islamaumaroc

الافتتاحية: عرش القمة

  دعوة الحق

211 العدد

** من الحقائق التاريخية الثابتة ثبوت اليقين أن الأسرة العلوية الشريفة التي تتولى الحكم في المغرب منذ حوالي أربعة قرون تربط تاريخها في أسمى معانيه. فلقد تصدت للمسؤولية العظمى في وقت كان المغرب عرضة لهزات اجتماعية تهدد وحدته وسيادته، وكان الشعب المغربي في حيرة من أمره بحكم توالي الفتن واستمرار الإضطرابات والقلاقل في تلك الفترة العصبية من تاريخ البلاد. واختار الشعب الأسرة العلوية الشريفة لتكون سيدة البلاد وصاحبة الأمر والنهي والمتولية لشؤون المغرب وفق النظام الذي وقع عليه الإجماع في هذه البلاد منذ أن قدم المولى إدريس بن عبد الله رضي الله عنهما.
وإذا كانت الدول المتعاقبة على عرش المغرب قد أبلت البلاء الحسن في سبيل الدفاع عن المقدسات في كل مرحلة من مراحل التاريخ، فإن الخاصية الحضارية التي امتازت بها الدولة العلوية منذ مؤسسها الأول المولى علي بن الشريف قدس الله روحه، هي أنها لم تعرف ما عرفته الأسر والعائلات السابقة، لا لأنها تختلف عنها من حيث الظروف والملابسات وبالنظر إلى طبيعة المرحلة الخاصة التي تولت فيها السلطة باسم الشعب، وإنما من حيث عوامل تاريخية وأسباب تتصل بتطور الأمم وبمنطق التاريخ، إذا أردنا أن نقول بما يقول به الباحثون المعاصرون، ذلك أن الدولة العلوية نشأت في ظل مرحلة تطور جعلت المغرب مرشحا للقيام بدور قيادي لا مثيل له، اللهم إلا ما كان في عهد تأسيس العرش المغربي في القرن الثاني للهجرة. وبذلك تهيأت هذه الدولة لقيادة المغرب في حقبة تاريخية مهما اجتهدنا في تكثيف وصفها في عبارة واحدة، فلن نستطيع إلى ذلك سبيلا. بسبب خصوصية تلك الحبة وخطورة الظرف الذي عاش فيه المغرب على شفا جرف هار، كما لا نحتاج أن نقول.
وليس هذا مجال بسط القول حول الظروف التاريخية التي انطبع بها ذلك التحول الحضاري بالغ الأهمية، ولكننا هنا بصدد استخلاص العبرة من خلال إيضاح الملامح المميزة لطفرة اجتماعية ووطنية لا نجد لها نظيرا في تاريخ الأمم والشعوب.
• ولعل ما يطالعنا ونحن نقترب من ذلك التحول المثير للفضول التاريخي والاهتمام الفكري أن الدولة العلوية لم تقم على فراغ، فلقد كان البناء قائما، وكان العرش مؤسسة وطنية وشعبية وكيانا ذا جذور راسخة في الواقع المغربي، وهذا ما سهل، بادئ ذي بدء، مهمة أولئك الرواد الأوائل من ملوك هذه الأسرة المجاهدة التي اقترن تاريخها كله بالجهاد في شتى صورة منذ عهد جدها المصطفى الكريم رسول الله صلى الله عليه وسلم إل يومنا ونحن في مطلع القرن الخامس عشر الهجري.
• ومن هنا نجد البون الشاسع بين الدور الذي نهض به المولى إسماعيل – عل سبيل المثال – وبين الأدوار الأخرى التي قام بها ملوك آخرون كان لهم فضل السبق على كل حال. ذلك أن هذا القائد العلوي والملك المغربي الشهم صرف من عمره نصف قرن كاملا في الدفاع عن حوزة التراب الوطني والذب عن بيضة الملة والدين والوقوف في وجه المغيرين والغزاة والطامعين والقراصنة والمغامرين من صليبيين وأتراك، وإن كانوا أخوة لنا في العقيدة والدين، ولكنهم كانوا يتطلعون – في طمع ونهم – إلى بسط نفوذهم على بلادنا، فقصرت همتهم عن بلوغ هذا المرمى.
• والظاهرة المميزة لتاريخ الدولة العلوية بصفة عامة وشاملة أنه ما من ملك إلا وخاض معركة أن لم ينغمر في معارك متواصلة مسترسلة. وهذا ما جعل الأسرة المالكة تلتحم بالشعب لا ذلك الالتحام العاطفي والعفوي فحسب، ولكنه الالتحام المصيري الذي يربط بين (القمة) وبين (القاعدة) أن جاز لنا أن نقول أن في بلادنا (قمة) و (قاعدة)، لأن العرش والشعب كيان موحد ومشترك لا يكادان يختلفان على النحو الذي نرى نماذجه في بعض البلاد، وهذا هو السر الذي يفسر لنا رموز تلك المعادلة التاريخية شديدة الخصوصية وهي أن العرش والشعب في المغرب كلاهما قمة لا تطال، فلا العرش وحده قمة، ولا الشعب وحده هو القاعدة.
وتلك سمة من سمات النظام والكيان والدولة في هذه البلاد.
نحن، إذا، أمام ظاهرة سياسية فريدة من نوعها، من جهة لأنها تطبع التاريخ المغربي منذ القرن الثاني للهجرة، ومن جهة ثانية، لأن الواقع اليومي المعاش لا يزال إلى يوم الناس هذا يقوم شاهدا على صدق الظاهرة وصيرورتها وديمومتها.  
ولنضرب لذلك مثلا، وأن كان الأمر لا يحتاج إلى سوق الأمثلة، فنذكر أن العرش لم (يفرض) أو (يأمر) أو (يوعز) أو يوصي) بالاحتفال بعيد جلوس ملك البلاد عليه. وهذا بخلاف ما هو قائم وجار ومتبع في الدول الأخرى، فالشعب هو الذي جعل من ذكرى تولية السلطان والمجاهد المناضل الشريف سيدي  محمد الخامس عيدا للعرش، وموسما سنويا لتأكيد تلك الآصرة الحميمة التي تجمع بين الملك وبين شعبه.
• عيد العرش في المغرب فرضه الشعب فرضا في ظل السلطات الاستعمارية، بل إن هذا قاوم وناضل وجاهد بشتى ضروب المقاومة والنضال والجهاد من أجل أن يترك له الحق في الاحتفال بذكرى جلوس ملكه على عرش أجداده المقدسين. ولكم أودي هذا الشعب في سبيل ذلك، ولكم امتحن رجاله ونساؤه، شيبه وشبابه من أجل أن تنفذ الإدارة الجماعية والاتفاق الشعبي المطلق على جعل يوم 18 نوفمبر من كل سنة عيدا للعرش، بالمعنى الذي يفهمه الشعب للعديد، وبالمضمون الحضاري والفكري والسياسي والوجداني الذي يعطيه هذا الشعب للنظام الملكي في هذه البلاد.
لقد كانت الحماية حريصة الحرص كله على منع حفلات عيد العرش، وكان الشعب متمسكا بحقه في إظهار ارتباطه بالعرش وصاحبه.
وبذلك اقترنت أعياد العرش في المغرب على عهد الحماية بالمعارك والأحداث التي سالت فيها الدماء الزكية وزج فيها بالمواطنين في المعتقلات والسجون وذرفت الأمهات والأطفال الدموع حزنا على اعتقال أو سجن أو نفي رب الأسرة بمناسبة عيد العرش.
• وبقدر ما كانت (الملكية الدستورية) مؤسسة وطنية وشعبية كذلك كان عيد العرش عيدا وطنيا وشعبيا، ومن هنا تأتي تلك الخصوصية التي قلنا سالفا أننا لا نكاد نجد مثيلا في الماضي والحاضر.
 وبعد الاستقلال استمر الشعب في حرصه على الاحتفال بعيد العرش، لا لأن مرسوما أو قانونا أو قرارا صدر بذلك، وإنما لأن الشعب قرر أن يرتبط مصيره بالعرش، تماما كما كان الأباء والأجداد يربطون في العهود الغابرة مصيرهم بالعرش، لا خنوعا وضعفا وانهزاما وخوفا من البطش والإرهاب، فهذا لم يحدث قط في المغرب، ولكن اقتناعا من هذا الشعب بأن العرش جزء منه ومظلته الواقية والمدافع الأمين عن حقوقه ومصالحه.
• وبوفاة بطل الحرية والاستقلال وفقيد العروبة والإسلام جلالة المغفور له محمد الخامس، وبيعة الشعب لجلالة الملك الحسن الثاني أصبح يوم 3 مارس من كل سنة عيدا للوطنية والمشروعية والتجسيد الرمزي لتلك الخصال والأخلاق التي توارثها المغاربة أجمعون جيلا بعد جيلا، وبذلك تواصلت السلسلة الذهبية، واستمر العمل بالسنة الحميدة التي سنها الشعب في غمرة جهاده ضد الوجود الأجنبي، وسعيه لإثبات الذات وحماية الوجود.
ومنذ سنة 1961، ويوم 3 مارس، يمثل في بلادنا رمزا للالتحام الصميم الذي لم تفرضه القوة، ولم يمله العرش، ولم تقتضيه المصلحة، وإنما أوجبه الحب والعرفان والاعتراف بالجميل والمودة والحسنى التي هي جميعا صفات أساسية في العلاقة القائمة بين ملك البلاد وهذا الشعب.
• إن في المغرب عرشا خاض المعارك وعرف المنافي، وناضل ضد مخلفات عهد الاستعمار، وفي مقدمتها، وكما لا نحتاج أن نقول، الدفاع المستميت من أجل الحفاظ على مكتسباتنا وحقوقنا وسيادتنا الوطنية ووحدتنا الترابية وشرف استقلالنا.
• إن في المغرب عرشا ارتبط مصيره بمصير الشعب، فإذا هو عرش الشعب، وإذا بالشعب شعب العرش، وإذا بهما معا في الأمة يدافعان عن الحرية ويعملان للتنمية ويسعيان لإعلاء كلمة الله في الأرض بالحق والعدل والسلام.
فهو، إذا، عرش القمة، ما في ذلك شك ولا ريب. وهو، إذا، شعب في القمة، لأنه عرف كيف يختار، ليس اليوم، وليس بالأمس القريب، وإنما اختار منذ أربع عشر قرنا :
• اختار الإسلام دينا وعقيدة وإطارا للحضارة والمعرفة والجهاد المتعدد الأغراض الذي يصب في نهاية المطاف في (سبيل الله). وهي سبيل الهداية والنور والخير والمحبة.
• واختار الشورى والتكافل والتسامح والتمازج والتضحية والاستماتة في التضحية من أجل أن يعيش حرا يهابه الغير ولا يهاب أحدا.
• واختار، منذ ذلك العهد القديم النظام الذي يطابق أصله ويتناغم مع وجدانه ويتفق وطبيعته ويعبر عن آماله وطموحاته.
فكان اختياره للعرش اختيارا للقمة والعلو في الأرض بالحق دون عدوان أو ظلم أو نيل من هذا أو ذاك.
فنحن، والحالة هذه، شعب في القمة الشامخة التي لا تطال مهما حاول الطامعون والمجرمون من كل صنف ولون أن يعبثوا بمقدسات هذا الوطن.
 •  ولقد شاءت إرادة المولى سبحانه وتعالى أن يظهر برهانه ويكشف لطفه الخفي ويبين – جلت قدرته – سره المكنون. فإذا بمؤتمر القمة الإسلامي الثالث الذي افتتح أشغاله بجوار بيت الله العتيق، يأتي في الوقت المناسب ليؤكد كل هذه الحقائق الثابتة ثبوت اليقين. وإذا بالعالم الإسلامي، على اختلاف أنظمته، وتباين في حكوماته، وتناقض في سياساته، يقف إكبارا وإجلالا لهذا العرش الذي تمثل في جلالة الملك الحسن الثاني كاشرق وأبهى ما يكون التمثل. وإذا بالملايين من المسلمين يتابعون أعمال القمة الإسلامية الثالثة بالطائف مشدوهين بعبقرية هذا الملك المؤمن الذي نذر نفسه لقضية الإسلام والسلام والعدالة والرفاهية في داخل وطنه الصغير وعلى امتداد وطنه الكبير من المحيط إلى المحيط.
• ولقد كان مؤتمر القمة الإسلامي، بحق، ودونما مبالغة، مناسبة لإظهار عبقرية العرش المغربي، وللتأكيد – حقيقة – على أنه عرش القمة ما في ذلك شك قط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here