islamaumaroc

رثاء القمر

  دعوة الحق

26 العدد

أراك، ولا أراك. هكذا أحب أن أراك : مرآة لحبيبتين، وساقية بنفسج تتسرب على مخدعي من نافذة حجرتي من بين ملايين الصخور الرمادية، فأشرب منها، وأغسل قلبي المثلث فيها فيغد زورقا لي ولحبيبتي نركبه مع عمر حبنا على حيث أسرة بنات لنجوم. ولا أحب أن أراك كما يريدون : موطئا للإنسان وموطنا لأطماعه العدوانية، وثكنة من ثكناته الجهنمية.
أهكذا تمضي على الموقعة، وأنت بعد طفل شارد تله وتحبو وتنزلق على عتبات الضياء في كل شهر. طفلا تولد في كل شهر، وطفلا تغيب في كل شهر، منذ أن كنت نطفة ضوء في أحشاء أمك الشمس.
هكذا أحب أن أراك : طفلا في السماء، وطفلا على صفة الغدير عندما ألقي بطرفي إلى الأرض. ولا أحب أن أراك : طفلا في السماء، وطفلا على صفحة الغدير عندما ألقي بطرفي إلى الأرض. ولا أحب أن أراك محطة للقنابل الذرية، ومرتعا للشهوات النارية.
ما لك تبكي، فتنهمر دموعك قطرات فحم في قلبي الزجاجي، وفي قلب من أترعتهم برحيقك المستدير: من عشاق، وشعراء وفنانين، وملهمين، ومعذبين ؟
آه ! إن كل دمعة تنحدر على جفنيك، تنحدر معها نجمة. فبالوجه السماء الذي سيظل أرقش بعدما تنتزع منه جميع النجوم! ويا لظلمة هذا الجمال المريض، المسجى على أسرة العصافير، والجداول، والسواقي! يا للجمال المسلول في صدر قلمي الذي ينفث كتلا من دم الخيال والأفكار لكثرة صراخه وسعاله ! ويا لتلك القبلة المريضة على ثغر حبيبتي، وكأنها قرحة !.
أمسح دموعك وأدر وجهك إلي لأراك، فقد بللت خيالي بدموعك. كفاك نوحا. ألق إلي سلمك الفضي واحملني إليك، فإني انتظرك عل حصان هذا الليل...
لا يطيب لي أن أبقى على الأرض فأراك تذوب في دموعك منتظرا ويلات الإنسان الذي مزق بمعاول أظفاره كل ما كان على الأرض جميلا، ولطيفا، وحلوا، ورائقا، حتى بات الربيع يخاف منه، فيزور البذور، والأعشاب، والأعشاش، والنسيم، والشلالات، مرتديا كفن الخريف الزعفراني خفية منه. وها هو اليوم بعدما ترك الأرض جثة نحبب يطير إليك مدججا بالنار، وممنطقا بالذرة،ليهشمك ويدمرك ويفتك بنورك حتى تصبح منجم فحم ضرير، كلما خطأ إلا واصطدم بجبال الفراغ... وكنت النور في كل عين، والحب في كل قلب، وعقد الجمال في كل جيد. كنت منارة للنسيم الشارد الضرير الذي يضل طريقه في الليل فتهديه إلى حيث رفيف زهرته. وكنت لحبيبتي آه على حبيبتي ! كنت لها مرآة تقف أمامها في الليل فتمشط ضفيرتها الطويلة، تاركة على الأرض خصلات النجوم، وطيبا في الجو لم تعهده. وكنت لي، يا لضياع أشعاري(1) وانتحاب مناجاتي، ولوعة خيالي الدامي، ونزيف عمر أحلامي الغوا لي!.
أما زلت تبكي ؟ ها هي قطرة من قطرات دموعك تجري على قرطاسي وتنتحب حتى احمرت لها عيون حروفي فبكت.
كفاك. لن أتكلم بعد. سيغفو قلمي على حلم اسمك أيها القمر الحبيب.
الق إلي سلمك الفضي واحملني إليك. فها أنا، انتظرك على حصان هذا الليل.
 
(1) للمؤلف ديوان مطبوع بعنوان «أنا والقمر» 1955.

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here