islamaumaroc

فلسفة سياسة الملوك العلويين.

  دعوة الحق

212 العدد

إن أكثر الدول المغربية  قامت على دعوة دينية كالأدارسة و المرابطين و الموحدين و السعديين . أما الدولة العلوية فأن الداعي لقيامها هو ما كان عليه المغرب من تدهور و تجزئة مما دعا مولاي علي الشريف و ابنه مولاي محمد لأن يهبا لتوحيد القطر المغربي و مقاومة الفتن في كل أطراف المغرب من جهة و تطهيره من الاحتلال الأجنبي الانكليزي و البرتغالي من جهة أخرى . و بقيت هذه ميزة هذه الدولة منذ من الله بها على بلادنا في أحرج أوقات تاريخنا إلى عهد محمد الخامس طيب الله ثراه و عهد وارث سره الملك العظيم الحسن الثاني نصره الله .
و من يتصفح تاريخ هذه الدولة المشرق يقف على مواقف مجيدة في التعلق بوحدة التراب ومواجهة كل ما يمس هذه الوحدة . و من المميزات البارزة أيضا في هذا التاريخ الوفاء و العناية بالعلم و نشره و إيثار المصلحة العامة على كل اعتبار . و تلك كانت لا تزال فلسفة سياسة الملوك العلويين الأشاوس .
و يحكي لنا المؤرخون لولا أن هذه الفضائل راجعة إلى صراحة نسبهم الشريف و صحته عند أهل المغرب قاطبة بحيث تجاوز التواتر مرات كما قال صاحب الاستقصا مستشهدا بأقوال أكابر العلماء حيث قال :  " و عن شيخ الجماعة أبي محمد عبد القادر الفاسي رحمه الله أنه قسم شرفاء المغرب إلى خمسة أقسام و مثل للقسم الأول المتفق على صحته بأصناف منهم هؤلاء السادة السجلماسيون . و قال الشيخ ابو علي اليوسي رحمه الله : "شرف السادة السجلماسيين  مقطوع بصحته كالشمس الضاحية في رابعة النهار " و عن الشيخ أبي العباس أحمد ابن عبد الله معن الأندلسي أنه كان يقول : " ما ولي المغرب بعد الأدارسة أصح نسبا من شرفاء تافلالت (1) .
و يقول كذلك المؤرخون عن المولى الحسن الداخل ابن قاسم أنه لما طلب أهل سجلماسة من المولى القاسم بن محمد أن يبعث معهم إلى بلدهم للتبرك به أحد أبنائه الثمانية أختبرهم هذا الولد الحكيم بسؤال كل واحد منهم انفرادا قائلا : " من فعل معك الخير فما تفعله معه أنت فأجابوا جميعهم أفعل معه الخير . ثم سألهم و من فعل معك الشر فما تفعله أنت معه ؟فأجابوا كلهم أفعل معه الشر سوى و لده الحسن إذ قال أفعل معه الخير فزاد واله قائلا : "فيعود ذلك بالشر" فقال : "فأعود له بالخير إلى أن يغلب خيري على شره " قال صاحب الاستقصا : فاستنار وجه المولى قاسم و داخلنه أريحية هاشمية و دعا له بالبركة فيه و في عقبة فأجاب الله دعوته (2) .
و هكذا استمرت هذه المنقبة و هذه الأخلاق الإنسانية في ذريته مما نرى له أمثلة لا تحصى . وناهيك بسيرة المولى علي الشريف بن الحسن بن محمد بن الحسن الداخل جد العائلة العلوية وهي معروفة ، و من أبرز أخباره أنه توسل إليه أهل الأندلس و هو إذ ذاك يقطن بفاس بحومة جزاء ابن عامر أن يقدم عليهم لجهاد عدوهم و قد تنمر عليهم ورجوا من علماء فاس أن يلحوا عليه في ذلك و كان سبب تلكته  ما كان يعلمه من نيتهم في عرض الملك عليه و هو يأبى ذلك ليبقى جهاده لوجه الله . و قد استجاب لطلبهم و عبر إلى الأندلس و معه جماعة من الغزاة المجاهدين . و يرون أنه كان له أيضا جهاد في ناحية اكدج من السودان ورزق الظفر و الفتح . أما عن توحيد البلاد و القضاء على الثوار و المدعين الملك فقد  كان لمولاي محمد و لمولاي الرشيد فضل كبير حيث قضيا على السملاليين الذين كانوا مستولين على سوس و درعة و على الدلائيين الذين كان لهم ملك جبال الطلس المتوسط و فلس و سلا وعلى الخضر غيلان وقد كان مستوليا على الشمال الغربي من البلاد و على أتراك وجدة و كانوا استغلوا  تدهور الأحوال في آخر الدولة السعدية و دخلوا هذه المدينة على الحدود المغربية الجزائرية في محاولة الاستيلاء على المغرب كما استولوا من قبل على كل البلاد العربية شرقا و غرب ، فأوقفهم المولى محمد بل بعد ما أخرجهم من وجدة تقدم في القطر الجزائري و بايعته كثير من قبائله .
و هكذا تم توحيد المغرب و بقيت المراسي المحتلة في قبضة الانكليز و الاسبان  و البرتغالين حتى قيض الله لها المولى إسماعيل فحرر المعمورة المسماة اليوم المهدية و طنجة و العرائش وأصيلة و حاصر سبة و بادس . و أما مرسى الجديدة فقد كان تحريرها من نصيب حفيده سيدي محمد بن عبد الله رحمه الله الذي اخرج البرتغاليين منها و جددها.
وبكل هذا نرى أن ملوك الدولة العلوية وفوا لأول مبدأ من المبادئ التي بنوا عليها سياستهم  وهو توحيد المعرب سياسيا و الحفاظ على وحدة ترابه حتى أن المؤرخين قالوا عن سيدي محمد بن عبد الله أنه كان لا يقر له قرار من أجل مشاركة البرتغال له في قطعة من أرضه . ومرة أخرى أقول أن فكرة المحافظة على الأرض هي أبرز ميزة الملوك العلويين و هي مفتاح معرفة سياستهم . وكان لزاما عليهم لبلوغ هذا الهدف أن يعتنوا بالتجهيز الحربي برا و بحرا . لذا نرى أيضا اهتمامهم بذلك بارزا في سياستهم الداخلية و الخارجية حيث يبعثون السفراء لبلاد اوربا لأصلاح السفن و شراء معدتها  واقتناء كميات كبيرة من البارود زيادة على ما كانوا ينتجونه في المغرب و المدافع النحاسية . و من ذلك سفارة الحاج التهامي المدور الرباطي إلى السويد أيام سيدي محمد بن عبد الله  وسفارة الرئيس أبي عبد الله محمد العربي المستيري إلى انكلترا في عهده أيضا .
و الوفاء الذي هو من خصائص الملوك العلويين يتجلى زيادة على اخلاصهم  للبلاد في اخلاصهم للمبادئ الإسلامية و الدفاع عن حوزة الإسلام و العناية بشؤون المسلمين سواء كانوا من رعاياهم أو من بلاد إسلامية أخرى . ومن أنصع الصفحات في هذا المجال ماذكره المؤرخون من ان سيدي محمد بن عبد الله بعد أن افتدى كل اسرى المسلمين عند الاسبان بقي عند هؤلاء نحو ستمائة وألف من الأسرى الجزائرين فامتنعوا من تسريحهم و قالوا بأن لنا أسرى عند صاحب الجزائر تريد أن تفاديهم بأسراهم و طلبوا منه أن تكون هذه المفاداة على يده . فبعث سيدي محمد إلى داي الجزائر و ديوانه يتوسط في ذلك فامتنعوا و عاود الطلب مرة أخرى وثالثة ووعظهم و خوفهم عقاب الله فعند ذلك قبلوا فوجه لهم سفيرة الغزال وكتب لملك اسبانيا يعلمه بذلك و يطلب منه أن يبعث بمن عنده من أسرى الجزائريين ففعل و تمت المفاداة على يده بواسطة الغزال و كتب الله أجر ذلك في صحيفته كما قال الناصري في تاريخيه (3) . ومن هذا القبيل تدخله في افتداء اسبانية وقعت في أسر أتراك الجزائر. وهي من قرابة ملك اسبانيا فطلب منه أن يشفع له في فدائها ففعل ولكن أصحاب الجزائر امتنعوا فكتب سيدي محمد للسلطان عبد الحميد فما كان منه إلا أن كتب لهم يوبخهم على رد شفاعة سلطان المغرب ، و من جملة ما ورد في كتابه لهم : " و لو طلب مني سلطان المغرب ألف نصرانية لبعثها إليه و حتى الآن نأمركم أن تبعثوا إليه هذه النصرانية و لو كانت هي الملكة. و لا تقبضوا فيها فداء . لو ما رأيتم ما افتكه ملك المغرب من أسرى الترك من كل جنس حتى لم يبق في أسر الكفار مسلم ؟" (4) . و لخص هذه المواقف لسيدي محمد في افتاك صاحب الاستقصا بقوله : " أما ما أنفقه من الأموال في فكاك الأسرى المسلمين فأكثر من ذلك كله (5)  حتى لم يبق ببلاد الكفر أسير لا من المغرب ولا من المشرق " (6) .
و هذا الوفاء يتعدى المبادئ الوطنية و الإسلامية إلى الوفاء لمن قدم معروفا لبلاده و لعرشه مما يمتاز به هؤلاء الملوك العلويون . و قد ذكر المؤرخون اكنسوس في الجيش و صاحب البستان  و نقل ذلك عنهما الناصري في الاستقصا أن المولى المامون بن اسماعيل كان منحرفا عن الوزير اليحمدي فقال يوما لوالده : " يامولاي ان اليحمدي  ينقصك و يزعم انه الذي علمك دينك ؟ " فقال له السلطان : " والله إن كان قال ذلك إنه لصادق فإنه الذي علمني ديني و عرفني بربي " . و هذا الوفاء المنقطع النظير يتحلى به في الدرجة الأولى ملكنا المفدى الحسن الثاني جازاه الله خيرا عن الوفاء لدينه ووطنه وجميع رجالات الحركة الوطنية الذين مامن واحد منهم الا وناله منه عناية خاصة خصوصا في مرضهم أو حلول عسر بهم .
كل هذا جعل لهم في قلوب رعاياهم محبة خالصة و تشبثا عميقا ظهر في امثلة كثيرة  حيث نرى مثلا بعض القبائل تثور على عمال الملوك و تمتنع من أداء الزكوات فتقوم بينهم و بين جيوش المخزن حروب و يقع أن تندحر هذه الجيوش أمام الثوار و لكن إذا وقع و تم لهم الاستيلاء على معسكر المخزن و تمكنوا  من السلطان كما وقع للمولى سليمان و هو أكثر السلاطين عدلا وعلما فانهم  لما عرفوه أركبوه وأخدوه إلى حلتهم فأقبلت نساء الحي من كل جهة يفرحن و يضربن بالدفوف و جاء رجال الحي فأعظموا حلوله بين أظهرهم و أجلوه و سعوا في ما يرضيه من وطاء و مطعم و مشرب و أظهروا له غاية في الخضوع و الاستكانة  حتى أنهم كتفوا نساءهم وقدموهن إليه مستشفعين بهن في العفو عنهم وهم الذين كانوا يقاتلونه أو قل يقاتلون عماله و رجال دولته . و هذه ظاهرة لم يشاهد لها مثيل لا في دولة المغرب و لا في غيرها. و هذه الحادثة أبرز عنوان عن تعلق المغاربة بملوك الدولة العلوية المجيدة .
أما عن العناية بالعلم و نشره و بأساليب التدريس وهذا من مميزات سياسة الملوك العلويين فهو نابغ من كون الملوك الأوليين كانوا من المقبلين على العلم خصوصا المولى الرشيد الذي درس بالقرويين و لما بويع بنى مديتة فاس أكبر مدرسة لإيواء الطلبة و هي مدرسة الشراطين التي اعدت لها اسم مؤسسها لما كنت مديرا لجامعة القرويين فسميتها المدرسة الرشيدية . وقد كان كثير من هؤلاء الملوك من العلماء مثل سيدي محمد بن عبد الله و مولاي سليمان  و مولاي عبد الحفيظ وملكنا الحسن الثاني المتبحر في فنون العلم المتنوعة أيده الله و نصره . و من مآثر سيدي محمد بن عبد الله في هذا الميدان ما أمر به من تحبيس الكتب الاسماعلية التي كانت بدويرة الكتب بمكناسة الزيتون على مساجد المغرب كلهم و كان عددها اثني عشر ألف مجلد و زيادة . وكان مجلس هذا الملك العالم مجمع العلماء و الأدباء و كان له اعتناء كبير بنسخ كتب العلم الغربية  وكتب الأدب، قال الناصري في الاستقصا : " وكان كثيرا ما يبعث بأشعاره و مخاطبته لأهل عصره و أدباء و قته من الفاسين و البكرين و القادرين " (7) .
و قد كان لسيدي محمد هذا نظر في طريقة التعليم وهي الرجوع في العلوم إلى الأمهات المبسوطة الواضحة و العدول عن المختصرات و يعتبر الاشتغال بها تضييعا لأعمار في غير طائل. و ذكر أنه وضع في هذه الطريقة كتابا مبسوطا أظن أنه يعتبر ضائعا. وله تآليف أخرى من أهمها " الفتوحات " في الحديث وهو مطبوع.
و فد كان المولى سليمان رحمه الله مثله في هذه السيرة التي تمتاز بتعظيم العلماء. وقد ذكر المؤرخون أنه كان " يرفع مناصبهم على سائر رجال دولته و يجري عليهم الأرزاق كما قال الناصري . . . حتى لقد تنافس الناس في أيامه في اقتناء العلوم و انتحال صناعتها لاعتزاز العلم وأهله في دولته " (8) و قد كان من وفائه لشيخه محمد بن عبد السلام الفاسي أن ألف تاريخا لبيته سماه "عناية أولي المجد بذكر آل الفاسي بني الجد " و هو مطبوع بفاس رحمه الله  و أجزل ثوابه .
وإن ملوكنا العلويين يمتازون فوق كل هذا بإيثار المصلحة العامة و تقديمها على كل اعتبار والأمثلة على سياستهم هذه في كل أطوار التاريخ العلوي كثيرة و لكن أنصعها و أدلها على تمسكهم بخير الأمة و لو على حساب مصلحتهم وان كانت مشروعة هو ما خلده المولى سليمان من فضيلة تقديمه المولى عبد الرحمن ابن اخيه على أولاده من صلبه لتولي الملك من بعده و قد ترك في ذلك وصية نختم بها هذه العجالة ، قال رحمه الله : " وأراد أن يترك أمر الناس لأبن أخيه المولى عبد الرحمن ابن هشام و هو يتخلى لعبادة ربه إلى أن يأتيه اليقين ، قال ذلك غير مرة و تعددت فيه رسائله و مكاتيبه . فمما كتبه في ذلك هذه الوصية التي يقول فيها : " الحمد لله لما رأيت ما وقع من الإلحاد في الدين و استيلاء الفسقة و الجهلة على أمر المسلمين ، وقد قال عمر أن تابعناهم تابعناهم على ما لا نرضى و إلا و قع الخلاف ، وأولئك عدول و هؤلاء فساق ، و قال عمر : " فبايعنا أبا بكر فكان و الله خير ، و قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في حق أبي بكر يأبى الله  و يدفع المسلمون ورشحه بتقديمه للصلاة إذ هي عماد الدين ، وقال أبو بكر للمسلمين : بايعوا عمر و أخذ له البيعة في حياته فلزمت و صحت بعد موته ، و قال عمر : هؤلاء الستة أفضل المسلمين ، و قال رسول الله صلى الله عيه وسلم : نعم العبد صهيب ، وقال ابو عبيدة أمين هذه الأمة ، و قال : ما أظلت الخضراء ولا أظلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر، و قال في أبي بكر و عمر أكثر من هذا ، فصار المدح للتعريف واجبا ، ولإظهار حال الرجل لينتفع به فأقول جعله الله خالصا لوجهه الكريم : ما أظن في أولاد مولانا الجد عبد الله ، ولا أولاد أولاده أفضل من مولاي عبد الرحمن بن هشام  ولا أصلح لهذا الأمر منه لأنه إن شاء الله حفظه الله لا يشرب الخمر و لا يزني و لا يكذب و لا يخون ، ولا يقدم على الدماء و الأموال بلا موجب ، ولو ملك ملك المشرقين ، لأنها عادة صهيبية ، و يصوم الفرض و النفل و يصل الفرض و النفل و إنما أتيت به من الصويرة ليراه الناس و يعرفوه ، و أخرجته من تافيلالت لاظهره لهم لأن الدين النصيحة فإن تبعه أهل الحق  صلح أمرهم كما صلح سيدي محمد جده وأبوه حي ، و لا يحتاجون إلي أبدا و يغبطه أهل المغرب و يتبعونه إن شاء الله و كان من اتبعه اتبع الهدى و النور و من اتبع غيره اتبع الفتنة و الضلال ، و أحذر الناس  أولاد يزيد كما حذر والدي، وقد رأى من اتبعه لو اتبع أولاده كيف خاض الظلمة و نالته دعوة والده و خرج على الأمة ، وأما أنا فقد خفت قواي  ووهن العظم  مني و اشتعل الرأس شيبا ، حفظني الله في أولادي و المسلمين آمين ، نصيحة ووصية سليمان بن محمد لطف الله به اه" .

(1) لاستقصا. الدار البيضاء ج 7 ص 4 .
(2) نفس الكتاب ج 7 ص 6 .
(3) ج 8 ص . 39 .
(4) ج 8 ص . 58 .
(5) يعني ما أنفقه في الحهاد على رؤساء البحر و ما صيره على المراكب الجهادية و غير ذلك من الشؤون الاجتماعية و نحوها .
(6) ج 8 ص . 70 .      
(7) ج 8 ص . 52 .
(8) ج 8 ص 170 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here