islamaumaroc

سياسة التعليم في عهد المولى عبد الرحمان بن هشام

  دعوة الحق

211 العدد

الشعور بالمسؤولية أهم ما يميز شخصية اللامعين في تاريخ العالم أجمع، فليس هناك من خلدهم التاريخ وهم فاقدون لهذا الشعور الدقيق الذي يحدد مواقفهم ويبرز أعمالهم سواء بالنسبة إلى استغلال مواهبهم الذاتية في إصلاح أنفسهم أو استغلالها في إصلاح الآخرين.
إن الإنسان الحق هو الذي يستطيع أن يعرف حقيقة وجوده، وأن يعمل من أجل المصلحة العامة على قدر طاقته، ولهذا نرى أن جسامة المسؤولية تختلف باختلاف وضعية الفرد في المجتمع، فليس هناك أحد يعفى من العمل الإيجابي البناء الذي تستفيد منه الجماعة.
 من هذا المنظور السليم انطلق المولى عبد الرحمن بن هشام عند اعتلائه عرش المغرب إلى التفكير العملي في دراسة الوضع المغربي وإلى البحث عن الوسائل الكفيلة لحفظ كيان الدولة وحفظ هيبتها في الإطار الدولي العام.
لقد تيقن المولى عبد الرحمن أن بعض الدول الأوربية كانت تسعى في أضعاف شوكة المغرب وفي العمل على خلق الاضطرابات به، كما تبين له أن فرنسا بعد احتلالها للجزائر كانت تعمل ما في مستطاعها للتوسع، وأنها تنوي ضم المغرب إلى مستعمراتها وإخضاعه إلى حكمها.
وتجلت هذه الحقيقة واضحة حينما رأى تحرشات الجيش الفرنسي، خصوصا بعد وقعة إيسلي التي انهزم فيها المغرب، تلك الوقعة التي كانت ناتجة عن كون المولى عبد الرحمن أراد مؤازرة الثورة الجزائرية وإعانة الأمير عبد القادر، فإذا بها أسفرت عن كون الجيش المغربي لم يكن بقادر على مواجهة الجيش الفرنسي المزود بأحدث الأسلحة وأقوى المعدات.
وهنا جاء دور المسؤولية بكل جسامتها، تلك المسؤولية التي دفعته إلى البحث عن أسباب الهزيمة. فهل هي راجعة إلى ضعف روح المقاومة في الجيش المغربي أو هي راجعة إلى ضعف وسائل المقاومة وإلى الجهل الأساسي بأصول الدفاع وبقوانين العلوم التقنية والهندسية التي ظهر تفوق الجيش الفرنسي فيها آنذاك.
الظاهر إن تعليل الهزيمة بضعف روح المقاومة لا يمكن أن يقول به أي دارس لهاته الحقيقة من تاريخ المغرب نظرا لما كان عليه المواطنون من قوة الإيمان ومن ارتفاع الروح المعنوية الدالة على كرامة النفس وعلى الاعتزاز بالقيم المثلى.
فلم يبق إذن ألا البحث عن أسباب أخرى خارجة عن إطار القوة الروحية المتمثلة في الجيش المغربي وفي سائر المواطنين.
وهنا تجلت عبقرية المولى عبد الرحمن حيث فكر تفكيرا جذريا في البحث عن الوسائل الكفيلة بحفظ الكيان الوطني سواء من حيث تنظيم الجيش وإعداد أطره أو من حيث توجيه سياسة التعليم توجيها يتلاءم مع حاجيات البلاد بل حاول فيما حاول أن يربط التعليم بالإطار التقني ليتسنى للمغاربة أن يستفيدوا من التطور العالمي آنذاك وليتسنى للمشرفين على الجيش أن يستمدوا من المعرفة العلمية العامة ما يساعدهم على تكوين أطره وتكوين معداته.
ومن هنا يظهر أن سبب الهزيمة قد أصبح واضحا متجليا عند المولى عبد الرحمن، فهو قد ربطه ربطا دقيقا بالمنهاج التعليمي في البلاد، بحيث لا يتحقق أي نجاح في الإطار السياسي والاقتصادي والعسكري إلا بوضع منهاج تعليمي دقيق مدروس دراسة منهجية هادفة عاملة على إعداد المواطن إعدادا كفيلا بأن يجعله قادرا على تحمل المسؤولية على أحسن وجه.

إن إصلاح التعليم يقتضي أمرين :
أولا : إعداد المضمون السليم وتحديد العلوم التي يجب الاعتناء بها والعمل على إشعاعها.
ثانيا : الاهتمام بطرق التدريس والبحث عن أقرب السبل إلى التبليغ والإفادة.
أما فيما يتعلق بالأمر الأول فقد رأى ضرورة عدم الاقتصار على العلوم التقليدية سواء كانت متصلة بالإطار الأدبي أو الإطار الديني، ولاحظ أن الاهتمام بالعلوم العصرية بعد من آكد الواجبات، خصوصا فيما يتعلق منها بالفلك وعلوم الطبيعة والعلوم الرياضية والهندسية وما يتصل بذلك من العلوم الصناعية المساعدة على تقوية المجال العملي في مراقبة الأسلحة واستغلال الموارد الطبيعية في البلاد.
أما فيما يتعلق بالأمر الثاني فقد حدد سبل التعليم وبين الطرائق الكفيلة بتحقيق الغاية منه وأعطى أوامره السامية في هذا المجال لجميع المدرسين بجد وليقدموا معلوماتهم وفق خطة سليمة تحرص على استغلال مواهب الطلبة وتبعدهم عن التعقيد وتعمل على خلق ملكة علمية قادرة على إدراك ما هو موجود في صورته البسيطة دون ركون إلى إشكالات لفظية أو خلافات سطحية لا قيمة لها في جوهر العلم وحقيقة المعرفة 1.
إن إصلاح مناهج التعليم وإصلاح الطرائق التعليمية لمن أكد الواجبات التي رأى المولى عبد الرحمن ضرورة تحقيقها وإتباعها أثناء تربعه على عرشه لينقذ البلاد من التردي الذي يمكن أن تقع فيه.
وتحقيق ذلك ليس بالسهل اليسير، إذ لا بد فيه من معاناة ومن إعداد معنوي يجعل المواطنين مقبلين على الاتجاهات الإصلاحية بشوق راغبين فيها دون أن تكون هناك حواجز نفسية أو عوائق ذاتية خصوصا إذا كان الأمر يتعلق بإعدادهم للتفتح على اللغات الأجنبية أو للإطلاع على العلوم التي لم تكن متداولة في البلاد آنذاك بكثرة كالعلوم الطبيعية والعلوم الهندسية التي صار يومن إيمانا مطلقا بضرورة وجودها لحماية البلاد ولإعداد الأطر القوية القادرة على تحمل المسؤولية في توجيه الجيش نحو النصر والظفر.
ولهذا رأى أن المساهمة في هذا الإصلاح لا تكفي فيها الأقوال ولا تنفع فيها التوجيهات السلبية، إذ لا بد من تنفيذ عملي يتولاه رئيس الدولة قبل أن يتولاه باقي أفراد الشعب، لذلك آثر أن يوجه عنايته إلى إيجاد بعض المجالس العلمية الخاصة بتدريس العلوم الرياضية والفلكية أو المهتمة بتدريس بعض اللغات الأجنبية، وجعل من بين الذين يتلقون هاته العلوم ولي عهده سيدي محمد الذي كان يمتاز بالذكاء الحاد وبالموهبة الصقيلة وبالقدرة على التلقي وباستيعاب مضمون هاته العلوم، كما كان يمتاز بالاستعداد الكامل لدراسة لغة أجنبية تعينه على الإطلاع على ما في كتب الأوربيين وعلى الاستفادة من التطور العلمي آنذاك.
كان ولي العهد هذا يتلقى هذه العلوم بمدينة مراكش وفي الوقت ذاته كانت هناك مجموعات أخرى بمدينة فاس ومكناس وطنجة وتطوان تجتهد في التلقي تحت رعاية الملك وبأمر منه 2.
ويحتفظ لنا التاريخ المغربي بظاهرتين عظيمتين تتصلان بأثر هاته العناية في توجيه الرأي العام نحو هذه العلوم.
الظاهرة الأولى تتعلق باهتمام الرسمي الذي أولاه المولى عبد الرحمن لولده حينما ختم كتاب إقليدش بمدينة مراكش.
الظاهرة الثانية تتعلق بتأسيس مدرية هندسية بمدينة فاس كان لها دور كبير في إعداد المواطنين إلى تفهم الوضع الحاضر وإلى إشعارهم بالقيمة الضرورية لهذه العلوم في المجال التثقيفي العام.
فبالنسبة للظاهرة الأولى يمكننا أن نقول : "إن توجيه التعليم نحو خطة جديدة في منهجه أو في تغيير طرائقه لما يحتاج إلى التوعية الوطنية الشاملة التي ينبغي لها أن تخلق استعدادا عند المواطن ليتفهم صلاحية هذا التوجيه أو صلاحية هذه الطرائق. وهذا أمر لا يتأتى إلا بنثر دعاية كافية لبلورة الاتجاه الجديد ولإبراز عناصره، وبتوقف على المجهود الذي يبذله المكلفون بوسائل هاته الدعاية، خصوصا إذا كانوا يستطيعون إشعار الرأي العام عن طريق التذوق الأدبي والفني والديني ومن تم يصبح الأدب في خدمة العلم ويصير الفن هادفا إلى رفع مستوى المواطن المغربي، ولا أدل على ذلك من الحفل العظيم الذي أقيم للمولى محمد بن عبد الرحمن حين ختمه لكتاب إقليدش في الهندسة فقد كانت العادة السائدة في البلاد أن تقام الحفلات لختم بعض كتب الحديث أو لختم القرءان. أما أن تقام الحفلات لختم كتاب علمي محض فليس ذلك مما كانوا يعهدون.
فالاحتفال إذن بختم كتاب إقليدش إنما هو إشعار بأن العناية بالعلم يجب أن تكون عناية شاملة ولا شك أن الرأي العام سيسأل حينذاك عن هذا الكتاب الذي أقيمت من أجله الحفلات وسيستفسر عن قيمته العلمية وعن أثره في التعليم المغربي.
وقد يكون هذا الاحتفال من أسباب التحدث عن قيمة العلوم الرياضية والهندسية في المجال التقني والعسكري، ومن المشجعات الرئيسية على تلقين هذه العلوم في مختلف المدن خصوصا بعد ما هيأ المولى عبد الرحمن الفرصة للمواطنين ومكنهم من وسائل التعليم النافع.
إن هذا الاحتفاء بكتاب يتعلق بالهندسة سيجعل المغاربة يفكرون من جديد في قيمة هذا العلم، وسيدفعهم إلى استرجاع تاريخهم أيام ازدهارهم الفكري، فهم الذين كانت الاهتمامات العلمية أساسية في سياسة تعليمهم أيام المرابطين والموحدين والمرينيين، فلماذا لا يحبون هذا الماضي ولا يعيدون خصائصه بكل أبعاده ؟
ألم يكونوا يعلمون أن الهندسة علم لا يمكن الاستغناء عنه ؟ يقل ابن خلدون في مقدمته : أعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله واستقامة في فكره، لأن براهينها كلها بينة الانتظام، جليلة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل اقيستها لترتيبها وانتظامها، فيبعد الفكر بممارستها عن الخطأ وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهيع، وقد وعموا أنه مكتوبا على باب أفلاطون من لم يكن مهندسا فلا يدخلن منزلنا". قال ابن خلدون : "وكان شيوخنا رحمهم الله يقولون ممارسة  علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار ويشفيه من الأوضاع والأدران، وإنما ذلك لما أشرنا إليه من ترتيبه وانتظامه".
ولا ريب أن ابن خلدون إنما كان يصور حقيقة هذا العلم ويبين فضله كما يراه هو وشيوخه وكما هو الحال بالنسبة إلى أيام ازدهار الحضارة المغربية التي كانت لها عناية بالهندسة المعمارية والهندسة الميكانيكية.
ولقد تعرض ابن خلدون في مقدمته إلى كتاب إقليدس وإلى شروحه، وذكر من ذلك الشرح المعروف بتحرير أصول الهندسة والحساب لنصر الدين الطوسي المتوفى سنة 672 هـ.
فكتاب إقليدش إذن ليس غريبا على المغاربة وإن الاحتفاء به في عهد المولى عبد الرحمن إنما هو مظهر من مظاهر الاعتزاز بالعلم وتذكرة عملية المغاربة بتاريخهم وإشعارهم بأن الإصلاح التعليمي ليس شيئا غريبا عن طبيعتهم، فهم كانوا سباقين للمعرفة وإن ركودهم في حقبة من الحقب ليس معناه القضاء عليهم إلى الأبد، فانتفاضة منهم ستعيد مجدهم وستفتح لهم آفاق الحياة الكريمة من جديد.
وإن الإقبال عليه من ولي العهد لرمز حقيقي، يدل على أن النهضة العلمية لها رائد. لذلك سنجد الشعراء يبينون هذه الحقيقة في قصائدهم ويرددون أصداءها فيما ينشدون، سواء في الشعر الشعبي المعروف بالملحون أو في الشعر الفصيح.
ومن القصائد التي احتفظ بها التاريخ لأمية أنشدها الشاعر السيد التهامي المدغري تحدث فيها عن الهندسة وعن الذكاء الذي يتجلى به المولى محمد ابن عبد الرحمن، وكان حينذاك خليفة لوالده.
قال في هذه القصيدة : 3
برزت على قدر لنا أشكالها
            من صدرها في طيها أشكالها
وحكت مقالتها المقادر بعد ما
            صحت نتائجها وصح مقالها
أشكالها تحكي قبات محلة
            تحت الخليفة خيلها ورجالها
أو خلتها شجرا صغيرا مثمرا
            فاجن الثمار ولو بدت غذالها
أو خلتها خيلا بدت عربية
            برباط قبل العدا أبطالها
ما شئت من قوس رنت أوتارها
            ترمي البغاة سهامها ونضالها
رنت وأنت في فنا أقطارها
            وحمت مناشرها الحمى ونضالها
لكنها قد خيمت لمعاقل
            صفت بمشكلها فعز وصالها
 واستوطنت فنن الحبال صعابها
            فعلت بها بين الجبال جبالها
 ورقت مفاخر مجدها في منعة
            فتكبرت وتجبرت إقبالها
ظنت بأن الجو خال من مدى 
            ظفر البزاة فلا تطيش نبالها
 فعلت معاقلها الرجال وفلها
            سيف الحجا فتمزقت أوصالها
 بل لو رأت ليث الكتائب خلفها
            ضاقت مذاهبها وضاق مجالها
أو لو رأته لدرسها متهيئا 
            خضعت لديه سهولها ورمالها
ففي هذا الجزء من القصيدة نرى الشاعر يصور لنا حصافة رأي الخليفة وقوة ذكائه ويحاول أن يجعل تشبيهاته مطابقة لمقتضى الحال، فالإشكال الهندسية كأنها القباب التي يسكنها الجيش الخاضع للخليفة بخيله ورجاله المطيع له المنقاد لإرادته، فكما أن ذلك الجيش يستجيب له إذا احتاجه فكذلك هذه الرموز الهندسية تستجيب له وتطبعه وتكشف له عن خباياها فتنقاد له وتمكنه من ناصيتها، بل أن
هذه الرموز المستعصية على غيره هي بالنسبة إليه كأنها ثمار شجر صغير لا يتعب من يجنيها ويقطفها، فليقبل عليها ولا يبال بالذين يلومونه في ذلك، فهم متخلفون غير عارفين بحقيقة جدوى هذا العلم المفيد، ولهذا يقول له :
      فاجن الثمار ولو بدت عذالها
ثم إن الشاعر انتقل إلى تصوير عجيب ذكر فيه أن الهندسة بأشكالها إذا ظنت بأنها محصنة لا يستطيع أحد أن يصل إليها وإذا اعتبرت نفسها جيشا في فنن الجبال لا يقدر عليه أحد فهي قد أخطأت التقدير ذلك أن الخليفة بما وهبه الله من قوة عقلية استطاع أن يغزوها بسيف حجاه وأن يتغلب عليها وأن يمزق أوصالها وأن يجعلها خاضة له منقادة لحكمه 4.
 وانتقل بعد ذلك إلى ذكر فضل الخليفة وإلى أثره الفعال في انتشار الهندسة في الربوع المغربية فقال :
 لولا الخليفة بثها في أرضنا
               غربت حقيقة شمسها وخيالها
 لولا الخليفة معرقا في فنها
               محيت معالمها وقد شكالهــــا
 واستمر على هذا الشكل في أبيات  عديدة كلها تبين مدى الفعالية التي كانت لهذا الخليفة في انتشارها وذيوعها.
 والواقع إن عناية الخليفة إنما هي من عناية والده الذي كان يسعى بجد إلى تغيير الوضع وإلى إقرار المبادئ العلمية السامية وإلى السعي من أجل انتشار الأصول الرياضية والهندسية في مملكته ليستطيع بذلك تحسين وضع جيشه وتجديد وسائل دفاعه.
 وهنا يمكننا أن ننتقل إلى الظاهر الثانية المتعلقة بتأسيس مدرسة المهندسين بفاس.
 لم تكن هاته المدرسة على شاكلة المدارس العلمية التي كانت تتولى تدريس المواد العلمية على عهد المولى عبد الرحمن، بل تعد من أكثر المدارس ارتباطا بالمنهاج العلمي، ومن أقربها إلى توسيع مدارك العلوم الرياضية والهندسة وما يتصل بها من دروس الهيئة والتنجيم والموسيقى.
 ومما تمتاز به حرصها على الاستفادة من معطيات العصر في هذا الميدان، خصوصا بالنسبة إلى المنهاج الفرنسي في هذا الباب، ويتجلى ذلك في الاهتمام الذي أولاه المولى محمد بن عبد الرحمن لترجمة بعض الكتب العلمية الفرنسية بمساعدة بعض العلماء الذين لهم خبرة في هذا الشأن، ومن أهم هاته المترجمات الكتاب الكبير الذي ألفه العالم جوزيف جيروم لالاند في علم الفلك الحديث.
 والمولى عبد الرحمن بطبيعة الحال كان قد أعد العدة لهاته المدرسة وعمل على تكوين أطر داخلية قبل تأسيسها ولعل تلك المدارس السابقة إنما كانت أعدادا عمليا لتكوين هاته الأطر، ويكفينا دليلا على ذلك أن المولى محمد بن عبد الرحمن قد أصبح أستاذا بها بعد أن استوعب العلوم وبعد أن درسها على جلة من العلماء الذين لهم خبرة دقيقة بها سواء بالنسبة إلى اتجاهاتها القديمة أو إلى اتجاهاتها الحديثة.
 ومما يجب أن نشير إليه وأن نهتم به في هذا الموضوع ذكر الفكرة الأساسية التي ينطلق منها البحث العلمي في هذه الحقبة، فهي ترى أن التقليد المحض لا يجدي، إذ لا بد من العناية بالتطورات العلمية وبالارتقاءات الفكرية، وهذا من شأنه عدم الاقتصار على ما ألفه السابقون، إذ لا بد من تطعيمه بما ألفه المحدثون، وتتجلى هذه الحقيقة في المقدمة التي كتبها المولى محمد بن عبد الرحمن حول كتاب لالاند، فقال قال :
 "إنني لما نظرت في هذه العلوم الرياضية – التي منها الحساب والهيئة والهندسة – وهي إبراز الحساب من الكم إلى الكيف وإبراز الهيئة من القوة إلى الفعل، وغايتها المجطي – وجدت الوقوف على كنه التحقيق المحض منها لا يكون بمجرد التقليد فيها".
 والغالب أن هذه النظرة قد عمت مختلف المؤلفات المدروسة، فلم يقتصر فيها الأساتذة على المدلولات القديمة، بل أضافوا إليها ما توصل إليه العلم في عصرهم.
 فالتقليد إذن لم يكن أساسا تعليميا ولكنه كان منطلقا للتعليم. والغالب إن كتاب إقليدش، وهو من أهم الكتب المقررة في هذه المدرسة، كان يشرح على هذا الأساس التطوري الذي يقتبس من الإبداع العلمي ما يضفي عليه صورة من التجديد في الشرح والتحليل.
 ومن الأساتذة الذين كان لهم ولوع بشرح هذا الكتاب في المدرسة الهندسية السيد أبو العباس أحمد بن الأمين الوداني الذي كان يدرس هذه المادة بمراكش قبل انتقاله إلى مدينة فاس 5.
 ومنهم على ما يظهر الضابط الفرنسي المهندس الذي أسلم في عهد المولى عبد الرحمن فتسمى باسمه تبركا، وصار يعرف عند المغاربة بعبد ارحمن العلج.
 إن عبد الرحمن العلج هذا كان ذا خبرة هندسية وكانت له معرفة بالهندسة المعمارية فاستفاد منه المغرب في بناء كثير من القناطر وفي تحويل بعض مجاري المياه وفي صنع كثير من الساعات الشمسية.
 يقول عنه ابن إبراهيم في ترجمته 6 :
 "أصله من فرنسا، ثم هداه الله للإسلام، وورد على مولانا عبد الرحمن فأسلم وحسن إسلامه، وكان لا يفارقه سفرا وحضرا، وبث في رجال الإسلام علوم الحكمة الرياضية والحربية الوقتية. وأخذ عنه جماعة بمراكش وفاس وغيرهما، منهم مولاي أحمد الصويري وسيدي إدريس البلغيثي آخر المحققين المضطلعين بعلوم التعاليم".
 فمن خلال هذا النص نرى أن عبد الرحمن العلج كان سباقا إلى توجيه المغاربة إلى الاستفادة من العلوم الرياضية وأنه كان استنادا يتلقى عنه المتعلمون بمراكش وفاس وغيرهما من المدن.
 ولعل وجوده بالمغرب هو الذي أعان على توجيه التعليم في تلك الحقبة تتأثر بالاتجاه الفرنسي فكان ذلك سببا من أسباب انتشار كتاب لالاند، من أسباب الدعوة إلى ترجمته.
 لقد أصبحت مدرسة المهندسين بفاس  - بسبب أطرها القوية – ذات أثر في تكوين العلماء المغاربة وفي نشر الوعي الكافي بين المواطنين الذين صاروا يومنون بقيمة العلم وبمدى فعاليته في تقدم الأمم.
 وصارت تطلعات المولى عبد الرحمن شعارا يحمله ولي عهده وحفيده من بعده، لذلك كثرت في عهدهما البعثات العلمية التي أرسلت إلى أوربا وإلى مصر للتخصص في المجالات العلمية المختلفة.
 وكادت هاته البعثات تؤتي أكلها لولا وجود  بعض الدسائس التي حالت بينها وبين تخفيف ما تريد.
 إن تطلعات المولى عبد الرحمن إلى الإصلاح التعليمي تعتبر مرحلة من مراحل التقدم الذي كان يطمح المغاربة فيه وهي إلى الآن ما زالت صالحة للتأمل في أبعادها وقابلة التطبيق في جوهرها ومعناها. فليس هنا من المغاربة الآن من لا يرغب في أن يكون التعليم المغربي في مستوى التعليم العالمي، ولهذا نرى جميع الهيآت متحدة في هذا المبدأ ومتفقة على أن يكون التعليم في بلادنا هادفا إلى رفع المستوى الاقتصادي والاجتماعي وأن يكون قادرا على تحقيق كياننا في الميدان العسكري والميدان التقني وأن تكون الهيمنة الأخلاقية سائدة على مناحيه المختلفة ليكون تعليما علميا في مادياته إنسانيا في تربيته الوطنية والدينية.
فلنجعل إذن مناسبة الاحتفال بعيد العرش دعوة جديدة إلى تحقيق هذا الإصلاح الذي تزدوج فيه التربية مع العلم ليكون العلم طريقا إلى إثبات وجودنا المادي ولتكون التربية الصالحة سبيلا إلى إثبات وجودنا الإنساني.
وأنا إن شاء الله لفاعلون.
      
1 يوجد في هذا الموضوع ظهير جليل يدل على مدى العناية التي وجهها المولى عبد الرحمن لإصلاح التعليم، وهو مطبوع بكتاب الدرر الفاخرة لابن زيدان صفحة 79.
2  أقرأ هذا الموضوع مفصلا بكتاب مظاهر المغرب الحديث للأستاذ محمد المنوني، الجزء الأول صفحة : 98 فما بعد.
3 الإعلام بمن جل مراكش وأغمات من الإعلام، تأليف العباس بن إبراهيم، الجزء الثالث، صفحة 91، المطبعة الملكية بالرباط. 
4  هذا التحليل يوجد ضمن مقال إذعته في الشهر السادس من سنة 1980 على أمواج الإذاعة الوطنية عنوانه الاهتمام بالهندسة في التعليم المغربي. 
5 ذكره المنوني في كتابه : (مظاهر يقظة المغرب الحديث)، الجزء الأول، صفحة 104، وتوجد ترجمته بكتاب الإعلام للعباس بن إبراهيم، الجزء الثاني، صفحة 409، الطبعة الملكية بالرباط.
6 كتاب الإعلام، الجزء اثامن، صفحة 144، نفس الطبعة السابقة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here