islamaumaroc

محمد الخامس الملك الرائد العبقري

  دعوة الحق

211 العدد

تتفاوت أقدار الرجال المصلحين، والزعماء المناضلين، والقادة الملهمين، بتعاون ما وفقوا للقيام به من مشاريع وأعمال، وتتباين مقاييسهم بتباين الظروف التي نشأوا بين أحضانها، وترعرعوا في أكنافها . . . ولسنا نجد أدنى صعوبة إذا نحن أردنا التدليل على هذا، فباستطاعة كل من رجع إلى كتب التاريخ أن يخرج منها بمقارنات طريفة، تحمله على الاقتناع بهذه النظرية، واتخاذها معيارا دقيقا يلجأ إليه كلما هم بالموازنة بين الشخصيات التاريخية . .
وإذا نحن نظرنا إلى جلالة المنعم برضوان الله المغفور له مولانا محمد الخامس من خلال هذا المنظار، وقسناه بهذا المقياس، فإننا سنجد – ولا شك – في طليعة العباقرة الملهمين، الذين لا يجود الزمن الضنين بمثلهم إلا في فترات متباعدة، كي يخلقوا هذه الحياة خلقا جديدا، ويتمموا ما كان ناقصا من معانيها، ويضفوا عليها – من عبقريتهم – سربالا من العظمة، يجعلها جديرة بالخلود، وقيمنة بالبقاء.
وإن الباحث ليحتار إلى أي نوع من العبقرية برد عبقرية جلالته، ذلكم أنه مجموعة من المواهب والعبقريات، فهو عبقري في إصلاحاته الدينية والاجتماعية، وهو أيضا عبقري في مجال القيادة والزيادة، كما تتجلى عبقريته بصورة أروع وأبدع في كفاحه السياسي، ونضاله البطولي.
فهذه إصلاحاته الدينية والاجتماعية تجعلنا نؤمن أصدق الإيمان جلالته – رضوان الله عليه – هو رجل المغرب في القرآن الرابع عشر، وأنه هبة من الله تعالى إلى الأمة المغربية، اصطفاه ربه لقيادة سفينة هذه الأمة المؤمنة في أسوأ ظروفها، وأحلك لوقاتها، وأشد أزماتها، فقد قيضه الله تعالى لها ليأخذ بيدها إلى شاطئ السلامة والأمان، ويرشدها إلى الطريق اللاحب، ويرسم لها الخطة المثلى، التي عليها أن تسير وفقها، وتترسم نهجها، إذا هي كانت تعشق الحياة الحرة الكريمة . . .
قالى عهد غير بعيد، كان المجتمع المغربي يرزح تحت أغلال الأمية الفتاكة، ويتعثر في خطاه، كأنما يخطو في ليل دامس مدلتهم، لا علم له بما يجري حوله، ولا هو في مقدوره التنبؤ بما سيؤول إليه مصيره، جهل مطبق، وأمية متفشية، ويأس مرير قد استحوذ على النفوس، وخمول قاتل قد استولى على العقول، وجهود فتاك قد ران على الأفكار، فأظفا جذوة إحساسها، وشل حركتها، وطبعها بطابع الحيرة والتردد . . إلى أن جاء المصلح العظيم، محمد الخامس – نور الله ضريحه -  فاستطاع عبقريته أن حطم هاتيك الأغلال، ويخرق تلك السدود، ويتخطى جميع العوائق والحواجز، فبدل يأس الأمة أملا واسعا، وحول خمولها إلى يقظة عارمة، وجمودها إلى تطلع واسع لآفاق المستقبل المشرق الباسم، فاستأصل الداء من أصله، وقضى على جرثومته، وأجهز على جذوره ومصدره . . ! رأى بثاقب نظره أن لا سبب لما ترتكس فيه الأمة إلا تفشي الجهالة بين أفرادها، وانتشار الأمية بين مختلف طبقاتها، فاستنهضها للإقبال على التعليم، وتيسير سبله أمام الناشئة المتعطشة، وذلك بالمساهمة الجدية في تشييد المعاهد والمدارس، التي من شأنها أن تخرج للبلاد جيلا، بل أجيال – من المواطنين الصالحين، تسهم – عن جدارة – في بناء المغرب المستقل، وتضطلع بقسطها من الأعباء الجسيمة التي تتطلبها الحياة الجديدة، وحياة الحرية والاستقلال . . !
وبتلقائية رائعة، لبت الأمة النداء، مستجيبة لهذه البادرة الطيبة الكريمة، مسارعة إلى التنافس في هذا الميدان، بعزم لا يفل، وإرادة لا تقهر، وحماس لا ينقطع ولا تنطفئ جذوته، وهكذا، فلم تمض إلا فترة زمنية وجيزة، حتى رأينا المدارس والمعاهد قد انتشرت بالمدن والقرى، وازدحمت فصولها وحجراتها برجال الغد المنتظر، يحدوهم الأمل العريض في أن يكون عند حسن ظن القائد الرائد بهم . . . !
وقد استطاعت مدارسنا الحرة على علاتها، وتفاوت درجاتها، ورغم ما كان يعترض سيرها من عقبات، ويقف في طريقها من عراقيل، ويحق سبيلها من مثبطات، أن تفرض وجودها، وتؤدي رسالتها السامية في صمت واتزان، بحيث خطت خطوات موفقة نحو الهدف الذي رسمه لها أبو الأمة ورائدها العظيم رضوان الله عليه، متحدية كل الصعاب، متخطية جميع العراقيل بعزائم تقل الحديد، وهمم تستهل المخاطر والأهوال، وتهون أمامها جميع التضحيات . . !
وهكذا، وعن طريق مدارسنا الحرة، أخذت اليقظة الوطنية تسري في كيان الأمة، وجعل شبح الأمية يتقلص ظله المقيت، يوما بعد يوم، وبدأت المعرفة تغزو البيوت والأكواخ تدريجيا، وبخطوات متزنة، لكنها هادفة . . !
وسيأتي – لا محالة – يوم تشيع فيه الأمة – عن بكرة أبيها – شبح الأمية المرعب البغيض، في محفل وطني رائع، ويومئذ سيعترف الجاحدون والممارون بالمجهودات الجبارة التي بذلها محمد الخامس، في سبيل إسعاد شعبه، وإحلاله المكانة اللائقة به بين الشعوب . . !
نعم، هذه هي المدارس والمعاهد قد انبثت في مدن المغرب ومداشره، وتلك قوافل رجال الغد المأمول قد أقبلت على معينها العذب الشرار، تنهل منه في لهفة، وتعب من سلسبيله في حماس، وإذن فلم لا يسمح للفتاة هي الأخرى، - وهي شقيقة الفتى في الأحكام – بولوج أبوابها ؟ وكيف يمكننا تحقيق الإصلاح المنشود ما دام نصف الأمة أشل . . ؟
وبالفعل، فهذا ما خالج فكر سيدنا  عليه الرحمات، عندما ألقى نظرته الفاحصة على حال أمته، وما آل إليه أمرها من تدهور وانحطاط، لا يليقان بأمة رائدة، سجل لها التاريخ صفحات ناصعة في ميادين الزيادة والسبق . . ! فاستخلص أن النهضة الحقة لا تؤتي نمرها المرجوة، ولا تعطي نتيجتها المتوخاة، ما لم يسر الفتى والفتاة في مجال العرفان جنبا إلى جنب، وما لم تغز المعرفة بنورها الوهاج داخل البيوت، وتتسرب إلى قرارات الأكواخ . . ! ولست أجافي الحقيقة، أو أجمع عن الواقع، إذا ما أكدت بأن جلالة ملكنا الراحل كان من أكبر الدعاة بمغربنا إلى تعليم الفتاة، والساعين لتطورها وتثقيفها، حتى يتأتى لها أن تسهم في تربية المواطن الصالح، وهي على بينة من أمرها، فقد جاء بخطابه التاريخي بجامعة القرويين سنة : 1943 : "وهناك أمر آخر نهتم به كل الاهتمام، وهو تعليم بناتنا وتثقيفهن، لينشأن على سنن الهدى، ويهذبن بما ينبغي، حتى يتصفن بما يتعين أن تتصف به المرأة المسلمة، حتى تكون على بينة من الواجب عليها لله، ولزوجها، وبينها، وبيتها، فلا يدرك ذلك بالإهمال، ولا يحصل عليه بمجرد الاتكال . . . ".
وقد كان هذا الخطاب السامي صيحة مدوية، اهتز لها المغرب من أقصاه إلى أقصاه، ملبيا نداء عاهلة المفدى، كما كان – بحق – الشرارة التي آذنت بانبعاث جديد، سينجرف – ولا شك – بتياره القوي سدود التقاليد البالية، ويحطم بأنواره الكاشفة، معاقل الخرافات والأوهام التي رانت طويلا على العقول، وخيمت لعدة عقود على الأفئدة، وفعلا، فقد أخذنا نلمس أثر العرفة في حياتنا الاجتماعية واضحا ملموسا، وما كان ليتسنى لنا شيء من ذلك لو لمتخرج الفتاة من عزلتها، ممزقة نقاب الجهل، بفضل توجيهات المصلح الرائد، وتوجيهاته الثمينة ما فتئ – ولم يفتأ – جلالته – رضوان الله عليه – يوجهها إلى شعبه في مختلف المناسبات، وخاصة في المناسبات الوطنية، حتى إن المتصفح لخطب العرش ليجدها ملاى بمثل هذه الحكم الغر المحجلات التي لا تنبع إلا من فكر إصلاحي جبار، ولا تخطر إلا للعباقر الملهمين، الذين تعرفوا على مواطن الداء في أممهم، فاهتدوا إلى تقديم ناجع العلاج لها.
 ذلكم جانب مشرق من عبقرية المغفور له، محمد الخامس الاجتماعية، أما عن عبقريته في المجال السياسي، فغير ميسور أن يلم بها الباحث ففي بضع صفحات، بل أن يركزها في سطور معدودة، فقد نشأ جلالته على حب التضحية والهيام بالكفاح، ولا غرو في ذلك – والشبل ابن الأسد كما يقال – فقد عرف البيت العلوي المجيد بجهاده الدائم، وكفاحه المتواصل، ونضاله المستمر المستميت في دفع العدوان عن هذه البلاد، والوقوف في وجه خصومها والمتربصين بها، وصد البغاة والطامعين عن النيل من كرامتها، والمساس بوحدتها . . !
 فقد تسلم – أمطر الله عليه شآبيب رحماته – مقاليد الحكم، والمجتمع المغربي يئن تحت وطأة الاستعمار البغيض، والشعب قد أوشك لطول ما عانى من المحن والشدائد، ولكثرة ما تجرع من الغصص والأوصاب، أن يستسلم للأمر المر الواقع،فيسمح لكرامته أن تهان، ولحرمته أن تداس . . ! لكن رويدك أيها الشامت ! فإن عناية الله ما كانت لتتخلى عن هذا الشعب المؤمن، حتى في أحرج لحظاته وأشدها حلكا . . !
 إن طريق الخلاص صعب وشائك، وإن العلاج يتطلب مهارة كاملة، وحذاقة بارعة، غير أن ذوي الهمم القعاء، والإرادات القوية، والعزائم الفولاذية، مثل ذلك الملك الراحل – رضي الله عنه –لا يفت في أعضادهم أي صعب مهما بلغ من الشدة والصلابة، ولا تصدهم المخاطر مهما كان نوعها ومصدرها، عن تنفيذ مخططاتهم وتحقيق مطامحهم . ! فقد وضع أبو الأمة لتحرير البلاد خطة محكمة متينة، ثم أخذ يجس نبض الشعب ويرقب حركته عن كثب، إلى أن وثق بأن الأمة قد سئمت – بحق – حياة الرق والعبودية، وأنها أمست – يصدق – تتوق إلى حياة الانعتاق الحرية، مستعدة لبذل مهجها وأواحها، وكل ما يعز عليها في هذا المضمار، مصممة العزم على انتزاع حريتها، واسترداد كرامتها، مهما كان الثمن، ومهما كلفها ذلك من جسيم التضحيات . . !
 فلقد سائد رائد التحرير في أول الأمر حركة التحرير من بعيد، وناصرها بكل الوسائل المادية والمعنوية ردحا من الزمن، فلما خبرها وعرف صدق كفاحها، دخلت هذه المساندة طورا جديدا، بحيث تخطت دور المساندة السرية إلى دور قيادة الحركة التحريرية، وإعلان تبنيها، والوقوف إلى جانبها في السراء والضراء، وكانت بداية هذا الطور مقترنة بالوثبة العارمة التي هبت فيها الأمة المغربية – بوحي من قائدها الملهم – عن بكرة أبيها، متضامنة متكاتفة، تطالب باسترجاع حقوقها المغتصبة، وجعل حد للتسلط الاستعماري،والهيمنة الأجنبية عليها . . ! مضمنة مطالبها العادلة وثيقة المطالبة بالاستقلال، المؤرخة بـ : 11 يناير 1944، تلك الوثيقة التي نزلت كالصاعقة على دهاقنة الاستعمار وأساطينه، وجعلتهم يرعدون ويبرقون ويهددون ويتوعدون، خاصة بعد أن تأكدوا أن حامي الحمى كان على علم تام بتلك المطالب، وأن بنودها قد حررت بوحي من تعليماته وتوجيهاته . ! وهكذا نزل القائد الرائد إلى ميدان المعركة، يخوض معترك الكفاح السياسي، معلنا في غير لبس ولا مواربة، تضامنه مع شعبه الوفي، غير مبال بما يمكن أن يتعرض له من مفاجآت وأهوال، ولا مكترث بما عساه بترتب عن موقفه هذا من أخطار، ربما زعزعت أركان عرشه، وجعلت نقمة المستعمر تحتد وتشتط في حقه، وقد أعرب الشعب من جهته أنه وفي لقائده إلى أبعد حدود الوفاء، مخلص لرائده في السر والعلن، مجند وراء جلالته في الشدة والرخاء . ! بحيث جعل ينظر إلى جلالته على أنه زعيم حركة التحرير، وبطل المقاومة والنضال، والرمز المجسد للسيادة والعزة والكرامة . . !
ففي سنة 1947 لم تكن الرحلة الملكية لطنجة إلا حركة سياسية بحتة، إذا كان مقصد جلالته الأهم منها وهدفه البعيد من ورائها، هو تعريف الدول الأجنبية بحالة بلاده، وفضح مساوئ الاستعمار ومخازيه، ولذلك، فقد أثارت خطب جلالته وتصريحاته – إذ ذاك – ضجة عالمية، ودويا دوليا، رددت صداه أنحاء المعمور، واحتل الصدارة من كبريات الصحف، وتناقلته أمواج الإذاعات المسموعة في إعجاب واندهاش . . بينما ثارت ثائرة رجال الإقامة العامة، وأصيبوا بخيبة أمل كبيرة. ! إذ لم يكونوا يتوقعون ولا جزاء من ذلك النجاح الباهر الذي واكب هذه الرحلة الميمونة، كما لم يكونوا يتوقعون أن القائد الملهم سيغتنم فرصة زيارته لطنجة للتشهير بالحماية، ورفع صوته عاليا من فوق منبر مسجدها الأعظم مطالبا بإخلاء الدار لمالكيها، وإرجاع الحق إلى أصحابه الشرعيين . . !
وهذه فقرات من خطاب جلالته بأرض المجاز، تعرب بنفسها عن مدى اهتمامه بالقضية المغربية، وتفصح عن سر تلكم الضجة العالمية التي أثارها ذلكم الخطاب السامي، وتعفينا – بالتالي – من البحث عن مختلف ردود الفعل التي أحدثها في الدوائر الاستعمارية، قال رضوان الله عليه : " . . . إذا كان ضياع الحق في سكوت أهله عنه، فما ضاع حق وراءه طالب، إن حق الأمة المغربية لا يضيع، ولن يضيع، فنحن – بعون الله وفضله – على حفظ كيان البلاد ساهرون، ولضمان مستقبلها الزاهر الماجد عاملون، ولتحقيق تلك (الأمنية) التي تنعش قلب كل مغربي سائرون . . . !".
" . . . جئنا نتفقد شؤون طنجة نفقد الأب الحنون، الذي يشعر بكل ما عليه من الواجبات، المستعد للقيام بتنجيزها، ليريح ضميره، ويرضي ربه، وينهض ببلاده نهضة تسترد ما لها من مجد، وما يجب أن تطمح إليه من استرداد حقوق، وسعي إلى تقدم يجعل المغرب برمته في صف الدول المتحررة، وننتظر أن يقع في القريب، ذلك الاجتماع الذي سينعقد للنظر في شؤون طنجة، راجين أن يسمع فيه صوت المغرب ليتوصل إلى ما يأمله من حقوق".
تلكم كانت الصيحة المدوية التي أفزعت دهاقنة الاستعمارية وزبانيته، ولكن :
لقد أسمعت لو ناديت حيا
              ولكن لا حياة لمن  تنادي
ولذلك، فقد جاءت رحلة جلالته إلى باريس في خامس أكتوبر من سنة 1950 تتويجا وتتميما لزيارة عروس البوغاز، فقد كان الهدف من هذه الزيارة الباريسية هو التعريف – أيضا – بالحقوق المغربية المشروعة، لكن في نطاق أوسع وأشمل، إذا دخلت القضية المغربية بعدها في مرحلة جديدة، يمكن اعتبارها مرحلة المواجهة الصريحة، فلنستمع إلى  جلالته – طيب الله ثراه – وهو يتحدث إلى شعبه عن المطالب المشروعة التي تقدم بها للمسؤولين بفرنسا : " . . . لقد عرضنا مطالبنا على من يهمهم الأمر من رجال الدولة الفرنسية، بالكتابة والقول، وأضفينا عليها حلة الوضوح والبيان، وذلك بأن رغبتا في أن تبنى علاقات المغرب بفرنسا على أسس جديدة، وأن يقع الاتفاق بيننا وبينها على الغاية من تلك العلاقات، وعلى أسباب الوصول إليها بمعونتها، عرضنا هذا المطلب في دائرة الود والصداقة، وما زلنا نؤمل بأنه سيظفر في مستقبل الأيام بالآذان الصاغية، والقبول الجميل، ونحن عازمون – بحول الله – على مواصلة السعي وموالاة الجهود، للحصول على الأمنية، والظفر بالمرغوب".
وما كانت هذه المطالب التي تقدم بها الرائد الطيب الذكر عليه الرحمات، للمسؤولين بفرنسا إلا تهيئ الجو الملائم لعودة المغرب إلى حياة الحرية والاستقلال، بعد إحلال الديمقراطية والشورى، حيث تكون على أساسها حكومة وطنية منتجة من طرف الشعب، تتولى المفاوضة مع الفرنسيين، فيما من شأنه أن يعود على الوطن بالنفع العميم، كما أفصح عن ذلك البلاغ الملكي الذي شر عقب الرحلة، غير أن إدارة الحماية – كعادتها – أصمت آذانها عن سماع كلمة الحق، وصممت العزم على المراوغة والتسويف، ضانة أنها بذلك ستكسب الوقت، وتسكت صوت الحق بالوعود الخلابة . . ! مما حدا بالقائد المناضل إلى رفع عدة مذكرات أخرى، إلى الحكومة الفرنسية، يطالب في جميعها بإنجاز الوعود، وتحقيق الأماني، لأنه لم يبق وقت لإضاعة العمل كما قال جلالته.
 لكن المستعمرين لم يرقهم شيء من هذا، ولم يعودوا مرتاحين من تحركات القصر الملكي، وتحفز أسده الضرغام للوثوب . ! فبدلا من يستمعوا إلى صوت الحق فيلبوا نداء القائد الرائد، ويستجيبوا لرغباته التي تجسم أماني أمته وطموحها إلى حياة العزة والكرامة، أخذوا يسلكون مع الشعب مسلكا إنسانيا، من كم الأفواه، وخنق الأصوات الحرة، ومطاردة المخلصين . ! حتى امتلأت السجون والمنافي بالمضطهدين، وغصت الصحاري بالأوفياء الأبرياء من خيرة أبناء الأمة وقادتها . ! بيد أن الوعي الوطني لم يزدد أمام الضغط والقمع والإرهاب إلا انتشارا واضطراما، إلى إن كانت الجريمة الاستعمارية المنكرة المتمثلة في تطاول أيدي الفرنسيين إلى المساس برمز السيادة المغربية وعنوان مجدها وكرامتها، حيث تم نفي الأسد الهصور محمد الخامس – رضوان الله عليه – صحبة أفراد عائلته في 20 غشت 1953 وتنصيب الدمية المسبخة "ابن عرفة" مكانه، رمزا للخيانة والمروق، لكن كم من نقمة في طيها نعمة، فقد فجر هذا الحادث سخط الشعب المغربي، حيث أعلنها صرخة مدوية في وجه المستعمرين وأذنابهم، مستعملا جميع الوسائل للتعبير عن تضامنه مع رمز سيادته، ووقوفه إلى جانبه، مهما كانت الظروف، مما جعل الفرنسيين تحت ضغط الإرادة الشعبية يعجلون بعودة الأسد إلى عرينه، حيث توجت جهود العرش والشعب برجوع مولانا الملك الراحل إلى عرشه معززا ظافرا، وإعلان وثيقة الاستقلال في ثالث مارس 1956. وهو اليوم الذي اختاره جلالة الحسن الثاني للاحتفال بعيد جلوس جلالته على عرش أسلافه المنعمين الطاهرين، فبارك الله في عمر جلالته، ووفقه لكل خير، وهدى به الأمة إلى سواء السبيل، وأسبغ غليه حلل العافية والهناء حتى يحقق لشعبه المزيد من المنجزات والمشاريع.
 وسيأتي – ولا شك – يوم يقال فيه : إن محمدا الخامس أسس وشيد، وخلف وخلد . . ولكن لسان الحقيقة سيقول يومذاك : إن جلالته بعث مجتمعا، وأحيا شعبا، وحرر أمة، وخلق دولة، وهذا سر عبقريته . . .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here