islamaumaroc

العرش أخلاق ومبادئ، وطموح، وحقائق.

  دعوة الحق

211 العدد

يعيش المغرب من أقصاه إلى أقصاه الذكرى العشرينية لتربع جلالة الملك المحبوب، الحسن الثاني المصلح، على عرش أسلافه الميامين.
وأنها لمناسبة غالية، يعبر فيها الشعب بأجمعه، بشعوره ووجدانه، وإيمانه، وإرادته وعزيمته، وملكته وعبريته، ووفائه وإخلاصه،وطمأنينته وطموحه، على ما يكنه من عمق الحب،وملئ العواطف، ووافر التشبت، وكامل الشكر، وعظيم الامتنان وأخلص الأماني، وأغلى التهاني، لعرش عاهد فأوفى، والتزم فلبى، وعمل فأنجز، ولملك حقق الأماني، وبلور المطامح، وعزز الجانب، وصان الحقوق، وأدفأ المعنوية، وحرر الطموحات، ورسم الأهداف، وأرسى الخطط طبق المبادئ، وثبت الخطى في طريق إنعاش أمته وازدهار شعبه ورفاهية رعيته.
في مثل هذا اليوم من كل سنة، يوم الشكر والعرفان، والغبطة والامتنان، وذكرى التلاقي الميمون، والتلاحم العتيد، وتجديد العبد، يعبر شعب بأكمله عن فرحته واطمئنانه، وحبوره وسعادته لعرش سخر لنموه الأحداث، وواجه التحديات فحقق المعجزات، وملك شهم أبي، أعطاه من مجهوده البناء، ومنحه من وقته وحنكته الليالي والسنوات، وبلور في مبادراته المرامي الطموحة، والأهداف الغالية المريحة.
في غمرة الاحتفال بالذكرى العشرين لجلوس صاحب الجلالة الحسن الثاني نصره الله على عرش أسلافه المنعمين، هذا العرش الذي أسس على تقوى من الله ورضوان فكان شعارا للترابط، والسير على الصراط المستقيم، وطبع بالود فكان عنوانه التلاحم والحب، وكتب بأحرف الصدق فكان حقا عنوان الصفاء والإخلاص ومثال سمو الأخلاق وطهارة المبادئ . . .
في غمرة هذا الاحتفال يرجع الشعب قاطبة، بنسائه ورجاله، شبابه وكهوله، خدامه ومسيريه، إلى المبادئ والأحداث، والمعالم والملاحم، ودروس الحياة ومعطيات التاريخ، ليعتز ويفتخر بتلك الوشيجة القائمة بين الشعب والعرش، على ضوء ما ورثناه عن الآباء والأجداد، وفي إرادة راسخة للتشبت بالحكم القائم عن بينة واختيار، ولتوجيه الشاب وحماسه إلى الإطلاع على مصادر الحكم في المغرب والاستقاء من مواردها.
لقد عبر المغاربة عن تشبتهم بالنظام الملكي منذ أزيد من 13 قرنا. ولم يدفعهم إلى ذلك مجرد تقليد نوعية الحكم التي عرفتها تلك العصور ولا الخضوع للأمر الواقع ولا الامتثال لما فرضته الظروف. بل أنهم، بمجرد ما فتحوا قلوبهم للدعوة الإسلامية وتمكنوا من فهم مقاصدها العليا وأهدافها
الخلقية، صمموا على أن يجددوا فلسفة الحكم، على ضوء تعاليم الإسلام الحنيف.
فاحتضنوا سبط النبي صلى الله عليه وسلم، المولى إدريس، الذي هاجر إلى المغرب وحيدا، لا يحميه إلا إيمانه، وبايعوا فيه نظاما استمد جذوره من تعاليم دينهم، وحكما جعل من علاقة الحاكمين بالمحكومين علاقة أخلاق ومبادئ تقوم على العدل والإنصاف وترتكز على مبدأ المشورة، وتستند على مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، سواء تعلق الأمر بالنفس أو بالغير، وترمي إلى خلق تجانس بين هذا وذاك، وتلاحم بين العرش ورعيته.
لقد كان من مميزات المغاربة، في وقت كان العالم لا يزال يبحث فيه عن طريقه، أن قبلوا فكرة الإمامة، وفهموها بمعناها الديني والخلقي، وحبذوها، لما لها من صفات دينية تمنع صاحبها من فرض السلطة المطلقة. فأمام المؤمنين له سلطان كبير، لا ينازع في مداه أحد، ولكنه سلطان يسخر لخدمة الرعية، ما دام الأمير وكيلا مؤتمنا، وليس سيدا مسيطرا، مصداقا لقوله تعالى : " يا داود أنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى، فيضلك عن سبيل الله . . .".
على هذا الأساس، كانت علاقة الحاكمين بالمحكومين بالمغرب، وما زالت، تحيط بها هالة قدسية من الأخلاق والمبادئ لا تخضع للتحليل المادي لمنطق الحكم، وإنما تقاس في إطار المعنى الروحي والتمازج الكلي للحاكم بالمحكوم ضمن عقيدة إسلامية تكمل هذا بذاك، وتربط أحدهما بالآخر.
وأن هذه الروحانية تجد معناها الواضح في الواجبات الملقاة على كاهل الحاكمين، وهي واجبات اشترطها الفقه الإسلامي.
 ويلاحظ أن البيعة في الإسلام على ضوء ما تقدم تعتمد قبل كل شيء عل التنصيص للواجبات التي يضطلع بها أمير المؤمنين للقيام بمهمة الحكم، وهي ملاحظة تستدعي وقفة قصيرة لتحليل ما ترمي إليه على ضوء الحكم الإسلامي، وفي نفوس الأجداد الذين اعتنقوا هذا الدين وتخلقوا بأخلاقه ومبادئه.
 فليس في تاريخ المغرب ما يدل على أن أحد ملوكنا الميامين أعطى لنفسه حقوقا شخصية أو امتيازا خاصا، خارجا عن نطاق الحقوق التي شرعها الله لجميع المسلمين. وهذا ما يفسر فلسفة تعلق المغاربة بملوكهم الذين وإن كانوا تقلدوا الحكم فإنما تقلدوا في الحقيقة الأعباء والمخاطر، وتحملوا أمانة وتبعات الأمة الإسلامية. فهم خدام لمصالح الأمة وحراس لدينها وآخذون للحق ليضعوه في الحق.
 وفي ظلال هذه الأخلاق والمبادئ تكاثرت صور التضحية ونكران الذات لمختلف الملوك المغاربة، برا بقدسية الرابطة التي تربطهم بالشعب المغربي، وقياما بتاعليم الدين الإسلامي التي تستهدف حراسة الدين وسياسة الدنيا.
 وأجدني في غنى عن سرد الموافق الرائعة لملوك المغرب القدامى. فلذلك أمر تكفلت به صفحات تاريخنا. وإنما أريد وبصفة خاصة تذكير الشباب بمعان خالدة في تاريخنا الحديث لعلها تكون حافزا لهم على التطلع والبحث عن الأسباب المثالية لعلاقة الحاكمين بالمحكومين في الدولة المغربية.
 فموافق محمد الخامس – قدس الله روحه – استجابت دائما لداعي الأخلاق والمبادئ الإسلامية، وكانت تعبيرا عن الترابط الروحي بينه وبين شعبه، وقياما بمأموريته في أطارها الحقيقي، فلم تكن تضحيته بالنفس والعرش إلا تقديرا لمسؤولية المبادئ والأخلاق التي لا يمكن أن توزن بميزان مادي قوامه المال والجاه أو التغلب، لأن مثل هذه المقومات لا محل لها من الاعتبار، وإنما توزن بمقومات عقيدة توثر الخالد على الفاني، وتستبق إلى التعلق برضى الله بدل رضى النفس والناس.
 وهذه التضحية التي كانت منبعثة من مبدأ أخلاقي أصيل قد وجدت بالضرورة من الطرف الآخر المتعلق بهذا المبدأ نفس التضحية والتخلي عن كل شيء، للدفاع عن العرش والجالس عليه بالخصوص، وفاء بالعهد المتبادل، واستمسكا بالعروة الوثقى التي لا تنفصم، فكانت النتيجة لهذه التضحية المتبادلة هي تلك الملحة الخالدة في تاريخ  المغرب، والرواية العزيز المثال لما يجب أن تكون عليه علاقة الحاكمين بالمحكومين، المبنية على مبادئ تحاسب عليها الضمائر والنفوس قبل الدساتير ومؤسساتها.
وفي نطاق هذه المبادئ والأخلاق يقف جلالة الحسن الثاني نصره الله، بمبادراته ومنجزاته، ومعجزاته وتحدياته.
 وقد يطول بنا العرض، إذا ما نحن أقدمناه على سرد ما حققه عاهلنا العظيم لصالح شعبه، وما ضمنه من مكتسبات لفائدة رعيته، وما جاد به تفكيره العميق ومجهوده الجبار لتصبح منجزاته في مستوى طموحه الوثاب.
وقد تصدى بحثه الحثيث المبتكر إلى كل الميادين، وانكتب يقظته على جميع الجهات وما مواقفه المثيرة من وحدة المغرب الترابية واستكمالها إلا حالة من الحالات التي عالجها بإرادته الثابتة وعزمه الذي لا يلين.
ففي علم الشباب المغربي وهو شيء يلمسه يوميا أن موقف جلالة الحسن الثاني الصامد من قضية الصحراء لا يمكن أن يفسر تفسيرا آخر خرجا عن نطاق هذه المبادئ. فهو نصره الله له من المؤهلات والكفاءة والمواهب ما يستطيع به تذليل المصاعب وتليين المواقف واهتبال كل فرصة تسنح رئيس دولة لحل المشاكل والاستباق إلى تداركها قبل وقوعها. وعندما يتعلق الأمر بالمبادئ وبمحور العلاقة الرابطة بينه شعبه فإن نكران الذات والتضحية بالغلي والنفيس، والوقوف موقف الحارس على العهد الروحي تكون هي المعنى الخالد، والمظهر الحق، وتكون السلطة عديمة الاعتبار وغير واردة بالمرة، وفاء بالعهد وتنفيذا للمأمورية العظمى.
إننا نعيش فترة من تلك الفترات الخالدة التي يجب أن نتمعنها لنعرف ما هي العلاقة الرابطة بين العرش والشعب ونقدر الموقف الأخلاقي الذي يقفه ملك عظيم لا من أجل التوسع والهيمنة كما تدعيه مقولات الحاقدين ولكن لأداء واجب دونه النفس والمال وهي سنة طبع عليها العرش والشعب، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
وبعد فلماذا الاحتفال بهذه الذكرى ؟
أظنني قد رسمت صورة مختلفة الظلال للعروة الوثقى والأبدية التي تربط العرش بالشعب، وأن في هذه الصورة المليئة بكل عناصر التلاحم والالتئام والتجانس ليكمن الجواب عن سر هذا الاحتفال بالذكرى التي، وأن أخذت حسب المفهوم التقليدي نوعا من استعراض المنجزات، وتحقيق المفاخر والمعجزات، فإنها تبقى وفي حقيقة أمرها عنوانا حيا للروابط التي لا تدون، وللعهود التي لا تكتب، والتضحية التي لا تنقطع، وللحب الذي لا ينتهي.
إنه عيد، عيد العرش، عيد يحتفل فيه المواطن المغربي بعرشه، وبملكه، وبنظامه وتقاليده التي فرضتها أجيال من المغاربة المؤمنين المخلصين، وصقلتها عبر تاريخها المجيد، اعتزازا بمبادئها  المثلى، وإخلاصها لدينها الحنيف، وامتثال لما تدعو إليه معطيات الضمير، وجذور الفاء لعرش كان ولا زال وسيبقى دائما في مستوى طموحه وأهداف شعبه.
في كل سنة، يعود عيد العرش، فنفتخر بالعرش، ونعتز بالعرش، ونعبر للعرش عما ندين له به من منجزات جلى، ومبادرات هادفة، وتوجيهات سامية تقوي العزائم وتصحح المفاهيم، وتنمي الطموح، وتساعد على جلب الخير، وتحقيق المرامي والأهداف.
إنه عيد التلاحم، عيد الحب والتقدير، عيد الاعتزاز وعيد التبجيل.
فليدم العرش وعيده، وليحفظ الله ملكنا المقدام جلالة الحسن الثاني الملهم الإمام، في ظل الأمن والسلام. 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here