islamaumaroc

فكرة الاحتفال بعيد العرش انبثقت من صميم الشعب المغربي.

  دعوة الحق

211 العدد

تفاءل الشباب المغربي والشعب المغربي خيرا بتولي الملك الشاب محمد الخامس نور الله ضريحه على عرش أسلافه المقدسين، وهو لا زال في ميعة الشباب، وعقدوا على مبايعته كل الآمال. خصوصا وقد كانوا يرون فيه وفي عرشه الرمز الأساسي للوحدة المغربية التي أراد الاستعمار القضاء عليها، بتفتيت الشعب المغربي إلى قبائل متناحرة، ومتساكنين متطاحنين متنازعين.
 لقد كان العرش المغربي والعقيدة الإسلامية الضامنين الأساسيين لوحدة الكيان المغربي، عقيدة ولغة وأرضا. ولذلك فإن كل تطور يقع في البلاد المغربية، لا بد أن يكون في دائرة هذه الأقاليم الثلاثة.
 إن الروح المغربية الصميمة والنزعة الاستقلالية الأصلية التي ورثها محمد الخامس عن أجداده، هي التي ورثها مبايعته بيومين لا غير يخاطب مقيم فرنسا بما يلي : "أن الشعب المغربي ينتظر منا مجهودا مستمرا، لا من أجل تنمية سعادته المادية وحدها، ولكن لنكفل له الانتفاع من تطور فكري، يكون متلائما مع احترام عقيدته، ويستمد منه الوسائل التي تجعله يرتقي درجة عليا في الحضارة بأكثر ما يمكن من السرعة".
 أن هذا التصريح القوي أمام ممثل فرنسا، يبين بوضوح عما كان يطمح إليه الملك الشاب من اهتمام بمستقبل بلاده، والسعي في ترقيتها ونهضتها مع الحفاظ على عقيدتها التي تعتبر العمود الفقري لكل تطور يقع فيها.
 لقد بويع محمد الخامس رحمه الله في ظروف كانت حالة المغرب فيها في أشد ما يكون من الخطورة والضيق، فالاستعمار الفرنسي والإسباني متكالبان عليه، والتآمر ضد وحدته يهيأ له من طرف دهاقنة الاستعمار، والحركة الوطنية السياسية لا زالت في طور النشوء، والمقاومة المسلحة في الجبال لم تنسق الكافي، ولذلك صارت تضعف أمام التكالب الاستعماري المتحالف ضدها.
 وشاء الله أن يصدر الظهير البربري الذي أوضح للعالم جميعه ما ببيته الاستعمار الخبيث ضدا على وحدة البلاد، وتمزيقا لكيانها، فوقعت الانتفاضة الشعبية ضد المخططات الاستعمارية، وأدركت النخبة المومنة في الأمة الخطر الذي يهدد الوطن والمواطنين، واقتنعوا كل الاقتناع بأن المقاومة لا بد أن تكون ملتحمة، وأن الاستعمار لا بد أن يعزل وينسلخ عنه كل المِؤمنين، وأن صيانة وحدة البلاد والدفاع عن عقيدتها يتطلبان زيادة في الالتحام مع العرش المغربي باعتباره الرمز الحافظ للكيان، والساهر على وحدة البلاد.
 إن الاستعمار إذا كان يعتمد على سياسة (فرق تسيد) فإن الوطنية الحق تفرض النضال الوحدي بكل الطرق الممكنة، وشد الطرق جميعها أمامه، ليسير الشعب في طريقه الواضحة التي لا عوج فيها ولا أمتا.
 لقد ابتدأت الحركة الوطنية بالشباب، وهيأ الله لها على رأس هذه الأمة المغربية ملكا شابا،فلتجهل يدها في يده، وليسيروا جميعا ملتحمين متكاتفين متضامنين لتحرير البلاد والحفاظ على وحدتها ولتحقيق ما دعا إليه الملك الشاب في أول تصريح له بعد مبايعته بالملك، وهو بناء حضارة إسلامية وتطور فكري سليم في دائرة الحفاظ على العقيدة الإسلامية.
    وهكذا جاءت فكرة الاحتفال بعيد العرش والجالس عليه، منبثقة من الشعب، وتعبيرا عن التحام العرش بالشعب لمكافحة الاستعمار، ولصيانة الوحدة، ولتحقيق المطامح، وبناء المغرب العربي المسلم.
 لقد كان الشعور الوطني بضرورة تشخيص هذا التلاحم بين العرش والشعب شعورا عاما، وذلك بجعل يوم جلوس جلالة الملك محمد الخامس على عرش أسلافه عبدا وطنيا، يتجلى فيه هذا التلاحم وهذا التحايب، وكان الشباب الوطني يتحدث بضرورة تحقيق هذه الأمنية، وتطبيق هذه الرغبة ولكن أول من كتب في الصحافة داعيا إلى اعتبار يوم عيد جلوس الملك محمد الخامس عيدا وطنيا، بإصدار قرار في الموضوع، هو – فيما أعلم – المرحوم محمد حصار. فلقد كتب في العدد الحادي عشر من "مجلة المغرب" الشهرية الصادر بتاريخ يوليوز 1933 الموافق لربيع النبوي 1352 مقالا تحت أمضاء "مغربي" حول الأعياد الإسلامية قال فيه : "إن الظهير الخاص بالتنظيم الأساسي للمحاكم الفرنسية، يوجد فيه فصل يحدد الأعياد والعطلات الإسلامية، وهي : يوم الجمعة بأتمه، والأيام الثلاثة الأخيرة من شهر رمضان المعظم، وثلاثة أيام لكل من غيدي الفطر والأضحى، واليومان التاسع والعاشر من شهر محرم (عاشوراء) واليومان الثاني والثالث عشر من شهر ربيع الأول (مولد الرسول صلى الله عليه وسلم). وبعد ما أشار إلى أن هذا الظهير لا يطبق من الجميع، قال : أن الحكومة المغربية حكومة إسلامية، وكل مصلحة أو إدارة بالقطر، مغربية، ومن واجبها احترام حكومتها باحترام أعيادها ومواسمها المقررة بأمر من الصالح العام، وليس من الحق والعدل أن تنفذ تلك المصالح وتلك الإدارات الفقرة الخاصة بالأعياد الأخرى، وتهمل أو تتناسى الفقرة التي تتعلق بأعياد المسلمين رغم قلة أعيادهم المقررة رسميا بالنسبة إلى سواهم من مواطنينا الفضلاء.
 وفي الأخير يقول : تسعى الحكومة سعيا حثيثا في إضافة الأعياد والمواسم التي أهلها محرر هذا الظهير مع أنها من الأيام التي لها في الأمة مكانة وشأن.كما نطلب منها أيضا بمناسبة هذا الموضوع أن تصدر قرارا باتخاذ يوم جلوس صاحب الجلالة على العرش المغربي عيدا وطنيا.
 ولقد علقت المجلة المذكورة على الاقتراح المذكور بالتأييد قائلة : أننا نضم صوتنا إلى صوت الكاتب صاحب المقال، راجين من الحكومة أن تتخذ يوم جلوس جلالته على العرش المغربي عيدا وطنيا، يتاح فيه للأمة المغربية كل سنة، زيادة على الأعياد الشرعية – إظهار دوام تمسكها بعرش الإشراف العلويين، وإبداء ما تحمله القلوب من عواطف الإخلاص والتفاني نحو ملكها المفدى دام عزه.
 وفي العدد الثاني عشر من نفس المجلة(1)  نشر مقال بامضاء (م) تحت (عنوان : العيد الملكي) جاء فيه : فلا بدع إذن أن تطلب الأمة المغربية اتخاذ اليوم الذي فتح فيه صاحب الجلة الشريفة هذا العصر الذي تجلت فيه نهضتها، عيدا وطنيا تشهر فيه تعلقها بالأريكة السنية، وفيه ترفع إلى لجناب العالي ما تحمله القلوب له من إخلاص وشكران، تم يقول : ولهذا فنرجو أن تشكل من الآن لجنة من أعيان الأمة ووجهائها، تقوم بشؤون هذا اليوم، من مخابرة الدوائر الرسمية، ووضع برنامج للحفلات، وإذاعته بين العموم، واتخاذ كل ما يفن من الوسائل لإعطاء عيد الجلوس كل ما يستحقه من أبهة وجلال.
 وهكذا أصبحت الفكرة تتبلور لدى الرأي العام الوطني، ولم يبق أمامها إلا التنفيذ.
 ولم يكد شهر نونبر سنة 1933 يحل، حتى صارت تؤسس اللجان عمليا لأخذ العدة للاحتفال بعيد جلوس صاحب الجلالة على عرش أسلافه المقدسين، وهكذا تأسست لجان في كل من سلا والرباط وفاس ومراكش وغيرها، وانطلقت ألسن الشعراء تغني بهذه الذكرى، وتضع لها الأناشيد والتلاحين، وتعمل على تنظيم الحفلات وتوجيه برقيات التهاني إلى جلالة الملك المفدى.
 ولقد فوجئ رجال الحماية بهذه الظاهرة الوطنية الجديدة التي لم يحسبوا لها حسابها، وصاروا يضربون الأخماس في الأسداس، ولم يدروا كيف يواجهون الموقف، فاللجان الوطنية سائرة في طريقها تعمل كل واحدة منها حسب إمكانياتها.
 لقد حاولت الإدارة الاستعمارية عرقلة الاحتفالات بدعوى أن هذا الاحتفال ليس من التقاليد المغربية ولا من الأعياد الإسلامية، ولكن قد تعدى كل معوقاتها.

 من هذه الحفلات وجهوا برقيات إلى جلالة الملك هذا نصها :
1- سكان الرباط قرروا اتخاذ يوم جلوسكم على عرش أسلافكم الأماجد، عيدا يحتفلون به كل عام، وفي هذه الساعة الجذل والأفراح المقامة بهذه المناسبة الشريفة يتقدم أعضاء اللجنة المؤسسة لذلك الفخر وكامل الاحترام لجلالتكم الشريفة سدد الله ملكها راجين منها أن تتقبل خالص أدعيتهم بطول الحياة مع خالص ودهم وصادق ولائهم  وطاعتهم : أبو شعيب الدكالي – أحمد الزبيدي – أحمد التازي – مصطفى بركاش – حمادي القباج – عبد الكريم بوهلال.
2-  إن قدماء تلامذة المدرسة اليوسفية المجتمعين كلهم في هذه الساعة السعيدة، ساعة الفرح والسرور، للاحتفال بذكرى تتويجكم المجيد، يلتمسون من جلالتكم قبول مراسم إخلاصهم العميق نحو سلطانهم المحبوب، ويتمنون له مديد العمر لنهضة المغرب، وسعادة خدامكم أجمعين.
                                                                          المجلس الإداري

 أما في مدينة "سلا" فلقد عمت الاحتفالات كل الطبقات فزينت المدينة بالأعلام المغربية وعطلت المدارس واحتفل التجار والحرفيون احتفالا متعددة على الطريقة التقليدية في الشوارع والأسواق.
 وكانت الحفلة الكبرى التي نظمتها الشبيبة الوطنية هي التي أقيمت بقيسارية سلا الداخلية حيث قصدها تلامذة المكتب الإسلامي (مدرسة النهضة) وجمهور من المواطنين، وكانت الأناشيد الوطنية تشق عنان السماء، والمواطنون يهنئ بعضهم بعضا بهذا اليوم الخالد في التاريخ الوطني، وبعد انتهاء الحفل نظمت مسيرة شعبية شارك فيها الشباب الوطني وأعضاء جمعية النجاح الرياضة وقصدت منزل باشا المدينة الذي احتفل بدوره بهذا اليوم الخالد حفلة شيقة شارك فيها الأعيان والوجهاء والأشراف، ولقد كانت الهتافات بحياة الملك.  
وبعد، فالمغرب موطن البطولة والرجولة ومقر الإيمان الصادق والعمل الناطق، من شأنه الإيمان بالبعث والنشور، لا بالألم والفجور ولا بالكذب والزور، ومن شانه كذلك أنه ينذر الظالم بالويل والتبور، ويبشر الآثم بقصم الظهور، ومن شانه أنه يصد كل جبار عنيد وكل شيطان مريد، ويرد كل خصم لديه، من طبعه أن يتحرش بالكماة والأبطال ودعاة الخير والأفضال، ويتقلب في الترهات والأباطيل، ويتحزب مع الأوباش والأسافل، ويصدفون عن آيات الكتاب، ويعرضون عن الحق والصواب، وأن المغرب مربط الغزاة ومأوى الحماة الذين خاضوا المعارك الضارية وقعقعوا السيوف الدامية وركدوا في حومة الميادين وكفكفوا المضلين والمتمردين، وأخافوا الظلم والظالمين، وافزعوا الحرمات والمحارم، وأخذوا الفيء والمغانم، إذ كان لهم وزن في الواقع وشأن في المجامع، ولكل نبأ مستقر، وسوف تعلمون وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون.    
وهكذا نلاحظ أن فكرة الاحتفال بعيد العرش السعيد انبثقت من صميم الشعب المغربي ودعا إليها وقام بها الشباب الوطني المتوثب في بداية الحركة الوطنية، تعبيرا عن تعلق المغرب بملكه وتجسيما للوحدة الثابتة الدائمة بين العرش والشعب.
وأما هذا الإصرار الوطني لم يسع الحماية الفرنسية إلا أن تعترف بالأمر الواقع وتسمح بإصدار مرسوم يجعل من يوم جلوس صاحب الجلالة على عرش أسلافه المقدسين عيدا وطنيا رسميا يضاف إلى الأعياد الإسلامية الأخرى. وإذا كانت قيدت في المظاهر التقليدية فإن الحركة الوطنية تعدت ذلك المرسوم الصادر وعملت علي أن لا يقتصر الاحتفال على بعض المظاهر، وأصبح يوم الاحتفال يوما خالدا في تاريخ الكفاح الوطني.

(1) كانت المجلة الوحيدة التي سمح لها بالصدور وكان يرأس تحريرها السيد محمد الصالح ميسة وهو شخصية جزائرية.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here