islamaumaroc

الوطن المغربي (تر. محمد الدكالي- )

  دعوة الحق

26 العدد

إذا نظرنا للمغرب على ضوء العوامل التي يشترط العلم الحديث توفرها في جماعة من الناس ليصبحوا جديرين بان يوصفوا بأنهم أمة من الأمم، فإننا نجد هذا القطر موطنا لأمة توفرت فيها جميع العوامل التاريخية والجغرافية والاقتصادية.
وقد يبدو للملاحظ الغير المدقق أن الأمة المغربية خليط من أناس مختلفة عناصرهم يسكنون عمالات متباينة ومتناقضة مصالحها، ويتحدثون بلغات مختلفة، ولكنه لا يكاد يمعن النظر في أمر هذه الأمة حتى تتجلى له تلك العناصر متكاثفة متراصة، ممتزجة بعضها في بعض، مكونة لوحدة منسجمة متناسقة. ولئن أمعن التحقيق والتدقيق لوجد أن هذه الأمة قد انبثقت من إرادة وتصميم أهلها على أن يكونوا أمة قائمة بذاتها. ومن هذه الوحدة استمدت في الغابر والحاضر من الأزمان قوتها التي تتجسم اليوم في عاملين قويين : ديانتها وملكها، فمن فلسفة تلك الديانة ومن وجود حياة هذا الملك تغترف الأمة اليوم ما هي في حاجة إليه، من روح الحماس والتضحية لاستكمال تحررها.
وإن من ينظر إلى معركة التحرر المغربي ليرى أن النصر ما كان ليحالفها لولا وجود العاملين معا : الدين والملك، فالدين هو الذي جمع هذه الأمة عن بكرة أبيها وألف بين قلوبها فتجسمت في شخص هذا الملك الذي يقوم اليوم بأثقال عبء ثقيل مزدوج، عبء السهر على رسالة جده (صلى الله عليه وسلم) وعبء الملكية وما تقتضيه من السهر على المصالح الحيوية. وقد قدر الشعب من نفسه وعن دياته ضخامة هاتين المهمتين الروحية والزمنية فتوثقت العروة بينه وبين عاهله وجعل منه رمزه وممثله المعبر عن مطامحه وإراداته. وبفضل ذلك انفتح الباب على مصراعيه نحو التحرر التام الكامل.
ولو لم تكن الوحدة العربية وحدة زوجية قبل كل شيء آخر لتعرضت لأنواع شتى من أخطار الضغط الداخلي والخارجي، وهي أخطار رأيتها تأخذ صورا وأشكالا متعددة ورأيناها تأتي أحيانا مباشرة سافرة وأخرى ملتوية مقنعة، ولكنها لا تكاد تظهر وتطفو حتى تنمحي وتغيض. ومرجع ذلك أن هذه الوحدة لا تجمع الناس حول ملكية أبوية حنونة فحسب بل تجمعهم إلى جانب هذا حول عقيدة دينية، حول الإيمان بالله، حول القرآن الذي هو أوثق رابطة بين أبناء الوطن المغربي.
قيل إن وحدة الوطن لا تحتاج إلى وحدة الدين دعامة لها، وإنها وحدة قائمة بذاتها، تبرز باردة سكان الوطن. وقد يصدق هذا القول حين تؤخذ لبنان مثالا له وشاهدوا عليه، ففي ذلك القطر أكثرية من المسيحيين. وقد يصدق ذلك القول كذلك حين يؤتي له بالأمثلة من الأقطار الغربية التي انقسمت فيها الديانة المسيحية إلى شقين كبيرين يقومان على هامش الجماهير الضخمة التي لم تعد تعنى ولا تحفل بهما ولا حتى بالملحدين الذين تنكروا للفكرة الدينية من أصلها. إننا لا نعدم في تلك الأقطار الأمثلة على قيام الوحدة من غير أن تكون في حاجة إلى الاعتماد على الدين والعقيدة.
ولكن من حقي أن أرد على أصحاب ذلك القول بان المغرب شيء والأقطار التي يمثلون بها شيء آخر، أن الإسلام هو الرابطة الوحيدة التي تجمع بين المغربي وبقية مواطنيه، إن وحدة اللغة شيء ثانوي في المغرب بالنسبة للعقيدة الإسلامية التي هي في الواقع أساس المواطنة في الوطن المغربي. وأن هذه العقيدة هي التي توقظ الشعور في نفوس أهل هذه الأمة، وهي التي تحيي وتحرك ضمائرهم، وهي التي ترتفع بأرواحهم إلى سمو لا يرقى إليه من لا يتخذ إلا اللغة أو الجنس سلما. 
التي تسمو بالأفراد فتضعهم فوق ما يصنعون من أنظمة وقواعد الحكم، وفوق ما يخططون من حدود وفوارق بين عمالات ومقاطعات قطرهم؟ كلا إن الفكرة الدينية هنا لأكثر تغلغلا في النفوس وامتزاجا بالأرواح من كل ما يصدر عن المخلوقات من أفكار. وما دامت الفكرة الدينية فكرة مستمدة من مشيئة وحكمة خالق المخلوقات فلا غرو في أن تعلو على فلسفة الناس المادية، بل وعلى ما قد يأتون به من فلسفة يرونها روحية وما هي إلا زخرفة وبريق.
ونعود إلى ما كنا بصدده، إلى هذا الوطن المغربي الذي جعلته وحدته الروحية الدينية قطرا يتجاوز مجاله الحدود الترابية، قطرا لا يشبه أقطار الغرب أو الشرق، قطرا جعلته وحدته الدينية جزءا غير منفصل عن العالم الإسلامي في عمومه وعن العالم العربي بالخصوص إذ من هذا الأخير استقبل ديانته ولغته ومنه تفجرت ينابيع مدنيته التي سايرت الزمن أكثر من ألف عام.
وإذا ما اشتك الوطن المغربي ألما لتصدعت له جميع الأعضاء العالمين العربي والإسلامي كما يشعر هو نفسه بوطأة أي ألم ينزل بأي طرف من أطراف هذين العالمين بحيث لا يحدق خطر ما بأي قطر عربي أو إسلامي إلا ونرى الوطن المغربي يعد نفسه مهددا هو كذلك بذلك الخطر. فهل كان المغرب يشعر –لولا هذه الديانة الإسلامية-بآلام أندونيسيا والباكستان ؟ وإذا كنت أضع خطا تحت كلمة الإسلامية حين حديثي عن هذه الديانة التي جمعت 500 مليون نسمة في كتلة واحدة رغم آلاف الكيلومترات التي تباعد بين جماعاتها فما ذلك إلا لألفت النظر إلى التوفيق الذي لقيته الديانة الإسلامية في خلق أخوة عالمية بسطت جناحيها على هذا العدد الضخم من البشر.
فمن الحق أن يقال أن الوطن المغربي يسمو على جميع الأوطان التي لم تقم إلا على شعور عاطفي أو منطقي.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الشخصية المغربية تفيض حيوية وتسمو إلى الآفاق السماوية. مستنيرة بإيمانها الذي جعلها تتجنب وتعلو فوق جميع الحواجز والعوارض.
هو الذي جعل المسلم يؤمن ويوقن بأن البعث يتبع الموت، وأن الجنة مفتوحة الأبواب في وجه كل من استشهد في سبيل الله ومثله العليا وأمام كل مسلم أسلم وصدق إسلامه وإذا كان هذا التشويق إلى الخلود أقوى وأعمق في الديانة الإسلامية منه في أية ديانة، فذلك لن الرسول –وهو مرشد المسلمين الأعظم- كان أعمق إدراكا من كل مخلوق آخر لكلمة الله، والأبلغ في تفسيرها ونقل مغزاها إلى الأذهان والأفئدة. وإذا كان آخر الرسل وخاتمتهم فهو قمة الحكمة والبلاغة.
لا أدري على أي صورة كنا نرى هذا القطر المغربي لو لم يكن وطنا لأمة مسلمة، أن الرابطة الإسلامية هي التي ميزت هذه الأمة عن غيرها من الأمم المنقسمة فيما بينها إلى أحزاب سياسية تهيم في ظلمة الجشع والمطامع، المشتتة بين أفكار ومذاهب لا تطمئن النفس إلى سلامة نواياها وغاياتها.
فالفضل كل الفضل في الوحدة جمع الكلمة يرجع كله إلى هذه الديانة التي حاولت دون تغلغل الانقسامات في النفوس والتي صدت كل حزب –مهما بالغ من تقدميته- عن نكران العقيدة أو الملك الذي يجسمها. ولا غرابة في ذلك فالظاهر أن كلا منهما سند للآخر في المغرب.
قد يحق لبريطانيا العظمى أن تفاخر باتساع صدرها لقبول ديانات متعددة من غير أن يكون في ذلك خطر على انسجام حياة المملكة المتحدة، كما قد يحق لفرنسا أن تصف نفسها بأنها البلد الذي لا ترتبط بدين من الأديان، فإن ذلك لا ينسينا الحركات الوطنية التي ظهرت في مقاطعتها الألزاس وبروطانيا وقضى عليها دوكول فيما بين 1944 و1945 فهي حركات مبعثها الوحدة الدينية التي تجمع بين هاتين المقاطعتين المتشبثتين بالمذهب الكاثوليكي تشبثا جعله موضوع الاحترام والتوقير حتى عند أحزابهما اليسارية.
ولنأخذ مثالا آخر من بلجيكا التي يستوطنها جنسان يختلفان أشد الاختلاف، وحيث توجد لغتان رسميتان، فالوحدة في هذا القطر لا تقوم إلا على الدين والملكية، بحيث إذا زال أحد العاملين زالت هي كذلك ودخلت بلجيكا في عالم النسيان. وهذا مع العلم بأن المسيحية غير متمكنة تمكن الإسلام في النفوس. 
إن الوطن المغربي ليتجاوز حدوده الترابية ليصير جزءا من المغرب العربي. ولكن هذا التعبير لا يجسم الواقع على حقيقته، والأفضل أن يقال المغرب الإسلامي، فما كان للفتح العربي أن يجمع بين سكان الشمال الإفريقي والعرب القادمين عليه لولا انتشار الرسالة المحمدية وما وجدته من استعداد لقبولها واعتناقها. ما كان للمغرب العربي أن يكون لولا الإسلام ورسالته وما القرآن الذي كان أمضى سلاحا من الحديد والنار. ثم إن الإيمان العميق بهذا القرآن هو الذي دفع بفرسان العرب إلى الخروج من صحرائهم لفتح العالم وخوض معارك كانت سلسلة من الانتصارات المتصلة الحلقات إذ لم يجدوا أمامهم خصما يحمل سلاحهم، سلاح الإيمان. وقد جعلتهم هذه الانتصارات المتتابعة يستخفون بالأخطار وبالموت ويعتقدون أنهم يؤدون إيمانا بسمو مهمتهم فحسب، بل وتزيدهم عددا وعدة، وذلك لأن شريعة الإسلام تساوي بين الغالب والمغلوب بعد النصر، فكان المغلوبون يسارعون إلى حمل السلاح من جديد والوقوف إلى جاب الغالبين لنصرة دين المساواة وان التاريخ ليصف لنا كيف كان هؤلاء الداخلون الجدد إلى الإسلام يتحرقون إلى حمل مشعل القرآن والإسراع به إلى الجهات التي لم تضئها بعد أنواره.
وبفضل هذه الديانة الإسلامية ستبقى أنوار الوطن المغربي ساطعة متلألئة، ولسوف تعجز العواصف العاصفة عن النيل من تلك الشعلة التي يشع نورها في قلب كل مغربي، وسيبقى المغرب سندا للعالم الإسلامي كله وهذا له سندا.
هذا ويحاول البعض عبثا جعل طائفة من المسلمين تنفصل عن حظيرة الإسلام وإدخالها في قومية غريبة عنها، ولكنها محاولة فاشلة لأن تلك الطائفة مرتبطة بروابط ثلاث : الإسلام والعروبة وتراب الشمال الإفريقي.
وإني إذ أترك جانبا جميع الأفكار والآراء السياسية لألقي نظرة مجردة على الأحداث لأرى ما للوطن المغربي من التأثير القوي الفعال على مجموع العالم الإسلامي، فهو لهذا العالم معقله الغربي وحصته الحصين في هذا الجانب من الدنيا.
وإني لأرى كذلك أن لولا وجود المغرب المستقبل لما كان لمغرب العربي إلا أسما جغرافيا بدون مسمى. بينه وبين الشعب الذي يجاوره، ذلك الشعب الذي قدم –عن طواعية واختيار- نفسه قربانا على مذبح الحرية وهو موقن بأن من تضحيته هذه ستعود إلى الظهور خلية مغربية أكثر حيوية مما كانت عليه في أي زمن من الأزمان الغابرة فتزيد في دعامة التناسق الموجود بين شعوب المغرب وبين الأمم العربية وبين أفراد العالم الإسلامي.
إن الوطن المغربي منارة العالم الإسلامي التي تضيء المحيط الأطلسي، إنه الوطن المشيد وسط الزوابع والأعاصير وبين مد البحار وجزرها ليبقى إلى الأبد قائما فوق أسسه القوية المنحوتة من صخرة الخلد : عقيدته الإسلامية.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here