islamaumaroc

ملامح من عبقرية الحسن الثاني

  دعوة الحق

211 العدد

كلنا نعلم الظروف الوطنية الحرجة التي رأى فيها ملكنا المحبوب نور الحياة، حيث أنه ولد ووالده الهمام غائب عن القصر الملكي في رحلة إلى فرنسا ليفوض ويناقش الحكومة الفرنسية حول الأغلال والقيود المفوضة على القصر الملكي والشعب المغربي. في هذا الظروف المشحون بالمضايقات نما الأمير المولى الحسن ووالده يكابد ويصارع عسى أن يتيح لولده وأبناء شعبه جوا مناسبا يتنفسون فيه وتبرز فيه مواهبهم وتنمو مداركهم.
 ولما ادخله لكتاب القصر انتدب له فقيها كفؤا يتولى تربيته ويحفظه القرءان الكريم وينشئه نشأة إسلامية وعربية خالصة.
وفي هذه السن المبكرة أخذت همة الأمير تبرز في صور تنافس مع زملائه الذين كانوا معه بالكتاب وكانت بنت الفقيه المربي من جملتهم وهي تكبره عدة سنين، ولما رآها تختم القرءان بأكمله وهو ما زال في حزب "عم يتساءلون" أجهش بالبكاء معلنا عدم رضاه عن سبقها دونه. وكذلك كان في سائر مراحل تعليمه، يأخذ نفسه بالأشق أن لم يأخذه به والده أو معلمه حتى لا يختلف عن ركب أقرانه ويقتصر عن أدراك الدرجة الأولى في النتائج الفصلية والسنوية. وتشهد الدفاتر والأساتذة أنه لم ينزل قط عن الرتبة الأولى في سائر مراحل دراسته، وأن هذا ليس من قبيل المجاملة بل هو نتيجة اجتهاده وتفوقه، كما أكده مدير المعهد المولوي وهو فرنسي، إلا أنه لاحظ ذات يوم أن الأمير أظهر تقصيرا في نتيجة أسبوعية، فأشهر والده بذلك. فما كان من الأب إلا أن أرغم ولده ملازمة المعهد عدة أسابيع وحرمه من كل متعة وراح ووكل به من يلازمه ليل نهار ليستدرك ما فات، ولم تنفعه في ذلك المعاذير والأسباب التي أبدأها (وفي هذا الصدد يقول مؤرخ المملكة الأستاذ عبد الوهاب بن منصور : أن سبب ذلك التقصير يرجع إلى انشغال الأمير مع أبيه بالإعداد لرحلة طنجة الشهيرة).
 وها هو جلالته يذكر لنا في خطابه إلى الشعب يوم ذكرى مولده السعيد (9 يوليو 1979) يقول : "لما كنت شابا في الخامس عشر من عمري وكان أبي يرى تقلب وجهي ونظري في الأرض وفي السماء وفي خضم الأحداث التي عشناها تلك السنة (1944) يوصيني ويقول : تريد تحرير بلادك ؟ تريد رقي بلادك ؟ إذن، اقرأ ثم اقرأ ثم اقرأ. وحيثما نلت شهادة الباكلوريا الثانية سألني ما تريد أن تتبع من الدراسات في الجامعة ؟ وكنت شغوفا بالتاريخ، فقلت له أريد أن أدرس التاريخ، فتعرض بكيفية صارمة لهذه الرغبة مفسرا موقفه بما يلي : أن التاريخ تجد من يحرره لك، والقناطر من يمدها لك، والقنوات من يحفرها لك . . أما الدفاع عن بلدك، قدما بدم، يوما بعد يوم، فلن تجد إلا نفسك.  
ومعرفتك بالقوانين الدولية . . – هكذا كان يهيئني حتى أن كل أيامي كفاح في كفاح.
 وفي حديث صحفي ذكر جلالته أن والده رحمه الله منعه من لمس الآلات الموسيقية وهو لا يتجاوز الحادية عشرة من عمره وقال له : إذا تعاطيت أي فن فإن من شأن ذلك أن يضرك في الفن الذي أريده لك وهو الحكم.
 وقد تحققت إرادة محمد الخامس في ولده، فها هو الحسن الثاني على دست الحكم منذ عشرين سنة يمسك مقاليد الدولة بحكمة واقتدار ويدير دفتها بمهار فائقة، ضامن استمرار الدولة وثبات العرش العلوي المجيد.
 وأما المنجزات التي تحققت في عهده فإن الكلام يطول لو ذهبنا نستعرض جلائل الأعمال التي أتت على يده وبتدبيره وحزمه، فلا يسعني إلا أن أقف وقفة إعجاب وإكبار أمام هذا الخضم من المنجزات التي لا يأتي عليها الحصر ولا يحيط بها المقال.
 وإذا أوجزت القول فإني أرى أن أمورا ثلاثة كانت تستأثر أول الأمر باهتمام صاحب الجلال، حيث أنه بادر وأخرجها من عالم الفكرة إلى عالم الواقع والتنفيذ، وهي :
- تحقيق جلاء القوات الأجنبية عن المغرب
- تحقيق الحياة النيابية
- تحقيق الوحدة الوطنية والترابية.
فكان من يمن طالع جلالته أن الرأية الفرنسية نزلت عن ساريها من فوق مقر القيادة العليا الفرنسية بالرباط بمجرد تولية مقاليد الأمور أثر وفاة أبيه.
ثم أخذت الجيوش الفرنسية تنسحب من البلاد وتبعتها القوات الإسبانية ثم الأمريكية، ولم يمض إلا نحو سنتين حتى كان العالم المغربي هو الذي يرفرف وحده على جميع الثكنات والقواعد العسكرية.
 وفي نفس الوقت كان جلالته يولي كل الاهتمام لتنظيم الحكم في المملكة على أساس دستوري وحكم نيابي تنفيذا للعهد الذي كان قطعه المغفور له محمد الخامس على نفسه لأمته وهو يعلن الاستقلال، إلا أن الأحداث لم تكن تمهله لتحقيق وعده وإعداد ما يلزم في إبان، لذلك كانت هذه المهمة من الأوليات التي بادر الحسن الثاني إلى إخراجها إلى عالم الوجود حيث بادر بعد توليته مباشرة بإعلان قانون أساسي للمملك، ثم تقدم للأمة بمشروع دستور فصادقت عليه في أول استفتاء شعبي أجرى في البلاد يوم الجمعة 7 دجنبر 1962 محققا بذلك أغلى أمنية طالما سلورة الأمة  ونادت بها إلى أن تحققت على يده.
 وهنا يروي مؤرخ المملكة أن جلالته قال يومئذ في مجلس وزرائه : لقد قال والدي رحمه الله يوم إعلان الاستقلال هذه الجملة : (أنني مطمئن الآن وما سأعيشه من حياتي بعد هذا اليوم أنما هو من فضل ربي). وأنا أكرر في هذا اليوم نفس تلك الجملة بروح مطمئنة وقلب سليم. ثم جرت الانتخابات لمختلف المجالس الدستورية إلى أن انتهت بانتخاب مجلس النواب الذي افتتحه جلالته يوم 18 نوفمبر 1963، فكان أول برلمان في تاريخ المغرب على يد الحسن الثاني، وقد أحيا به مبدأ الشورى الذي سنه الإسلام وطيقه الخلفاء الراشدون.
 وأما تحقيق الوحدة الوطنية والترابية فقد سار فيها مولانا الملك على نفس المنوال الذي تم به تحرير منطقة طرفاية ثم منطقة سيدي ليفني . .إلى أن نادى جلالته بتنظيم المسير الخضراء لتحريرالصحراء.
لكن الذي ينساه كثير من الناس هو أن الحسن الثاني سار في قضية تحرير الصحراء بنفس الطريقة التي سار عليها في عهد أبيه لتحرير طرفاية،إذ من الثابت أن المستعمرين الإسبان تلكثوا وعرقلوا تسليم طرفاي رغم المفاوضات والاتفاقات المبرمة في شأنها بين الجانبين، إذ أنهم اعترضوا طريق فرقة الجيش الملكي المتوجهة لتسلمها منهم بحجة أن الطريق الموصلة لطرفاية تمر بالتراب الصحراوي،وهو ما زال إذا ذاك خاضعا لسلطة الإسبان . . الأمر الذي حفز قائد الجيش الملكي المولى الحسن (ولي العهد إذ ذاك) وأثار ثائرته فأمر بتنظيم مسيرة تحت مسؤوليته ودون علم السلطات العليا وقادها بنفسه وكان الجو حارا والشهر شهر رمضان، فأمر من معه بالإفطار فامتنعوا احتسابا لله، فبدأ بنفسه وأفطر فأفطروا، وساروا مستخفين يجدون السبر.  
كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة الحديبية، ولما أشرفوا على طرفاية واعترضتهمكثبان الرمال شمروا عن ساعد الجد فشقوا الطريق بعد جهد جهيد لتمر القافلة ويتنكبوا طريق الإسبان المصرين على منعهم من المرور بها، إلا أنهم لما حلوا بطرفاية وجدوها قاعا صفصفا خالية من كل شيء، فشرعوا من جديد في عمارتها وتيسير أسباب العيش فيها.
 أليس هذا دليلا على أن الذي ابتدع مسيرة طرفاية هو الذي ابتكر مسيرة الصحراء، لكن بكيفية فريدة من نوعها.
 واورد هنا فقرة من خطاب جلالته في الذكرى الرابعة للمسيرة الخضراء يوم 6 نوفمبر 1979 : "إن الله تعالى أراد أن يلهمنا جميعا هذه المسيرة فألهمنا أن نفتح باب جديدا وأن نخطط نموذجا جديدا لحل المشاكل، أراد سبحانه أن يجعلنا هدا وأعلاما وقدوة تقتدي ومثالا يحتذي ويجعل أسطورة المسيرة الخضراء ملحة من الملاحم الكبرى التي يقف المؤرخون أجلالا عند دراستها وعند تخطيطها وتحليلها".
 وفي حديث صحفي قال جلالته عن حرب الصحراء : أنها ميدان جيد للتدريب بالنسبة لجنودنا الذين يتلقون تكوينا على أزير الرصاص عوض أن يتلقوه في مكاتب القيادة العليا.
العليا.

 ملامح من عبقرية جلالته :
 هذه عبقرية الحسن الثاني تتجلى في جلائل أعماله وفي لمحات أفكاره ومن طيات أحاديثه وخطبه.
انه حفظه الله تكونت لديه فلسفة عميقة وأفكار نيرة وارتسامات الهامية أن لم نقل الهية يفضي بها من حين لآخر ويلقيها على شعبه كدروس وتوجيهات ويبثها في ثنايا خطبه وأحاديثه الصحفية اتصل إلى مسامع الآخرين.
 ومن ذلك تعريفه للديمقراطية في خطاب ألقاه على منتخبي منطقة تانسيفت قائلا : أنها تسيير شؤون الأمة بنخب من منتخبيها وأن تفسيرها يتجدد كما يتجدد تفسير الدساتير، فيجب على ديمقراطيتنا أن تبق دائما مسايرة للعصر والمناخ والجهة، ومساير للحاجيات الأولية للسكان، وأن تغير أساليبها في تصرفها المالي ومسطرتها الإدارية كلما أرادت الظروف ذلك. وأن الديمقراطية الجوفاء هي أخطر شيء على بلد أراد أن يساير العصر.
 وفي نفس المناسبة تحدث جلالته عن المسؤولية فال : أريد أن أخلق في فكر ودماغ وقلب كل مغربي تلك الحاسة السادسة التي تنبئه بالخطأ أو تنبئه بساعة المبادرة أو توجه إليه بأن يقوم بكذا وكذا في هذا الميدان أو في ذاك المضار. وهذه الحاسة السادسة يمكن تنميتها وتربيتها لتحمل المسؤولية.
فالمسؤولية هي المشاركة اليومية في العمل، وهي التي تعطينا فرقا وتمييزا بيننا وبين أي حيوان.
 وقال جلالته عن الفوارق الاجتماعية في حديث صحفي بتاريخ 5 – 6 – 1979 : أني أعتبر الفوارق الاجتماعية بين الأجور نوعا من التحدي، خصوصا وأن هؤلاء المحظوظين الذين يستفيدون من أجور عالية جدا يتهربون من تحمل المسؤولية عندما نكون في حاجة إليهم، فهم يعتبرون جاحدين للوطن لأنهم يستفيدون من جميع الامتيازات ولا يريدون تحمل المسؤوليات. وتعهد جلالته بالتصدي لهؤلاء ما دام على قيد الحياة. وأخذ عليهم تقليدهم لمستوى الحياة في ألمانيا الغربية وفرنسا وتناسيهم أنهم يعيشون في بلد متخلف. وقال جلالته : أن موقف هؤلاء ليس وليد اليوم بل قد كانوا كذلك منذ زمن بعيد، فقد طلب أحد الأصدقاء من بعضهم عندما كانوا يتزحلقون على الثلج في الخارج تأسيس صندوق لأداء أتعاب محام يدافع عن محمد الخامس عندما كان في المنفى، فما كان من هؤلاء إلا أن اعتذروا بعدم توفرهم على أموال في الخارج حينئذ.
 وعن التعايش والتساكن قال جلالته لجماع من المنتخبين : أن المغرب الذي نريده هو الذي يتطلب منكم، منتخبين وولاة، أن تتعدوا طور التساكن والتعايش وأن تدخلوا في طور التمازج، وهذا يعني أن ليس هناك ميزانية للدولة وميزانية للجماعات، ليس هناك تخطيط للدولة وتخطيط للجماعات، ليس هناك هدف للدولة وهدف للجماعات . . . الكل في المغرب والكل يعيش للمغرب. أن التعايش والتساكن طبقناه، علينا أن ندخل في طور التمازج، تقريبا، التمازج الصوفي . . حينما لا يعرف صديق أهو هو، أم هو الآخر. لماذا، لأن من الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، رجلان تحابا في الله اجتمعنا عليه وافترقنا عليه، وهل بعد الله أعز وأقدس من الوطن.
 وفي نفس الخطاب تحدث صاحب الجلالة عن المغرب الجميل فقال : أعني بالمغرب الجميل المعمار الجميل والتخطيط الجميل لمدننا وقرانا. أننا تنكرنا للطابع الخاص بكل جهة مغربية فيما يخص الهندسة، لأن رخص البناء أعطيت أو بيعت أو وقع  فيها ما وقع. من أدى الثمن ؟ أدى الثمن المغرب وصورة المغرب وجمال المغرب وحتى راحة الساكن الذي لا يجد في مسكنه الضروريات له ولأولاده.
والحال أن الأمر سهل لأن الله تعالى أعطانا ثلاث مسائل ليعرف البناء المغربي أينما كان، أعطانا القرمود، أعطانا شيئا من الزليج. أعطانا القوس، فكل دار وضعت شيئا من القرمود، وبنى بابها بالقوس ووضعت شيئا من الزليج والفسيفساء الرخيص ووضعت على جدرانها الصباغات الملائمة للمناخ وللعادات. كل من فعل ذلك كان من الذين يحافظون على الأصالة المغربية والذوق المغربي.
 وفي المناسبة أخرى تحدث جلالته عن نفس الموضوع بشيء من التفصيل فقال : إذا كان شعائرنا في بناء مغربنا، في تخطيط قرانا، في تخطيط جنايته وحدائقه، وفي تخطيط دوره، إذا كان شعارنا "الله جميل يحب الجمال" أعتقد أننا سنقوم بالواجب الذي هو مناط بنا. أنني أعتبر أن المغرب هو البلد الوحيد الذي لا يهتم بالحديقة، وهذا مخالف لسمعتنا، لأن المغاربة معروفون بأنهم أهل ذوق وأنهم يحبون الطبيعة.
 ثم تكلم الله عن تلوث البيئة فقال : تكلم العلماء كثيرا في السنوات الأخيرة عن التلوث من الناحية المادية والطبيعة. لكن التلوث الذي أريد أن أذكره هنا هو التلوث الخلقي والمعنوي، وهذا أخطر بكثير من التلوث الفكري. وهذا ينبني على أساسين : الأسرة وحسن الجوار. فالأسرة التي لا تحتفل بعيد الأضحى ولا تحتفل بالعقيقة ولا بالإعذار ليست أسرة مغربية. وأنا أعرف عائلات مغربية قليلة تحتفل (بنويل) وكلنا نحتفل بعيد ميلاد سيدنا عيسى روح الله وكلمته، ولكن كيف يهدون الهدايا لأبنائهم في (نوبل) ولا يهدونها لهم في عاشوراء الذي هو يوم الأطفال.
 وجوابا عن سؤال من صحفي سعودي عن الأيديولوجيات الرائجة، قال جلالته : أعتقد أنه لا أخطر من الصواريخ العابرة للقارات سوى (ترانزيستور)، فإذا أصبح كلام الترانزيستور الذي يسمع في الحرمين الشريفين مخالفا لمعتقداتنا ومقوماتنا فكيف أن يتصور أي مسلم أن مكة والمدينة المنورة غير مهددتين بالترانزيستور وبالأيديولوجيات التي لا تعطي للروحانيات ولا للدين قيمة. هذا خطر، لذلك يجب على كل مسلم من الفيلبين إلى المغرب أن يحمل عصاه لو سيفه أو بندقية ويجاهد في سبيل الله.
 وبعد، فهذه ومضة من ملامح عبقرية الحسن الثاني، ارتسمت في نفسي من خلال تتبع واع لأفكاره وخطبه وندواته وأحاديثه وأعماله ومنهجه في الحكم . . . وقد تساءلت وأنا أتعمق كنه هذه الأفكار التي بلغت القمة في السمو والشمول : لماذا لا نضع بين مناهج الدراسات الفكرية دراسة الفكر الحسني ؟ فنحن أمام شخصية فذة قلما يجود الزمان بمثلها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here