islamaumaroc

الوقف في المغرب قديما وحديثا

  دعوة الحق

211 العدد

في نطاق المحاضرات التي تنتدب لها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بين الحين والآخر بعض موظفيها للتعريف بالمنجزات المحققة وشرح الأهداف المتوخاة، قام الأستاذ محمد البهاوي رئيس مصلحة البحث والإحصاء بالوزارة بإلقاء المحاضرة التالية حول (الوقف في المغرب قديما وحديثا) في مدينة سطات. ننشرها تعريفا بنشاط الوزارة وإبرازا لدور الأوقاف في مجتمعنا.

تعريف الوقف :
للوقف معينا اثنان، معنى في اللغة، ومعنى اللغوي، فيعني الحبس، والمنع وجمعه وقوف وهو مصدر وقف فيقال لأنها لغة غير سليمة.
ويطلق المصدر "على اسم المفعول، فيقال هذا الدار "وقف" أي موقوف، وهكذا جمع على "أوقاف" – وأما المعنى الثاني في اصطلاح الفقهاء فهو تحبيس مال وصرف منفعته لجهة بر أو غيرها، ويقع على كل شيء وقفه صاحبه وقفا محرما، لا يورث ولا بوهب ولا يباع، من أرض، وبناء ونخل، وكرم، ومستغل، يحبس أصله وقفا مؤبدا، ويسبل ثمرته تقربا إلى الله عز وجل، لتصرف أما لفائدة فرد أو عدة أفراد أو لمؤسسة دينية أو اجتماعية ينتفع منها عموم المسلمين، فإن كان لفرد أو عدة أفراد فهو الوقف الخاص المعروف في المغرب في المغرب بالوقف العائلي، أو الحبس المعقب، وفي الشرق بالوقف الذري أو وقف الذرية، وإن كان لمؤسسة دينية أو اجتماعية ينتفع منها عموم المسلمين فهو الوقف العام.

الوقف في الكتاب والسنة :
- يمكن اعتبار الوقف مندوبا ومرغبا فيه بنص القرءان في ثلاثة وجوه :
1) الوقف العائلي.
2) الصدقة
3) الإحسان.
ففيما يخص الوجه الأول : يقول الله عز وجل: النبيء أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وأزواجه أمهاتهم، وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله من المؤمنين والمهاجرين إلا أن تفعلوا إلى أوليائكم معروفا، كان ذلك في الكتاب مسطورا" – سورة الأحزاب - .
وفيما يخص الوجه الثاني : يقول جلت عظمته : "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين  والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما" – سورة الأحزاب - .
وبخصوص الوجه الثالث : يقول عز من قائل : "للذين احسنوا الحسنى وزيادة، ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة، أولئك أصحاب الجنة، هم فيها خالدون" – (صدق الله العظيم).
- أما في السنة، فقد روى الإمام مسلم رضي الله عنه في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وذكر حجة الإسلام الإمام أبو حامد الغزالي أن الصدقة الجارية الحديث لا تعني سوى الوقف.
- ومن مأثور أقوال فقيد العروبة والإسلام جلالة محمد الخامس رحمه الله في مخاطبة نظار المملكة قوله :
"فالحبس كما لا يخفى نوع من الصدقة، والصدقة قربى وزلفى من الله تعالى، وهو عمل تعبدي لا يراد به إلا وجه الله سبحانه، يستمر به نفع الناس على توالي الأيام، وتعاقب الأجيال".
الأوقاف في خدمة المجتمع قديما :
أول وقف في الإسلام هو وقف النبي صلى الله عليه وسلم لأراضي مخبريق التي أوصى بها هذا الأخير إليه ليصنع فيها ما أراه الله فجعلها صلى الله عليه وسلم صدقة.
وفي صحيح الإمام البخاري في باب "الوقف كيف يكتب" عن ابن عمر رضي الله عنهما، قال : "أصاب عمر بخيبر أرضا فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : أصبت أرضا لم أصب ما لا قسط أنفس منه فكيف تأمرني به ؟ قال أن شئت حبست أصلها وتصدقت بها، فتصدقت عمر، أنه لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث، في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله والضعيف وابن السبيل"، ونجد عثمان ابن عفان رضي الله عنه يسارع إلى الاستجابة لدعوة رسول الله حينما قال صلى الله عليه وسلم : "من يشتري بئر رومة فيجعلها للمسلمين يضرب بدلوه في دلائهم وله مشرب في الجنة ؟
وبئر رومة كانت بئرا ذات ماء يملكها يهودي يبيع المسلمين ماءها فأتاه عثمان فساومه بها فأبى أن يبيعها كلها، فاشترى عثمان نصفها بإثني عشر ألف درهم فجعله للمسلمين منفقا مع اليهودي على أن يستغل المسلمون البئر يوما ويستغلها اليهودي يوما آخر وهكذا دواليك، ثم بعد مدة جاء اليهودي عند عثمان واقترح عليه شراء النصف الآخر فاشتراه عثمان منه بثمانية لاف درهم وجعل بذلك البئر كلها خاصة للمسلمين.
وهذا أسد الله خالدا بن الوليد يجعل رقيقه وعتاده حبسا في سبيل الله، أي وقفا على المجاهدين وغيرهم، ويقتفي هذا الأثر عدد كثير من الصحابة والتابعين وتابعيهم، بالتحبيس في شتى الأوجه، كالسائل والمحروم، وذي القربى، وفي سبيل الله وابن السبيل، ابتغاء مرضاة رب العالمين، وإحسانا وإسهاما في نفع عامة المسلمين، وتسربت هذه السنة الحسنة، والمأثرة الكريمة المستحسنة، إلى كل الأقطار التي سعدت بالإسلام، ونعمت بإتباع سنة خبر الأنام، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة وأزكى.
ومن ضمن هذه الأقطار، والمشهور منها في الأمصار، المملكة المغربية، التي سارع فيها الخلف، إلى اقتفاء أثر السلف، فبادروا بتشييد بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها إسمه، وسعوا إلى عمارتها بما هي أهله،فتنافسوا في الإكثار من أنواع الوقف،
مما لا يسعه العد ولا الوصف، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.
وهكذا نجد أنهم حبسوا عل أئمة المساجد وخطبائها، وعل المؤذنين، والمنظفين، وقراء القرءان الكريم، ومتبهي المصلين إلى الوضوء وتعديل الصفوف، والمبلغين للدعوة الإسلامية، الشارحين لأسرارها ومراميها، وعلى كراسي العلم الموجود في المساجد، وعلى الراغبين من الطلبة في متابعة صنوف المعرفة في المعاهد، كما حبسوا على روض الأطفال، وعلى المجاهدين في سبيل الله، وعلى ما يكفل افتكاك الأسرى من أيدي الكفار، هذا إلى جانب التحبيس عل المرضى والمختلين عقليا، والمعوزين، وكسوة الهلالين والمؤذنين في فصل الشتاء، وإنارة الدروب والحارات المظلمة، تجنيبا للمارة من آفات الطرق وأخطارها، وعلى العروس الفقيرة لتجهيز نفسها، وعلى قضاء ديون المدينين العاجزين عن القضاء، وعلى تعويض الأواني التي يكسرها الخدم، وعلى توفير الحليب للمرضعات، وعلى المصابين بالحول (ذلك أن مسجدا لا زال يسمى جامع الحوت به حوض كان يملا حوتا يفز يمينا وشمالا فيتبعه المصابون بالحول يوميا فيزول ما بهم( بل إن الشعور الإنساني المرهف للمحسنين المغاربة، قد دفع بهم إلى الرفق بالحيوانات، فحبسوا من أملاكهم ما حبسوه على معالجة بعضها، والبرور بها، وامتاز المغرب فيما أمتاز به هذا الباب، وجود صندوق للقرض بدون فائدة.
هذه بعض من الجوانب التي فكر فيها السلف الصالح رضوان الله عليهم بما أوتو من نبل العاطفة، وما اتصفوا به من إحساس وشعور إنساني لا جزاء له إلا ما وعد به الحق سبحانه في قوله عز وجل : "من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له وله أجر كريم".
وقد يتساءل متسائل هل زالت هذه الأوقاف تؤدي مهمتها وكيف ؟ أم أنها قد توقفت عن ذلك ولماذا ؟ للوصول إلى الجوانب بتعين إلقاء نظرة سريعة على طريقة تدبير الأوقاف قديما وحديثا.
فقد كان كل وقف يدير من طرف ناظرة الخاص أي الشخص الذي اختاره المحبس ليتولى تدبير الوقف وصرف ريعه في الوجه المحدد له، فكان هذا التدبير والتصرف لا يخضعان لرقابة غير رقابة الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، كما أن كل وقف كان يؤدي مهمته اعتمادا على دخله دونما مساعدة من أي وقف آخر، فإذا ما توقف على إصلاح ما، مثلا ليستمر نفعه، وكان لا يتوفر على وفر، بقي مهملا يتخرب إلى أن يندثر، فتنقطع بالتالي منفعته، وهكذا بقيت عدد من أملاك الأوقاف المعينة لجهة ما في إهمال تام بسبب عجز نظارها عن تداركها بيد الإصلاح والترميم، حتى اندثرت بالمرة وانقطع بذلك نفعها، وتنبه الملوك الذين تعاقبوا على حكم المغرب ّإلى هذه الظاهرة، فسعوا إلى الحفاظ على تراث الأوقاف وإحاطة رغبة المحبسين بهالة من الإكبار والتقديس، فازدهرت بذلك شؤون الأوقاف إزدهار كبيرا في عهد الدولتين الموحدية والمرينية، وجاءت بعد ذلك الدولة العلوية، فانبرى ملوكها لبذل قصارى الجهود، في تنظيم الأوقاف، وسلوك طريق التبصر في السهر على حقوقها ونصالحها واستمرار ثرواتها وممتلكاتها، ومن دلائل اهتمامهم بالأوقاف، أن المولى إسماعيل قدس الله روحه، أصدر أوامره لجميع نظار المملكة بإحصاء أملاك الأوقاف، وتدينها في سجلات خصوصية، هي ما يعرف الآن بالحوالات الحبسية، وأن المولى عبد الله رحمه الله أنشأ "نظارة النظار" على غرار "أمانة الأمناء" في 15 جمادى الثانية 1143 (26 دجنبر 1730 م) واهتم المولى يوسف قدس الله روحه بجمع الأوقاف وتعيين مدير عام لها بتاريخ 20 ذي القعدة 1330 هـ (31 أكتوبر 1912 م) ثم بترقيته إلى منصب وزير تقديرا لمجهوداته في صيانة الأوقاف وتنظيمها، وذلك بتاريخ 23 رمضان 1333 هـ (4 غشت 1915) ومن هذا التاريخ ابتدأت سلسلة التشريعات والتنظيمات التي تسير عليها الأوقاف حاليا، وكانت لجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه مواقف تاريخية شهيرة، فكلما حاولت سلطات الحماية المس بحرمة الأوقاف ومصالحها بوسيلة من الوسائل إلا وكان – رحمه الله – بمثابة الصخرة الشماء التي تتهشم عندها أنوف المغيرين على مقدسات الأوقاف الإسلامية.
وها هو وارث سره جلالة الحسن الثاني نصره الله يبدي نفس الحرص ونفس الاهتمام، جاعلا من
نفسه  - حفظه الله – الناظر الأول والموجه الحكيم، للوزارة الساهرة على الأوقاف نحو الغاية المثلى، التي توخاها المحبسون رحمهم الله، من تحقيق جلائل الأعمال، في الميادين الدينية والثقافية والاجتماعية، مضيفا جلالته إلى تعريف هذه الوزارة تعريف الشؤون الإسلامية، والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه.

الأوقاف في الحاضر :
تتلخص رسالة وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الوقت الحاضر فيما يلي باختصار :
- المحافظة على الحياة الروحية عن طريق رعاية الشعائر الدينية وتوفير شرائطها، وتوفير ظروف ممارستها بإقامة أماكن العبادة وتجهيزها التجهيز الروحي والمادي اللازم.
- بعث وإحياء نفائس التراث المخطوط الذي يعكس وجه الأمة الفكري ودورها العلمي.
- إنشاء المراكز الدينية التعليمية لتعميق الثقافة الإسلامية والعربية.
- المساهمة في الميدان الاجتماعي بتشييد البنات السكنية وفتح أوراش العمل للعاطلين، وصرف الإعانات والمساعدات للعاجزين والمعوزين.
- المشاركة في الإصلاح الزراعي، باستصلاح الأراضي وغرسها وتوفير المردود الكافي، والحد من الهجرة القروية بتشغيل اليد العاملة المحلية.
- ربط الحاضر بالماضي، بالمساهمة في تشييد المراكز الإسلامية والمؤسسات الدينية بالخارج، واستقبال الطلبة الأفارقة الراغبين في متابعة دراستهم بالمعاهد والجامعات الدينية استمرارا للدور الذي لعبه المغرب عبر العصور كمركز روحي وثقافي في القارة الإفريقية.

وانطلاقا من هذه الخطة نستعرض فيما يلي بعضا من أنشطة الوزارة :
- ففي الميدان الإداري تتألف الوزارة بالإضافة إلى السيد الوزير وديوانه من مفتشية عامة وكتابة عامة ومديريتين : (مديرية الأوقاف ومديرية الشؤون الإسلامية) وخمسة أقسام وخمس عشرة مصلحة، كما تمثلها في أقاليم المملكة ثلاث وثلاثون نظارة تغطي سائر التراب الوطني.
- وفي ميدان توفير المساجد وعمارتها، هذا الميدان الذي قال فيه الحق سبحانه وتعالى : "إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين" كما قال فيه فقيد العروبة والإسلام مولانا محمد الخامس طيب الله تراه : "المساجد مثوى أفئدة المؤمنين، وأماكن للتذكر والتفكر في ملكوت وعظمة خلقه، يجتمع فيها المؤمنين لأداء شعائر الدين والنظر فيما يعود عليهم بالخير والمصلحة، إذ في تشبث المسلمين بعقيدتهم وقيهم الأخلاقية ضمان لرابطتهم واتحادهم واستمرار لكيانهم في العالم".
تقول : في هذا الميدان، نجد الأوقاف تسير : 5952 مسجدا، منها : 2354 للخطابة ترعاها بالصيانة، والتعهد وترعي القائمين عليها البالغ عددهم : 2081، كما تقوم تدريجيا وفي كل سنة بتبني بعض المساجد التي يبنيها الخواص وتتولى صرف مكافآت القائمين عليها، ويجري الآن إحصاء شامل وعام لجميع المساجد الموجوده بالمملكة للعمل على ضمها للأوقاف تنفيذا للأوامر السامية في الموضوع، هذا إلى جانب انطلاق العمل في بناء خمسين مسجدا بالقرى التي لا تتوفر على مساجد، وذلك في نطاق إعطاء نفس جديد للجماعات المحلية، وفقا للتوجيهات الملكية السامية.
وقد رصد لهذه العملية – مبدئيا – نحو : 12.000.000,00 درهم.
- وفي ميدان التوعية الدينية، والدعوة الإسلامية، الذي قال في شأنه الحق جل وعلا : "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) تتوفر للوزارة على شبكة هامة للوعظ والإرشاد يبلغ عدد أفرادها : 620، ويتضاعف هذا العدد خلال شهر رمضان المعظم من   كل سنة ليبلغ : 1200، ويمتد نشاط هذه الشبكة إلى المعامل والأندية النسوية والسجون، وإلى المراكز التابعة لوزارتي الشغل والشبيبة والرياضة، والمكتب الشريف للفوسفاط، وكذا إلى مدارس تكوين رجال الشرطة بالدار البيضاء وإيفران وبوقنادل وغيرها، ويتم تنظيم فترات تدريبية للوعاظ والمرشدين قبل إسناد المهام إليهم حتى يستطيعوا مسايرة الركب وتبليغ الرسالة أحسن تبليغ، كما يتم توجيه بعثات علمية، إلى عدد من المدن الإفريقية والأوربية، في نطاق العناية بالجانب الروحي للمواطنين المغاربة في المهجر، وقد تأكد بأن حملات التوعية الدينية سواء داخل الوطن أو خارجه تلقى نجاحا كبيرا وصدى طيبا لدى كافة المواطنين بمختلف طبقاتهم.
وإذ يقول ذو العزة والجبروت : "إذا جاء نصر الله والفتح ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجا فسبح بحمد ربك واستغفره، إنه كان توابا" فإن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية قياما منها بواجباتهم، حتى يكون إسلامهم صادقا، وإيمانهم قويا يدخلون في دين الله الإسلام فتوحلهم، وتبصرهم بواجباتهم، حتى يكون إسلامهم صادقا، وإمائهم قويا راصخا، وهكذا فقد تم خلال الفترة المتراوحة بين سنة 1955 وسنة 1979 تسجيل : 2830 ممن ارتضوا الإسلام دينا، واعتنقوه صدقا ويقينا، وهم ينتمون إلى خمس وستين جنسية، تختلف حيثياتهم الاجتماعية ما بين دكاترة، وموظفين سامين، وأساتذة جامعيين، ومهندسين، وتقنيين.
- وعملا بما ورد في الحديث الشريف : "الأرواح جنود مجندة، ما تعارف منها ائتلف، وما تناثر منها اختلف"، تحرص هذه الوزارة على ربط العلاقات بالمنظمات، ذات الصبغة الإسلامية والجمعيات تنسيقا للجهود، ومتابعة لما أرسى ركائزه الجدود، سعيا وراء إبراز دور الإسلام،  وأثره في تطور الإنسانية، وتقدمها لفائدة الأنام، وفي هذا المضمار تتولى الوزارة تقديم مساعدات مالية هامة، لبعض الجمعيات ذات الصبغة العامة، تشجيعا لها على الاستمرار في أداء رسالتها السامية والتامة، بالإضافة إلى نفائس المخطوطات الحبسية التي أودعتها الوزارة بالخزانات العامة تعميما للإستفادة منها، فقد أنشأت بمقر مديرية الشؤون الإسلامية، خزانة للكتب والمستندات تضم أمهات الكتب الصادرة بالمغرب والأقطار الإسلامية، سواء باللغة العربية أو اللغات الأجنبية، وأنشأت خزانة بجوار المسجد الذي شيدته بالحي الجامعي بالرباط وزودتها بمجموعة هامة من المؤلفات العلمية والأدبية، وعينت لها قيمين من بين موظفي الأوقاف، كما أنشأت خزانة أخرى بالمركز الثقافي المجاور للمسجد الأعظم بسلا فتحتها في وجه العموم بعد أن زودتها بعدد هام من أمهات الكتب، وأخيرا فتحت الوزارة الرباط مكتبة تحت اسم "مكتبة الأوقاف" عرضت فيها للبيع جميع المطبوعات ومن ضمنها المصحف الحسني بحجميه الكبير والصغير، وأحدثت في جميع نظارات الأوقاف بالمملكة فروع لهذه المكتبة لتلبية رغبات الباحثين والدارسين والطلبة، وكل المهتمين بما يطبع من تراث أدبي وعلمي رفيع.
- ويتوالى إصدار مجلة "دعوة الحق" التي تعتبر معلمة ثقافية بارزة وعنوانا على الأدب والثقافة في المغرب في المغرب الحديث مع مجلة "الإرشاد" التي تعني بالثتقيف الشعبي والتوجيه الإسلامي.
- ولما كانت الوزارة موقنة بأن إيمان المواطنين المغاربة سيظل راصخا ما داموا يتوجهون إلى الكعبة في صلواتهم، ويشدون إليها الرحلة لقضاء حجمهم، فإنها تعني بتبسيط إجراءات سفر الحجاج المغاربة وتوفر لهم ما يلزم من رعاية باعتبارهم سفراء لبلادهم في الديار المقدسة، فتقوم بحملات توعية بواسطة ندوات تليفزيونية وإذاعية حول مناسك الحج والترتيبات الإدارية الواجب اتخاذها مع حثهم على الاستعداد المادي والبدني لمواجهة ميثاق السفر والإقامة.
- واعتناء بتربية النشء المغربي تربية دينية صحيحة، وتكوين الطفل المسلم على العقيدة الإلهية والأخلاق الفاضلة منذ نعومة أظفاره، ليثب وقد وجد نفسه قلعة منيعة لا تقترب منها رياح الشرك والكفران، ولا يمسها طائف من الشيطان، فقد تبنت الوزارة وأنشأت عددا من مراكز التربية الدينية بلغ مجموعها : 32 تتوفر على : 981 طالبا و 88 أستاذا و 11 حارسا، وأنشأت 7 مراكز نموذجية تضم 657 طالبا و 41 أستاذا و 7 حراس،  كما أنشأت 21 كتابا قرآنيا نموذجيا يبلغ عدد طلبتها : 1385 وعدد أساتذتها : 31.
- ومن تمام هذا العمل توفير منح للطلبة المغاربة الذين يودون متابعة دراساتهم بالمعاهد الدينية العليا في الخارج، واستقبال الطلبة الواردين من أقطار إفريقية وأسيوية.
- وتبعا لما سبق ذكره من العناية بالقيمين الدينيين فإن الاهتمام ينصرف إلى من عجزوا منهم  عن القيام بمهامهم بفعل الشيخوخة أو المرض المزمن، وإلى أرامل من صاروا منهم إلى عفو الله حيث تصرف لهم أعادت شهرية، كما تصرف مساعدات إلى الفقراء والمعوزين وأرامل ويتامى المقاومين الذي نفذ فيهم المستعمر حكم الإعدام، وإلى الجاليات المغربية بالمملكة العربية السعودية والقدس الشريف.
- وبالإضافة إلى الإشراف على توزيع المساعدات على المكفوفين والمستفيدين من أوقاف الضريح العباسي بمراكش تقوم الوزارة حاليا ببناء مأوى للمكفوفين الصغار بمراكش فوق أرض للأوقاف تبلغ قيمتها : 350 مليون سنتيم وسيكلف هذا البناء نحو : 250 مليون سنتيم.
- وتوالي الأوقاف الإسلامية القيام بدورها في إيواء العجزة بملاجيء سيدي فرج بتطوان وسيدي عبد الله وسيدي امحمد الغازي وسيدي عبد القادر ابن أحمد وسيدي امحمد الضاوي بالرباط، كما تصرف إعانات شهرية منتظمة لعدد من العائلات بالرباط وسلا وتطوان ممن يقول فيهم الحق سبحانه : "يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس الحافا" وتأكيدا للدور الاجتماعي الذي تقوم به في محاربة مدن الصفيح تنازلت الأوقاف لسكان دواري المعاضيد والحاجة بالرباط – وبثمن رمزي – عن 16 هكتارا من أراضيها لبناء : 10.000 مسكن لفائدة 60.000 شخص، وطلبت الوزارة تشكيل لجنة برآسة السيد عامل إقليم فاس لإحصاء السكان الذين تراموا على أرض للأوقاف بالسخينات لتقويم ثمنها ليقع تمليكها لهم عن طريق المعاوضة، الشيء الذي ستستفيد منه 750 عائلة، وستقع عملية مماثلة بحي سيدي سعيد بمكناس.
- وما إن أعلن جلالة الملك نصره الله في 16 أكتوبر 1975 عن فتح باب التطوع للمشاركة في المسيرة الخضراء حتى وجهت الوزارة بداء إلى كافة الوعاظ والمرشدين والموظفين داعية من يرغب منهم في التطوع إلى تسجيل نفسه فعرفت الوزارة والنظارات تجمعات كبيرة تم من ضمنها انتقاء : 205 من العلماء والمرشدين والموظفين ساهموا في عملية التأطير وقاموا بدورهم في إرشاد الناس وتعليمهم ونشر التوعية الإسلامية بينهم والقوا فيهم عدة دروس وأحاديث نقلت على أمواج الإذاعة وشاشة التلفزة، كما طبعت الوزارة ووزعت المصحف الذي تسلح به المتطوعون أثناء زحفهم المقدس.
- وما إن تم استرجاع الصحراء الحبيبة وكلل الله جهود مولانا الإمام بالظفر والنصر والفتح المبين حتى سارعت الأوقاف إلى المساهمة في قرض تنمية الأقاليم المسترجعة بمبلغ : 501 مليون سنتيم وإلى تشييد يضم مركزا ثقافيا ومسجدا أعظم أطلق عليه اسم مولاي عبد العزيز في حفل رسمي برئاسة بعتة وزارية هامة.
- وإلى جانب هذا نجد الأوقاف الإسلامية في المؤتمرات والمناظرات والاجتماعية التي تعقد للنظر في شؤون الاحتفال بمطلع القرن الخامس عشر الهجري والهلال الأحمر وتنظيم الأسرة وشؤون المرأة والعمال المغاربة في الخارج، وحملات النظافة والمحافظة على البيئة الطبيعية والسنة الدولية للطفل، والمعرض الدولي بالدار البيضاء إلى غير ذلك مما يهم المجتمع المغربي في حياته اليومية.
- وفي الميدان الفلاحي الذي يقول فيه صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله : "إن الفلاحة هي من معالم الحضارة وعلو الشأن، وقد كانت من قديم الزمن ملكا تقنيا وعلوا للعرب وللدول العربية" في هذا الميدان تتوفر الأوقاف على : 195.850 قطعة أرضية تبلغ مساحتها الإجمالية : 84.840 هكتارا، 190.000 قطعة منها بيد صغار الفلاحين، وتصل مساحة هذا العدد إلى : 47.000 هكتار، أما الأراضي المكراة بثمن رمزي للجماعات فتبلغ مساحتها : 23.000 هكتار، والتي تستثمر إما مباشرة أو بواسطة الفلاحين أو بمعونة من طرف  المصالح التابعة لوزارة الفلاحة فتبلغ مساحتها : 10.000 هكتار، أما المتوقع تشجيرها في إقليم  القنيطرة فمساحتها : 250 هكتارا والمخصصة للتجزئة بعدة أقاليم : 865 هكتارا والمعروضة على وزارة الفلاحة من أجل الاستصلاح في عدة أقاليم أيضا : 660 هكتارا، والمنزوع ملكيتها لبناء السدود : 590 هكتارا والموجودة بيد الجماعات بدون مقابل : 500 هكتارا والتعرض على تشجيرها : 470 هكتارا والمعتبرة مناطق خضراء : 165 هكتارا والمنزوع ملكيتها لبناء الطرق والمدارس والمستشفيات والدور الاقتصادية والمعاهد وغير ذلك : 200 هكتار، والمحتلة أو في طريق الاحتلال : 140 هكتارا. وهذا التفصيل يعطينا مجموع : 84.840 هكتارا السالف ذكره، وفيما يخص عملية التشجير نجد أنها شملت : 697.588 شجرة زيتون على مساحة : 5.796,48 هكتارا و 2.040.136 شجرة غابوية على مساحة : 2.522,97 هكتارا (جلها من أشجار الكلبتوس) و 413.473 شجرة متنوعة على مساحة :  1937,68 هكتارا، الجملة = 3.151.197 شجرة على مساحة : 10.257,13 هكتارا، وبقطعها الأرضية هذه وغرسها المباشرة تساهم الأوقاف في ضمان الاستقرار لمجموعة من السكان القرويين، كما تضمن الشغل لليد العاملة القروية.
- وبالإضافة إلى ما ذكر ومساهمة منها في الإصلاح الزراعي وضعت الأوقاف تحت إشراف وزارة الفلاحة والإصلاح الزراعي : 11.000 هكتارا من أرض مكس بإقليم فاس ضمها لبرنامج التوزيع على صغار الفلاحين.
- واستمرار للدور الطلائعي الذي قام به المغرب عبر العصور كمركز إشعاع روحي وثقافي في القارات، تم بناء مسجد جامع بدكار عاصمة السينغله وآخر بنواكشوط عاصمة موريطانيا وآخر بليروفيل عاصمة الكابون، كما تمت المساهمة في زخرفة المركزين الإسلاميين ببروكسيل ببلجيكا وجنيف بسويسرا، وأهدي منبران إلى كل من مسجد سيول بكوريا ومسجد لندن بانجلترا، ولا تخفى الأهمية التي لهذه المشاركات وما خلقته من صدى محمود وما أضافته لسمعة المغرب ومركزه الدولي من تقدير وإكبار.
- وفي ميدان البناء والتجهيز، تعمل الوزارة سنويا على تشييد عدد من العمارات السكنية في مختلف الأقاليم، كما تجهز عددا لا يستهان به من الأراضي الحضرية لتوفير آلاف القطع الصالحة للبناء.
وتتوفر الأوقاف من الأملاك الحضرية على : 8.242 مسكنا و 13.129  محلا للتجارة و283 حماما و 238 فرنا و 291 فندقا تقليديا و 1.855 محلا للصناعة و 1.026 أرضا عاريا و 8.292 منفعة الجملة : 33.448 ويبلغ معدل الكراء الشهري لمحل سكنى حبسي : 71،25 درهما في الرباط و 22،47 في الشاون، بينما يبلغ معدل كراء محل للتجارة في تارودانت : 61،96 درهما، وفي القصر الكبير : 16،38 درهما، في حين يبلغ معدل كراء محل للصناعة في مراكش : 76،96 درهما، وفي القصر الكبير : 6،96 درهما.
وهذا دون الأملاك التي عليها المنفعة والتي يبلغ أقصى كرائها الشهري بالرباط : 14،36 وأدناه في القصر الكبير : 0،89 درهما، وهذا ما يبين مساهمة الأوقاف الإسلامية في الحد من أزمة السكنى وضمان الاستقرار لمجموعة من الحالات الاجتماعية الخاصة.
هذه نظرة موجزة عن نشاط الأوقاف الإسلامية في خدمة المجتمع، وهي نظرة واضحة بينة تدخل في سياسة الوزارة التعريفية التي تتيح لعموم المواطنين أن يعرفوا الأوقاف حق المعرفة وأن يطلعوا على ما خلفه أجدادهم من تراث محبس يستمر نفعه ويدوم إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين، فنسأل الله تعالى أن يجزل الثواب للمحبسين ومن كرسوا جهودهم للمحافظة على هذه الدخائر إلى الآن قيمين ونظارا.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here