islamaumaroc

حافظوا على الروح الإسلامية المتجلية في المسيرة الخضراء.

  دعوة الحق

211 العدد

أجمع الأجانب الذين كانوا موجودين في المغرب وفي غير المغرب سواء منهم الديبلوماسيون والصحافيون أو المعتنون بأخيار العالم الإفريقي على انبهارهم من الروح الإسلامية التي كانت متجلية في الشعب المغربي أيام المسيرة الخضراء التي احتفلنا بذكراها الخامسة وهو انبهار كاد يؤدي في بعض الأحيان إلى الفزع والقلق على مصالحهم الموجودة بالمغرب إذا ما اضطر المغاربة إلى مسيرات أخرى من ذلك النوع تدعو إلى قطع العلاقات الدبلوماسية ونسخ المعاهدات الاقتصادية مع كل دولة تسيء إلى الإسلام والمسلمين وترعى دويلة إسرائيل من يومها الأول إلى الآن، هاته الرعاية التي لولاها لأصبحت في خبر كان، إذ كيف يعقل أن تعيش دويلة دخيلة لا يجاوز عدد أعضائها في فلسطين ثلاثة ملايين وردوا عليها من عدة شعوب، ولا يجاوز أنصارها من اليهود خارج فلسطين خمسة عشر مليونا وسط مائة مليون من العرب ومليار من المسلمين الذين نفذ صبرهم وأصبحوا يعيشون في أنكر عيش ويحنقون على من سعى في تمديد عمر دولية إسرائيل غاية الحنق.
لقد كنت من الذين أسعدهم الحظ بالإنصات إلى خطاب أمير المؤمنين بتكوين المسيرة الخضراء وشعرت كما شعر المغاربة أجمعون بروح الجهاد في سبيل الله تسري في الجسم سريان الكهرباء في أسلاكها وخرجت مع جمهور من إخواني المسلمين من بلدية سلا نطوف حول الشوارع الرئيسية نعلن مغربية الصحراء واستعدادنا لتلبية نداء جلالة الملك، وحملتني هاته الروح على تسجيل نفسي منذ اللحظة الأولى للمشاركة في هذه المسيرة وتوالت التسجيلات من مختلف طبقات الشعب، وفي كل بلدة وإقليم وقبيلة، وكنت ضمن أعضاء الأمانة العامة لرابطة علماء المغرب الذين عقدوا اجتماعا هاما في المركز العام للرابطة بالرباط وأصدروا بلاغا أيدوا فيه المسيرة ووضعوا أنفسهم رهن إشارة جلالة الملك لتأطيرها بمجوعة من العلماء يتولون الإرشاد والإفتاء لجماهيرها المجاهدة، ووقع علي اختيار الأمين العام ضمن علماء آخرين لإدلاء الواجب الإسلامي في هاته المسيرة التي أقامت الدنيا وأقعدتها وأصبحت محل أنظارها، وقدر لي أن أكون مرشدا لمسيرة إقليم سطات وأن ألقي درسا في كل يوم على عشرة ءالاف من المسلمين وأعطي تصريحات لمبعوثي دار الإذاعة وأشارك في بعض الندوات التلفزيونية بطرفاية وأسعي في إقامة صلاة الجمعة في عدة مسيرات وأشرح خطب جلالة الملك لأعضاء المسيرة، والشيء الذي أثار انتباهي أكثر من غيره وأحسست أثناءه أن الإسلام لا يزال بخير في المغرب، هو روح الجهاد في سبيل الله التي أحبتها المسيرة في النفوس وكأنها كانت الإطار الذي تعمل في دائرته، ومعلوم أن الجهاد هو الذي صلح به أمر الأمة أولا ويصلح به آخرها ثانيا، وما أبعدتنا السياسة التعليمية الاستعمارية عن القرءان والسنة إلا لتبعدنا عن الجهاد، وقد علمتنا الثقافة الإسلامية أن الجهاد لم يتركه قوم إلا ذلوا، وقد تركه المسلمون منذ قرون فدلوا واستعمروا وتخلفوا ولا يمكن أن يرجع لهم عزهم ويحرروا أوطانهم ويطردوا إسرائيل من فلسطين إلا به.
 حقا إن الآيات والأحاديث الكريمة الآتية وغيرها الواردة في مختلف المواضيع الإسلامية تثير الرعب في قلوب أعداء الإسلام حيثما كانوا وتدفعهم إلى محاربة الإسلام دفعا.
 قال الله سبحانه وتعالى : "إذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير، إن تنصروا الله بنصركم ويثبت أقدامكم، يا أيها النبيء جاهد الكفار والمنافقين عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير".
 "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين. قاتلوا الذين لا يومنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صائرون وأن نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر أنهم لا إيمان لهم لعلهم ينتهون إلا تقاتلون قوما نكثوا إيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهو بدؤوكم أول مرة أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مومنين".
 "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مومنين ويذهب غيظ قلوبهم".
 وقال النبي صلى الله عليه وسلم : (رباط يوم في سبيل الله خير من الدنيا وما عليها وموضع ربوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما عليها) رواه الشيخان عن سهل بن سعد أن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض، رواه البخاري عن أبي هريرة.
 إن أبواب الجنة تحت ظلال السيوف، رواه مسلم عن أبي بكر ابن أبي موسى الأشعري عن أبيه.
 ما أغربت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار رواه البخاري عن عبد الرحمن بن جبير.
 من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبه من النفاق، رواه مسلم عن أبي هريرة.
 لقد شاهدت أيها القارئ الكريم مشاهد مؤثرة في التلفزيون أرتك عمل الإسلام في النفوس، وما هي إلا مشهد من ءالاف المشاهد التي شاهدها من كان حاضرا في المسيرة ويعجز القلم عن وصفها، وكيف يصف القلم الإيمان الفياض والشجاعة النادرة والبطولة الكاملة والهتافات القوية والاستعداد للموت في سبيل الله والانضباط في طاعة المسؤولين عن المسيرة والسخرية من الحملات المسعورة التي كان حكام الجزائر يشنونها مرات في اليوم والعزم على الوصول إلى آخر نقطة في الصحراء ولو مات جميع أفراد المسيرة.
 أيام ربانية لا تثمن، عاشها المجاهدون لله وتحملوا فيها المشاق الجسام وهو راضون ولا ينتظرون الثواب عليها إلا من الله القائل : "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
 وأثار انتباهي أيضا الحب الذي تجلى بصورة واضحة نحو العرش والجالس على العرش، هذا الحب الذي كان ينطلق كالعاصفة حينما يذكر اسم الحسن الثاني، وقع هذا حتى في خطبة الجمعة حينما دعوت لأمير المومنين فأضررت إلى تنبيههم إلى وجوب ترك التصفيق أثناء الخطبة وتعويضه بالتكبير والهتاف باسم جلالة الملك يبرهن عن تقدير المغاربة للعرش الذي أسسه إدريس بن عبد الله الكامل الحسني وجلس عليه إدريس بن إدريس ويوسف بن تاشفين ويعقوب المنصور الموحدي ويعقوب وأبو عنان المرينيان وأحمد المنصور الذهبي وإسماعيل العلوي ومحمد الخامس رضوان الله عليهم أجمعين، وعلى من نحى نحوهم واهتدى يهديهم ءامين.
 وأثار انتباهي أيضا الإقبال الواقع على الدروس والإكثار من الأسئلة التي يؤكد أصحابها ثقتهم بالله وعزمهم على التوبة مما جنته أيديهم من الآثام ونيتهم ألا يعودوا إلى ذنب فيما بقي من أعمارهم واعتذارهم عن ذنوبهم بجهلهم وعدم وجود من يرشدهم في حياتهم بالبادية وكثرة المغريات المحيطة بهم.  
 اثنان وعشرون يوما قضيتها في المسيرة غيرت نظري في الشعب المغربي وعرفت أن روحه الإسلامية التي ورثها عن ءابائه الأحرار الذين قاوموا الاستعمار في كل شبر من أرض المغرب حتى طردوه مرات بعد كرات لا تبلى، وأيقنت أن الفضل في ذلك يرجع إلى القرءان والسنة وأقوال العلماء المستمدة منهما والدروس العلمية التي كانت المساجد مملوءة بها.
 أيها المسؤولون :
 حافظوا على كتاب ربكم وسنة نبيكم اللتين يغرسان هاته الروح في النفوس ويكونان الأبطال وأباة الضيم والهوان، الوطنيين المخلصين الذين يحافظون على الوطن ووحدة الوطن ويدافعوا عن إخوانهم في الوطنية الربانية أينما كانوا وتعينوا، ولا يكون ذلك إلا بإعادة الأنظار في برامج التعليم رأسا على عقب تغيرا يفرض التربية الإسلامية فرضا ويجعلها مادة أساسية تنجح وترسب وتصبغ جميع المواد بالصبغة الإسلامية حتى العلمية منها، كما كان ذلك في عصور الإسلام الزاهرة حتى أفرغتها الدول الاستعمارية من محتواها الإسلامي منذ محتواها الإسلامي منذ نهضة أوربا الأخيرة أثر مؤتمرات عقدتها لهذا الغرض، وفرض الصلاة على جميع الطلية والتلاميذ، فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، ورفض تولية المعلمين والأساتذة والمفتشين الذين لا يتخلقون بالأخلاق الإسلامية إلا إذا رجعوا إلى الله وتشبثوا بدينهم الذي لا يقبل الله غيره، فإن الله يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات.
 وغني عن البيان أن عنصر الشباب المثقف ثقافة أجنبية في المسيرة كان ضعيفا لأن تعليمه العصري الخالي من الروح الإسلامية حمله على ترك التطوع في المسيرة والاقتصار على مساندتها من بعيد، والإحصائيات تبين ذلك، فلولا الجماهير المغربية التي تقدس العلم والعلماء ويملأ أكثرها رحاب بيوت الله وتحضر صلاة الجمعة ونشأت في بيئات إسلامية تلقت فيها المثل الإسلامية العليا لما كانت المسيرة ولما استرجعنا صحراءنا ووحدنا ترابنا وأقررنا عيون شعبنا الصحراوي بهاته الوحدة وقضينا على مؤامرات أعدائنا إلى الأبد.
 تداركوا الأمر أيها المسؤولون خشية أن يفوت التدارك، فاته لا يقر أعين الاستعماريين أكثر من أن يروا تعليمنا ماديا صرفا، كما تركوه فارغا من الروح التي أتى بها الإسلام.
 هيا إلى الجمع بين المادة والروح والمحافظة على روح التوازن بينهما، فالله رقيب عليكم وعيون الشعب تلاحظكم وصدق الله في قوله : "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون وستردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون".
هذا المقال القيم، هو آخر ما كتب ونشر المرحوم العلامة مولاي عبد الرحمان الكتاني. وقد أعدنا نشره نقلا عن جريدة (الميثاق) لسان رابطة علماء المغرب لأهميته وإحياء لذكرى كاتبه رحمه الله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here