islamaumaroc

في القرن الخامس عشر الهجري: تأمل واستلهام.

  دعوة الحق

210 العدد

تقضى التقاليد المتبعة في كل المجتمعات الإنسانية أن يبادر الناس إلى تبادل التهاني الودية. والمتمنيات الطيبة بمناسبة حلول كل سنة جديدة بعد منتهى الشهر الثاني عشر من كل سنة تمر وتنصرم لتمسى مجرد خبر عابر في سجل التاريخ قد يهتم بأمر البحث فيه من يشاء له مصيره العلمي أن يختص في الدراسات التاريخية.
وبعض السنوات الجديدة. بعد انتهاء مائة سنة. تكون مطلقا لقرن جديد.
لذلك فإن مبادرة الناس إلى تبادل التهاني الودية والمتمنيات الطيبة تكون مزدوجة. وتكون دونما ريب. أقوى وأعظم تفاؤلا وابتهاجا بعهد مشرق جديد يشع باشراقه مولد قرن جديد يرجون منه أن يأتي بالخير العميم. وأن يجنبهم كل شر خطير. وأن يحمل معه البشائر باليمن والرغد والاستقرار والرفاء والهناء لهذه الإنسانية الحائرة التي ما زالت. رغم ما بلغته من تقدم في العلوم والفنون والتقنولوجيا والحضارات. تترنح في اختياراتها بين الخير والشر. وبين الحق والباطل. وبين الرشد والغي. وبين الهدى والضلال. وبين إرادات السلم الطيبة وبين رغبات التنافر والتطاحن والعنف والتدمير.
حقا أن تبادل المتمنيات بمطلع قرن جديد يكون حدثا اجتماعيا وإنسانيا كبيرا في عواطفه عظيما في أبعاده ومراميه يتناسب وطول المائة سنة ذات العقود العشرة التي تأتي في تسلسل الزمن والتاريخ عقدا بعد عقد. يحمل كل عقد مع سنواته أحداثا ووقائع من كل شكل ونوع. منها الحاسم المصيري. ومنها الطريف العجيب الغريب.
ان مائة سنة زمن طويل بالنسبة لمتوسط عمر الإنسان. لا يعمره إلا القليل النادر من أبناء الإنسان المحظوظين الدين يعدون على الأصابع.
وفي المجتمعات الإنسانية عدة تقاويم لكل منها بدايات لسنواته ونهاياتها وبالتالي. بدايات لقرونه ومنتهياتها.
والتقويم الهجري الإسلامي له بداياته ومنتهياته الخاصة بأعوامه وبمطالع قرونه وخواتمها.
هذا التقويم الهجري يهمنا. ويجب أن يهمنا جدا . لأنه تقويم إسلامي يؤرخ بهجرة خاتم الأنبياء والرسل من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة بعد 13 سنة من تلقيه الوحي الإلهي.
انه تقويمنا. نحن المسلمين. الذي نمتاز به. والذي يجب علينا أن نعتز به ونؤرخ به.
جاءت الهجرة. بعد 13 سنة قضاها الرسول الكريم في مكة حيث ناله من ساداتها شر كثير. واذى خطير كان آخره ائتمارهم عليه ليقتلوه وهو السبب المباشر لهجرته – لتكون بداية عهد جديد للإسلام والمسلمين.
فلقد خرجت الدعوة الإسلامية بعد استقرار الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة من العسر ودخلت في اليسر . وانفسح المجال امامها حرا واسعا لتنشر نفوذها في جميع الآفاق لتصل إلى كافة العالمين.
بالهجرة بدأت الدولة الإسلامية التي كان رئيسها الأول رسول الله سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وبدأت معها حضارة جديدة هي حضارة الإسلام. أو الحضارة العربية الإسلامية. التي ملأت بإشعاعها أرجاء المعمور من الأرض شرقا وغربا شمالا وجنوبا.
الإسلام هو الإسلام. دين الله الحق. لا يتبدل ولا يتغير. ولا يمكن أن تنال منه اياد التبديل والتغيير منالا !
بيد أن اسباب التبديل والتغيير يمكن أن تصل إلى المسلمين فتنال منهم ما تشاء. وتستطيع نيله من منال.
فهم الذين نراهم على مر عصور التاريخ وعهوده يرتفعون إلى مستويات الأمجاد والمكارم. وهم الذين ينخفضون الى مادون المستويات اللائقة بهم وبمقاماتهم باعتبارهم منتمين إلى حضارة الله.
لهذا فإن عظمة كل قرن في التاريخ الهجري تقاس بالجهود والاجتهادات التي بذلها. ويبذلها. المسلمون في كل عقد من عقوده للارتفاع إلى مستويات الأمجاد والمكارم والعزائم.
أما الإسلام. دين الله الحق. فإنه فوق كل قياس وخارج نطاق أي مقياس !
وها هو ذا شهر ذى الحجة لعام 1400 ينتهي ببزوغ هلال شهر المحرم الحرام لعام 1401 واضعا بذلك حدا زمنيا بين عامين، وبين قرنين، وربما بين عصرين تاريخيين.. من يدري ؟!
علم ذلك في الغيب عند الله ربنا. ولكن صناعة التاريخ تتوقف على الهمم وعلى العزائم. وعلى التوق الذكي الحازم إلى المكارم والأمجاد....
نعم. ينتهي القرن الرابع عشر ويمضي في سبيله إلى الماضي. ويبتدئ القرن الخامس عشر بيومه الأول من شهره الأول من عامه الأول....
مضى قرن وجاء قرن آخر حل محله. هذا في حساب الناس وتقديرهم .
اما الزمن فإنه مستمر دائما في سيره قدما في استقامة تامة مثالية إلى الأمام. لا يلوي على شئ. غير عابئ بدوران الأرض والقمر.
فشكرا للقرن الرابع عشر الذي مضى وولى على جميع ما أتى به من خير ونفع للناس وللإنسانية.
ومرحبا بالقرن الخامس عشر وأهلا وسهلا.
وما دامت التقاليد تقضى بتبادل التهاني الودية والمتمنيات الطيبة بمطلع القرن الوليد فإن أفضل ما يتمناه كل مسلم هو أن يستمر المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها وشمالها وجنوبها في بذل الجهود والاجتهادات المرجوة المأمولة للارتفاع إلى مستويات الأمجاد والمكارم. والوصول إلى المكانة الراقية الرفيعة للإسلام عقيدة وفكرا وحضارة وسلوكا.
فحتى التهاني والمتمنيات هي الأخرى عمل أو مشروعات عمل. وادراكها والتمتع بها يتطلبان عملا . وسعيا. وجهدا. وحزما. لأن كل ما في الحياة له ثمن وليس فيها أي شئ بالمجان.
ولعل أقرب نهج وانفعه وانجعه لتحقيق التهاني الودية المتمنيات الطبية بمطلع القرن الخامس عشر هو إقدام المسلمين على دراسة أحوالهم. وفحصها ونقدها. إجراء تغييرات في ما يستحق التغيير منها مصداقا لقوله تعالى في القرآن الكريم : ((ان الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم)).
ولنقد ذاتي أفضل بكثير من انتقاد قاس مر !
وامام الهمم العالية والعزائم الشماء تهون الصعاب ويذوب المستحيل.
مرت 14 قرنا والإسلام باق. صامد. شامخ. عزيز. ومحترم رغم مامر على المسلمين من وقائع واحداث وفجائع يشيب لذكرها الولدان.
نعم. الإسلام باق. وسيبقى لأنه دين الله الحق. والله باق دائم أبدى سرمدى ... أما كيد الكائدين من أعدائه فإنه في تضليل وبوار.
وكل يوم يمر يؤكد لجميع العالمين أن الإسلام دين الله الحق وانه دين الدنيا والآخرة. وأنه وحده الدين الذي عند الله الرحمان الرحيم الذي اختاره لنا دينا وارتضاه. وانه دين الحضارة الحقة. حضارة الله. التي تدعو إلى الاخوة. والسلام. والتعاون والتآزر والتضامن. والتكامل والتكافل وعمران الأرض ليحيا الناس كافة ويعيشوا في أمن وامان. ورفاه ورغد ووئام.
انه دين الله الحق وجده منذ ابينا سيدنا ادم إلى عهد سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. خاتم الأنبياء والرسل.
وطبعا. مادام الله الخالق العظيم واحدا فلا بد أن يكون الدين الحق واحدا.
وهذه قضية يسلم بها كل عقل حكيم. ومنطق سليم !
وانه الرسالة التي كان الرسول فيها شهيدا علينا. وكنا فيها شهداء على الناس. والرسالة التي جعلتنا أمة وسطا.
أجل ان المسلمين خير أمة أخرجت للناس.. ولكن لا بد لهذه " الخيرية " من شروط وشروطها : " تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " الآية.
الأمة الوسط في الإسلام هي التي لا تعرف الفقر ولا الفقراء . ولا الكسل ولا التبطل عن العمل. ولا الاسراف الفاحش  ولا التبذير اللامسؤول الذي يبدد ثروات المسلمين. ويضيع أرزاقهم وأقواتهم . وبالتالي قواتهم وصيتهم وشوكتهم ان التاريخ الصادق يقول لنا :
ان الاسراف الفاحش والتبذير اللامسؤول هما اللذان انزلا المسلمين من علياء الأمجاد والمكارم حتى باتوا يهاجمون في عقر ديارهم.
حضارة الإسلام هي حضارة الدنيا والآخرة . يسعد بها الإنسان المسلم في حياته الدنيا على الأرض. وبفضلها يدخل الجنة لينعم بالرضوان والغفران ويسعد بالنعيم المقيم.
اما الحضارات الأخرى. عند قياسها بمقياس الإسلام الدين الحق. فإنها تتيح للمنتمين إليها تمتها وهميا في الدنيا. وتؤول بهم الى الخلود في الجحيم في الآخرة وذلكم هو الضياع والخسران.
ونظرة واعية إلى الوضعيتين في الدنيا والمصيرين في الآخرة نستطيع أن نفهم منذ الوهلة الأولى أن حضارة الإسلام هي الحضارة الحقة، بكل اختصار وكفى.
فمن أراد أن ينال سعادة الدارين. الدنيا والآخرة. فليتحضر بحضارة الإسلام. أينما كان. تلك حضارة  الله وكفى بها حضارة.
ومن شاء أن يعيش في سراب التمتع الوهمي الزائف. والغرور الكاذب. يهلك نفسه وجسمه بكافة الموبقات والمضرات. ويصلى سعيرا دائما في آخرته فدونه ما يشاء من حضارات.
وهذا  أيضا بإيجاز ويكفى....
وهل هي حضارة تلك التي توصل المنتمي إليها إلى الجحيم ليخلد في الشقاء والهوان والسعير ؟!
بئست حضارة هذه الحضارات.
والإسلام قبل هذا وبعده. دين الوعي الحق.. والوعي الصافي الذي لا تشوبه أية شائبة من شوائب الضلال أو الزيغ أو الغرور.
أما الفلسفات فكثيرها يجنح إلى ألوان الشوائب والمغريات الضالة المغرضة التي تجتذب إليها التعساء من البشر. وتحيد بهم عن جادة الصراط القويم، وتفرقهم في "لا وعي" اثم باطل باسم " وعي" وهمي براق. وهم يعلمون وكانهم لا يعلمون. أوهم لا يعلمون وكأنهم يعلمون. وهم يعون وكأنهم لا يعون. أو هم لا يعون وكأنهم يعون...
وعندما تزول غشاوات الوهم عن الأعين والبصائر ينجلى لهم الخسران الذي أصابهم والضياع الروحي والعقلي الذي وقعوا فيه ان الإنسان ما ينفك باحثا عن الكرامة الإنسانية وشروطها اللائقة التي تلائم أوضاعه وظروفه المجتمعية في كل تطور اجتماعي شامل يكتسح المجتمعات الإنسانية في الأرض أو يهددها بالاكتساح.
ولكنه لن يجد كرامته المنشودة الا في ظل الكرامة الالهية الحقة التي وهبها الله للإنسان منذ وجوده على الأرض. والتي بينها الإسلام وأكدها.
وشتان ما بين ما هو إلاهي رباني حق وبين ما هو إنساني ينشد الحقيقة ويبحث عما هو حق !
ومهما تهافتت الفلسفات الضالة المعادية للإسلام. وتجددت. ومهما كانت أساليبها مباشرة ظاهرة أو غير مباشرة ومستترة فإنها ستبوء بالفشل الذريع.
فالإسلام هو الإسلام الدين المنتصر دائما لإنه دين الله الحق. ولأن الله هو الخالق العظيم للكون اللانهائي اللامحدود...
وما يبرح الإنسان يبحث عن الحقيقة وينشدها. ويطول به البحث ويتشعب. ولكن الحقيقة قريبة منه جدا وهو لا يشعر. والحقيقة الحقة هي الله الخالق الحق. والإسلام دينه الحق للعالمين !
ونحن اذ نستقبل القرن الخامس عشر بروح تغمرها البهجة والتفاؤل لا ينبغي . بأي حال من الأحوال. أن يخفى علينا أبدا كقرن ليس إلا مجرد قياس كبير للزمان بعد العقود والسنوات والشهور والأسابيع والأيام والساعات والدقائق والثواني. لا يستطيع أن ينجز لنا ما نرغب في انجازه من أعمال عظيمة الشأن. جليلة الأغراض.
بعيدة الامتدادات والغايات. انه مجرد وسيلة قياسية نستعين بها في تاريخ ماثرنا وتسجيل مفاخرنا .
أما العول عليه حقيقة في إنجاز ما نستهدفه من أهداف وأغراض وغايات. وتحقيق ما نطمح إليه من جلائل الأعمال وعظائم الأفكار والامال والمشاريع والتصاميم والمخططات فهو نحن انفسنا... نحن الذين نصنع التاريخ كما نريد.ونصوغ احداثه ووقائعه كما نشاء.. ان صحت منا العزائم وعلت بنا الهمم مراقي الإسلام.
بالاسلام ارتفعنا دائما. وبه علا شأننا. ولن نرتفع ويعلو شأننا إلا به.
انه الوحي الإٍلهي. والعلم الإلهي. والفكر الإلهي. واجدر بالإنسان المخلوق العابر في هذه الحياة الدنيا . أن يتبع وصى الله الخالق وعمله فكره.
لقد أصبنا بسبب انعزالنا. وانطوائنا على أنفسنا داخل حدودنا. وعدم مواكبتنا النهضة العلمية الأوربية وثورتها الصناعية بما يمكن أن يسمى " صدمة المسبوق " في سباق حضاري إنساني نتيجة تأخرنا وتخلفنا في الصفوف الاخيرة للمتسابقين.
ولكننا اجتزنا الصدمة بسلام في القرن الرابع عشر وعلينا ان نجتاز مضاعفاتنا ونتجنب انتكاساتها بفضل اجتهادنا وابداعنا وابتكارنا لنفوز في السباق الحضاري الانساني في القرن الخامس عشر بحول الله وقوته.
ان هويتنا في السباق الحضاري الانساني هي اننا مسلمون ندين بالاسلام. وتنتمي الى حضارته.
هذه هي هويتنا الحقيقية. من خلالها ينظر إلينا وبها نعرف انسانيا وعالميا وحضاريا. انها جوهر غايتنا وفلسفتنا الروحية والحضارية والعمرانية  في عالمنا.
وتفرض الأصالة على الإنسان الأصيل أن يعتز بهويته ويتمسك بها . ويحافظ عليها. ويدافع عنها عند الاقتضاء.
فليس من السهل ان يتخلى الإنسان عن هويته أن يتنازل عنها. انه ان فعل ذلك فإنما يكون قد ارتد والمرتد. لا يوثق به ولا بانتمائه الجديد. ويكون قد خسر هويته الأصلية. وخسر أيضا انتماءه الجديد الذي يغدو فيه مجرد امعة وألعوبة وأضحوكة !
وليس السباق الحضاري الانساني مجرد سباق ككل السباقات الرياضية التي تسودها روح الرياضة. ولكنه سباق من نوع خاص يتخذ صراع عنيف مستمر. مستتر وظاهر. ومتكتم وعلني لايعرف هوادة ولا رحمة. ولا توقيف أو انقطاع يسير طبق مخططات استراتيجية معدة باعتناء تهتم بسائر الشؤون العسكرية والسياسية والافتصادية والثقافية وغيرها.. والويل كل الويل لمن غفل. ونام. واغتر. وضعف. وتوانى.
الأهداف الاستراتيجية والسياسية هي الأساسية دائما أما الباقي فوسائل وأسباب وممهدات.
وروح الغزو جوهرها. ودافعها. وحافزها.
والاستيلاء والاستيلاب. والتوسع في مد النفوذ مقاصدها وأغراضها.
لقد مررنا نحن مسلمين طيلة مسيرتنا منذ 14 قرنا خلت بتجارب سياسية وعسكرية وثقافية واجتماعية واقتصادية غنية جدا في عطاءاتها وفي مردوداتها وغم الانتكاسات المحن. والأهوال. في تاريخنا العزيز بالملامح من العظات والعبر والدروس ما يكفينا لاسترداد وعينا بحقيقة عظمتنا وأمجادنا ومكارمنا.
ان  " صدمة المسبوق " في السباق الحضاري التي اجتزناها بسلام في القرن الربع عشر والتي ما تزال تعاني منها لاسيما في الميدان التقنولوجي لا يجب بأي حال من الأحوال أن تستمر بالنسبة لنا كسبب يعكر علينا صفاء وعينا الحق. أو تكون كوسيلة تستخدم ضدنا لإيقاعنا في افخاخ " الاستيلاب " الذي ينصبها لنا الغزو الفكري بشتى أشكاله الفكري المغرية.
واذا كان الحديد لا يفله الا الحديد. كما يقول مثلنا العربي فإن الغزو الفكري لا يفله الا الدفاع الفكري.. يعني هذا أن الفكر المعتدي عليه الذي أصبح هدفا للغزو الأجنبي يجب ان يدافع عن نفسه. وعن كيانه. وعن ذاتيته. بنفسه بمعطياته الكيانية وبمقوماته الذاتية.. لؤمن بقاءه ويضمن استمراره في صراع فكري بين الأقوياء من مواقع القوة ومن أجلها لا ينتصر فيه إلا الفكر الأقوى.
والفكر الإسلامي. كما نعرف جميعا. فكر قوي جدا بل فكر فلسفي وحضاري أقوى قاوم مختلف ألوان الغزو الفكري منذ 14 قرنا وغلبها وانتصر عليها.
هنا تتجلى لنا قيمة الفكر الحضاري الإسلامي وقوته وعظمته.
نعم. ان عظمة الفكر الحضاري الإسلامي هي أنه كان دائما هدفا للغزو الفكري الأجنبي أولا. وأنه ينتصر في صراعه الفكري الحضاري على كل غزو فكري ثانيا.
وإذن يجدر بنا أن نستفيق من كل صدمة أصابتنا. وأن نؤوب إلى رشدنا وصوابنا. وأن نسترجع صفاء وعينا الحق لكي نتمكن من مجابهة الغزو الفكري الأجنبي الذي يستهدف " اللعب " بالضعفاء. وبالمخدوعين به. وبفاقدي الوعي الحق.. وتنتصر عليه.
لقد قالت أميرة في الشام في الماضي عندما وقعت في اسر أعدائنا قولتها المشهورة التي غذت مثلا " بيدي لا بيد عمرو ".
أفلا يليق بنا أن نصوغ قولة أخرى مماثلة لقولتها تكون شعارنا في مواجهة الغزو الفكري الأجنبي الذي لا يكف عن تهديده وتحديه لنا فنقول.
- بفكري لا بفكر الأجنبي.
ان الاستقلال الفكري هو جوهر الاستقلال السياسي واساسه. وهو روح السيادة الوطنية والقومية....
المسلمون في الإسلام إخوة....
والنصوص من القرآن في الموضوع كثيرة وكذلك النصوص من الحديث النبوي الشريف.
انها اخوة في الله وأكرم بها اخوة وأنعم.
واخوتهم ليست مجردة اخوة في الإيمان والعقيدة والعبادة فقط. وإنما هي اخوة بعيدة الغايات والأهداف والأغراض تتعمق في الحياة الاجتماعية لتشمل التعامل. والنصح والمساواة ... والعلاقات الصادقة. والنصوص في القرآن والحديث منيرة.
وهذا مهم جدا لبناء مجتمع إسلامي متوسط لا فقر فيه ولا فقراء. ولا بؤس ولا بؤساء. يليق بالأمة الوسط مصدقا لقوله لله عز وجل.
" وجعلناكم أمة وسطاء "...
وكل الاستراتيجيات المعدة لنهضة المسلمين وارتفاعهم إلى مستوى المكارم والعزائم والأمجاد ينبغي أن تنطلق من المجتمع الوسط في الأمة الواحدة وتعتمدها وتعمل على تحقيقها...
ليكون انطلاقا من قاعدة اجتماعية سليمة قوية مبنية .
ذلك لأن البعد الإنساني لحقيقة الكرامة الإنسانية للمسلم في الإسلام هو ألا يكون ضعيفا ولا جاهلا. ولا فقيرا. ولا عاطلا. ولا معوجا في سلوكه. ولا حائدا عن مكارم الأخلاق !
وهو أهم بعد في الحضارة الأساسية وقيمها العليا وفلسفتها.
وكأننا . بعد مرور 14 قرنا. نجد أنفسنا من جديد أمام ضرورة بناء الأنسان المسلم والمجتمع المسلم في إطار الأمة الإسلامية الوسط.
ان امام المسلمين في القرن الخامس عشر مسؤوليات ضخمة تفوق مسؤولياتهم في القرن الرابع عشر وفي كل قرن مضى وتتجاوزها. وهي تتركز في إعلاء شأن الإسلام واظهار حقيقته للعالمين ناصعة وضاحة صافية. والتأكيد على قيمة دوره الحضاري الإنساني وأهميته في إقامة صرح السلم والتوازن والاعتدال في عالم مضطرت حائر.
بالتمسك الحقيقي بالإسلام . وبالقيم العليا لحضارته فقط يمكن أن ينال المسلمون احترام العالم واعجابه. انهم بفضله يصبحون القوة العظمى البديل الموثوق بها. وبعدلها. وبنزاهتها. وبسماتها عندما تدلهم السماء فوق مجموع الأرض بغيوم الشك والارتياب والقلق والخوف والهلع والرعب.
ولعل جرد جميع أحداث ووقائع القرن الرابع عشر وفحصها. ونقدها ذاتيا وتقييمها قمينا بأن يضع المسلمون أمام وسائل قوتهم . ويبين لهم أسباب ضعفهم.
ويبدأ القرن الخامس عشر والعالم الإسلامي في موقع حضاري لا بأس به بالنسبة لسائر المواقع الحضارية...
ولكأني بالمسلمين في كل مكان في العالم الإسلامي يتطلعون بصبر وشوق الى رؤية الحضارية الإسلامية تشرق باشعاعها من جديد على جميع أركان الأرض ونستعيد مكانتها المرموقة....
وكل مسلم في حاضرنا أدرى بالإسلام وشؤون المسلمين دراية تامة...
والسبيل إلى الأمجاد والمكارم والغزائم معروف وواضح هو سبيل الله. الصراط المستقيم...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here