأت تتآكل، والشتاء قادم.."
وقاطعه الحاج ميمون قبل أن يتم كلامه :
"حاضر، يا سيدي، حاضر، إن شاء الله، سأنقلها الى الزاوية في الصباح بحول الله".
فحرك الشيخ رأسه راضيا :
"الله يرضي عليك.. الله يرضي عليك.. لن تندم على ذلك.." وهوى الحاج ميمون على رأس الشيخ فقبلها..
وقام هذا خارجا بين ذكر مريديه وزغاريد النساء من فوق الشرفات ودربوز الحلقة.
وفي صباح الغد أفاقت (مليكة) زوجة الحاج ميمون، على حركة غير عادية في بهو الدار، وحين أطلت من نافذة غرفة نومها بالطابق الثاني رأت عددا من العمال يجمعون الزرابي من تحت صالوناتها الفاخرة، ويلوونها، ويحملونها الى شاحنة خارج الدار..
ونزلت تجري، فالتقت بزوجها على السلم، وصاحت به بصوت مكبوت حتى لا يسمع الحمالون :
- ماذا يفعل هؤلاء ؟
- انهم يأخذون الزرابي.
- الى أين ؟
- الى الزاوية.
- الزاوية ؟ لماذا ؟
- الشيخ أمرني بذلك..
-  هل سيستعيرها لحفل ما، أم لتبقى هناك ؟
- ستبقى هناك.
- ماذا تعني ؟
- إنها هبتنا على الزاوية حتى نتجنب غضب الله.
- لماذا لا يتصدق هو بزرابيه، على زاويته ؟
- اسكتي يا امرأة  ! ما هذا الكلام ؟ !
- لن أسكت  ! تلك زرابي أنا. وقد تعبت عليها تعبا شديدا مع صناع الزرابي حتى جاءت كما هي.. والآن يأخذها منا ذلك الـ..
ونظرت الى وجهه الجهم فبلعت الكلمة، وعادت تقول :
- لما لا يعطيهم زرابيه ؟
- لأنه لا يملك زرابي.. الشيخ ناسك متقشف.
فنظرت مليكة الى السقف في نفاذ صبر لغباوة زوجها، وقالت :
ليس له زرابي.. ليس له زرابي. كيف عرفت ؟ هل دخلت عمرك داره ؟ إنه يعاملك كالبهائم.. لا يدخلهم داره لأنكم دون المستوى  ! دون المستوى..
وانتفخت أوداج الحاج ميمون، فرجعت مليكة من قدامه هاربة من غضبه.. ذلك لأنه لا يستطيع الرد عليها بمثل كلامها الجارح،  فيستعمل يديه وقدميه بدل لسانه.
وظلت هي تنسحب من مدى ضرباته، وتكيل له المهيجات :
- شيخك، يا سيدي، له زرابي أحسن من زرابيه، وله تلفزيون ملون وفيديو لا تملكه أنت..
- اسكتي يا امرأة، وإلا كسرت أسنانك  ! كيف تجرئين على الكلام في ولي الله ؟ ! ستمسخين ! ستتحولين الى حجرة صماء !
- لن يمسخ إلا هو ! لماذا يحرم علينا التلفزيون، ويتفرج هو فيه ؟ !
- أقول لك أنه لا يملك تلفزيونا !
ورفه قبضته مهددا :
- لماذا لا تذهب الى داره وتنظر الى سطحها ؟ هوائيته أكبر هوائية في الحي.. فهو لا يكتفي بالمغرب فقط بل يرى إسبانيا، والبرتغال، وجبل طارق، وأحيانا إيطاليا.. اسأل الناس ! هل ذلك حرام عليك أنت، وحلال عليه ؟ لماذا ؟ هل لأن التلفزيون يفتح المخ ؟ والشيخ يريد اتباعه جهلة جامدين، لا يسمعون لأحد غيره ؟ !
وكان صوتها قد ارتفع قليلا فتبعها ليسكتها بوكزة، ولكنها انفلتت منه وراحت تدور حول دربوز الحلقة وهو يتبعها حائرا بين ما تقوله، وبين أن يسمع العمال صوتها أو يتفرج عليهما الخدم..
وانقذه من مأزقه صوت رئيس الحمالي يناديه حين تم وضع الزرابي في الشاحنة.
ونزل  السلم يحسك أسنانه غيظا من تصرفات زوجته الحمقاء.
وعلى باب الزاوية التي كانت عبارة عن مستودع قديم للسيارات لقي (السي مسعود)، أحد تجار الخضار، ومريدا مطرودا من زاوية الشيخ الزمزامي.. لا يدري الحاج ميمون لماذا، ولكن الشيخ فاجأه ذات يوم، بعد صلاة العصر، بطرده مكفرا له مزندقا مهرطقا، محرما على مريده الكلام والتعامل معه حتى لا يتعرضوا لنفس المصير.. ولم يجرأ أحد على سؤال الشيخ عن الاسباب.. فهو أعلم بما يفعل، وهو معصوم من الخطأ، كما قال لهم في غير ما مناسبة.
واحرج الحاج ميمون حين وجد نفسه وجها لوجه أمام السي مسعود الذي لم يكن يعرف أو يسمع عنه إلا خير.. وحياه الرجل، فتردد الحاج ميمون في السلام، فتداركه السي مسعود :
- انها تحية الاسلام "وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها"، صدق الله العظيم. أم هل نسخت أحاديث شيخنا الكبير كلام الله ؟
واضطر الحاج ميمون الى الرد على مضض، ثم انصرف الى الحمالين الذين كانوا ينزلون الزرابي من الشاحنة ويدخلونها الزاوية.
ووقف السي مسعود يتفرج على العملية، وعلى وجهه السمح الملتحى ظل ابتسامة سخرية ضايقت الحاج ميمون. ولم يكتف السي مسعود بالنظر والابتسام بل تقدم الحاج ميمون الذي ولاه ظهره، وأخذ يهمس له حتى لا يسمع العمال :
- الحاج ميمون.. لا تكلمني إذا شئت، ولكن، على الاقل استمع الي.. أنا لا أدري ما قاله لكم الشيخ عني حتى قاطعتموني.. والقاضي العاقل يسمع من الخصمين.
وتظاهر الحاج ميمون بأنه لا ينصت إليه. فكان يعطي الاوامر للحمالين وهم يفرشون الزرابي وسط الزاوية. ولكن السي مسعود أصر على اسماعه قصته :
- سبب الخلاف بسيط جدا.. لقد كنت أنا الآخر مثلك، لا أفعل شيئا دون استشارته.. ولو طلب مني أن أرمي نفسي في البحر لفعلت..
ولكن الحديث النبوي يقول : "من الحزم سوء الظن".. وقد ذهبت إليه لاستشارته في شراء دار من اليهود بكل ما في الكتاب من خزي وعار. واخجلني حتى لم أجد اين أضع وجهي.. فخرجت معتذرا، وأخبرت اليهودي بأنني لن أشتري الدار التي كان يعرضها علي بثمن مغر للغاية، نظرا للصداقة التي كانت بيننا.
وتوقف السي مسعود ليرى هل يستمع إليه الحاج ميمون. وحين تأكد من أنه ينصت استأنف ؛ وكأنه يجهز عليه..
- ولكن، أتعرف ما صنع شيخنا الجليل ؟ لقد ذهب الى اليهودي واشترى منه الدار لنفسه في ذلك المساء بالذات !  وحين اخبرني اليهودي بالصفقة ذهبت غاضبا الى الشيخ أسأله عن السر وراء تحريمها علي وتحليلها على نفسه، فانتهرني، واتهمني بالجهل والشك في نية شيخه، وطردني من الزاوية وأمركم بمقاطعتي  كأني مرتد !. هذا هو سبب الخلاف، يا سيدي !
وتوقف السي مسعود ليرى مفعول كلامه على الحاج ميمون، ولكن هذا ظل يلقي بالاوامر للعمال غير عابئ به. فاضطر السي مسعود الى وداعه قائلا :
- إذا كنت جئت بهذه الزرابي بأمر منه، فالاحسن أن ترجعها الى دارك، ولا تحرم أولادك منها.. وإذا اردت أن تتصدق بها فهناك من يستحقها..
ولما  لم يسمع جوابا حرك رأسه وتلا الآية : "إنك لا تهدي من أحببت، ولكن الله يهدي من يشاء"
وذهب الرجل، وبقيت اصداء كلماته في أذن الحاج ميمون خاوية لا تعني شيئا..  كان إيمانه بشيخه إيمان البدو.. خشنا، عنيفا، لا يعرف المراجعة، ولا يتأثر بالاقاويل ! جاء الى المدينة معدما فأثرى، ولكنه بعد أن أحس بالامن المادي شعر بفراغ روحي.. وصادف جوعه الى الامن الروحي دعوة الشيخ الزمزامي فاعتنقها.. وملأت ما كان بقي في داخله من فراغ..
وأقفل الباب بعنف على ما سمعه من السي مسعود، ودخل يساعد الحمالين بنفسه في فرش الزرابي وترتيبها على النحو الذي يتناسب ومقام الزاوية في نفسه.
ومرت يومان..
وذهب الحاج ميمون لصلاة الجمعة في زاوية شيخه، يكاد يمشي على الهواء زهوا وخيلاء بما يتوقعه من ردود فعل المريدين الطيبة على التفاتته الكريمة.. وربما قال الشيخ كلمة طيبة عنه في خطبته فتكتمل بذلك سعادته ويرتفع في عيني الشيخ درجة على بقية المريدين.
ولكنه فوجئ، وهو يدخل الزاوية، بالحصر القديمة المبتلة بمياه الوضوء، فوقف ينظر الى الارض وقد سقط فكه الاسفل..
وداخل حمامه البارد سمع أحدا يكلمه. نظر حواليه، فإذا مقدم الزاوية ينظر اليه بعينين حزينتين، وقد وضع يدا فوق يد مستعدا للتبشير بالكوارث..
- أرايت ؟ أرأيت ما فعلوا ؟! أولاد الحرام! لقد سرقوا كل تلك الزرابي الجميلة التي أهديتها للزاوية.. قرعوا الباب، وأخذوا الزرابي.. لم يحترموا  الزاوية ولا مقام الشيخ عند الله...
وانضم الى المقدم عدد من المريدين بطواقيهم الشرقية، ولحاهم القصيرة السوداء، والموشحة بالبياض، وكثر اللغط والاستفهام، والاستغفار، والاستنكار.
واكتظت الزاوية بالمصلين.. ودخل الشيخ فوقف يلقي خطبة الجمعة التي كان يمزج فيها الفصيح بالعامي، فهاجم الاضرحة والاولياء، ووقف يصيح ولحيته الطويلة ترتعش ويشير بيده في كل كل اتجاه : "بعض من نسميهم أولياء وصالحين لا يساوون ثمن القبور التي دفنوا فيها، فما بالك القباب والاضرحة التي بنيت عليهم.. وبعضهم يستحق أن يبال عليه !".
واستغفر أحد الجالسين الى جانب الحاج ميمون من ذوي الحساسيات المرهفة وتحرك في مكانه لسماع الكلمة المؤذية في حرم المسجد، وخطبة الجمعة، وأغمض عينيه حرجا وألما، وبقي كذلك بضع دقائق.
ونظر إليه الشيخ من فوق المنبر فجأة عن الخطابة، وأشار إليه بيده :
- أنت أيها النائم في بيت الله أثناء خطبة الجمعة ! انهض يا قليل الحياء، واخرج من بيت الله !
وفتح الرجل عينيه ليرى الاعين تطوقه من كل جانب، فأدرك أنه المقصود.. ونظر الى الامام فرأى الشرر يتطاير من عينيه للحاقدتين وهو يشير إليه بأصبع الخزي والعار.
وحاول الرجل أن يشرح، ولكنه أدرك أنه لا فائدة من ذلك، فالتمس بلغته ونهض خارجا..
كان الشيخ عبد الحي الزمزامي على غزارة معرفته بعلوم الدين واللغة، وحفظه لكتاب الله، ولعدد هائل من الاحاديث النبوية بسندها، ورغم ذكائه الطبيعي، وقدرته الخارقة على تخدير الناس، واجتذاب الدهماء الى طريقته كان فاشلا في اخفاء شراسته وتكبره، وتطاوله، وغروره.. كان في دمه خيط اسود من العناد والجبروت يتجلى في خلافه الدائم لاجماع الملسلمين، وانشقاقه في صلاته، وصيامه، وغرسه في مريديه انهم هم وحدهم على حق، والباقس على ضلال.. لذلك كان أقرب الناس اليه، من أخوته وأقاربه ومريديه هم أول من يولي منه فرارا، ويمتلئ منه رعبا !
وانتهت الصلاة، وسلم الشيخ واشار الى مريديه ألا يخرجوا، وتوجه إليهم بالكلام :
"أود أن أخبركم بأن أخاكم الفاضل الكريم الحاج ميمون، محبنا ومريدنا كان قد تبرع لمسجدنا هذا بعدد من الزرابي الثمينة.. جاء بها من بيته تلبية لرغبتي لنصلي عليها جميعا، ولكن الله اراد غير ما اردنا.. اراد ان يبقى بيته بسيطا خاليا من كل علائم الترف والزينة. فسخر من اخذ تلك الزرابي، وبقي فضل الله.. وانا اريدكم ان تشكروا للحاج ميمون اريحيته وكرمه كما لو اننا استمتعنا بزرابيه الفاخرة. وانا اول الشاكرين "وان شكرتم لازيدنكم" صدق الله العظيم.
ونهض الشيخ الزمزامي متقبلا مصافحات الاتباع والمريدين..
ولم يرد الحاج ميمون أن يخبر زوجته بما حدث حتى يتفادى تشفيها ولذع لسانها المر.. فجلس للغذاء صامتا على غير عادته حين يعود من صلاة الجمعة عامرا بالاحاديث والقضاب التي يتطرق اليها الشيخ الامام..
واحس من حركاتها أنها تخفي شيئا. ولكنه كان عكر المزاج، فلم يرد أن يستفسرها ولكنها بادرته بسؤال أحس فيه نبرة من سخرية :
- مالك ؟
ولم يجب، فألحت :
- مالك ساكت ؟ ألا تحكي لنا ما قاله الشيخ في خطبته اليوم ؟
وظل يأكل صامتا فأضافت متشفية :
- سرقوها. أليس كذلك ؟
وفجأة وصول خبر سرقة الزرابي إليها بهذه السرعة.
- من قالها لك ؟
- البلد كلها تعرف ! لا مدينة تكبر على الاشاعات، وأخبار السوء !
وانحنت لتنظر الى وجهه من فوق صحن الكسكس مؤكدة ما ستقوله :
- والبلد كلها تعرف من سرق الزرابي كذلك !
ورفع رأسه وكأنما وقعت على وجهه صفعة :
- من ؟ سرقها ؟
وأشاحت عنه بوجهها معتصمة بالصمت.
- من سرقها ؟ أجيبي يا امرأة !
فحدجته بنظرة باردة :
- لن تصدق !  فما الفائدة من اخبارك ؟
فصاح في وجهها واقفا في مكانه مهددا :
- هل تقولين من سرقها أم لا ؟
فوقفت مبتعدة عن مرمى يده وصاحت وكأنها تغرز في صدره سفودا :
- إنه شيخك ! شيخك العزيز الذي أخرجها من دارك، من تحت رجليك الى الزاوية بطرف لسانه الفتان، ثم من الزاوية الى داره على أكتاف المريدين والانصار !
ورمى منديله على الحشية غير مصدق، وتحرك نحوها كرك نحوها كإنسان آلي تلقى أمرا لتنفيذه :
- كذابة ! كذابة يا بنت الحرام !
فابتعدت عن طريقه رافعة أذيال قفطانها : وصاحت في شبه استغاثة منادية :
- كريمة !. كريمة. !
وظهرت الحاجة كريمة من باب المطبخ، حيث كانت تنصت الى حديثهما، وهي تتظاهر بمسح يديها في فوطة لتجيب بنبرة براءة :
- نعم آللا..
- قولي للسي الحاج أين وجدت الزرابي هذا الصباح !
فجاءت  الحاجة كريمة التي كانت صغيرة الحجم كثيرة الحركة والنشاط والفكاهة على كبر سنها، ووقفت أمام الحاج ميمون :
- نعم آللا.. وجدت الزرابي التي كانت عندنا هنا، وأنا أعرفها جيدا، فقد فرشتها بنفسي، وهي عندي مرشومة، وجدتها  في دار الشيخ (الزمزامي)..
فسألها الحاج ميمون متحديا :
- ولماذا ذهبت لدار الشيخ ؟
- راسلتني "للا مليكة" بصحن كسكس الى دار الشيخ، على عادتنا كل يوم جمعة.. أنت تعرف أن الشيخ يحب طعامنا.. وهناك رأيت  الزرابي كلها مكومة في الصالة القبلية. حاولت خادمهم "زكية" منعي من دخول الغرفة، ولكنني راوغتها ودخلت، لمجرد معرفة ما تخبئ ! النساء فضوليات، ياسيدي الحاج !
وصرفها الحاج ميمون وقعد على مهل وكأنه في شريط بطيء الحركة..
كان يحس بخدر ثقيل في دماغه. وكان يرى نفسه وكأنما ألقي به فوق قبة هائلة من الزجاج الملون فانفجرت وتطايرت شظاياها في كل اتجاع بنفس حركة الفيلم البطيء.
وظل مغلقا على نفسه وكأنه داخل قشر بيضة حمراء لا يعرف أين هو، ولا يرى أو يسمع ما حوله..
وفجأة وقف ليتوجه نحو الباب خارجا، فتبعته زوجته مشفقة عليه !
وخرج الحاج ميمون دون أن يسمع كلمة مما قالت..
وأخذ سيارته وقصد الجبل.. وفي وسط إحدى الغابات المطلة على البحر أوقف سيارته وخرج منها يتمش على غير هدة ويفكر..
ولم يفطن الى الوقت كيف مر، حتى غربت الشمس، ونزل الظلام، فعاد يبحث عن سيارته.
ورجع الى معمله فجمع عشرة رجال من أبناء قريته وعمومته، وأخذهم الى داره حيث تعشوا معه هناك، دون أن يعرفوا سبب هذه الدعوة المفاجئة..
وفي منتصف الليل خرجوا معه فركبوا شاحنة، وقادهم هو الى الدرب الذي توجد فيه طار الشيخ الزمزامي. ولم يصادفوا في الشوارع المنعرجة الا القطط والكلاب الضالة.
وتوقفت الشاحنة على باب الدرب، ونزل الحاج ميمون واشار الى الرجال أن يتبعوه حتى باب دار الشيخ القديمة.. فرفع النقارة النحاسية الثقيلة وقرع بها الباب بعنف شديد، فسمع أصداء الطرقة تردد داخل ابهاء الدار الباردة المظلمة.. وبسرعة اشتعلت الاضواء داخل الدار، وأطلت خادم من نافذة على الرجال :
- ماذا تريدون ؟
فقال الحاج ميمون بصوت حازم :
- نريد الشيخ الزمزامي.
- إنه نائم.
- أيقظيه !
وفكرت المرأة أن ترد على كلامه الوقح، ولكنها رأت أشياء تلمع في ايدي الرجال العشرة، فاكتفت بسؤاله :
- من يريده ؟
- قولي له الحاج ميمون.
- قولي  له الحاج ميمون.
وبعد لحظة قصيرة أطل من نفس النافذة رأس أصلع شديد البياض وقد تدلت تحته لحية مضحكة.. ولم يميزه الحاج ميمون لأول مرة، فقد الف العمامة والسبحة الكبيرة. ولم يعرفه الا حين تكلم :
- الحاج ميمون ؟ ماذا جاء بك في هذه الساعة ؟
- الزرابي يا سي الزمزامي.
ولأول مرة سمع نفسه يخاطب شيخه السابق بدون القاب التبجيل والتعظيم. وتحرك الانف الكبير المعلق بالوجه المطل من النافذة :
- أية زراب ؟
- الزرابي التي كانت في الزاوية وهي الان في بيتك القبلي ؟
ونظر الشيخ من شقين ضيقين بين جفنيه المنتفخين المهترئين الى الرجال العشرة المدججين بالمعاول والمجارف، والهراوات، وتحركت شفتاه الممتلئتان :
- ألا تنتظر حتى الصباح ؟
- أريدها الان.. وقد جئت في هذا الوقت إشفاقا عليك، لأجنبك الفضيحة.. ولو كنت وقعت في يد غيري لجاء في وضح النهار، وبالغياطين والطبالين، وجمع عليك المدينة بأسرها.. ولكنك وقعت في يد رجل ما تزال عنده شيء من المروءة.
وصاح أحد الرجال :
- افتح، والا كسرنا الباب !
فاستدارت الشفتان الغليظتان كسفنجة محمرة وسط اللحية البيضاء، وصدر عنهما صوت : "شششش" !
وتحركت العينان المدفونتان فسي الشحم يمينا ويسارا لتريا هل هناك كم يتفرج على المسرحية. ثم دخل الرأس اللامع، وبعد لحظة انفتح الباب، ودخل الرجال..
وفي دقائق معدودة كانت الزرابي كلها فوق الشاحنة، والحاج ميمون يدير المحرك وينظر الى دار الشيخ وكأنه يودع ميتا سيراه لآخر مرة، ويقاوم رغبة جامحة في إرسال نسبة عالية نحوها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here