islamaumaroc

الذكرى الخمسينية لانتصار الحركة الوطنية.

  دعوة الحق

214 العدد

في البدء، وفي هذا اليوم التاريخي بالذات، لابد من حمد الله اللطيف الخبير المستعان حمدا وافرا كثيرا على جليل الطاقة، وعظيم افضاله، وواسع نعمه، واساله دوام الالطاف والافضال والنعم انه سميع مجيب.
بحلول سنة، او مدة نصف قرن، تعد بحق سجلا حافلا بالاحداث التاريخية العظيمة في حياة الوطن، تفرض علينا الوقوف على معالمها للتأمل، والتنقيب، والتقييم، والتقدير والتخليد، والاكبار، والاعتبار،  والاستلهام قصد الافادة من دروسها في الحاضر والمستقبل.
ان صدور الظهير البربري في بداية النصف الثاني من شهر مايو 1930 سجل حادثين متزامنين، متقاطعين ومتناقضين في ان واحد في حياة المغرب السياسية والاجتماعية اثناء الحماية.
- الحادث الاول : الفعل الاستعماري
- الحادث الثاني : رد الفعل المغربي
فبالنسبة للحادث الاول، يعتبر استصدار الظهير البربري اعتداء استعماريا خطيرا وصارخا على المقومات الكيانية الاصلية للمغرب، وعلى وحدته السكانية (البشرية) وعلى وحدته الترابية لأنه كان يستهدف انتهاج سياسة بربرية تمزق شمل المواطنين شر تمزيق بأحداث تفرقة عنصرية مقيتة تمكن سلطات الحماية في ظل مبدأ "فرق تسد" من تحقيق اغراضها السياسية الاستعمارية البعيدة المدى والرامية الى ادماج المغرب في فرنسا، وفرنسة مواطنيه وتجنسهم، والعمل على تنصيرهم، وزعزعتهم عن دينهم الحنيف، وصراطهم المستقيم، لينقلبوا بعد اسلامهم مرتدين كفارا، ملحدين ولا دينيين.
وكان تقسيم المغرب الى عدة مناطق للنفوذ الاستعماري دعيت بأسماء اصطلاحية سياسية متنوعة لم يعد كافيا في نظر سلطات الحماية الفرنسية للسيطرة التامة المبتغاة فعمدت الى السياسة البربرية لاضافة تقسيم اخر بشري واجتماعي وترابي وعقيدي وفكري يمكنها من تحقيق ما تريد بلوغه من اهداف.
ولعلها كانت تترقب من وقت طويل الفرصة المواتية لقضاء مآربها هذا باستصدارها التشريع اللازم في غفلة من يقظة المواطنين ووعيهم، او في حال تأثرهم النفسي الاليم العميق بصدمة المغلوب الواقع في قبضة الغالب، وخاصة بعد فشل المقاومات التحريرية التي نشبت في الجبال والبوادي والصحراء المغربية  بين الوطنيين المجاهدين وبين الاحتلال الاستعماري، ولم تواتها هذه الفرصة المنتظرة الا في سنة 1930.
أما بالنسبة للحادث الثاني، فإنه يمثل رد الفعل المغربي الذي تصدر لمقاومة الفعل الاستعماري فور بدئه تصديا شجاعا جريئا، واخذ يندد به تنديدا بطوليا مبرزا مراميع وابعاده واخطاره، ويدينه في كل مناسبة وحين.
وقد بدا رد الفعل المغربي بالمبادرات الوطنية التي شهدتها مساجد وجوامع مدن سلا والرباط وفاس والمتمثلة في ذكر اسم الله اللطيف والاستماع الى الخطباء وهم يقومون بتوعية المواطنين بها بحقائق الاخطار الجسيمة التي تهددهك وتتوعدهم وتترصدهم من جراء تنفيذ السياسة البربرية طبقا للظهير البربري.
وكان رد الفعل هذا بحق نقطة البروز والتدفق للحركة الوطنية المغربية التي انبثقت ظاهرة من الخفاء الى عالم الواقع لتباشر بصورة مباشرة وعلنية مهام مقاومة الاعتداءات الاستعمارية كيفما كان نوعها، وتعمل على توعية المواطنين ليصبحوا واعين بحقيقة الوعي الوطني الجديد.
كان الظهير البربري بمثابة "القبر" الذي حفرته سلطات الحماية الفرنسية لتدفن فيه "مغربية" المغاربة ليتسنى لها امتلاك المغرب امتلاكا تاما !
ولكن رد الفعل المغربي حال دون تحقيق هذا الفرض الاستعماري، فباء بالفشل الذريع بفضل حركة ذكر اسم الله اللطيف في المساجد والجوامع بسلا والرباط وفاس، وبفضل الاحتجاجات والمظاهرات، وبفضل تضحية المواطنين الوطنيين الذين عذبوا، وسجنوا، واستشهدوا وجرحوا.
لم يكن الحادثان، اذن، مجرد حادثين عابرين وانما كانا حادثين مهمين وخطيرين وحاسمين.
وكلل حادث رد الفعل المغربي بالفوز والنصر.
ونظرا لاهمية الحادثين المذكورين فإن حلول ذكراهما الخمسينية تتطلب الاهتمام بتخليدهما انجاز مقدصين وطنيين هما :
- التذكير بالفعل الاستعماري المقصود من استصدار الظهير البربري، وبأخطار ابعاد السياسة البربرية، ومراميه الاستعمارية والادماجية والاستطانية لتنوير جميع الاجيال المغربية بحقيقة الاستعمار، وحقيقة الاحتلال الاجنبي، ومدى الاخطار والاضرار التي تتربت عليهما في الحياة السياسية والاجتماعية والوجدانية بالبلاد، ولتأكيد الوحدة الوطنية القائمة على اساس الاخوة بين جميع المواطنين، والمتدعمة على الامتزاج والالتحام.
- التذكير برد الفعل المغربي، والمقاومة المغربية للظهير البربري والسياسة البربرية وتمجيد شجاعة المواطنين المشاركين فيها كلهم دون أي استثناء، المعروفين منهم وغير المعروفين، والرحم على من انتقل منهم الى الرفيق الاعلى ليجاور رسول الله الحبيب الشفيع في عليين وتخليد الحركة الوطنية المجيدة التي تفجرت من مكامن خفائها لتباشر مهام التوعية الوطنية علنا على مرأى ومسمع من سلطات الحماية بعد ان تجلت بشائر ارهاصاتها منذ بداية العشرينات.
ان الوطنية المغربية موجودة دائما في أرواح المواطنين المغاربة وعقولهم وقلوبهم، وتجلت واقعيا في المقاومة التحريرية المسلحة للاحتلال الاستعماري في الجبال والبوادي والصحراء المغربية.
والمواطن المغربي، المؤمن المسلم، الذي يعرف جيدا مقصد قول رسول الله (ص) : "حب الاوطان من الايمان" مواطن وطني بعقيدته، وبفطرته، وباقتناعه، ولابد ان يكون وطنيا والا لما تمكن من الارتقاء الى مصاف المجاهدين الابرار الذين رووا بعرقهم ودمائهم التراب الوطني في كل العهود التاريخية.
هذه الوطنية التي كانت قبل الثلاثينيات جهادا دينيا ووطنيا تجلت في اوائلها في صورة نضال وطني سياسي جديد يلائم العصر، ومتطلبات ظروفه، وملابسات احداثه.
ومهما كانت الصورة الجديدة المتخذة فإن النضال الوطني بالنسبة للمواطن المغربي المؤمن المسلم، يندرج في اطار الجهاد الاكبر الذي يباشر واجباته ومهامه مباشرة يومية ابتداء من عقده الثاني حين وفاته.
فالجهاد الاكبر هو الذي يمد الجهاد الاصغر بمتطلبات التصدي والصمود والتحدي والمثابرة والصبر للانتصار على القائمين الظالمين المعتدين، ودحرهم والحيلولة دون الوقوع في المكاره وهو الذي يزود النضال الوطني بما يحتاج اليه من مقومات وامدادات معنوية وفكرية ومادية ضرورية لتدعيم الصمود والاصرار والاستمرار.
هذه هي وضعية المواطن المغربي، الوطني المناضل، في جهاده، وفي نضاله السياسي في حقيقتها الجوهرية، ذلك لأن الدوافع التي تدفعه للتجرؤ على اقتحام الاخطار وتجشم ركوب الاهوال كيفما كانت شدتها وقوتها لا يمكن ان تكون دوافع ظاهرية تنظيمية فقط، وإنما لابد ان تكون لها من اسباب العمق الروحي والمعنوي والعقيدي ما يمده بالقوة المعنوية التي يتفوق بفضل الايمان بها على كل قوة ماديى كيفما كانت قدراتها وطاقاتها.
في ظل الحقيقة فقط نستطيع ان نفهم كيف انتصر الوطنيون المغاربة على سلطات الحماية ونجحوا في افشال السياسة البربرية واحباطها، وهي السياسة التي كانت تعتمد على الجيوش الجرارة في البحر والبر والجو والتي حشدت لتخيف وترهب وترعب بسلاح روحي معنوي هو ذكر اسم الله اللطيف في المساجد والجوامع داعين العلي الاقوى قائلين في تضرع وخشوع وابتهال : "اللهم يا لطيف نسألك اللطف فيما جرت به المقادير، و لا تفرق بيننا وبين اخواننا البرابر".
وطبعا كان لزاما على الوطنيين، لكي يتمكنوا من مواجهة سياسة "فرق تسد" ان ياخذوا مقولة : "وع، واجمع، ووحد، لتناضل وتقاوم"، اخذا مبدئيا، ويطبقوها تطبيقا حازما، ذلك لان التوعية والتوحيد يكونان القوة الحقيقية التي تقف في وجه التفريق، وفي الوقت الذي ينهار فيه اللاواعون بسرعة ويتفرقون اشتاتا يصمد الواعون، ويثبتون، وينتصرون.
وقد نجحت التوعية واتت اكلها في حينها وبعد حينها في الاحداث والمواقف التي كانت.
                                                -2-
مرت على المغرب في عدة عهود تاريخية شعوب كثيرة مرورا مدنيا، ومرورا عسكريا، فوط، سلت، رومان، وندال.. الخ. وبالرغم من المحاولات الرامية الى ادماج الشعب المغربي ذي الارومة الامازيغية العربية التي تنتهي الى مازيغ اخي يعرب، فيها ايا منها لم يتوصل الى بلوغ ما هدف اليه من مرور على ارض المغرب او احتلاله.
لكن العرب المسلمين الوافدين اليه اعتبارا من القرن الاول للهجرة المحمدية حاملين معهم الدين الاسلامي الحنيف، وكتاب الله القرءان الكريم، واللغة العربية الفصحى هم الذي استطاعوا وبسهولة تلفت الانظار وتثير الاندهاش والتعجب، ان يتمازجوا مع المغاربة، ويلتحموا بهم، وينصهروا واياهم انصهارا تاما أعطى للمغرب منذ القرن الهجري الاول الشعب المغربي الحالي الذي يحمل في عروقه دماء عربية امازيغية، او امازيغية عربية، متأصلة زكاعا الاسلام وطهرها ورعاها القرءان.
امام هذه الحقيقة الكبرى في وقائع التاريخ المغربي لابد للدارس الاريب ان يقف وقفة تأمل وفحص ليطرح سؤاله التالي :
- لماذا انسجم السكان الاصليون للمغرب مع العرب، وامتزجوا بهم، وانصهروا معهم ولم يحصل لهم ذلك مع الشعوب السابقة التي مرت عليهم في العهود السالفة للاسلام ؟
السؤال المطروح سؤال وجيه وهو موضوع بحث تاريخي طريف يحتاج الى جهود واعتناء زائد.
لكن يمكن اختصاره كما يلي :
- لأنهم عرب مثلهم ينتمون الى اصل عربي واحد.
والفرق الوحيد بينهما هو : ان ابناء مازيغ هاجروا الى المغرب قبل الاسلام، وابناء يعرب هاجروا اليه بعد ظهور الاسلام.
نعم، الامازيغيون، ابناء مازيغ هم عرب هاجروا الى المغرب قبل الاسلام من شبه الجزيرة العربية، وبالاخص من صنوفها حاملين معهم اللهجات والعادات، والتقاليد والطقوس العربية القديمة، وتعود اصولهم الى العرب العاربة والمغرب المستعربة، وسلكوا في هجرتهم الى المغرب طريقين :
الطريق الاول : من اليمن، وعبر مضيق باب المندب، الى الصومال والسودان ومنه الى التبستر في التشاد، والى النيجر والهقار وانتشروا في ليبيا (سبهة وغربان) وفي الجنوب التونسي وفي الجزائر، ثم أخيرا وصلوا المغرب حيث استقروا.
الطريق الثاني : هو الطريق البري الذي يمر بمحاذاة الساحل الشرقي للبحر الاحمر سلكوه متجهين شمالا الى بلاد الشام حتى إذا ما وصلوا الى العقبة استداروا غربا الى شبه جزيرة سيناء وعبروا برزخ السويس ومروا بمصر الى ليبيا فتونس والجزائر ليصلوا الى المغرب.
هذه حقيقة تاريخية ثابتة لا يشك، او يشك فيها الا ذو غرض.
ومن اراد ان يتأكد منها فعليه ان يقوم بدراسة الجهات الامازيغية في المغرب ومقارنتها باللهجات الامازيغية نظيرتا على طول الطريق الاول الصحراوي الى بلاد اليمن، وهو الطريف الذي مرت عليه افواج الغرب المهاجرين من جنوب بلاد الغرب قبل الاسلام عبر مضيق باب المندب والبحر الاحمر، وعلى طول الطريق الساحلي للبحر الابيض المتوسط من المغرب الى مصر وسيناء وعبر الطريق الساحلي المحاذي للبحر الاحمر الى اليمن.
إن هذه الدراسة تتضمن لجونا ميدانية في مجالات متعدد : اللهجات، والعادات والتقاليد والطقوس القديمة، والاثار، تدون كتابة وتسجيلا على الاشرطة وتدعم بالوثائق المصورة والمكتوبة وبالمصادر التاريخية.
أما في جنوب البلاد العربية، وفي اليمن بصفة خاصة حيث سادت الحضارات القديمة (1) قبل الاسلام فينفي القيام بدراسة عميقة وشاملة للغات واللهجات والتقاليد والعادات والطقوس مدعمة بالوثائق والمصادر التاريخية المهمة.
بعد هذه الدراسات والبحوث تأتي مرحلة المقارنة والفحص، والتحقيق التي تهدف الى تأكيد عروبة الامازيغ.
ولاريب فإن هذه الدراسات والبحوث تتطلب جهودا كبيرة، وتعاونا وثيقا بين البلدان المعنية، وتحتاج الى وقت طويل، وتفرغ، وتمويل.
ومهما كانت الصعوبات التي يمكن ان يواجهها من يريد ان يقوم بها ليتأكد من عروبة الامازيغ بواسطة دراسة اللهجات التي يتكلمون بها في بلدانهم بالمغرب ومقارنتها باللهجات القديمة وما ينفي منها في جنوب بلاد العرب، فإنها ليست مثل الصعوبات التي واجهت العالم البجار النرويجي نورها يردال في رحلاته العلمية البحرية في المحيط الهادي على متن الرمث "تون كيتي" وفي المحيط الاطلسي على متن القارب رع وفي المحيط الهندي على متن "دجلة".
وكيفما كان الامر فإن هذه البحوث سنضيف معارف جديدة تثرى، ماهو معروف، وستصل بالاضافة الى تأكيد عروبة الامازيغ الى تأثير اللغات واللهجات العربية القديمة نهى اللغات في اللهجات الاوربية والافريقية بالاضافة الى معرفة الكثير عن العادات والتقاليد والطقوس القديمة.
لقد كان المغاربة يعرفون انهم شعب مكون من امتزاج ملتحم بين الامازيغ (السكان الاصليون) والعرب معرفة بحقيقة مؤكدة جدا اعتبارا من القرن الاول للهجرة.
لكن لماذا حرصت سلطة الحماية على استصدار الظهير البربري ؟
- ليتذكر المغاربة هذه الحقيقة ؟
ان كان الامر يتعلق بمعرفتها فهم يعرفونها جيدا، ولا داعي للتذكير بها.
- ام لأنها اكتشاف جديد في ميدان المعرفة يحصله المغاربة ؟
- ام حبا في الامازيغ وهياما في سوادا عيونهم ؟
- ام لحاجات اخرى "نفس يعقوب" ؟
ومهما كان الامر فإن التذكير بهذه الحقيقة، ان كان فيها جديد، يمكن ان يجري بواسطة المحاضرات والدروس التاريخية التي تلقى في مؤسسات الوزارة المختصة وحتى في مؤسسات الوزارة الاخرى كالانباء مثلا، وهذا لا يحتاج الى استصدار ظهير بربري.
اذن، وبعد تقليب الرأي في جميع جوانب الموضوع يتضح ان المقصود من الظهير البربري لم يكن التذكير العلمي، ولا احاطة المغاربة علما باكتشاف علمي جديد، ولا حبا في الامازيغ وهياما بعيونهمن وانما كان توخيا لبلوغ حاجات اخرى كامنة في نفس يعقوب : وهي حاجات املتها السياسة الاستعمارية الرامية الى السيطرة على المغرب سيطرة تامة، وادماجه مع فرمسا ادماجا تملكيا كاملا عجزت عنه روما في عهود عظمتها، وطبقا لمقتضيات المبدأ الاستعماري "فرق تسد" ثم استصدار الظهير البربري لانتهاج السياسة البربرية انتهاجا قانونيا علنيا.
انها الاستراتيجية العليا التي تستقصي المتأصلات التجمعات كيفما كانت واينما كانت استقصاء ذكيا لتتعرف على مكامن الضعف فيها للاستفادة منها في تسديد ضربات قوية اليها قصد النفاذ منها الى مأربها هي التي استقصت "التمفصل" السكاني في المغرب وقررت ضربه بالسياسة البربرية لتحقيق الاغراض الاستعمارية.
وتلكم حقيقة يعرفها العارفون، ولا تخفى حتى على الغافلين والساذجين والعوام والجاهلين اللهم الا من قلبه مرض.
فماهي اهداف السياسية البربرية ؟
استهدفت سلطات الحماية من استصدارها للظهير البربري تأمين بلوغ ثلاثة اهداف :
- الهدف الاول : عسكري
- الهدف الثاني : سياسيي
- الهدف الثالث : اجتماعي وحضاري
ويتوخى الهدف الاول، العسكري، عزل سكان الاطلس المتوسط بصفة خاصة عن بقية المغاربة وعن التراب الوطني لتأمين ما يمكن ان يسمى "بحزام امني عسكري" تمهيدا لاسكات اصوات رصاص المجاهدين، والقضاء على مقاومتهم التحريرية التي ابتدأت منذ فرض الحماية على  المغرب.
ويرمي الهدف الثاني، السياسي، الى تمزيق شمل المغاربة شر تمزيق واخطره باحداث تفرقة عنصرية تذكي نعرتها السياسة البربرية التي ترتكز، فيما ترتكز عليه، على تعليم اللهجة البربرية، وكتابتها بالحروف اللاتينية، وعدم تعليم القرءان الكريم، والدين الاسلامي في المدارس البربرية، وهذا لعمري هو التنصير بعينه !
أما الهدف الثالث، الاجتماع الحضاري فإنه يتوخى فصل الحياة الاجتماعية للبربر وعزلها عزلا تاما عن الحياة الاجتماعية السائدة في المجتمع المغربي وذلك بإحياء التقاليد والاعراف البربرية.
والاهداف الثلاثة تتكامل تكاملا منسقا يكون في مجموعة السياسة البربرية، يدعم كل هدف منها الهدفين الاخرين، ويزيد في فاعليتهما ونشاطهما، فالتطويق العسكري للاطلس المتوخى من الهدف الاول يمهد له التطويق السياسي الذي يستهدفه الهدف الثاني، ويدعمهما معا التطويق الاجتماعي والحضاري (التشريعي والفكري والاقتصادي والسلوكي) الذي يستهدفه الهدف الثالث.
وان الاهداف الثلاثة يكون خطرا عظيما على وحدة المغرب الترابية والسكانية بتطبيق السياسة البربرية كما أرادتها سلطات الحماية وخططت لها.
ولكن ماذا بهم سلطات الحماية اذا ما تكون "كيان انفاصلي" داخل ارض الوطن الواحد الموحد والذي التزمت اتفاقية الحماية بصيان وحدته "ما دامت مصالحها الاستعمارية الكبرى يجب ان تمر هي
الاولى وتحظى بالاسبقية ؟ ومادامت غايتها تبرر الوسيلة ؟"
ولم تكن الوحدة الترابية والسكانية المغربية وحدها التي يتهددها السياسية البربرية وانما مصير حضارة مغربية اسلامية عربية ازدهرت في ربوعها منذ 13 قرنا، واشعت بأنوارها على اوربا.
                                          -3-
قبل الحماية لم تكن في المغرب سياسة بربرية، والمغاربة يعرفون هذا، والتاريخ يعرفه، وسكان الكرة الارضية يعرفونه كلهم معرفة جيدة ايضا.
وقبل الحماية، ومنذ 13 قرنا خلت، لم يكن هناك اي داع لاصدار قانون باحترام التقاليد البربرية.
فماذا حدث بالمغرب حتى تأتي سلطات الحماية، وتستصدر في 11 سبتمبر 1913 الظهير الاول، المهدد للسياسة البربرية، القاضي باحترام التقاليد البربرية، ولما يمض على اتفاقية الحماية الا 17 شهرا و14 يوما فقط بالعد والحساب.
ان الذي حدث بالمغرب هو ان "الحماية فرضت عليه فرضا لم يكن له فيه اي اختيار وان سلطات الحماية ارتأت احترام التقاليد البربرية فاستصدرت لذلك نصا تشريعيا !".
وطبعا، ان القوات الاستعمارية التي استطاعت فرض الحماية يسهل عليها فرض احترام التقاليد البربرية.
اجل وكيف لا دامت قد استطاعت بفضل الصناعة الحديثة التغلب على المغرب الفلاحي التقليدي.
وهنا سر محنة المغرب والمغاربة.
ان البلدان الاوربية، وفرنسا ضمنها جعلت منها الثورة الصناعية التي ابتدأت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر قوة صناعية وسياسية وعسكرية وبحرية ذات نفوذ كبير في العالم تزايد اعتبارا من النصف الثاني للقرن التاسع عشر حيث شرعت تتنافس في الحصول على المستعمرات في افريقيا واسيا التي كانت بلدانها زراعية ذات حضارات فلاحية وتقليدية لأنها تتصل باسباب الثورة الصناعية.
وفي صراع حضاري تواجه فيه حضارة فلاحية تقليدية حضارة حديثة يتم النصر بحكم مفهوم المقولة المعقولة : "البقاء للاقوى" للحضارة الاقوى التي طورت دواليب مدنيتها تطويرا جديدا يلائم روح العصر، وأصبحت بفضل اخذها بتعاليم الثورة الصناعية حضارة صناعية تنتج منتوجات وخبرة وتحتاج الى اسواق استهلاكية ومواد خام كثيرة.. الامر الذي يستوجب البحث عن المستعمرات والحصول عليها بأية كيفية ووسيلة كانت.
وعندما تنهار حضارة فلاحية تقليدية امام حضارة صناعية حديثة فإن الفكر الحضاري الفلاحي التقليدي هو الذي ينهار ويغلب على امره لأنه ضعف امام الفكر الحضاري الصناعي الحديث وعجز ووهن.
أما القيم العليا الاخرى الاساسية الضرورية لقيام الحضارات كالدين والروحيات والمعنويات فإن توفرها او عدم توفرها بعد ذلك سيان !
وإذا ما انهارت حضارة ما بسبب تخلفها وضعفها وعدم قدرتها على الصمودذ امام حضارة أقوى منها فإنها ستنال من الويلات ما يسوءها كثيرا.. وكثيرا جدا.
هذا منطق الحياة الحضارية منذ بدأ التاريخ، ومنذ بدأت الحضارة طبقا للمقولة الشهيرة : "الويل للمغلوب".
ومادامت قضية الانتصار في الصراعات قضية حضارية فإن العقل الذي يوجد في حالة حضارية فلاحية تقليديى يصبح مطالبا بأن يأخذ بالفكر الحضاري الصناعي الحديث، ويحبط بأنماطه واساليبه ومناهجه، ويمارسها ويباشرها، ويلم الالمام الواجب بأسرارها، ويطبقها تطبيقا عمليا واقعيا في الحياة المجتمعية للانتقال من الحضارة الفلاحية التقليدية الى الحضارى الصناعية الحديثة ذات الابداعات التقنولوجية العديدة الابعاد، المتنوعة والمتجددة باستمرار.
وفي حضارة عريقة تعيش عصرها، وتفهم روحه، لابد من سريان توازن حضارية بين القيم الاساسية الحضارية الفلاحية التقليدية وبين القيم الاساسية للحضارة الصناعية الحديثة وبين القيم العليا الاصلية (الجوهرية الروحية والمعنوية) الضرورية لتأطيرها العقيدي والفكري.
وطبقا للتفاوت في المفاهيم الحضارية بين البلدان ذات الحضارات الفلاحية التقليدية وبين البلدان ذات الحضارات الصناعية فإن المنهارين في الصراع الحضاري، المغلوبية على امرهم، وهم بالطبع ينتمون الى الحضارة الفلاحية التقليدية، يعاملون معاملة المتخلفين البدائيين الذين ما يزالون في حاجة الى التمدين والتحضير، وترتب على هذه المعاملة وجود حالات استعمارية عرفت باسماء كثيرة : الانتداب، الوصاية، الحماية، المستعمرات، اماكن النفوذ، اماكن السيادة.. وغيرها، وكلها في حقيقة امرها، اسماء لمسمى واحد ومفهوم واحد هو الاستعمار المفروض بالقوة العسكرية، وبالاحتلال والغزو عمدا وعنوة من طرف البلدان ذات الحضارات الصناعية الحديث على البلدان ذات الحضارات  الفلاحية التقليدية التي لا تملك اسباب الدفاع الجيد الحديث عن نفسها فانهارت وانهزمت.
فبمنطلق الانتماء الى حضارة صناعية حديثة متفوقة، والى عقلها الممتاز تنظر سلطات الحماية الى المغاربة الذين تراهم بسطاء، سدجا، متخلفين جاهلين لا يستطيعون ان يفهموا نوايا وخفايا السياسة الاستعمارية المصوغة في تعابير منمقة براقة..
وطبعا ليس بغريب ان ينظر العقل العلمي الصناعي الحديث الذي يفهم جيدا المعادلات الجبرية، والتراكيب الكيماوية الدقيقة وغيرها من العلوم ذات الرموز والثغرات التي تتطلب من الفكر ان يكون ذكيا الى العقل المغربي ذي الحضارة الفلاحية التقليدية نظرة ازدراء واحتقار وصغار.
والعجيب الغريب ان العرب والمسلمين هم الذين اخترعوا الجبر، وهم الذين كان لهم في الكمياء باع طويل، فهم الذين اخترعوا الاميق وغير الاميق، وهم الذين كان منهم اول طيار في العالم عندما كانت اوربا ماتزا في عهود الظلام، وهم... الخ.
والعجيب الغريب ان اوربا من اليونان الى الرومان بلدانها المعروفة بعدهما، تعلمت علوم العرب، وحكمة العرب، وفلسفة العرب في العهود السابقة لميلاد السيد المسيح وتعلمتها ايضا في العهود المسيحية ايضا ابان ازدهار الحضارة العربية العريقة.
فمن التلميذ ومن المعلم ؟
ومن يجهل، أو يريد ان يتجاهل، هذه الحقيقة فليقرأ التاريخ بنياه بصدفها.
فواعجبا للمعلم كيف انهار امام التلميذ.
حقا انها "بضاعتنا ردت الينا" ولكن بعقل غير عقلنا، ويد غير يدنا، وبتكاليف باهضة تثقل كاهلنا.. وعلى كل حال انها دورة الحضارة وعودتها.
في هذه اللمحة الخاطفة الوجيزة جدا عن صراع الحضارات تتجلى لنا بوضوح وضعية الحضارة العربية (حضارات الشرق العربي او الشرق الاوسط، قبل الميلاد) والحضارة الاسلامية العربية بالنسبة للحضارة الصناعية، التقنولوجية الحديثة، انها وضعية الحضارة الام، الحضارة الاصل، فكيف تصاب، إذن، بمركب النقص، وتقف عن متابعة الابداع الحضاري ؟
كنا السباقين الاوائل الى حياض الحضارة فأصبحنا من اللاحقين المتخلفين.
ولعل السبب الاول لوقوع المغرب تحت "الحماية" هو عدم الاهتمام بالثورة الصناعية وانعزاله وعدم مجاراة الدورة الاوربية في مجالاتها.
بل هو السبب الاول بدون "لعل" لأن المغرب لو كان قد اخذ بأسبابها لكان اقوى مما كان، ولكان بإمكانه الصمود والاستمرار حرا مستقلا.
فرضت الحماية على المغرب، واخذت "الويلات" تنزل على المغاربة كالصاعقة، وكان اخطرها جميعا "ويل" السياسة البربرية.
فبعد ظهير 11 سبتمبر 1913 صدر ظهير 16 مايو 1930.
وبين ظهير سنة 1913 وظهير سنة 1930 مدة 16 سنة و7 أشهر و18 يوما.
وهنا يتبادر الى الذهن السؤال التالي :
- مادامت سلطات الحماية كانت قد نزعت كل في سياستها البربرية في سنة 1931 فلماذا صبرت كل هذه المدة حتى تستصدر الظهير الثاني المشهور بالظهير البربري والذي ارادته ان يكون حاسما ؟
والجواب عليه يمكن ايجازه تخمينا كما يأتي :
بسبب نشوب الحركة العالمية الاولى.
بسبب نشوب الحرب التحريرية في الريف.
بسبب نشوب الحرب التحريرية في الجنوب بقيادة الشيخ الهيبة بن ماء العينين.
بسبب نشوب حركات تحريرية في تافيلالت وفي الاطلس الكبير.
عدم مساعدة الظروف السائدة آنذاك على استصداره.
اما الجواب الحقيقي فعلمه عند سلطات الحماية، ولعل البحوث المقبلة تكشفه.
ولاشك ان الغاري الاريب يلاحظ ملاحظة موضوعية مضمونها :
- مادامت سلطات الحماية قد استصدرت الظهير الاول بتاريخ 11/7/1914 اي مباشرة بعد فرضها الحماية على المغرب بفارق زمني قصير، سنتان و5 أشهر و12 يوما، فلابد انها تكون قد اعدت اعدادا مسبقا مخططا للسياسة البربرية الذي جاءت به جاهزا لتطبيقه في المغرب.
ومادامت هذه الملاحظة الموضوعية مهمة جدا، وتتطلب بالحاح جوابها فهل هناك مؤشرات مستبغة قبل فرض الحماية تؤيدها تكون بمثابة الجواب الايجابي عليها.
فعلا، هناط مؤشرات تقود الى القرن التاسع عشر، وبالضبط الى الربع الاخير منه.
                                             - 4-
احتلت فرنسا الجزائر سنة 1830.
ومنذ هذا التاريخ وقفت احداث عظيمة. مقاومة الامير عبد القادر الجزائري، معركة ايلي1844، اتفاقية ثانية 1845 وغيرها.
ومنذ اختفاء الامير عبد القادر الجزائري من ميدان المقاومة بعد جهاد بطولي دام 15 سنة استتب الامر لفرنسا بالجزائر، وأخذت تتوسع جنوبا وشرقا، شرعت صحافتها الرسمية والاستعمارية تمهد لاحداث التفرقة العنصرية بين العرب والامازيغ (البربر)(2).
وفي سنة 1859 أصدرت سلطات الاحتلال الفرنسية بالجزائر قانونا يقضي بإخراج الامازيغ (البربر) الساكنين في منطقة حيال جريرة (القبائل) من احكام الشريفة (3) الاسلامية، وكانت تهدف من وراء اصداره الى تنصيرهم. وكان هذا القانون سببا من اسباب اندلاع ثورة 1870- 1871 بقيادة الشيخ محمد الحداد والحاج محمد المقراني.
واصرارا منها اي من سلطات الاحتلال الفرنسية بالجزائر على مواصلة السياسة البربرية، بادر الاسقف لافيجيري الى تأسيس جماعة الاباء البيض سنة 1868 والاخوات المبعوثات الى افريقيا في سنة 1869 في اطار العمل لتنصير المسلمين.
وكرر فعل انتقامي لثورة 1870- 1871 أصدرت قانون الانديجنا الذي عاش الجزائريون في ظله وكأنهم في سجن كبير.
وفي سنة 1881  استولت على تونس وفرضت عليها حماية.. كان ذلك في عهد مولاي الحسن الاول الذي كان عظيما ويعيد النظر، فقد ارسل اول بعثة علمية للدراسة الى البلاد الاوربية لتتعلم علومها لاجل تحديف المغرب.
ولم تكد سنتان على استلائها على تونس حتى بادرت القيادة العسكرية الفرنسية في سنة 1883 الى الارسال ضابط مدفعي لامع شاب يعمل في جهاز استخباراتها هو المسيو دوفوكول الى المغرب للقيام بجولة استطلاعية في ربوعه متنكرا في زي يهودي مغربي، بدا جولته من احدى مدن الشمال، ومنها توجه الى وزان، ففاس فالاطلس.
وكان اثناء جولته يسجل كل ما يرى ويسمع ويلاحظ، وكل ما يهمه في كراسه.
ولما عاد الى الجزائر بعد سنة وضع ما دونه خلال جولته بالمغرب في تقرير رفعه الى رؤسائه.
وقد خظي تقريره باهتمام كبير لدى القيادة العسكرية الفرنسية، وكان للمعلومات الواردة فيه اثر مهم في احتلال فرنسا للمغرب فيما بعد.
هذا مهم، ولكنه ليس المطلوب.
غير ان هذا الضابط اللامع لم يلبث طويلا في الحياة العسكرية لأنه فضل الحياة الدينية وانخرط في جماعة الاباب البيض التي اسسها الاصقف لافيجيري في سنة 1868 يهدف تنصير المسلمين في اطار السياسة البربرية، وسافر الى الجنوب الجزائري سنة 1901 ثم الى الهكار بلاد الطوارق في سنة 1905 حيث استقر في تمانراست.
وقام خلال اقامته بالهكار فيما قام به  من اعمال بالاضافة الى اعماله الدينية بدراسات انترولوجية كان من اهمها دراسة لهجات الطوارق البربرية، وبخاصة لهجة تماشقت واعد القاموس البربري الفرنسي الاول واكتشف ابجدية تفيناغ التي تكتب بها، وقواعد نحوية.
هذا هو المهم، هذا هو المطلوب، لان نتائج اعماله ودراساته الانتلوجيا مدت سلطات الاحتلال الفرنسي بمنطلق علمي مهم سارعت الى الاستفادة منه في العودة الى توجيه سياستها البربرية على أسس علمية جديدة.
كان للسياسة البربرية دعاتها في صفوف الجيش والرهبان وغلاة المستعمرين، لهذا لم يكن شارل دوفوكو وحده، وإنما كان واحدا ضمن عدد كبير يضمه رجال الاستخبارات الفرنسية، وواحدا من بين الرهبان العديدين المتحمسين الذين بادروا بالتبشير للدين المسيحي لتنصيره من يمكن اجباره على التنصير من سيء الحظوظ الذين تضعهم ظروف الحياة القاسية في سبيلهم.
وبعد فشل سلطات الحماية في تجربة السياسة البربرية في المغرب في سنة 1930 عادت لتجربها من جديد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في القطر الجزائري وفي منطقة جبال جرجرة (القبايل) التي تتكلم اللهجات البربرية للمرة الثانية بعد ثمانية سنة وبحماس اكثر بالاستعانة هذه المرة بأعمال شارل دوفوكي التي انجزها في تمانرست بالهكار، وهي : قاموسه البربري الفرنسي، وأبجدية تيفيناغ والقواعد النحوية.
ولم تنجح ايضا، إذ تصدت لها الحركة الوطنية الجزائرية بقيادة حزب الشعب الجزائري وانهتها.
عودة السلطات الاستعمارية الفرنسية لتجربة السياسة البربرية بالجزائر بعد فشلها بالمغرب بأعمال شارل دوفوكو تدل دلالة واضحة على ان اعماله ودراساته الاتنولوجيا في الهكار اتت بنفس جديد يقوي المنطلق القديم للتفرقة العنصرية باعتماده على اساس علمي.
وإذن في نطاق التجارب الاولى للسياسة البربرية التي اجرتها السلطات الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، في اعمال ودراسات الاب شارل دوفوكو وغيره من غلاة المعمرين والصليبيين الحاقدين على الاسلام والمسلمين، من ضباط ورهبان سواء كانوا بيض او غير بيض يمكن تقصي الحقائق بداية السياسة البربرية التي ارادت سلطات الحماية الفرنسية انتهاجها بالمغرب.
هذا هو ما يفسر لنا سرعة استصدار سلطات الحماية لظهير 11/ 9/ 1914 القاضي باحترام التقاليد البربرية بعد سنة واحدة وخمسة اشهر واربعة عشر يوما من اتفاقيات الحماية اي بسرعة خاطفة.
فليس ظهير 11/ 9/ 1914 الا نسخة طبق الاصل من قانون 1959 الذي حاولت سلطات الحماية تطبيقه في منطقة جبال جرجرة (قبايل) منذ نصف قرن وليست قوانين الاندجينا التي طبقت في المغرب الا نفس القوانين التي وضعت للجزائريين.
فالتجربة الاستعمارية الفرنسية بالجزائر هي التي بادرت سلطات الحماية لتطبيقها في المغرب بعد اتفاقيى الحماية، لانها تجربة جاهزة للتطبيق.
ولا غرو في ذلم الجنرال ليوي كان ضابطا تابعا للقيادة العسكرية الفرنسية في الجزائر التي كانت قاعدة تنطلق منها الحملات لغزو المغرب واحتلال اراضيه قبل ان يصبح مقيما عاما.
                                              - 5-
هل نفذت السياسة البربرية كما ارادتها سلطات الحماية، ومن أي تاريخ ؟
روى شاهد وطني امازيغي الاصل ما مضمونه :
طبقت سلطات الحماية السياسية البربرية بعد صدور ظهير 13/ 9/ 1913.. فمنذ هذا التاريخ، وفي إطار احترام التقاليد البربرية حتى صدور ظهير 1930 المشهور بتاريخ 16 مايو 1930 كانت محاكم الجماعة قائمة في مجموع الاطلس المتوسط والكبير باستثناء اقاليم سوس وبعض قبائل تازا، وكان نشاط الاباء البيض في اوجه في المدارس الاطلسية كما اسسوا مراكز مهمة لهم في ازرو وفي اماكن اخرى كان لها الاثر الكبير في نشر السياسة البربرية.
وثم هذا في غياب الوعي الوطني، وفي ظروف الحرب العالمية الاولى، وفي ظروف التطويق العسكري التي فرضت بسبب التفرع لمواجهة حرب التحرير الريفية والقضاء عليها..
وعندما صفا الجو السياسي، وانقشعت غيوم الحروب، استصدرت سلطات الحماية ظهير 16 مايو 1930 قاصدة به تقنين ما انجزت في ظل ظهير 13/ 9/ 1913 تقنينا رسميا لنجعل من السياسة البربرية حقيقة واقعية فثارت حينئذ ثائرة المواطنين الوطنيين من العلماء والطلاب والشباب لأنهم اصبحوا واعين بأن "السيل قد بلغ الزبى".
وكانت حركة اللطيف المعروفة في مساجد سلا والرباط وفاس التي كان المؤمنون يدعون الله العلي القدير باسمه اللطيف ضارعين خاشعين : "اللهم يالطيف نسألك اللطيف فيما جرت به المقادير، ولا تفرق بيننا وبين اخواننا البرابر".
"وقال ربكم ادعوني استجب لكم".
صدق الله العظيم.
من هنا التدفق الحقيقي العلني للوطنية المغربية التي برزت الى الميدان السياسي لتقاوم السياسة الاستعمارية مقاومة نضالية على مرأى ومسمع من سلطات الحماية..
ووقفت الوطنية المغربية في مقاومة السياسة البربرية وقفة مشهودة كللت تضحياتها وجهودها بالفوز والنصر.
كانت اولى معاركها النضالية واخطرها..
لهذا فإن ذكرى مرور 50 سنة على الظهير البربري انما يعتبر في الحقيقة عيدا (يوبيلا).
ذهبنا لنضال الحركة الوطنية مخلد المحامد والمكارم البطولية وتمجيد التضحيات والجهود التي بذلها الرواد الاوائل لانقاذ المغرب من "تفرقة عنصريةّّ" ومن قسمة خيرى جديدة للتراب الوطني، ولإيقاظ شعب بأكمله من رقاده الطويل، وتوعيته بحقيقته الوطنية وبحقوقه في الحياة ودفعه ليناضل ويقاوم.
وما قيل وكتب في مقاومة السياسة البربرية من خطب وشعر ومقالات باللغة العربية الفصحى وباللهجات البربرية يعتبر من عيون النصوص الادبية الوطنية التي يحق للادب المغربي الحديث ان يعتز ويفتخر بها، ويوليها ما تستحقه من الدراسة والبحث والتحليل والتوضيح والتيسر.
ومن اشهر ما قيل في مقاومة السياسة البربرية نشيد الاحرار للمرحوم الاستاذ علال الفاسي :
صوت ينادي المغـرب         من مازيغ ويعـرب
لا  نرضى بالتفرقــــة         ولو علونا المشنقـة
ولو غدت ممزقـــــــة         اشلاؤنا فدا الوطـن
بمثل هذا الاصرار وهذا التحدي قاومت الوطنية المغربية السياسة البربرية وفازت وانتصرت.
                                                -6-
ان موضوع السياسة البربرية انطلاقا من ظهير 11/9/1913 وظهير 16/5/1930 موضوع كبير يحتاج الى دراسات جامغية شاملة وعميقة على اضواء بحوث دقيقة تعتمد على الوثائق والمراجع والتقصي الهادف للحقائق خدمة للتاريخ المغربي، وخدمة للوغي الوطني، وتنويرا للرأي العام المغربي تنويرا صادقا على ما جرى في فترى من حياة وطنه اريد له فيها ان يعود الى ايام الجاهلية الرومانية بعد 14 قرنا من الاسلام والعروبة والتمازج الاخوي الالتحامي.
فلكي تتمكن سلطات الحماية من تحقيق الاهداف الاستعمارية بقوة اشد من قوة الجيوش والاساطيل الجوية والبحرية جاءت بالسياسة البربرية كأسلوب من أخطر اساليب الغزو الفكري والعقيدي هادفة به الى التدعيم في ذات المواطنين المغاربة بعد ما يتم استيلاهم بوسائل التربية والتعليم، وتيسر الرهبان، وبالترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، وتجريدهم من مقوماتهم الكيانية الوطنية والحضارية الاصية الاسلامية والعربية، ومسخ شخصياتهم مسخا يشارك فيه الرهبان وضباط الاستخبارات يصبحون على اثره كالغراب الذي اراد أن يقلد مشية الحمام.. يكرسون لخدمة السياسة الاستعمارية ليكونوا لها أعوانا، وعيونا، وآذانا، وجنودا، يحاربون من أجلها، ومرتعا خصبا للهو والترفيه..
وهذا لعمري لا يرضاه الامازيغ (او الرجال الاحرار) وهذا ما حصل.
ان الفكر الاستعماري التوسعي كيفما كان نوعه ومضموره يتقدم للعالم "بوعيه" المنجلي في شعارات ومبادئ او مفاهيم معينة، بينما يخفي في "لا وعيه" ووجدانه حقيقته الصليبية العميقة ولا شيء آخر غير هذا، وان تنوعت التبريرات والمسوغات.
حرية الدولة ووحدة ترابها ومحافظتها على استقلالها كانت دوما وماتزال قضية قوة.. اما إذا اهملت دولة ما اسباب القوة ضعفت وانهارت وصارت كالفريسة يطمع فيها الاقوى منها.
والمغرب، عندما فرضت عليه الحماية في سنة 1912، كان متخلفا بمدة 161 سنة عن الثورة الصناعية، وعن فرنسا واسبانيا، وعن باقي البلدان الاوربية المصنعة.
وهذا يعني انه كان متأخرا بأكثر من قرن ونصف عن مستوى عصره في الميدان الحضاري والعلمي والفكري بالاضافة الى تأخره في ميدان الصناعة.
لهذا، وسبب هذا التأخر، أصبح ضعيفا وكان طبيعيا ان ينهار رغم صموده ومقاومته وبطولات مجاهديه، لكنه لم ينهر أمام دولة اوربية واحدة، وانما انهار أمام عدة دول، بعد دسائس ومؤامرات (واتفاقات سرية عديدة، وبعد أن قسم ترابه الوطني اقساما)..
وهذا يوضح اهمية القوة التي كان يتوفر عليها فمابالك لو كان مصنعا وواكب الثورة الصناعية منذ بدايتها وساير الدول الاوربية فيها خطوة خطوة ؟
في هذه الوضعية، ورغم تفوق الحماية في البر والبحر والجو ثار المغاربة على سلطات الحماية وحاربوها وقاوموها في الجبال والبوادي والصحاري، حتى إذا ما كانت قضية الظهير البربري في 16/5/1930 تفجر الغضب الوطني في المدن، فكانت حركة اللطيف المشهورة التي انتصرت بفضل قوتها الربانية الروحية، وبدأت الوطنية المغربية الحديثة في شكل تنظيم سياسي جديد يلائم العصر.
"رب ضارة نافعة" كما يقول المثل العربي :
ارادوا بنا شرا، فأراد الله لنا خيرا.

------------------------------------------
المراجع : (للمزيد من البحث والاطلاع) :
1- جلالة الملك الحسن الثاني : التحدي
2- الاستاذ علال الفاسي : الحركات الاستقلالية في المغرب العربي
3- الاستاذ عبد الكريم غلاب : تاريخ الحركة المغربية الوطنية
4- عبد الهادي الشرايبي : ثمن الحرية
5- مصطفى العلمي : الاغلبية الصامتة في المغرب
6- ابو بر القادري : سعيد حجي
7- عبد العزيز بن عبد الله : تاريخ المغرب الحسن الثاني
8- احمد عسة : المعجزة المغربية
9- مجلة الوطن العربي (باريس من 18 الى 24/4/1980، صفحات : 34- 35- 36)
10- الاستاذ رابح تركي : الشيخ عبد الحميد بن باديس
11- الاستاذ محمد المكي الناصري : فرنسا وسياستها البربرية في المغرب الاقصى
12- الاستاذ عبد الله الجراري : شذرات تاريخية (من 1900 الى 1950) الرباط 76
13- الاستاذ الحاج الحسن بوعياد : الحركة الوطنية والظهير اللبربري، الدار البيضاء 80
14- الجريدة الرسمية، عدد 73 الصادرة بتاريخ 18/9/1914 الرباط (ص407)
15- الجريدة الرسمية، عدد 478 الصادر بتاريخ 27/6/1922 الرباط، صفحات : 758- 759- 760
16- الجريدة الرسمية، عدد 919 الصادر بتاريخ 6/6/1930 بالرباط، صفحات : 1322 و1323

ملاحظة
توجد مراجع عديدة عربية واجنبية لمن اراج ان يكتب دراسة معمقة.

(1)
(2) مجلة الوطن العربي- عدد 166 صفحات 34- 35- 36 باريس (من 18- 24/4/1980.
(3) الاستاذ رابح تركي- الشيخ عبد الحميد بن باديس- الجزائر.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here