islamaumaroc

الإنسان مادة

  دعوة الحق

210 العدد

الباحث في هذا الركن الركين الذى قامت عليه النظرية الماركسية اى المادة الجدلية لا بد مكتشف لحقيقة هامة طبعت الفكر الماركسي وتحكمت في اتجاهاته وهي النزعة العلمية التي سادت عصر ماركس ودفعت به في صموح مدمر الى استخدام المنهجية العلمية التى غزت العلوم الحقيقية ( الفيزياء – الكيمياء – الأحياء الخ..) ما اسماه بالقوانين الطبيعية التى تحكم تطور المجتمعات البشرية وبدا تاثره بدارون في اكثر من موضع حتى يمكن الجزم بأنه نقل إلى نظرياته في الفلسفة والاقتصاد والاجتماع عددا من المفاهيم الأساسية المستمدة من علم الحيوان !
ويبدو تأثر ماركس بدارون في موضعين على الأقل :
أولا :
قوله بأن الكائنات الحية تتبع في تطورها طريقا حتميا لا مناص منه يترتب على ضغط البيئة الخارجية على الكائن الحي ومحاولة الكائن بالتالي تكييف حياته مع هذه البيئة ومن هنا تنقرض أعضاء أو وظائف معينة أثناء عملية التطور لعدم ملائمتها للبيئة وتنمو بدلا منها أعضاء ووظائف جديدة أكثر منها ارتقاء وتعقيدا. غير أن الكائنات الحية وهذا هو الهام هنا لا إرادة لها في هذا التطور ولا حول إنما هو مفروض عليها من الخارج كقدر لا يدفع. فلا قبل لهذه الكائنات اذن في التحكم في درجة التصور ومداه ولا قدرة لها في تحويله عن مساره فالأمر في كل ذلك متروك للبيئة الخارجية للطبيعة.
وقد طبق ماركس واتباعه هذه النظرية تطبيقا كاملا على التطور الإجتماعي وزعموا أن ما يمكن استخلاصه من النتائج صحيح.
ثانيا :
النظرة المادية البحثة للانسان تلك النظرة التي تقترب به من الحيوان فتنكر عليه النوازع الروحية والمثل العليا وتحصره في محيط ضيق لا يتعدى مطالب الجسد ومدركات الحس.
حقيقي أن ماركس قد استحدث تغييرا فلسفيا عندما اخذ بمقلوب الديالكتيك عند هيجل وخرج منه في النهاية بمفهوم المادية الجدلية غير أنه لم يؤمن الا بالجانب المادى في الإنسان فالعقل عند ماركس ما هو إلا أداة مادية تعكس المؤثرات الخارجية ثم تتأثر بها ولكنه ليس في حد ذاته بالحقيقة الفعالة المؤثرة : " ان الافكار يبتدعها دماغ الإنسان وهذا الدماغ ليس إلا مادة ددقيقة التركيب وهو جزء من الجسم عكس مؤثرات العالم الخارجي.
ولعل أفضل ما يرد به على هذه الفكرة هو الحقيقة البديهية في أن الفكر عامل هام رئيسي في تغيير الواقع الإجتماعي ولكنه ليس محكوم دائما بهذا الواقع وليس مرتبطا به ارتباط السبب بالمسبب ولا خاضعا له خضوع التابع للمتبوع. فهذه الحتمية الالية التي يؤكدها ماركس يرفضها العلم وتنفيها التجربة. فالنظريات والآراء والانظمة السياسية ان هي الا مجموعة أفكار قد تكون منبثقة عن فكرة كلية وقد لا تكون وقد تكون ناجمة عن واقع موجود أو نابعة عن شئ مجرد يراد جعله واقعا.
فإذا كانت منبثقة عن فكرة كلية فهي مستمدة من أفكار وبالتالي فقد نشأت عن فكر. وإن كانت غير منبثقة عن فكرة كلية أوجدها الفكر من الواقع. وإن كانت صادرة عن واقع موجود فهي لم تستخلص منه وحده بل شاركت في ايجادها معه المعلومات الفكرية المسبقة. وإن كان الفكر متعلقا بشيء يراد ايجاده فإنها لم تنشأ عن واقع كائن بل عن فكر محض.
ويقطع في هذا ان البحث عن منشا الراء والنظريات والنظم السياسية والاجتماعية السائدة اليوم في الاتحاد السوفيتي ( أى ما يعرف عند ماركس بالابنية الفوقية ) لا يمكن أن يكون في واقع حياة المجتمع السوفيتي المعاصر ولا في واقع حياة هذا المجتمع عندما اندلعت التورة البلشفية انما يكون في الأفكار الماركسية ذاتها وما تفرع عنها من مبادئ ونظريات.
ان هناك اقتصادا أساسيا يتشابه في كل الدول التي بلغت درجة واحدة من التقدم التكنولوجي فوسائل الإنتاج المستخدمة في الولايات المتحدة " الرأسمالية " هي ذاتها وسائل الإنتاج المستخدمة في الاتحاد السوفيتي " الإشتراكي " وعلى الرغم من ذلك – فان استخدامها في الاتحاد السوفيتي لم يفرض عليه بالضرورة أن يكون وأسمالية بل أنه لم يبدأ في استخدام هذه الوسائل على نطاق واسع الا بعد ان تحول الى " الاشتراكية".....
فـأسلوب الإنتاج إذن ليس بالقوة الجبرية الحتمية التي تشل حركة الإنسان وتخضعه لسلطانها القاهر. والدليل أن الإتحاد السوفيتي تصرف في شكل النظام الاقتصادي والاجتماعي ( الابنية الفوقية ) تصرفا حرا فرتب نظم الإنتاج والتوزيع والعمل على النحو الذى رسمه لنفسه ولم يكن هناك اجبار أو حتمية إزاء هذا الأسلوب الإنتاجي يرغمه على انتهاج طريق معين لا مناص منه. وبالمثل تصرفت دول أخرى إزاء ذات الوضعية تصرفا اخر. وكان هذا التصرف وذاك نابعا عن إدراك معين أو عقيدة معينة سابقة في وجودها على قيام التنظيم الإقتصادى مؤثرة في هذا التنظيم ومحددة لأساليبه وأهدافه...
ولا يقدح في هذا القول بأن الإدراك " أو العقيدة " هو بدوره نتيجة لعوامل اقتصاية سابقة عليه في كل من الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة لان هذا لا ينفي الإختيار الحر والتصرف الارادي في أشكال التنظيم السائد في كل منهما.
فالفكر عامل كبير في قيام الأنظمة والنظريات والأراء وان لم يكن العامل الوحيد وإليه يسند الدور الأكبر في تغيير كيان المجتمع بالنهوض به أو تعطيل نموه ... وإليه يعود أمر تكييف العلاقات الإجتماعية وتحديد السلوك الإجتماعية وتحديد السلوك الإنساني الى حد بعيد.
ومثال من واقع التاريخ العربي والإسلامي فيه الدليل كل الدليل على بطلان الزعم بأن واقع الافراد المادى هو الذى يحدد ادراكهم. فواقع العرب المادى يوم جاء الإسلام كان في تناقض كامل مع قيمه وتعاليمه. وجاءت قيم الإسلام وتعاليمه لتحدد لهم المادية وسلوك معيشتهم كذلك واقع البلاد التي دخلها الإسلام كان هو الآخر في تناقض كامل مع قيم الإسلام وتعاليمه وعلى الرغم من ذلك طبقت هذه القيم والتعاليم على مجتمعات هذه البلاد فقلبتها كلما وجعلت منها مجتمعا واحدا متماسكا يحكمه نظام واحد وتسوده عقيدة واحدة هو المجتمع الإسلامي.
ففي هذا لمثال المحسوس يتضح كيف ان العقيدة هي التي أثرت في واقع الحياة المادية فغيرت منه أى أن هذه العقيدة هي العقيدة هي التي حددت للناس معيشتهم وطرائق سلوكهم إلى درجة كبيرة سواء عندما نزلت هذه العقيدة مع قيام الرسالة المحمدية في الجزيرة العربية أو حين حملت ونقلت الى خارجها عند انتشار الإسلام إلى أطراف الأرض بالفتوحات أو الدعوة .
إن القيم الاخلاقية مثلا ليست فقط انعكاسا للوضعية الإقتصادية كما يقول ماركس وأتباعه بل أن لها مقياسا ثابتا في كل زمان ومكان. جاءت الأديان لتؤكد هذا المقياس وترسم حدوده في وقت كان الواقع الإقتصادي للمجتمعات وخاصة المجتمع العربي الجاهلي يبيح الغزو والقتل والإغتصاب والإعتداء على أموال الغير واهدار حقوق المرأة .. الخ.
ومثال بسيط يقدم الدليل على أن القيم الأخلاقية ليست بالضرورة انعكاسا للواقع الإقتصادى .. فالصدق يعتبر قيمة أبدية لا يتغير جوهرها بتغير العصور... ولا يتبدل فحواها بتبدل المراحل .. فإذا رايت إنسانا وادعيت انك لم تراه ... واذا سمعت إنسانا وادعيت أنك لم تسمعه ... وإذا لمست جدا وادعيت أنك لم تلمسه ... فأنت في كل الأحوال مجانب للصدق ... ومرتكب للكذب ... سواء كنت في عصر الفراعنة أو في عصر الرومان... أو في العصور الوسطى ... أو في العصر الراهن.....
...تلك الأمور وغيرها تعتبر اليوم من البداهة بحيث لا تحتمل النقاش والجدل فالإنسان يولد ومعه على الأقل ميلاد مستقلان عن واقع الحياة المادية ، حب الحياىة والرغبة الجنسية عندما يحل موعدها المحدود. وهاتان النزعتان على الأقل لا تنشان عن العوامل الاقتصادية ظالمة كانت هذه العوامل أو غير ظالمة. محققة لأطماع الاقظاع أم لشهوات البرجوازية ... فكل مخلوق يوجد في هذا الكون تحت ظل اى نظام اجتماعي يتشبت بأهداب الحياة ولا يتركها إلا مكرها وتدركه الرغبة الجنسية ولا يمسك عنها إلا جاهدا وكل ما يمكن أن يصنعه الواقع المادى بظروفه الإقتصادية هو (تكييف) الصورة التي يحيا بها الإنسان أو ملاءمتها فيرفعه الى حياة القصور أو يهبط به الى عيش الكهوف. والصورة التي يقضي بها حاجته الجنسية فيقضيها في الطريق العام أو البيت أو الغابة. ولكن هذا الواقع المادى ليس بمنشئ لهذه الرغبة أو تلك فهي كلها من أصل نابع عن النفس فقط.
هذه الحقيقة من الوضوح والبساطة بحيث يستحيل انكارها ... ولكن ماركس واتباعه استطاعوا مواجهتها والخروج بتفسير ملائم ينقد النظرية من تكذيب الواقع فذهبوا الى التسليم بان الغرائز تستقل في وجودها عن البناء التحتي لانها من العناصر اللاصقة بجوهر الإنسان وبالتالي لا يمكن لها أن تتغير ألا بتغير هذا الجوهر. وبذلك يتستثني المراكسة حب البقاء والرغبة الجنسية من الخضوع لقانون المادية الجدلية.
وهذا حق .. ولكن أريد به باطل !
فهذا الإستثناء قصد به انقاذ الظرية من المأزق الذي تردت فيه عندما ردت كل ما هو معنوى الى واقع الحياة المادية ثم اكتشف أنصارها أن هناك ميولا غريزية في الإنسان لا تستقيم وهذا التخريج فأعملوا اجتهادهم لاستثناء بعض الغرئز من الخضوع لقانون المادية الجدلية . ولكن اجتهادهم هذا أسقطهم في مأزق جديد .. أشد حرجا وأفدح خطرا.
فمن المعلوم أن إلغاء الملكية الفردية تعتبر من الأركان الأساسية للنظرية الماركسية وهنا يثور التساؤل : هل غريزة حب التملك تعتبر بدورها مستقلة في قيامها عن البناء التحتي.. أم هي لاحقة بهذا البناء . وبمعنى اخر هل هي غريزة ترتبط بجوهر الإنسان ام بأنماطه السلوكية التي تتشكل وفقا للواقع الإجتماعي.
يجيب المراكسة هنا أيضا بغير تردد بقولهم أن حب التملك ليس الغريزة اللاحقة بجوهر الإنسان ولكنه من أنماط البناء الفوقي التي تتبع الواقع المادى للمجتمع وجودا وعدما.
يا للعجب !!
حب البقاء غريزة ..
والرغبة الجنسية غريزة.....
حب التملك والاقتناء ليس بالغريزة ولكنه سلوك ينبثق من الواقع المادى للمجتمع !!
ونحن نسأل المراكسة إن كان حب التملك والإقتناء...
حب الإستحواذ على الأشياء والإستئتار بها قد تغير في الإنسان منذ بدء الخليقة أم أنه ظل ثابت الجوهر على الرغم من التغيرات والتقلبات التي طرأت على الواقع المادى للمجتمعات البشرية.
هل كان طفل العصور القديمة أقل نزوعا إلى الأثرة والتملك من طفل العصور الوسطى أو الحديثة ؟
إن مؤدى النظرية الماركسية هو اختلاف النزعة السلوكية تجاه الاقتناء والتملك باختلاف العصور والنظم.
فسلوك طفل العصر الإقتصادى القديم (حيث يسود نظام الأموال المباحة والملكية المشاعة ) يختلف عن سلوك طفل العصر الإقتصادى الحديث  (حيث تسود النظم الرأسمالية والملكية الفردية ) وهذه النتيجة كما يبدو غريبة كل الغرابة عن الواقع التاريخي والشواهد الملموسة.
فحب الإقتناء والتملك أصل من الأصول النفسية التي تقوم على حب الذات قبل حب الغير ... وحب إيثار هذه الذات بالأموال والأشياء ان هو الا اشباع لجانب غريزى في الإنسان لايتبدل بتبدل العصور ولا يتغير بتغير الأزمان. فالطفل السوفيتي الذى تربى في نظام يلغي الملكية الفردية ليس أقل نزوعا إلى الإستئتار والتملك من الطفل الأمريكي الذي تربى في نظام يبيح الملكية الفردية ويقدسها....
لقد استطاع النظام السوفيتي منذ أكثر من نصف قرن من الزمان الغاء حق الملكية ... ولكنه لم يستطع منذ أكثر من نصف قرن من الزمان الغاء غريزة التملك ( او حب التملك) من نفوس المواطنين السوفيت.. وما التهافت على الملكية والسعى إلى اقتناء الذهب... وانتشار السوق السوداء إلا من الظواهر الدالة على مدى تمكن هذه الغريزة من نفوس السوفيت على الرغم من عظم الضربات التي أنزلتها الدولة بالملكية والملاك.
ومرة أخرى يخلط المراكسة بين النشوة والتكيف .. فحد اليقين الذى لا مراء فيه أن غريزة حب الإقتناء والتملك أصل من الأصول النفسية التي ترتبط بجوهر الإنسان. وهي بهذا الوصف مستقلة في جودها عن الواقع الإقتصادى ولا تخضع بحال لمراحل تطوره وكل ما يفعله هذا الواقع هو تكييف هذه الغريزة وتشكيلها بنا يتلاءم وظروف كل مرحلة ولكنه لا يخلقها بحال من العدم.
هذا هو الخلط الذى يسقط فيه المراكسة ... عندما تصوروا أن غريزة حب التملك بناء فوقي يتغير بتغير الواقع المادى. ومع كل ذلك فهم لا يتحرجون من هذا الخلط ولا يستحون... لأن الحياء عندهم بناء فوقي !!

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here