islamaumaroc

من درر الفكر الحسني: لا نرضى وواحد من أمتنا جاهل.

  دعوة الحق

211 العدد

حدد كانط KANT مفهوم التعليم الصحيح وميدانه وأهدافه في قولته الشهيرة : "إن التعليم إما لإصلاح الذات وحفظها، وأما أن يكون موجها لكون الإنسان نافعا لأمته مشاركا في رقيها وإسعادها، وأما أن يكون موجها لمنفعة عموم النوع الإنساني".
وحدد النمري أغراض العلم في قوله : "أطلب العلم، فإنه عون في الدين، ومذك للقريحة، وصاحب لدى المحنة، ومفيد للمجالس، وجالب للمال".
وعليه، فالعلم والتعليم أغراض دينية ودنيوية. فلذلك كانت المناهج التربوية من الأمور التي يعني بها الأفراد والجماعات والحكومات منذ أقدم العصوٍر، فقد حرص الفرد في المجتمع البدائي أن يورث ابنه ما عرفه من صناعة أو حرفة لائطة بالبيئة التي يعيش فيها، والحياة التي يحياها. فلا يفتأ يدربه ويعلمه ويوجه خطاه من الطفولة حتى الرشد حتى إذا اقتدر على تحمل المسؤولية طار وحده كالعصفور ليسهم في إدارة عجلة مجتمعه حسب طاقته وكفاءته، والسبب في ذلك بسيط، هو أن تعليم الطفل أولا يجب أن يكون تقليديا آليا يحاكى غيره لأن التقليد والمحاكاة أولى طبائع التعليم، إذ يؤمر الصبي فيطيع ويعمل، لأنه لا قدرة له على التفكير في صباه، ثم بعد ذلك يعطي الفرصة الكافية لاستعمال عقله، والاستقلال في تعلمه، وليس للأستاذ في هذه المرحلة سوى توجيه التلميذ وإرشاده، ذلك أن تعليم التلميذ إذا استمر بهيئة واحدة بحيث يسمع ويطبع دائما حتى في مراحل التعليم المتقدمة، فإنه يصبح إذا مرت مدة الدراسة، غير قادر على التفكير بنفسه، بل لا يعرف كيف يتصرف في مخزون علمه ومعارفه. ولذلك أنشأت الأمم مؤسسات التعليم العام قبل سنين لا يحصيها العد، وذلك لما وجدت من أن التعليم الفردي في المنزل صار غير نافع، وأن التعليم العام خير وأقوم سبيلا لما فيه من قياس قدرات التلميذ العامة حينما يجد بإزائه تلاميذ آخرين ينافسونه ويناقشونه، ويمكن تلخيص أهداف التعليم في المقاصد التربوية الآتية :
أولا – التربية المدرسية، وهي المحرك الأول لإظهار مواهب التلميذ الكامنة، وتكون خاصة به، ينتفع بها في حياته وتعود عائدتها عليه.
ثانيا – التربية الاجتماعية، وهي التي يشارك بها الإنسان مجموع الأمة في نظامها وسلوكها العام. وهذه هي التربية الصالحة التي تعطي ثمارها دانية القطوف، وتنير سبل المجتمع وترفع أصحابها إلى أعلى الدرجات. كما قال الشاعر :
يعد رفيع القوم من كان عالما
         وأن لم يكن في قومه بحسيب    
 وأن حل أرضا عاش فيها بعلمه
         وما عالم في بلدة بغريب
 ثالثا – التربية الأدبية العامة وهي التي بها يصلح الإنسان لمشاركة الأمم جمعاء في حياتنا عموما. ولعل الإسلام من أعظم العقائد التي تدعو إلى هذا النوع من التربية انطلاقا من مبادئه العامة التي يمكن تلخيصها فيما يلي :
أ - احترام الإنسانية في جميع أجناسها مصداقا لقوله تعالى : "ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير من خلفنا تفضيلا" (1) فعبارة "بني آدم" يدخل تحتها كل من هو إنسان.
ب – إقرار التساوي والأخوة بين جميع الناس، وربط العلاقات بين شعوب الأرض برباط متعال عن العنصرية والعرقية، مصداقا لقوله تعالى : "يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله أتقاكم"(2).
ج – دعوة جميع أمم الأرض إلى التعاطف والتراحم فيما بينها نظرا لما يجمعها من وحدة الأصل ووشائج القرابة، مصداقا لقوله تعالى : "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون والأرحام. إن الله كان عليكم رقيبا"(3).
د- تشابك مصالح الناس وتضامنهم الإنساني بحيث إن الإحسان إلى فرد هو في الحقيقة إحسان إلى البشرية جمعاء، وإن الإساءة إلى شخص واحد إساءة إلى باقي الأسرة الآدمية لأن الفرد لبنة الجماعة، والجماعة حلية الأمة، والأمم صورة للإنسان الذي سخر الله له كل شيء في هذه الحياة. يقول سبحانه : " . . . من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا، ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا (4)".
 فالغرض من التعليم هو تهذيب الطباع على مستوى الفرد. وسمو النفوس على مستوى الجماعة، وتأليف القلوب وجمعها على حب الخير على مستوى طبقات الأمة، والألفة على هذا الأساس هي الحبل المتين للتضامن والوحدة التي ينشدها كل مجتمع راق بعيد مرمى النظر، سديد الرأي، مجموع الكلمة، ثاقب البصيرة، ولا أدل على ذلك من تضامن المغاربة وتآزرهم وتعاونهم في مهمة من أكبر مهمات بلدنا، تلك هي قضية التعليم، يقول جلالة الملك في خطابه عند اختتام الأيام الدراسية الخاصة بالتعليم بإيفران : "أحسست شخصيا أن حضوركم في هذه الأيام كان دافعه الإسهام الإسلامي الديني (إنما الأعمال بالنيات) وكان دافعه القيام بالنصيحة (الدين النصيحة) وهذا ما أضفى على هذه الأيام حلة مغربية. لا يمكن تصور هذا التجمع إلا في المغرب، ولا يمكن تصور التنافس والترفع عن الحزازات، والمشاكل الشخصية والأنانيات إلا في المغرب، فأقول هنيئا للمغرب بشعبه ونخبته".
 وإذا نظرنا إلى التعليم من وجهة النظر الوطنية فإننا نجده يرتكز على دعائم لا يستقيم أمر أحداها إدا تخلفت البواقي :
أولا – نشر الفضيلة والأخلاق الإسلامية التي هي عماد السلوك وأساس العلم لأن الإسلام شريعة الهية تقضي بأن يعمل الإنسان لدنياه وآخرته معا في توسط واعتدال، ومن عمل حسب ذلك فإن تجارته لن تبوره. فلا ينبغي للمسلم الحق أن يصرف اهتمامه كاملا إلى أمور الدنيا وحدها فينماد إلى الخسران ويلج في الغواية، ويوغل في العماية، ويعمه في الطغيان، ويركب متن الغرور، ويتيه في شعاب الباطل فيغوى وتستبهم عليه معالم القصد. يقول الماوردي : "أعلم أن الله سبحانه وتعالى إنما كلف الخلق متعبداته، وألزمهم مفترضاته وبعث إليهم رسله، وشرع لهم دينه لغير حاجة إلى تكليفهم ولا ضرورة قادته إلى تعبدهم، وإنما قصد نفعهم تفضلا منه عليهم كما تفضل بما لا يحصى عدا من نعمه، بل النعمة فيما تعبدهم به أعظم لأن نفع ما سوى المتعبدات مختص بالدنيا العاجلة ونفع المتعبدات يشمل على نفع الدنيا والآخرة، وما جمع نفعي الدنيا والآخرة كان أعصم نعمة، وأكثر تفضيلا"(5).
 والعمل للدنيا وللآخرة كوجهي العملة، لا تعتبر ذات قيمة إلا إذا حملت خصائص تميزها من جانبها معا، فإنه لا يغني التدين الزائف والتعفف المفتعل والرهبنة، الزاهدة، فالإسلام دين ودولة. يقول تعالى : "وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبتغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"(6). فالمسلم لا يهتم بالدنيا على حساب الآخرة، ولا يضحي بالآجلة لإرضاء العاجلة، ولو فعل لأخل بنظام الكون وخالف قوانين الشريعة، ولذلك خلق الله بني الإنسان أحوج ما يكونون إلى بعضهم وأشد ما يكون ضعفا إذا لم تسعفهم المعونة الإلهية، يقول الماوردي : "أعلم أن الله تعالى النافذ قدرته وبالغ حكمته، خلق بتدبيره وفطرهم بتقديره، فكان من لطف ما قدر، إن خلقهم محاجين، وفطرهم عاجزين، ليكون بالغنى منفردا، وبالقدرة مختصا، حتى يشعرنا بقدرته أنه خالق، ويعلمنا بغناه أنه رازق، فنذعن بطاعته رغبة ورهبة، ونقر بنقصنا عجزا وحاجة، ثم جعل الإنسان أكثر حاجة من جميع الحيوان، لأن من الحيوان ما يستقل بنفسه عن جنسه، والإنسان مطبوع على الافتقار إلى جنسه. واستعانته صفة للازمة لطبعه، وخلقة قائمة في جوهره"(7).
 فللحياة الدنيا سلاحها وهو العلم، ولا يؤتي أكله إلا بالتعليم الصحيح، وللسعادة في الآخرة وسائلها وهو العلم المنبثق من تقوى الله التي هي رأس الحكمة، وأساس كل فضيلة، ومرجع كل خير، إذ هي أحسن لباس يرتديه المؤمن بربه، البار بوعده، المخلص لوطنه لذلك يقول جلالة الملك في خطابه الافتتاحي لندوة إيفران : "العلم إذن ضرورة من ضرورات الحياة اليومية لهذا يجب على المغرب أن يساير الحياة العصرية، ولكن يجب عليه كذلك أن يرى في اقتناء العلم هدفا وفضيلة خلقية، فضيلة تجيب إلى كرامة الإنسان، فضيلة تجيب إلى أمر القرءان، فضيلة تجيب إلى نداء النبي صلى الله عليه وسلم حين قال : "من أراد الدنيا فعليه بالعلم ومن أراد الآخرة فعليه بالعلم، ومن أرادهما فعليه بالعلم".
 والتعليم دو النفحة الإسلامية يستمد مبادئه وبنوده من القرءان ومن تعاليمه النيرة ومن سيرة النبي الذي أوحى به إليه، سواء فيما يتعلق بالعبارات والمعاولات والتشريع، والحياة الاجتماعية عموما، فانطلاقا من القرءان أخذ المسلمون منذ أول عهودهم بتأسيس المدارس وبناء زوايا العلم، وقد كان للمغرب – ولله الحمد – القدح المعلى في جميع المجالات الإسلامية، فبنى خطط المكارم وتسور شرفات العز، وبلغ غاية تتراجع عنها سوابق الهمم، ومنزلة لا يتعلق بها درك، يستوي في ذلك تاريخه القديم والحديث، فمن الإسلام استمد المغرب حضارته، وعلى تعاليمه بنى حاضره وأسس مستقبله، وعلى لبانه تربى أبناؤه وترعرع شبابه، ومن نظمه وأساليبه استمد قادته الرشد واستلهموا السداد، يقول جلالة الملك : "لقد اعتنق المغاربة الإسلام طوعا واختيارا، ورضى واستبشارا، أن حمل إليهم من مكارم الأخلاق وسليم المبادئ، وصحيح الأحكام وقويم النظم ما سعدوا به أفرادا وجماعات . . . ولما دلفت إليهم من المشرق ثقافة الإسلام وعلوم العربية، ومعارف الأمم المتقدمة، استوعبوها وأتقنوها، وتناولوها بآرائهم وأفهامهم، فأكملوا ناقصها، وأوضحوا غامضها، وفصلوا مجملها وهذبوا حواشيها. وزادوا ببحثهم وجدالهم وتخيلهم وافتراضهم في غناها وثروتها، ولم يكتفوا بذلك، بل أضفوا عليها من حلتهم وطبعوها بطابعهم حتى أصبحت لهم مدارس مذكورة، ومذاهب مأثورة في علوم الدين وفنون اللغة والمنطق والفلسفة والطب والرياضيات والتاريخ والفنون الشعبية"(8).
 إن الإسلام هو الدعامة الأولى في تأسيس الدولة المغربية، ومن أصدق من الله دينا لقوم  يعلقون ؟ ! فهو من أقوى جذور البقاء لبلدنا وخلوده. لأنه دين الله الذي لا يزيغ من اهتدى بهديه واستنار بنوره واحتمى بحماه، وهو الجامع للنفوس والأهواء والقلوب لما يحمله من أسمى الغايات وأنبل المقاصد وأشرف الأهداف. يقول ابن خلدون عن أثر الدين في بناء المجتمعات وعظمة الدول : "جمع القلوب وتأليفها إنما يكون بمعونة من الله في إقامة دينه، يقول تعالى : "لو أنفقت ما في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم، ولكن الله ألف بينهم"، وسره أن القلوب إذا تداعت إلى أهواء الباطل والميل إلى الدنيا حصل التنافس وفشا الخلاف، وإذا انصرفت إلى الحق ورفضت الدنيا والباطل وأقبلت على الله اتحدت وجهتها فذهب التنافس وقل الخلاف وحسن التعاون والتعاضد، واتسع نطاق الكلمة، لذلك فعظمت الدولة" (9) .
 والإيمان بالله هو سكينة النفس القلقة وهداية القلوب الضالة، ومنار السالكين الحائرين، ومواسي المصابين، ولولاه لكانت الدنيا عيشا مملولا وأملا خياليا، وتلاشت المثل العليا أمام تيارات المادة الجارفة والشر المستطير، قال الرئيس إيزنهاور : "بغير الإيمان بالله، والعودة إليه، لا تستطيع أن تحيا حكومة أو شعب" لأن المادة دائما عمياء لا تسمع ولا تعقل، ولن يحفظ توازنها وتداولها بين العباد بالعدل والإنصاف إلا بالاعتصام بدين الله، وأن الدين عند الله الإسلام "ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم"(10).
 والاستقامة سواء أريد بها وجه الله أم أريد بها عرض الدنيا فإنها تعتمد العلم الصحيح الذي يدعو إلى الإيمان في جميع الأحوال، والإيمان يجعل خدمة الوطن في مقام يليق به، وإذا كانت العبودية لله وحده، فإن الوطن في المحل الثاني. يقول جلالة الملك : "ذلك أن العبودية للوطن مستخلصة من الكتاب نفسه "وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض" والأرض يرثها الصالحون من عباد الله، فأذن الوارث هو الرجل الصالح، والرجل الصالح هو الذي لا يشرك لا بإلهه ولا ببلده ولا بوطنه"(11).
 الأمر الثاني الذي يعتمد عليه التعليم الصحيح : اللغة القومية، ولغتنا القومية هي اللغة العربية، وقد جعلها الإمام تقي الدين بن تيمية "شعار الأمة" لأنها هي التي تحمل هوية الشخصية الإسلامية، وبها تعرف في نطاق ما أنتجته أسلات الأقلام في هذه اللغة من كل ما لذ وطاب من فنون العلم، وأصناف العرفان، ومن يملك اللغة القومية يستطيع أن يضع يده على ثروة ضخمة من المعلومات القيمة، ويكون بيده مفاتح خزائن قرائح الأجداد، فيتناول منها ما شاء لتغذية عقله وروحه فيصبح أحسن تصرفا في الحياة وأرقى سلوكا مع الناس، وأكثر شعورا بالمسؤولية وأداء للواجبات، وقديما سأل أحد أباطرة الصين حكيما (كونفوشيوس) : كيف السبيل إلى نهضة الصين ؟ فأجاب (كونفوشيوس) : بإصلاح اللغة أولا.
 ولعل من أهم مقاييس رقي الأمم هو مقدار عنايتها بلغتها القومية ونشرا وتأليفا للكتب
المشوقة الجذابة المفيدة للأعمار المختلفة والعقليات المتباينة، يقول أحد الدارسين : "ليست عقلية الطالب الشرقي أقل من عقلية الطالب الغربي، وليست اللغة العربية أقل صلاحية ومرونة من اللغات الغربية، وإنما الفرق كل الفرق في طرق التعليم ومناهج التعليم وصيغة لقواعد. هذا الفرق هو الذي جعل الطالب العربي كثير المحن، عاجزا عن التعبير عما في نفسه، سيئ العرض لما يحتاج إلى عرضه"(12).
 وقد بلغ من قوة الصلة بين التفكير والتعبير أن بعض العلماء النفس المحدثين يقولون أنهما ليسا إلا مظهرين لعملية عقلية واحدة، فنمو كل منهما وارتقاؤه مرتبطا بنمو الآخر وارتقائه كل الارتباط، وكلاهما مرتبط بتجارب الإنسان وخبراته في الحياة، فالألفاظ لا تكون حية إلا بقدر ما تثيره في النفس من مشاعر وذكريات، أي بقدر ما  لها من اتصال بتجارب حية لمن يسمعها أو يقرؤها.
 ولا تتم المواطنة الصالحة إلا بالاهتمام باللغة القومية والأخذ بها نحو الكمال تعبيرا وتدريسا ومزاولة سيما وأن خزائن العربية لا تنفذ، وكنوزها لا تفنى، وبدورها لا تحجب، ومعينها لا ينضب، والإسلام عليها يقوم، وقواعد الشريعة عليها تأسست، ولذلك أوصى أحد الفلاسفة الألمان تلاميذه فقال : "إن أردتم أن تكتبوا فكرا تؤمنون عليه كرور الأجيال فاكتبوه بالعربية فإن لها دون غيرها من اللغات مزية" فقالوا وما مزيتها ؟ ! وما مزيتها ؟ ! فقال : "لأن في العالم أمة عظيمة العدد ترى من أصول دينها تلاوة كتاب فيها يسمى القرءان، ولا شك في بقاء الأديان في الأمم العظيمة الشأن، وحينئذ فلا ريب أن هذا الكتاب يبقى ما بقي هذا الدين". وقد رصد جلالة الملك هذه الظاهرة وجلاها أحسن تجلية وأقواها عندما قال في خطابه الافتتاحي لندوة إيفران داعيا إلى الأصالة في أسمى معانيها : "تلك الأصالة التي جعلتنا ومنذ أن اجتاز طارق بن زياد البوغاز، إلى أن اجتاز المغاربة الصحراء، علينا أن نحتفظ بتلك الأصالة، تلك الأخلاق، تلك البيئة، بذلك التطعيم الروحي الذي يمكننا أن لا نجده إلا في تعاليم الدين وفي المحافظة على اللغة العربية. وهذه المقومات هي التي جعلتنا وستجعلنا نئن لكل شيء أصاب العرب وأصاب المسلمين. لا نئن فقط، بل نتجند ونجود بالروح ونجود بالمال ونجود بالعبقرية".
 لقد تحملت اللغة العربية نصيبها الموفور من المسؤولية العالمية، وساهمت بالحظ الأوفى تقدم العقل البشري، وظلت وعاء الثقافة الإنسانية مدة قرون من الزمن، فهي إذن أصدق شاهد حضاري على تراثنا، فيها عرفنا أخبار من سلف من الماضين، ووقفنا على كثير من ظروف القرون الغابرة والأمم البائدة، والحضارات المائلة والفانية، ولولاها ما وصلنا شيء من المأثورات الشعبية، ولولاها لا تقطعت حبال الوصل بين ماضينا المجيد وعزنا التليد، ولعمري ما وجدت أصدق تعبيرا، ولا أرقى أدبا، ولا أساس أسلوبا، ولا أعمق تصويرا كقول الحسن الثاني في هذا الصدد إذ وصف سلوك المغاربة مع اللغة العربية وصفا دقيقا جامعا مانعا ما بعده من مزيد. يقول جلالته : "إن المغاربة أقبلوا على العربية لغة القرءان يتدارسونها، وعلى فنونها يتعلمونها ويعلمونها، وما لبثوا أن لمسوا ما فيها من المرونة والاقتدار على التعبير عن أصدق الصور المادية، والخلجات النفسية، واستمسكوا بها لسانا قوميا مبينا، وأحبوها حبا مكينا" (13)، وإنما أحب المغاربة اللغة العربية لأمرين يتفرع عنهما ما   سواهما :
 الأمر الأول : عقيدة الدين، فاللغة العربية مقدسة عند المغربي المسلم لأنها لغة القراءن الكريم والحديث النبوي الشريف، ولأنها علاوة على ذلك لغة التراث والفكر الإسلاميين.
 الأمر الثاني : هو أن اللغة العربية همزة وصل بين جميع الأقطار العربية، إذ هي رباط القومية وتضم في كلماتها إشعاعات العاطفة والتاريخ زيادة على وحدة المستقبل والمصير.           
غير أن الاهتمام باللغة القومية لا يعني الانغلاق والانطواء على النفس، بل هو بالعكس يدفع إلى التفتح على ثقافات الشعوب ولغاتهم لأن الأمم جسور للعبور إلى فكرها وطريق إلى الاتصال بها، سواء أكان الاتصال رفيعا معقدا، حيث تتعدى اللغة المجالات الحسية إلى مجالات أخرى أرحب وأوسع أم كان ماديا لا يتعدى مجال اليومية، ولذلك يقال : "العقول الكبيرة تناقش الأفكار، والعقول المتوسطة تناقش الأحداث، والعقول الضعيفة تتحدث في شؤون الناس" وكل ميسر لما خلق الله له، ولو رجعنا إلى تاريخنا الماضي لوجدنا أن علماءنا كان لهم باع طويل في المعرفة باللغات الأجنبية اعتبارا من عصر الرسول، ولعل الأعصر العباسية والأندلسية أصدق دليل على تمازج الثقافات، وتعايش اللغات، إذ ظهر حينئذ تراجمة وأطباء ومفكرون نقلوا عن اللغات المشهورة يومها ما لذ وطاب من فنون العلم والعرفان. يقول جلالة الملك في خطاب له : "فاللغة العربية لم تصبح لغة عالمية إلا بعد العلماء العرب اللغات الأجنبية التي بها ترجموا إلى العربية كتب الفلاسفة والمهندسين والحيسوبيين والأطباء منهم والفرس واليونان وغيرهم. فإذن نرى أن اللغة العربية لم تكتف بأن تعيش منطوية على قرائها، بل لم تتمكن من أن تغزو كأداة للغزو حتى قبلت أن تتعامل وتساير ولغات أخرى"(14).
 وقد تنبهت أمم كثيرة إلى نشر لغتها وتعلم لغات غيرها فأولت ذلك إلى ما هو جدير به من الاهتمام والاعتناء. ذلك أنها آمنت بأن نشر لغاتها خارج محيط وطنها يعود بالنفع الأكبر على أهلها ومواطنيها أولا، لأن نشر اللغة يتلوه تعريف شعوب أخرى بما وراء اللغة من حضارة وثقافة، كما آمنت بأن تعليم لغات غيرها من الأمم في مدارسها يجعلها أكثر تفهما لحياة الشعوب وأكثر تفتحا على مناحيها الثقافية والاجتماعية والدينية والسياسية. وقد حدد جلالة الملك دور اللغات الحية ورسم خط تعليم اللغات الأجنبية في بلدنا وأشار إلى الغاية منها حين قال يستحث الهمم ويلهب عزائم النفوس : "علينا أن نبحث على اللغات الأجنبية التي تمكننا من التعايش في القرن العشرين التي تمكننا من أن نصبح رجالا يفتخر بهم العرب والمسلمون والأفارقة" (15)
 والحق أن من لا يعرف سوى لغة واحدة في عصرنا هو أقرب ما يكون إلى الأمي أقرب منه إلى المثقف، لأن معرفة اللغات أصبحت في عصرنا ضرورية للإنسان ضرورة الماء والهواء بسبب تشابك المصالح الدولية، وقرب المسافات بين الأقطار والأصقاع وتبادل الخبرات الثقافية والفنية والاقتصادية وغير ذلك. ولذلك قال جلالة الملك في خطاب له عند اجتماع لجنة إصلاح التعليم الأصيل في 10 يناير 1973 : "ونحن إذ نريد أن نرجع إلى الأصل وخلق علماء بكل معنى الكلمة، نريد أن نجعل من علمائنا مشاركين سواء في ميدان اللغة العربية أو الشريعة أو الآداب، ولكن مشاركين كذلك حتى في المعمعة العالمية التي يخوضها العالم بجانبكم حتى لا يبقوا جانبيين عنا"(16).
 وقد كانت الخطوة الأولى للمستعمرين للبلاد العربية أن تعلموا لغة العرب ولهجاتهم وانطلقوا من ذلك إلى التعرف على عاداتهم وتقاليدهم وأعرافهم، فمزجوا السم بالدسم، واضمروا حسوا في ارتقاء تمهيدا لقضاء مآربهم ومصالحهم.
 إن الحديث عن التعليم طويل طول بقاء الإنسانية، وقصارى القول فيه أن تكون مناهجه وبرامجه خادمة لمصلحة الوطن حالا ومآلا، حافزة إلى الاعتزاز  بالتراث فإنه لا شيء ينبت من لاشيء. فكل مواطن مسؤول عن مخلفات الأجداد، حامل لقسطه من أجل تقدم الأمة، خصوصا وأن الإقبال على العلم والتفاني في تعليمه طبع انطبع به المغاربة منذ القديم، إذ رفعوا لواءه واحتفوا بأهله وكانوا سدته لكل فكر مبدع خلافا، فالعلم والحضارة والثقافة كما يقول جلالة الملك : "هي مقومات المغرب منذ أن خلقه الله، فإذا نحن أخذنا تاريخنا منذ الرومان والفنيقيين نرى أن العلم ملازم لنا كما يلازم الهواء الطلق الأرض التي يعيش عليها الإنسان. فإذن تساؤل المغرب عن مصيره التعليمي، تساؤله عن كيف سيكون المغربي رجل القرن الواحد والعشرين، ليس تساؤل القرن، بل هو إجابة لغريزة، لأن العلم والثقافة هي الحاسة السادسة للشعب المغربي تلازمه وسوف تلازمه . . .
 لنجعل نحن المغاربة شعارنا هو الآتي : لا نرضى وواحد من أمتنا جاهل"(17).
  
               
(1) الآية 70 من سمورة الإسراء، يقول القرطبي في تفسيره لهذه الآية : "والصحيح الذي يعول عليه أن التفضيل إنما كان بالعقل الذي عمدة التكليف، وبه يعرف الله ويفهم كلامه ويوصل إلى نعيمه وتصديق رسله؛ إنه لما لو ينهض بكل المراد من العبد بعثت الرسل وأنزلت الكتب، فمثال الشرع الشمس، ومثال العقل العين، فإذا فتحت وكانت سليمة رأت الشمس وأدركت تفاصيل الأشياء. وقد جعل في بعض الحيوان خصالا بفضل بها ابن آدم أيضا، كجري الفرس وسمعه وأبصاره، وقوة الفيل وشجاعة الأسد وكرم الديك وإنما التكريم والتفضيل بالعقل كما بيناه". 
(2) الآية 13 من سورة الحجرات.
(3) الآية الأولى من سورة النساء.
(4) الآية 32 من سورة المائدة.
(5) أدب الدنيا والدين، ص 54 – الطبعة الأولى.
(6) الآية 77 من سورة القصص.
(7) أدب الدنيا والدين، ص 83.
(8) انبعاث أمة ج 10 ص 90.
(9) مقدمة أن خلدون ص 277، دار الكتاب اللبناين – بيروت، أما الآية فمن سورة الأنفال عدد 63.
(10) الآية 101 من سورة آل عمران.
(11) دعوة الحق – دجنبر 1979 ص 6
(12) تعلم اللغة القومية ص. ف. ترجمة محمد قدري لطفي.
(13) انبعاث أمة ج 10 ص 90.
(14) انبعاث أمة ج 18 ص 19.
(15) من خطاب جلالته عند افتتاح مناظرة إيفران حول التعليم.
(16) انبعاث أمة ج 18 ص 20.
(17) من خطاب جلالته عندنا افتتح مناظرة إيفران حول التعليم.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here