islamaumaroc

تأثر الأدب العربي بالفارسية -2- [تعقيب أحمد ابن المليح ]

  دعوة الحق

26 العدد

في عنقي لهذه المجلة دين طالما تمنيت أن أقضيه، فلقد كانت تصلني على البعد، وفي طياتها نفحات من أدب الوطن الحبيب، وقبسات من فكره، وكنت دائما أشفق من أن تعصف بها الأيام فتودي بها كما أودت بمثيلات لها من قبل، وما كان إشفاقي بسبب خشية العوز المادي عليها؛ ففي خيرات الأوقاف ضمان لها، وإنما كان يسبب أن يتكاسل عنها حملة الأقلام فيغيض معينها.
وما أخذت إعدادها تتوارد حافلة بنور الدين وعصارة الفكر ولباب العاطفة حتى احتلت مكانها المرموق بين مثيلاتها الصادرة بلغة الضاد، وإذا بالإشفاق الذي عليها في نفسي ألقاه كذلك في نفوس الكثيرين من رجال الدين والفكر والأدب في مشرق العروبة ومغربها.
واعتقد أن هذا الإشفاق هو الذي دعاني إلى أن ألبي دعوة أحد الأفاضل المشرفين عليها حينما تقدم مني على استحياء لأنفذ العدد الماضي منها، وقد بدا على ملامحه إشفاق من أجيبه بعذر من هذه الأعذار التي يختلقها في مثل هذه المناسبات من يريد التملص من أداء «ضريبة الفكر».
واعتقادي أن السنة التي درجت عليها «دعوة الحق» في إقامة ميزان النقد لكل عدد من أعدادها، من شأنها أن تشحذ القرائح، وتصقل المواهب، وتكشف عن القيم. وجدوى ذلك على ازدهار النتاج الفكري والأدبي –في مثل بيئتنا الأدبية المتكاسلة- شيء لا ريب فيه.
واستهدافا لهذا الغرض، نتابع بعض موضوعات العدد الماضي :
كانت «كلمة العدد» حول الأدب والمناسبة، وقد كتبت بمناسبة عيد العرش، وحاول كاتبها أن يقرر حقيقة لا نجادله فيها، وهي أن الأدب إذا كان تعبيرا صادقا عن الحياة لا يضيره إذا كان قد قيل بمناسبة من المناسبات.
وقد كان «أدب المناسبة» في تاريخ النقد العربي الحديث هدف نقد عنيف في مطلع هذا القرن، عندما كانت حركة النقد في عنفوانها، ولاشك أن هذه الحركة التي وجهت ضد «أدب المناسبات» قد أتت ثمرتها في تقويم الأدب، وتحديد مفهومه الحي، وفي فتح آفاق جديدة أمام الأدباء.
ومع ذلك فما يزال بعض أدبائنا لا ينتج إلا إذا كانت هناك «مناسبة»، فإذا لم تكن أصابه العقم، أو استكان إلى نوم عميق في انتظار مناسبة قادمة.
وأغلب آداب المناسبة لا يحتوي على أي مضمون حي، ويكفي المرء أن يستعرض النتاج الأدبي لمناسبة من المناسبات ليجد أن التكرار الممل، والقوالب الموروثة، والصور المعادة، هي الظاهرة الملحوظة في هذا النوع من الأدب.
وفي مقال «نظرة الإسلام العامة إلى الوجود وأثرها في الحضارة» يستعرض الأستاذ محمد المبارك وصف القرآن للطبيعة والوجود، ويحاول أن يستخلص من الآيات التي جمعها بعناية وحذق نظرة الإسلام إلى الوجود، والكون، والحياة والتعريف بعلمي الشهادة والغيب.
والجهد المبذول في هذا البحث القيم يتم عن مدى تشبث الكاتب بعقيدته الإسلامية، واجتهاده في تلمس آثارها في سير الحضارة الإنسانية منذ انبعاث الإسلام إلى الآن، وعن يقينه الصادق في استمرار هذا الأثر على تعاقب الآماد.
وجماع نظرة الإسلام إلى الطبيعة –كما يستخلصها الأستاذ الجليل كاتب المقال- هو أنها أثر من آثار الله جل علاه، سخرها للإنسان، لينتفع بها ويستخرج كنوزها، دون أن يعبدها أو يرهبها، وبذلك تحرر الإنسان –عندما آمن بوحدانية الله- من الخوف من الطبيعة، فانفتح أمامه مجال السيطرة عليها كما انفتح أمامه مجال الاختراع، واستنباط القوانين التي تحكم الكون وتمهد للإنسان أن يكون خليفة الله في الأرض.
ثم يربط عالمه هذا الذي سخره له الله، بعالم الغيب الذي سيؤول إليه «حيث تتجلى التبعة الإنسانية في أجلى صورها وأدق آثارها».
ولقد غيرت نظرة الإسلام هذه وجه التاريخ حيث تميزت بواقعيتها وفعاليتها في نفس الوقت، فهي ليست نظرة مادية صرفا ولا روحية صرفا، ولكنها تتميز عن نظرة الماديين والروحيين في آن واحد.
إنها نظرة متحررة من خرافة العصور السالفة وخيالات المذاهب العقلية والفلسفية، وآثارها في سلوك الإنسان وسير الحضارة لا تنكر.
وكم كنت أود لو أضاف الأستاذ المبارك إلى الجهد الذي بذله في تنسيق نظرة الإسلام إلى الوجود في عالم الشهادة جهدا آخر في توضيح عالم الغيب وعلاقة الإنسان به، والأثر الذي يعكسه الإيمان بهذا العالم في سلوك الإنسان وعمله، لتستكمل بذلك نظرة الإسلام إلى الكون بصفة شاملة.
وفي مقال «التربية الدينية أساس فلاح الأمة» استعراض لأثر العقيدة في نهضة الأمة العربية وازدهارها. لأثر العقائد سواء كانت شرعية أو وضعية في قيام الدول وبناء الأمم شيء لا ينكر، وقد أوجز فيه القول كاتب المقال الفاضل، واكتفى بأن تخلص منه إلى الدعوة لإقامة الصلاة بوصفها عماد الدين، في معاهد التعليم المغربية، وهي دعوة يشكر عليها، لما فيها من تقوية الوازع الديني، وتعويد ناشئتنا على المبادئ الإسلامية، وإن كنت لا أحبذ طريقة استعمال القوة في هذا الشأن، وأفضل الاستعاضة عنها بالإقناع وضرب المثل الصالح.
وفي مقال الأستاذ محمد بن تاويت «تأثر الأدب العربي بالفارسية» يخالف الكاتب أستاذنا الدكتور طه حسين في رأيه الذي يقول : «إن الأدب العربي لم يتأثر بالفارسية بمقدار ما تأثر باليونانية».
ويبني مخالفته على ملاحظتين : الأولى يحاول أن يثبت فيها أن الأدب العربي كان في تأثره بالفارسية أسبق وأمتن، والثانية إلى إثبات أن الأدب الفارسي عندما تجدد بعد الإسلام لم يقتصر على الشعر، وإنما تجاوزه إلى النثر الفني كما انه لم يقتصر على أوزان الشعر العربية بل استنبط أوزانا أخرى.
وتعقيب الأستاذ ابن تاويت مركز جدا، في حين أن الموضوع يستدعي استفاضة في البحث، والمسألة في نظري ليست مسألة الألفاظ الفارسية التي دخلت إلى العربية، فليست هذه وحدها المقياس الذي نعرف به مدى تأثر الأدب العربي بالفارسية، بالنسبة لتأثره باليونانية، ولو استمعنا هذا المقياس لجردنا الفارسية من نصف معجمها على الأقل، إذ يرجع في أصله إلى العربية، ولكن المسألة أوسع من ذلك بكثير، وتتجلى في تأثير التفكير والأسلوب والأخيلة والصياغة وسائر مناحي العقل والعاطفة والتعبير عنهما.
وقد تضمنت الملاحظة الأولى للأستاذ ابن تاويت شقين؛ أن تأثير الفارسية في الأدب العربي كان أسبق، وقد حاول أن يقيم الدليل على ذلك بما ورد من ألفاظ فارسية لدى بعض شعراء الجاهلية، وذلك غير كاف لأن الأدب الجاهلي قد ضاع أكثره، بل المسألة تتوقف على إثبات أن الاتصال بين الأدبيين العربي والفارسي كان أسبق لا يسهل الوصول إليها، علاوة على أن التأثر –كما توضحنا- لا يتمثل في استعارة الألفاظ فحسب، وإنما يتمثل في الفكرة والأسلوب والخيال، وهذا ما يسهل إثباته بالنسبة لتأثر الأدب العربي باليونانية، ويستطيع الباحث أن يجد له أمثلة كثيرة في شعر ابن الرومي وأبي تمام ونثر عبد الحميد الكاتب وأبي حيان التوحيدي وغيرهم.
أما الشق الثاني من الملاحظة الأولى –وهو أن تأثر الأدب العربي بالفارسية كان أمتن- فقد مر عليه الكاتب مر الكرام، ولم يوضح مظاهر هذه المتانة.
أما الملاحظة الثانية فلم يأت عليها الكاتب بحجج مقنعة، وهو لا يستطيع أن يكابر في أن نهضة الفرس في الشعر الذي قلدوا فيه الشعر العربي بأوزانه وموضوعاته وقوافيه لا يمكن أن تقارن بنهضتهم في النثر. وما أدخلوه من تجديد بسيط في الأوزان لا يمكن أن يخرج شعراءهم عن عمود الشعر العربي.
كما أن نثرهم لا يقاس إلى شعرهم، ولا نستطيع من أجل ذلك أن نصفهم بالتفريز فيه.
والخلاصة أن الأدب الفارسي نشأ في أحضان الأدب العربي وتأثر به، وبرز في ميدان الشعر ولم يبرز في ميدان النثر.
وأن الأدب العربي قد تأثر بالأدب الفارسي، ولكن حتى الآن لا نستطيع أن نقول أن هذا التأثر قد فاق تأثر الأدب العربي بالأدب اليوناني، بالمعنى الواسع للأدب الذي يشمل جميع مناحي الفكر والعاطفة.
وفي مقال الأستاذ محمد محيي الدين ألمشرفي «أثر الحرية في تربية الطفل» مقارنة بين ما دعاه «التربية التقليدية» و«التربية الحديثة» وأثر كل منهما في تربية الطفل؛ فبينما كانت الأولى تقسو على الطفل وتعامله بشدة تبلغ مبلغ القمع والكبت، الأمر الذي يطفئ فيه شعلة الحرية ويجعله ضعيف الإرادة ضحل الشخصية، إذا بالثانية تترك الحرية للطفل للتعبير عن ذاتيته وإرادته، وتكوين شخصيته المستقلة المتميزة.
وقد فسر الباحث كلا من الاتجاهين، وأوضح أثر البيئة والظروف في كل منهما، حيث أرجع التربية الحديثة إلى سيادة النظم الديمقراطية وانتشارها وإيمان الناس بها، الأمر الذي انعكس أثره على معاملة الطفل فحرره من الشدة والقسوة، وفسح لحريته المجال، وجعل المربين يركزون اهتمامهم الأول على تهيئة الظروف له للخلق له للخلق والابتكار وتفتح الشخصية.
ثم يختم البحث بنظرة نقدية حول تطبيق مبدأ حرية الطفل في المدرسة وضرورة الملائمة بين بيئة الطفل داخل المدرسة وضرورة الملائمة بين بيئة الطفل داخل المدرسة وبيئته في المجتمع، والتزام سياسة (الوسط) دون إفراط ولا تفريط.
والملاحظة التي لي على هذا البحث المركز هي ملاحظة عامة توجه لمعظم باحثينا الذين يتناولون المقارنات بين العصور الوسطى والعصر الحديث بصفة عامة فيعممون أحكامهم، متناسين أن ازدهار الإسلام وترعرع حضارته إنما كان في العصور الوسطى بالذات، ولا ينكر ما أتى به الإسلام من أنواع الابتكار العلمي والفكري والأدبي والتربوي في هذه العصور، وما كان له من أثر في تقدم البشرية وتحريرها.
وقد كنت أود قبل أن يرجع الباحث الفضل في الدعوة إلى التربية الحديثة بالنسبة لحرية الطفل إلى موتتاني وروسو ومون تسوري وغيرهم أن يلقي نظرة على تاريخ التربية في الإسلام، إذن لوجد أن المفكرين المسلمين قد سبقوا إلى ابتكار هذا المبدأ والمناداة به قبل قرون.
ويكفي أن يستعرض التربية عند محمد بن أبي زيد وعند القابسي، وأمثالهما من قدامي المسلمين الذين ألفوا منذ قرون في آداب المعلمين والمتعلمين ليجد أنهم قد سبقوا إلى تقرير هذا المبدأ، مبدأ حرية الطفل ومراعاة شخصيته الإنسانية.
وإني لا نقل هنا هذا التحليل الرائع الذي يحلل به ابن خلدون في «المقدمة» أثر الشدة في تعليم الطفل، ليدرك الباحث الفاضل مصداق ما نقول :
«وإن إرهاف الحد في التعليم مضر بالمتعلم في أصاغر الولد، لأنه من سوء الملكة، ومن كان مرباه بالتعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبيث، وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفا من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقا، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالا على غيره ف يذلك، بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل، فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها، فأر تكس وعاد في أسفل السافلين... إلخ».
هذا مذهب من مذاهب مفكرينا في التربية بالنسبة لحرية الطفل، أفلا يكفي هذا وحده لأن يجعل لصاحبه مكانا في تاريخ التربية ؟ فكيف إذا قلنا أنه هو نفسه مسبوق بهذه الأفكار «الحديثة» من غيره التربويين العرب والمسلمين ؟.
صحيح أن التفكير والابتكار حق مشاع بين سائر البشر، وقد أسهمت فيه سائر أمم الدنيا بسهم وافر أو ضئيل، ولكن معرفتنا –وخصوصا معرفة المربين منا- بابتكارات أمتنا، يقوي فينا روح الابتكار، ويبعث ناشئتنا على الاعتزاز بماضينا الحافل، ولا يجعلها غريبة في هذا المجال.
وفي مقال «المسجد خلية اجتماعية» يعرض الأخ الأستاذ عبد الكريم غلاب تجربة ناجحة تمت في بيروت، جعلت من المسجد، علاوة على مهمته الدينية، خلية اجتماعية، تسهم بنصيب موفور، في خدمة المجتمع الإسلامي، ويتمنى أن يحذو المغرب حذو هذه التجربة التي برهنت على نجاحها في بيروت.
والاقتراح جدير بالعناية؛ فقد كان المسجد وما يزال هو الخلية الأولى التي التام فيها شمل المجتمع الإسلامي، وقد كان المسلمون عندما يمصرون الأمصار، ويخططون المدن، يجعلون المسجد هو مركز الدائرة، تحيط به الأحياء الإسلامية، وترتبط به، وعنه تتفرع المدينة وتتوزع البيوت، وكان المسجد في نشأة الإسلام وبعدها بكثير، مركزا للحكومة الإسلامية، فيه أو في قريب منه تقام الأحكام، وترعى مصالح الخلافة، كما كان في كثير من الأحيان مقرا لخزينة الدولة ذاتها.
وبقي بعد هذا على وزارة الأوقاف أن تبرز هذه التجربة الحية إلى حيز الوجود.
وفي مقال «إلى الشبيبة المغربية» نصيحة حارة صادقة قد جاءتنا من مفكر عميق غريب عنا، لقد اهتزت لها نفسي، وأحب أن ألفت إليها نظر بعضكم «التائهين» عن أنفسهم وحقيقتهم، الذين دفعهم التيه إلى أن يلتمسوها في عقائد ومذاهب لا تنكشف لهم في نهاية الأمر إلا عن فراغ وأي فراغ!
إنني أصرخ مع الأستاذ بيير بوني : «إن السعيد من آمن بعقيدة رائعة، وكان على دين كالدين الإسلامي الإنساني الذي يحقق للشبيبة المغربية أعمق مطامحها وأسماها، عقيدة يستمدون منها السر الذي يهيئ لهم العمر الروحي المديد، إنها ينبوع الحياة المادية الصافية».
وفي البحث القيم الذي كتبه الأستاذ فؤاد نجم عن «الحياة والخلق عند برجسون» دراسة مست أنية لمذهب التطور الخالق الذي ابتكره برجسون، وهو عرض أمين وواضح لأصول هذا المذهب، الذي نلمح في تعبيراته واتجاهاته نوعا من فكرة «الحلول والاتحاد» التي نحاها بعض متصوفة الإسلام مثل محيي الدين بن عربي والحلاج.
وقيمة برجسون ليست في الغاية التي وصل إليها، بقدر ما هي في الأسلوب الذي سلكه لإدراكها؛ ذلك أن معرفة الغاية من الوجود، بله معرفة الله لا سبيل إليها إلا بالنبوة وإرسال الرسل، وستبقى تجربة «الغزالي» في هذا المجال فريدة في نوعها.
لقد حطم برجسون التفكير الميكانيكي وأنقذ القيم التي أطاح بها المذهب المادي، وبذلك فسح المجال أمام «الروح» لتدرك سر الله، بواسطة التجربة الشخصية، و«الطرق إلى الله –كما يقول ابن خلدون- عدد أنفاس الخلائق».
وفي مقال الأستاذ الحسين وجاج «أين التعريب» ومقال الأستاذ أحمد العدوي «التعليم الإسلامي ومشروع السنوات الخمس» دعوة حارة طالما رددها المشفقون على استقلالنا، دون أن تجد لها صدى. لقد طردنا الاستعمار من أرضنا، ولكن بقي علينا أن نطرده من قلوبنا وأفكارنا، تلك هي الحقيقة التي يجب أن نؤمن بها.
إن الحماس لا ينقصنا لتعريب إدارتنا وتعليمنا وتوحيد مناهجنا الدراسية، وسنبقى نلوك الكلام في هذا الموضوع في انتظار تهيئ الوسائل، وستمضي السنوات تلو السنوات ثم نجد أنفسنا ما زلنا في أول الطريق، في حين أن الأمر لا يتطلب إلا البدء في العمل ولكن من سيقدم عليه ؟ إن الأحجام التي تلقاه الاستجابة لهذه الدعوة يحملنا على القول بأننا أمام مؤامرة !.
وفي مقال «البلاغة العربية بين الفن والفلسفة» للأديب الحاج الحريزي خلاصة لتاريخ البلاغة العربية تعطي صورة مهزوزة عن نشأتها وتطورها، وفي الأحكام التي أصدرها الباحث على اتجاهات كثير من مؤلفي علم البلاغة كثير من الابتسار. والموضوع ما يزال في حاجة إلى الدراسة المتأنية لمدارس «في القول» في الأدب العربي، وتتبع مراحل تطورها منذ أن «قننت العلوم» إلى الآن، ولا يغني في ذلك إرسال القول على عواهنه، ووضع الحدود الفاصلة القاطعة بين المذاهب المختلفة في تعقيد «فن القول» وتعيين الدخيل منها والأصيل بمجرد الاستناد إلى بعض الظواهر الجزئية، وبخاصة إذا علمنا أن تاريخ فن القول يرتبط ارتباط وثيقا بتاريخ تدوين العلوم عند العرب، يتصل بمدة الاتصال الفكري الذي كان منذ القدم بين العرب وبين غيرهم من الأمم مثل الفرس واليونان، وبالأخص، بعد اتساع الرقعة الإسلامية واحتضان الإسلام لكثير من الثقافات التي امتزجت به وامتزاج بها، وتأثرت به كما تأثر بها.
 وفي ديوان «دعوة الحق» تضمن العدد بضع قصائد فدخل في «أدب المناسبة» الذي عرضنا له في مطلع هذا الاستعراض، وهي تتميز بما تميز به هذا النوع من النتاج، فلنمسك عن تكرار القول فيها، ونكتفي بالتنويه بنبل العاطفة التي أملتها.
أما قصيدة العدد بحق فهي «صهيون والمشردون العرب» لبولس سلامة، ففيها تعبير شعري غني بصوره وأخيلته، عن مأساة فلسطين التي تهز ضمير الإنسانية الصادقة.
وتأتي بعدها في التعبير الشعري الجميل قصيدة الشاعر الديبلوماسي عمر الأميري عن «الكعبة» التي يجردها من ماديتها حتى تصبح عمودا من نور يتجه إليها المسلم بقلبه وبصيرته قبل أن يتجه إليها بعقله وبصره، فتشف عن نور اليقين متألقا لامعا.
وتنم «صرخة الجزائر» لأبي عبد الله صالح الجزائري عن انطلاقة شعرية ما تزال تبحث عن قالبها الرصين، ولكنها من غير شك تنطوي على معنى الشعر، وعلى طاقة ستتفجر ف يلحن جميل عندما يتخلص الشاعر من قيود النثر التي ما تزال تسيطر على تعابيره مثل «يقتضي العصر أن أكون طليقا» و«إنها تجربات قرن ونصف».
أما قصة العدد «أمام الموت» للأديب الألماني هورست غرنوالد فهي تصوير رائع دقيق لتجربة إنسان في لحظة من اللحظات النادرة، لحظة مواجهة الإعدام ثم النجاة منه، وبالأخص إذا كان المرء الذي عانى هذه التجربة هو الأديب الروسي الأشهر «ديستوفسكي».
لقد وفق القاص الألماني في تصوير هذه اللحظة تصويرا دقيقا، لدرجة أني كنت أتابعها، وفي ذهني «ديستوفسكي» مجسما بعمق إحساسه وإنسانيته وروحه الشفافة، حتى إذا أتيت على نهاية القصة تحقق حدسي بهذه النهاية :
«ولما كان المحكوم عليهم قد أخذوا يسيرون ببطء عندما اقتربوا من منعرج الطريق شاهدوا أولهم الذي كان أقربهم ميعادا مع الموت، وهو يسير أمامه، فلم تعد ركبتاه ترتعشان، عند ذلك تذكر الكلمات التي سمعها : «إن صاحب الجلالة القيصر قد أصدر عفوه عن فيود ورميكا يلوفيتش دوستويفسكي، واستدل بالحكم عليه بالإعدام، النفي إلى سيبريا لقضاء أربع سنوات سجينا بها»...

 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here