islamaumaroc

اختراق الحواجز (قصة قصيرة)

  دعوة الحق

214 العدد

في الصف الممتد على اليمين جلس علية الضباط، من ادارة الشؤون الفرنسية لسياسة الاهالي بالمغرب، لباسهم ثمين وصدورهم محلاة بأوسمة فاخرة، أو بالاحرى محلاى برموز لها فقط، إذ لو حملت الصدور الاوسمة كلها لسار حاملوها، ومن حولهم رنين وحسيس، تماما كما يسمع من التيوس الاليفة، وهي تسير واعناقها مزينة بأجراس صغيرة رنانة، القبعات الموضوعة على الطاولة الكبيرة لماعة في جدتها وزخرفتها، لكان صانعيها لم يرفعوا ابرهم منها الا منذ قليل.. وهم قبل ان يجلسوا حرصوا على ان يرتبوا بذلاتهم وسراويلهم، وان يحافظوا على الثنيات تمام المحافظة، الاناقة على اشدها تجلت في الشعور السوداء والشقراء المرجلة بكامل العناية، اللهم الا ما كان من الذين حرموا الشعر، وتبقت لهم صلعات من مختلف الاحجام، لا تخلو من جمال.
قبالتهم جلس لفيف من السياسيين خبراء الشؤون الاهلية، وهم فعلا خبراء، والا، فلماذا تدور اعينهم في محاجرهم، دوران الدهاء والاحتياط والتيقظ الكامل.. وهم في ازيائهم لا يقلون اناقة عن العسكريين، فكلهم باللباس الاسود الثمين، بالاقمشة البيضاء المنشاة. اختلاف واحد بينهم يظهر في قيمة رباطات العنق، تلك الرباطات التي اجتهد بعضهم ان يعتنق منها ما يلفت الانظار طيلة مدة الاجتماع، وكلهم في صميم انفسهم يحسدون العسكريين امامهم على البشرات الملفوحة بحرارة شمس المغرب، والتي اضفت عليهم رجولة مليحة، وهيبة وملامح الصرامة، بينما هم امامهم في بياض يشبه بياض النساء، ولو ذلك الشيب الذي وخط شعر الرأس لما شعروا بأية جاذبية، ولما وجدوا أي تأثير من شأنه ان يضمن لهم الاحترام.
الاحترام- في الواقع- هو الذي فاز به (المونسيور) الذي دخل في هذه اللحظة بعد التئام الجمع. لقد قاموا كلهم، مدنيون وعسكريون، اجلالا له، وتمادى بعضهم فشد الكف عند المصافحة، وطبع عليها قبلة بحرارة وشغف، منتظرا ان يباركه الراهب بوضع راحته على كتفه.
افتتح الرئيس الجلسة بكلمات مختارة انيقة ومبشرة، وابي الا ان يشكر الجميع على الحضور، واعلن ان جدول الجلسة به النقط الاتية :
- عن الحالة- والعشرينيات على وشك الانتهاء- يبهجه ان يعلن باسم المسؤولين عن الحماية الفرنسية بالمغرب ان الوجود الفرنسي يكاد يشمل جميع البقاع.
- انه باسم المقيم العام لفرنسا بالمغرب يسعده ان يوجه للضباط ممثلي الجيوش البرية والبحرية والجوية التحيات والتهاني، على العمل العظيم، الذي أنجز وينجز لاخضاع القبائل والجهات الثائرة، او الواقفة في وجه تقدم الجيوش.
- وانه ستسلم للذين يمثلون تلك القوات اوسمة رفيعة باسم رئاسة الجمهورية وسيكون ذلك بيد سعادة المقيم العام نفسه.
- وانه بقرار من الحكومة الفرنسية، ومن اجل الحفاظ على الامن والاستقرار سيقسم المغرب الى ثلاث مناطق : منطقة لا يدخلها احد من غير سكانها، مهما كان السبب اذ سكان هذه المناطق اشداء، ومعتزون بأنفسهم، ومنكمشون، فيجب ان يبقوا كذلك، وهم- والكلام هنا للسادة الضباط- احسن مزود للجيش الفرنسي بأشد المحاربين واشرسهم.
مناطق اخرى سيضرب عليها الحصار بصورة اقل، انما الدخول اليها سيكون بموافقة السلطة، اعني حاكم الناحية، وهو الذي سيوقع على دخول اي اجنبي عن المنطقة من سكان السهول والمدن، وطبعا مواطنونا لا يسري عليهم هذا الحكم !
مناطق ثالثة، وتشمل جل الحواضر، وهذه مفتوحة في وجه الجميع، وحكمها- كما تعرفون- ليس هينا، أن "نارها تحت التبن" كما يقولون في مثلهم، لهذا فهي تتطلب حذرا شديدا، ويقظة تامة، وتتبعا مستمرا، ومعرفة دقيقة بكل ما يجري اقوالا وافعالا.
قال قائل من المدنيين الحاضرين، المتحملين للسلطة والمسؤولية :
- هل من خريطة محدودة توضح هذه الاوامر بدقة ؟
أجاب رئيس الجلسة :
- نحن لا نقدم على عمل الا بعد الدراسة الدقيقة، ومن ثم نجعل خطة العمل واضحة، لا يمكن ان نترككم تتخبطون، الاوامر ستكون واضحة، وتطبيقها لا يكون فيه اي تساهل.
تناول ملفا عامرا كان موضوعا امامه وقلب الاوراق، ثم استخرج مجموعة منها، وحاول ان يتابع الحديث، لكن الكاهن المحترم قاطعه :
- جميل ومعقول ان يكون هذا الاهتمام بمسائل اقامة الحواجز على بعض المناطق، بالمناسبة، اعيد على اسماعكم مثالا صالحا عميقا، كان قد ضربه لنا احد الآباء المبجلين، وذلك عندما استدعوه لاجتماع قيم كهذا، ولا اجد عندي مثالا ابلغ منه، اذكره لكم، ولن آتي بحديث آخر، لأن حديثنا نحن الرهبان- عادة- لا يخلو من ملل.. قال الاب الجليل :
قال، ما قال، وبين يديه حمامة، وهو يحدق في العيون بنظرات عازمة، وأكد ان هذه الحمامة يمكن ان تطير بسهولة، وحرة طليقة إذا تركت لها ريشها النابت في الجناحين، ولكن انظروا، إذا كا ريشت جناحيها، وفعلا اخذ يريش الجناحين بكامل الحنان والعطف والرحمة، ثم وقف- قدس الله ذكره- ولوح بها في الجو، وبالفعل لم تستطع الطيران، فسقطت من اعلى على الطاولة، فما كان منه- صان الله مقامه- الا ان تناولها بكل شفقة، وأودعها في صندوق خاص ليتولى رعايتها من جديد، ثم أعلن بصوت مؤثر عميق هز قلوبنا يومئذ قائلا :
"أن محكومينا ممن الاهالي المسلمين لهم جناحين مثل هذه الحمامة يستطيعان بهما الطيران، الجناح الاول- اسمعوني جيدا- هو الاسلام، وهو الجناح الثاني، عرفتموه بلا شك، انه اللغة العربية، فلو ابقيتم لهم دينهم، بلا تدخل منكم فسينتعشون بعد إنهاك وانهيار، وتقوم قيامتهم من جديد، ولو أبقيتم لهم اللغة العربية الفصيحة، لاجتمعوا بعد تفرقهم وتيقظوا بعد غفلتهم، وأقبلوا على ما يصل من الشرق من مطبوعات، وصارت ثقافتنا وفنوننا عندهم في الدرجة الثانية، وانصرفوا عنا، ومتى انصرفوا لغويا انصرفوا قلبيا، ودخل الكره بدل المحبة.. لن أطيل عليكم فأثقل، فنحن تنقصنا اللياقة في الحديث، والمهارة في التأثير التي تتميزون بهما ايها السياسيون.. ولا نحسن الخطاب القوي الذي هو عندكم ايها العسكريون.." وابتسم الجميع لهذا المثال الحكيم.
جلس الراهب يمسح عرقه، ورمق الوجوه فلاحظ الاستبشار، وعندئذ عرف انه كان فصيحابليغا ومؤثرا، ومن أجل ذلك احتال واخرج قليلا من السعوط وتنشقه، وللفور شعر بكامل الارتياح، والتفت الى الاركان متوقعا ان يرى وجوها حسنة ذات رواء، معهودة في السكريتاريات، ولكنه لم ير احدا، فلم يسعه الا ان يخفي اسفه.. وقامت في نفسه رغبة في ان يعود الى الكنيسة، فبين لحظة وأخرى تحضر احدى التائبات لتدلي باعترافاتها، وهنالك يتمعن الوجوه الحسان، والعيون الحالمة، والشفاه رياه ويصيح الى الصوت النسوي العذب، ويرتاح الى لمسات الانامل الحريرية، وقد يكون في هذا اكتفاء.
واسعد الحظ فتحققت رغبات الرجل الوقور، إذ دق لرئيس الجلسة الجرس، فبرزت مجموعة من الحسان الفاتنات، الملحقات بالسكريتارية الخاصة، وشرعن يوزعن من ابتساماتهن وتحياتهن الرقيقة، وهي هدايا استعذبها الجميع، فالشوق للحسن لم يكن عند الرجل الوقور وحده.. وتسلم كل واحد ملفه، وعليه اسمه مكتوبا بخط ممتاز، وكان عامرا بالوثائق، ومن جملتها مشروع خريطة المناطق الاطلسية المحرمة، والمناطق المراقبة، والمناطق المباحة، وبمناسبة التوزيع فاز الكاهن بميزة على الجميع، هي أن كل مارة به كانت تترك قبلة حارة على جبينه اللامع المحمر، الناضج بالعرق، إلا ان القبل الحارة من الشفاة المعطرة كانت تزيد في حرارة ذلك الجبين، وبالتالي في انبجاس المزيد من العرق وعاد الرئيس الى الحديث معلقا على كلام الكاهن، ولو أن التعليق جاء متأخرا.. واعلن للاب الجليل، وهو متلفت اليه بكليته :
- ان الغرض من الحصار المضروب على المناطق المشار اليها في مشروع الخريطة يرمي الى تحقيق ما اشرتم اليه في مثالكم الوجيه، وربما تكون مسألة الامن في الدرجة الثانية بالنسبة الى قضية ابعاد سكان جبال الاطلس عن الاسلام وعن اللغة العربية، ان الابعاد عنها هو الغاية الاولى.
وضج بالمكان بالتصفيق، وكان أشد الجميع حرارة في التصفيق هو الكاهن الموقر، العامر القلب بالخير والطيبوبة، وعاد الى هدوئه واخذ يسرحه بصرا غير حاد في الافراد الجالسين، واعجبه الشكل المجتمعين وهزه القصد القوي والجدية، فأثنى في داخليته على الرب الذي وهب الامة مثل هؤلاء الرجال النبغاء الحاذقين الجادين البعيدي النظر، وخالجه اطمئنان  على حسن المصير ونجاح المساعي.
قام بتؤدة ووقار واعلن للجميع ان يكتفي بهذا القدر من الوقت الذي شرفهم به.. فهناك زبناء لابد ان يكونوا في انتظار.. وهنا قام الجميع مودعين شاكرين، انما الافراد في اعماق صدورهم لم يكونوا آسفين على خروجه، فوجوده في الحقيقة اثقل مناخ الجلسة، وحرم اصحاب الدعابات والتسفل من ان يداعبوا الحسان ولم بكلمات، وما اكثر الكلمات على الشفاه بحضور الحسنوات !
وأقبل المجلس- في مرح وجد معا- على فحص الملفات، وقراءة الخريطة المقترحة، وتم الاتفاق على كل الاجراءات المقترحة كذلك، وزيد عليها.
لا يعرف احد كيف بلغ الخبر الى رجال الحركة الوطنية، فلقد علموا بأن مناطق من المغرب صارت محرمة، وضعت على مداخلها سلاسل مانعة وحراسة قوية، وان اي غريب على مساكن الاطلسيين الجبلية لابد وأن يرجع من حيث أتى، سواء أتى من فاس او الرباط او سلا او الدار البيضاء أو مراكش او غيرها، كل الحاضرين من سكان السهول والوهاد يمنع عليهم الاتصال بالامازيغ، انها اوامر صارمة، ولا تراجع فيها !
ومع ذلك تحركت الحافلة المهلهلة نحو المناطق المحرمة، وفعلا كان ركابها من الاطلسيين الذين لا يخاطبون بعضهم بالامازيغية، ويتميزون فوق ذلك بالوشم على ارنبات انوفهم وبالوجوه بالبيض والمناخر القني، وبالنحافة والعمائم الصغيرة بيضاء وملونة، لم يكن بينهم من لا يتمتع بهذه الميزات الا (مساعد السائق) ولم يكن احد يلتفت اليه وليس هنا من يسأله عن أصله وفصله، فطاقيته مباهتة الالوان وملطخة، وأكثر منها تلطيخا ملابسه الزرقاء المتلاشية، غير ان احدا لم يلتفت بالذات الى نظراته الذكية والى صرامة الرجولة المتجلية على جبينه النقي، المجمل بطابع السجود ! كما ان الشيخ الطويل اللحية، المكحل العينين الضخم السبحة، الذي اندس اندساسا وسط جلبابه الصوفي الغليظ، وأخذ في داخله معتزله وراحته ! ولذلك لم يهتم به أحد، وإذا ما سأله سائل فإنه لا يجيب ويكتفي بهز رأسه اماما وخلفا، يعني به.. نعم.. ويمينا ويسار ويعني به.. لا .. ويديرع تدويرا ويقصد به الاستغراب والهول مما يرى او يسمع ! ثالث، لا يعرف احد كيف صعد الحافلة، ولا كيف غافل العيون المترصدة، لعله استفاد من نعمة الله عليه بضالة الجسم وبفتوة المظهر.. لقد ارتدى "فريولا" لونه بني باهت، وغطى رأسه بطاقية صارخة الالوان تصل الى ما تحت اذنيه، وحلق تلك الشعيرات النابتة في ذقنه، وهكذا يحسبه زبانية الطريق من (الجندرمة) ولدا لأحد الراكبين.
ووصلت الحافلة في رحلتها مخترقة السلاسل المضروبة حصارا على الطريق، وتوجه مساعد السائق الى افراد معينين يعرفهم، ومن ثم انصراف الى محادثتهم موصيا بـ "الشيخ" خيرا، ليسهلوا له المرور والاقامة، حيثما كان، خلال وجوده في مضارب الاطلس، وأن يسهلوا عليه الاتصال بوجهاء الاطلس الامازيغ.
أوصى الرجال الذين وجدهم في المحطة، وكان واثقا من مقدرتهم ووفائهم.. وانصرف بعد ذلك الى اعداد دابة للرجل النحيف، الذي يحترف "العطارة" الشيء الذي يمكنه من جولات في الدواوير والمداشر والقرى المعلقة في هضبات الاطلس، من حيث يبيع للنساء وللعذراوات المناديل الملونة، والحلي الرخيصة، والعطور والمدمام والحرقوس والحناء والمرايا والمكحلات.. وخلال البيع يتمكن من محادثة النساء، ويخبرهن بكيفية مباشرة أو غير مباشرة- عما يجري في المدينة، وينذرهن بأن النزول الى المدينة صار محرما، فلن يزرن الضريح، ولن يتشرين الحلي الذهبية  والفضية ولن يتخيرن في الملابس الحريرية، ولن يحضرن اعراس المعارف ابناء وبنات المدينة. من جهة اخرى، لن يحضر الى ضيافتهن الضيوف الكرام من المدينة، ولن يزورهن الاصهار، وهكذا فإن المسلم المغربي ابن الجبل لن يرى- بعد اليوم- اخاه المسلم ابن المدينة، وسرت الدعاية مسرى الهواء، في كل مكان..
بعد شهرين اجتمع الرجال الثلاثة : مساعد السائق، والعطار، وشيخ الطريقة الصوفية، واتضح ان الشيخ الصوفي ما هو الا احد الفقهاء السلفيين المتمسكين بالكتاب العزيز وبالسنة المحمدية الطاهرة، وان العطار ماهو الا احد الادباء المشغوفيم بالمطالعة وابداع الشعر، ومغازلة عرائس الخيال، ولم يكن مساعد السائق سوى تاجر ناجح من تجار البلدة، ومن الذين وهبوا انفسهم وراحتهم واموالهم في سبيل وطنهم.
قال الفقيه المتزيي بزي الشيخ :
- لقد ربطت الاتصا باحدى وعشرين شخصية من شخصيات الاطلس المتوسط، في هذه المرة، وكلهم وثقوا به كما وثقت بهم، والتزموا امامي بشرفهم وعزتهم الوطنية بأنهم لن يرضوا بالتفرقة، ولن يعملوا لها ولن يوافقوا عليها، وقد جمعني كل واحد منهم بأبنائه واحفاده، وعقدنا حلقات للذكر ظاهريا، وسريا لربط المواثيق بين كتاب الله، صلينا جماعة، وذكرنا الله جماعة تضليلا للاعداء والمتجسسين، ولكننا في الخلوات خططنا، لقد صاروا دعاة ضد الانفصال اكثر مني، هم متأكدون انهم سيجدون الاذان الصاغية اكثر من اي واحد، وسينفذون الى القلوب، وسيمتلكون المشاعر، ولا أحد غيرهم يقدر على ذلك، اما الاجلاف- كما سموهم- مؤيدو الاستعمار العاملون للتفرقة فهم عندهم بمثابة الحطب اليابس، لا يستحق الا الاحراق.. بعد هذا امددتهم بعناويننا ليزورنا عندما تسنح الفرصة، لكم سروا بذلك، وهم مصممون على القدوم الى المدينة، وسينتزعون انتزاعا هذا الحق من الحكام الفرنسيين ومن القواد الغاشمين، ولن تستطيع قوة من ردهم عن رغبتهم، وعدوني انهم سيحضرون الموسم السنوي الذي يقام بهذه المدينة، بالجملة انني سعيد بأنني حققت الجانب الذي تكلفت به، وانني ضللت كل الخصوم والاعداء والجواسيس، فهاكم ملابس الشيخ، واتركوني ارجع لسلفيتي !
قال الاديب، الذي كان متزييا بزي عطار :
- أما أنا ثم آه من مهمتي، لقد كانت سهلة وعسيرة في نفس الوقت، سهلة لانني وجدت آذانا صاغية، وقلوبا واعية، وصعبة لانني وقعت في شراك عيون الامازيغيات وجمالهن، لو امكنني النزوح مرة اخرى بحثت بثلاث اطلسيات في حلاو عصفورات ورشاقة فراشات.. الا ان مهمتي لم تكن بهذه الاغراض.. انما كنت اجامل وألاطف وأغازل- سامحني الله- لأصل الى اهدافي، وقد وصلت.. والله، والله انني ما وجدت واحدة، عجوزة كانت ام شابة ام كهلة منصرفة عن كلامي وهمساتي. كلهن ضد التفرقة، وضد الفصل عن دين الاسلام.. وقلن لي : انهن لا يقبلن بمعتقل كبير ومعتزل كئيب، اكدن انهم سيشجعن الرجال على "النزول" الى المدن، ومن قبل مصاحبتهن صاحبنه. والله يا عزيزي الكريمين لم ار في المواطنين عنصرا يحتقر الاستعمار "الرومي" مثل هؤلاء النساء، الجميلات صورا، الطيبات قلوبا، انهن لا يعبأن بحضورهم إذا حضروا، ولا يحيينهم كما يحييهم الرجال، ولا يستجبن لأي تجمع يدعين اليه، ويرفضن تماما ان يرقصن لهم، ومن تطفل على مجلسهن ثقيلا، جعلنه محلا للسخرية والتنكيب والمضايقة حتى يذهب.
بالجملة ان ضالة جسمي وخفة شعري، جعلنا في بعض الانظار غلاما، ولم يعرف احد اني في صدري قلبا فحلا، من اعتى القلوب فحولة، والحمد لله على انني حققت اهدافي، ولم يعبأ بي الخصوم لظنهم انني صغير السن ! مع هذا، يظهر ان اسهل مهمة هي التي قام بها "مساعد للسائق" !
- لا، بل هي اصعب، انني كنت الزم نفسي ان اقو بدوري عند كل سفرة، بمجرد ما تقلع الحافلة لوعز لصاحبي السائق ببدء الحديث، وابقى متتبعا للاقوال، واحرص على ان اجعل الجميع يتحدث، وكل من تكلم يكون ملزما بمسايرة الجماعة، وبالتالي يصير اسيرا للكلمات التي قالها، وكل امازيغي لا يعرف المراوغة، ولا يرضى ابدا ان يكون ذا وجهين، غالبا ما تصل الحافلة الى محطتها، وإذا بالجميع من الركاب قد شاركوا في استنكار الفصل بين ابناء الوطن الواحد، ويتوقع من ورائه شرا مستطيرا لمستقبل المغرب، ويؤكد انه ضدك على هذه المؤامر وانه سيكثر من الاسفار بين الجبل والمدينة، وانه سيكثر من الصداقات الحضرية، والمعاملات التجارية مع المدن الحضرية. لا أخفي عليكم، انني في كل سفرة كنت أتوقع ان تنكشف هويتي، واساق الى مكاتب "الجندرمة" الجفاة، لاعامل معاملة عاتية، ولكن اي حر من الامازيغيين لم يفكر في ان يبيع سري، هل بعد هذا من نجاح ؟
الله اكبر، قوموا، لقد انتهى المؤذن لصلاة العصر، لن ينجح ابدا اعداء الوحدة الاسلامية والوطنية !

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here