islamaumaroc

مساهمة الإسلام في العلاقات الدولية

  دعوة الحق

210 العدد

يهدف الاسلام الى توحيد البشرية فى ظل نظام قانوني واحد هو الشريعة الاسلامية . لكن الدولة الاسلامية ، كغيرها من الدول العالمية ، لم تشمل العالم بأسره . وقد مرت فى سياق تطورها بمراحل مختلفة بدات بالدولة – المدينة فى المدينة المنورة ، لتشمل بالتدريج الجزيرة العربية والبلاد المجاورة لها واقاليم اخرى كثيرة فى آسيا وافريقيا واوربا ، ثم اخذت بعد ذلك تتجزا الى وحدات سياسية مستقلة ، الى ان قامت الدول الاسلامية الحالية التى حصل اغلبها على الاستقلال حديثا ، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية .
 تطور الدولة الاسلامية بهذا الشكل جعل للعلاقات الدولية فى الاسلام وجهين ، الوجه الاول خاص بعلاقات المسلمين فيما بينهم ، والوجه الثانى خاص بعلاقة الدولة الاسلامية بالدول غير الاسلامية اما علاقة المسلمين فيما بينهم ، فوضعها الطبيعي الا تكون محلا لاى قواعد دولية ، اذا كان للمسلمين حكومة واحدة ، على اعتبار ان العلاقات بين اجزاء الدولة الواحدة تخضع للقانون الداخلى ، الذى هو الشريعة الاسلامية فى هذه الحالة . وهذا ما عناه الامام ابن تيمية بقوله " بلاد الاسلام بمنزلة البلدة الواحدة " (1) .
اما اذا كانت للمسلمين حكومات متعددة ذات سيادة ، فان ذلك يستدعى بالضرورة قيام علاقات دولية بين الدول الاسلامية المستقلة . وهذا ما حدث فعلا ، اذ ادى تجزؤ بلاد المسلمين على هذا النحو (2) الى اثارة قضايا دولية غير مطروحة فى نطاق الشريعة الاسلامية ، ولم تكن مطروحة فى الفقه الدولى الاسلامي ، كالقضايا المرتبطة بالسيادة الاقليمية ، مثل مشكلة الحدود بين البلاد الاسلامية ، وانتقال الافرادت المسلمين من اقليم اسلامي الى آخر ، ومعاملة مواطنى كل دولة اسلامية فى الدولة الاسلامية الاخرى ، وتبادل الاعتراف بين الدول الاسلامية .
ان التوسع الاستعمارى الاوربي نقل الى بلاد المسلمين الافكار العلمانية . وكانت النتيجة حلول المفهوم الاوربي للاقليم ، وخاصة مبدا احترام الحدود الاقليمية ، محل الفكرة الاسلامية العالمية التى لا تقيم وزنا للحدود بين البلاد الاسلامية . كما انه ادخل فكرة جديدة الى العالم الاسلامي ، وهى ان الارض جزء حيوى فى تركيب الدولة . وازاء هذا الوضع الجديد المتجافى مع فكرة عالمية الاسلام ، ووحدة دار الاسلام اختارت البلاد الاسلامية او فرضت عليها التجربة التى مرت بها اوربا عى هذا المجال.
كل ذلك يبين ان معالجة العلاقات الدولية بين الدول الاسلامية التى نشات نتيجة لحركة الاستعمار الاوربي ، تخضع لقواعد القانون الدولى العام بوضعه الحالى ، ولا صلة لها تقريبا بالنشاة التارخية لهذا القانون ، لان معظم هذه الدول حديثة العهد بالاستقلال ولم تساهم فى انشاء او تطور قواعد هذا القانون بصفتها هذه ، وانخرطت بعد استقلالها فى عضوية المنظمات الدولية العالمية والاقليمية وفى الاحلاف العسكرية ، مما يضفى عليها صفة الاعضاء الجدد فى المجتمع الدولي.
اما فيما يخص علاقات المسلمين بغيرهم فقد كان من الطبيعى ان تنشا مشكلة القانون الدولى عند المسلمين منذ ظهور دولة الاسلام ، وبسبب دعوة الاسلام الشاملة للبشرية جمعاء . وقد افاض فقهاء الشريعة الاسلامية والمفسرين فيما اتى به الاسلام من قواعد بشان العلاقات مع الدول غير الاسلامية فى حالتى السلم والحرب ومعاملة اهل الذمة والاجانب عالجوا ذلك فى مؤلفات خاصة مثل سير الاوزاعى (157 ه ) وكتاب الجهاد لعبد الله بن المبارك (187 ه ) والسير الكبير والسير الصغير لمحمد ابن الحسن الشيبانى (189 ه ) وسير محمد الواقدى (207 ه ) وكتاب الجهاد للطبرى (310 ه ) ورسالة الجهاد لابن تيمية (161 ه ) .
ان هذه المؤلفات – وغيرها من مؤلفات السير والجهاد لا تدع مجالا للشك فى ان الفقه الاسلامى كان اول فقه يدرس القانون الدولى كفرع مستقل عن الدراسات القانونية الاخرى ، وذلك قبل ظهور كروسيوس الذي يسمى باب القانون الدولى (3) بثمانية قرون .
وقد اشتملت الشريعة الاسلامية على ضوابط واحكام تكون نظاما متكاملا يحكم العلاقات الانسانية ، لم يصل القانون الدولى لمثلها الا بعد اربعة عشر قرنا (4) . وكان الاسلام خلاقا لقواعد جاءت اخيرا فى الاعلان العالمي لحقوق الانسان ، وقانون البحار ، وقانون المعاهدات ، والقانون الدبلوماسي ، ومعاهدات جنيف الخاصة بمعاملة اسرى الحرب والجرحى والمدنييـــــــن (5).
كما ان ضرورات الحياة فرضت على المسلمين ان ينظموا علاقاتهم مع الدول غير الاسلامية كعقد المعاهدات وانتقال الافراد لاغراض بجارية والتمثيل الدبلوماسي وغير ذلك من القواعد التى تستهدف العلاقات السلمية . وذلك نجد فى الفقه الاسلامي نواة لمعظم الاحكام التى تحتاجها الدول فى علاقاتها الدولية وقت السلم ووقت الحرب .

(1) انظر فتاوى ابن تيمية ، الجزء الرابع ، ص 185.
(2) منذ مطلع القرن العاشر بدات فترة من التفكك فى الدولة الاسلامية ، اذ ظهر خلفاء منافسون للخليفة العباسي فى مصر الفاطمية وفى بلاد الاندلس والمغرب والواقع ان الحكام المسلمين الذين تحدوا السلطة المركزية فى بغداد كانوا مستقلين استقلالا ذاتيا فى هائيهم ، ولم تظهر بوادر الانقسام الدائم الا فى مطلع القرن السادس عشر الميلادي حين تجزا العالم الاسلامي الى ثلاث وحدات سياسية مستقلة هى الدولة العثمانية ، والدولة الايرانية ، والدولة المغربية . وسواء اسفنا لوقوع هذا التجزؤ ، لانه تفكك لدولة عالمية نسودها الشريعة الاسلامية ، ام استحسناه بوصفة تطورا يتكيف باستمرار مع الاوضاع المتغيرة فى العالم الاسلامي ، فانه مما لا شك فيه ان هذا التجزؤ كان امرا لازما لبقاء الدولة الاسلامية.
الدولة العثمانية ، والدولة الايرانية ، والدولة المغربية . وسواء اسفنا لوقوع هذا التجزؤ ، لانه تفكك لدولة عالمية نسودها الشريعة الاسلامية ، ام استحسناه بوصفة تطورا يتكيف باستمرار مع الاوضاع المتغيرة فى العالم الاسلامي ، فانه مما لا شك فيه ان هذا التجزؤ كان امرا لازما لبقاء الدولة الاسلامية.
(3) بعض العلماء الغربيين مثل بورغشتال purgstall ينعتون الامام الشيبانى بانه " كروسيوس المسلمين ". انظر الدكتور مجيد خدورى ، القانون الدولى الاسلامى ، كتاب السير للشيبانى ، بيروت 1975 .
(4) للتفصيل راجع الدكتور حامد سلطان ، احكام القانون الدولى العام فى الشريعة الاسلامية ، القاهرة 1974 ، الدكتور مجيد خدورى ، المرجع السابق ، الدكتور محمد طلعت الغنيمى ، احكام المعاهدات فى الشريعة الاسلامية ، الاسكندرية 1978 ، على على منصور ، الشريعة الاسلامية والقانون الدولى العام القاهرة 1962 .
(5) الدكتور محمود خيرى بنونة ، ضوابط العلاقات الدولية ، القانون الدولى العام ، الدار البيضاء 1978 ، ص 8 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here