islamaumaroc

محمد رسول الله (صلعم) ، تأليف البروماتشوردوم.

  دعوة الحق

210 العدد

في ضباب التعصب المقيت، الذي يبسط على ضمائر بعض الكتاب. فيتضح على أقلامهم جهلا مبينا. وحقدا أعمى ضد العرب والإسلام ونبي الإسلام صلى الله عليه وسلم – خرج في الشهور الأخيرة شعاع من النور تمثل في هذا الكتاب الذي نعرض له الآن " محمد رسول الله " لكاتب ليس من ذوي الاغراض والمارب هو الشاعر الصحفي الأستاذ ألبروماتشوردوم.
وهذا أول كتاب عن نبي الإسلام باللغة الإسبانية. وقد كتب المستشرقون الإسبان عن الإسلام. وتعرضوا للفكر الإسلامي فلسفة وأدبا ولغة. ولكنهم لم يكتبوا عن " محمد " مؤلفا كاملا مثل هذا المؤلف. وكان بلاغ قول احدهم في كتاب عن الفكر الإسلامي أن محمدا ليس بالرجل الأمي كما يزعم الكتاب العرب والمؤرخون !!!.. وهو قول بين البطلان سوف نتناقشه في مقال خاص.
والكتاب قصيدة شعرية مطولة ، وان كتبت بالنثر. لقد تغلغل الكاتب في فهم الإسلام. وأحب بني الإسلام وعانقت روحه هذا القبس السماوي وساح – روحيا – مع ليل البادية العربية وتغنى بقمر الصحراء وهو يحلم على بحار الرمال هنالك.
ولا يعني ذلك أنه تجافى أسلوب البحث العلمي. فالمؤلف تسلح بأدوات الباحث المدقق مرتثيا ان العلاقة النفسية بين الكاتب والمكتوب عنه من شأنها أن تذيب جليد الزمن السحيق. وأن تفتح نافذة من الفهم الصحيح العميق.
يشتمل الكتاب على ثلاثة فصول في 315 صفحة من القطع الكبير هي :
- جزيرة العرب في العصر الجاهلي. وهو وصف جغرافي دقيق تناول فيه المؤلف الموقع والمناخ. والمناطق الصخرية. والحيوان. والنبات. ونظام الحكم عند البدو. وافاض في الحديث بصفة خاصة عن الجمل والحصان في أسلوب شعري آسر. وتحدث أخير عن علاقة العرب بجيرانهم. وقد استغرق هذا الفصل 45 صفحة. ولعله كثير. لكن معظم الكتاب في أوروبا – كما تعودوا – يصيلون إلى الحديث في مثل هذه المسائل ويبسطون القول فيها.
- الفصل الثاني بعنوان " محمد الإنسان " فيه يتكلم عن قبيلة محمد ومكانتها بين القبائل في شبه الجزيرة العربية. ويتبع تاريخ قصى وإدارته شؤون البيت الحرام وعن عبد المطلب حتى يأتي الى المولد التاريخي مولد محمد صلى الله عليه وسلم. وعن مرضعته حليمة السعدية وكفالة عمه أبي طالب له. وعن زواجه من خديجة أم المؤمنين. واستغرق تقريبا 47 صفحة.
الفصل الثالث بعنوان : " محمد النبي " وفيه حديث مسهب عن الرسالة وعن الرسول وغزواته. ومعجزاته واهمها القرآن. والاسراء والمعراج. وتعدد زوجاته. وعن الهجرة وعن حرية العقيدة الإسلامية وعن المهاجرين والأنصار. وموضوعات كثيرة جدا. اقتفى فيها الكاتب المصادر الإسلامية وأهمها سيرة ابن هشام. وأخيرا تحدث عن خطبة الوداع ورحيل الرسول صلى الله عليه وسلم الى الرفيق الأعلى بعد أن أكمل الرسالة وأدى الامانة.
هذا عرض سريع جدا لموضوعات هذا الكتاب الجيد. لا يغني بحال عن التجوال في تضاعيفه. والوقوف على أفكار المؤلف فيه وطرقته الرائعة في التعبير.
لكن لنا بعض الملاحظات التي لا تغض مطلقا من قيمة الكتاب. غاية الأمر أنها وجهات نظرقد تتباعد وتتقارب. وقد ناقشت المؤلف كثيرا كل يوم تقريبا وأحيانا أكثر من المرة في اليوم الواحد أثناء كتابته وبعد أن خرج الكتاب إلى الناس.
- لم يكتب المؤلف مقدمة لكتابه. مرتئيا انه رسالة روحية لا يريد أن يقحم فيها نفسه متحدثا عن ذاته وعن صنيعه في الكتاب. وهي وجهة نظر أن أقنعت شعوريا إلا أنها غير مقتنعة في مباحث العلم.
- كنت أود – وما زلت – أن يعرض الكتاب لغمزات الكتاب الأوروبيين الذين يلزمون الإسلام بأنه انتشر بحد السيف. ويلصقون بمحمد الرغبة الجنسية لأن لديه أكثر من زوجة. ودعوى أخرى قريبة نجمت من برشلونة تشكك في (أمية) النبي عليه السلام.
كان أحرى بالكاتب وهو الاوروبي المتسلح بالمعرفة – أن يناقش أبناء عمومته وجيرانه. ولهذه المناقشة  - ان حدثت – وقع مخالف. وتأثير طيب – مما لو صنعها عربي مسلم.
لكن الأنصاف يقتضينا أن نقول أن الكاتب عرض لهذه المسائل من وجهة نظر نزيهة مستقيمة وحرية بالتقدير والإعجاب. فقد ان السيف لم يستعمل إلا للدفاع عن العقيدة . وأشار إشارة منصفة إلى أن محمدا ظل مع خديجة وهو الشاب – وهي تكبره بأعوام كثيرة لم يفكر في غيرها. وأرجع الأسباب في هذه الزيجات إلى مسائل إنسانية من أهمها العطف البليغ على الارامل. لأن محمدا – الطفل – رأى أمه تموت وحدها في " الابواء " وهي مترملة بعد وفاة أبيه عبد الله. هذا عدا الأسباب الأخرى التي فصلها المؤلف.
وقد رأى المؤلف عدم التعرض لمناقشة الآراء المخالفة لأنه يعتقد أن لهذا مكانا أخر. وكتابا مستقلا يفكر فيه الآن. وهي وجهة نظر.
تلك ملاحظات خاضعة للمناقشة. لكن ينبغي أن نتوقف قليلا عند ملاحظات من نوع آخر. وهي قائمة على الإعجاب بهذا الكتاب الجيد.
لاول مرة في اللغة الإسبانية يقرأ القارئ الإسباني كتابا عن محمد أملته روح الإنصاف. والإعجاب بمحمد الإنسان والرسول هذا القارئ يطالع في كتب الدراسة المقررة كلاما غير حميد. كلاما شائها عن محمد عليه السلام املته روح التعصب الذميم في زمن تخلى فيه الناس تقريبا عنا التعصب. ولعلي أعود لمناقشة هذه المسائل ولدى الوثائق معدة لذلك.
- جاءت ترجمة المؤلف للايات القرآنية في مكانها من الاستشهاد. كما جاءت ترجمة دقيقة الى حد كبير. وإن كانت الترجمة كثيرا ما تبعد عن النص الأصلي وبخاصة في كلام معجز مثل القرآن الكريم. لكن هذه الترجمة بمقارنتها بنظيرتها شيء يحمد للمؤلف. وهو قابع الآن لترجمة القرآن الكريم كله. كما جاءت ترجمته كذلك للاحاديث النبوية والخطب النبوية على شئ عير قليل كم الدقة والسلامة.
بقي أن ننقل للقارئ العربي نمطا من أنماط التعبير عند هذا المؤلف الشاعر، وسوف نحاول الابقاء على خصائص أسلوبه إلا ما يعسر فيه الالتقاء بين اللغتين. يتحدث المؤلف عن موت امنة ام النبي صلى الله عليه وسلم في كلام دامع حزين فيقول :
الزمن – تلك الحزمة  من الساعات والأيام والأعوام – لا يمر سواء بالنسبة للجميع.
لحظة من السعادة جد قصيرة.
ولحظة من الالم شديدة الطول.
اتم محمد خمسة أعوام. خمسة أعوام قصار بالنسبة لحليمة. عرفت فيها طعم الرخاء والبهجة. فهي تعيش مع ذويها بما فيهم ابنها من الرضاعة وتلك خمسة الأعوام ذاتها ما أشد ما تطول. ليس لها نهاية بقف عندها بالنسبة لامنة. انها تعيش وحدها الا مع ذكرياتها الآسية. في كنف عبد المطلب مشتاقة الى ولدها. فلذة كبدها.
خمسة أعوام سرمدية من الوحشة والأحزان ان صبر الأم في سبيل صحة ابنها . شارف نهايته. والآن . ليس في ذرعها ولا ارادتها ان تظل بعيدة عن ابنها. فإن كان جو مكة وخيما. فلتبحث عن اماكن اخرى افضل اهوية. لا صبر لها على قضاء أي وقت قصية عن ولدها.
هي تطالب بذلك بدون تسويف وبدون بيان حجج .
وحليمة – وإن كانت حزينة – تدرك منطق الأمومة. فذهبت مع محمد الى مكة. وهو في أحسن حالاته صحة وقوة ونماء.
أم وابن. أرملة ويتيم. ذابا في عناق حار. انها قوة كائنين وأشواقهما قد باعدت بين حياتيهما الأقدار. وأقامت حواجز بينهما عبر خمسة أعوام. 
كان عبد المطلب غائبا في ذلك الوقت. كان عليه أن يرحل إلى صنعاء ممثلا رسميا عن مكة في حفل تتويج الملك سيف بن ذي يزن الذي قد تسلم السلطة بفضل المساعدة التى قدمها له جيش فارس.
قررت امنة وابنها أن يذهبا الى يثرب في زيارة عائلية صحبتهما فيها ام ايمن تلك الامة الوفية.
الدرب طويل أكثر من 400 كليومترا . بيد ان الرغبة في السفر معا. والأمل في أن يكون الجو هناك أكثر اعتدالا ونقاء مما يمنح الجسد عافية قصرت من أمد المسافة ومشقات الأسفار. وها هما الان في منزل أسرة عبد المطلب في يثرب في منزل النجار.
أيقظت يثرب دهشة بالغة في نفس محمد. بأشجارها المتكاثفة ونباتاتها وعناصرها الغدائية المتباينة – من بينها الخبز والحلوى – كذلك شدته ببحيرتها الملأى بالمياه العذبة. مما أشعل في روحه الطفلة الرغبة العارمة في ان يستحم بها تحت رعاية امه الرؤوم. التي تمتعت بهذا. وضحكت ضحكا لم تعرفه تقريبا طوال خمس سنوات.
هي أيام لا تنسى قضياها في يثرب. مرت خاطفة. انها مجاذبة أطراف في أحاديث السرور والسعادة.
لقد حفرت صورة يثرب في ذاكرة محمد. تستعصي على النسيان. للاسف البليغ حانت ساعة العودة إلى مكة .لعل عبد المطلب عاد الآن من صنعاء بأنباء عجيبة عن هذا البلد الأسطوري الذي يشوق خيال العرب.
وذعا في حزن عميق – أهلهما الذين يعيشون في هذه المدينة العزيزة.
شرعا في العودة دون فرحة. وربما مع سوانح حزن منذرة.
سقطت امنة مريضة في الطريق عند " الابواء " – وهي ضيعة ومخيمات – في منتصف الطريق بين مكة ويثرب.
لقد تم قلب آمنة عن تأثراته العميقة بيثرب. اثر خمسة أعوام من الوحدة والدموع. انها السعادة الحقة التي تمزق القلب الرقيق.
تسمرت نظرات آمنة في وجه ابنها. كأنما تريد ألا يغيم فيها أبدا ذلك الشعاع الذي تنتزعه عينا ولدها محمد.
تضغط عليه بذراعيها الواهنتين. اجتمع في وحدة مطلقة قلبان :
احدهما قوي فتي . حي. والآخر وهنان. لعله يحتضر. وغبت آمنة ابنها أن يتحدث إليها. والا يقطع حبل الكلام معها. وهكذا كل شيء يهون. بيد أن محمدا لا يجد الكلمات. انها صارت غصة في حلقه غدت نشيجا. يحس ان شيئا كريها سوف يقع. لكنه غالب نفسه. وأنشأ يتكلم. يقص طرفا من حياتف في البادية. فن مراتع لعبه وأحلامه.
وبينما كان هو يتحدث كانت آمنة تصغي في وهن شديد. لقد شغ جسدها. وهي الأن لا تسمع ولا تتألم فقدت عيناها شعاع الرؤية. وتوقف نبض قلبها. سقطت ذراعاها هامدتين بعد اخر عناق أمومي.
- في نشيج – فطنت أم أيمن إلى أنه الوداع. لامست عيني آمنة في وداعة. وأغلقت جفنيها.
استراحت امنة في حمى الموت. شيء دقيق. جوهري. باق. يحلق في الأمد القصية. باحثا عن القرار الأبدي. قرار الحب الذي لا يوصف. عن السعادة والسلام. بلا تخوم زمان ولا مكان. بلا منغصات ولا آلام. بلا حروب وبلا خصام. عن السلام الحق الخالد الذي لا يكون إلا في يد الله.
تعذب محمد بدموع الصبي. ومشاعر الرجل. فقد أعز إنسان بالنسبة له على هذه البسيطة. فقد أمه. انه عذاب لاذع. لاعج يجتاحه.
انه الآن وحده في وحشة باردة.
يتيم لا عائل. لا عزاء له ازاء عدد هائل من المشكلات. ومتربة وآلام. وهو في عمر غض – ستة أعوام – يطلب دفء الأسرة والرعاية والكنف.
يتأمل محمد في لجة من الدموع والنشيج شعائر جنازة أمه.
تولت أم أيمن. وبعض نساء المخيمات تجهيز جثمان أمه. على حين قام الرجال بجفر مقبرتها. فإن الكوارث في الصحارى تجد – رائعا – صدى تعاونيا.
المقبرة – ذلك الاخدود البسيط – موجهة شطر مكة. ولف الجثمان في الكفن بدون تابوت. فالبدو ليس في سنتهم اعداد خشب ولا معدن. وروى جسدها مستندا على جنبها الأيمن. وغطى بالرمال. ووضع على الحدث سعف من المخيل.
مشهد باك بالنسبة لطفل هو الآن بات يتيم الأب والأم.
وفي الطريق خلال العودة إلى مكة استغرق محمد متفكرا. مشاهد " الابواء " ظلت تحدق به طوال حياته. لقد كانت تجربة هائلة من الأحزان.
ظلت الأبواء على الدوام – ماثلة في ذاكرته وفي قلبه الطفل نبت عزم . حماية الارامل واليتامى أكثر الناس بؤسا وحزنا على هذه الأرض.
أنها صورة شعرية تدخل فيها الخيال بتوشياته. لكنها ترضي منطق التاريخ حين ترتضي خيال الشاعر والإنسان. والكتاب كله على هذا النمط فكرا وأسلوبا. ونحن نحيى هذا الكتاب الجيد. ونحيى مؤلفه الصديق الذي أعلن إسلامه وتسمى باسم " أحمد عبد الله ". ونحمد له جهده. ونرجو له مزيدا من التوفيق.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here