islamaumaroc

المظاهر الثقافية في الحضارة الإسلامية: الكيمياء والعلوم

  دعوة الحق

210 العدد

من المظاهر الثقافية الحضارية للإسلام والتي قطع العرب فيها شوطا طويلا الكيمياء والعلوم. فلا خلاف أن العرب هم الذين أسسوا الكيمياء الحديثة بتجاريهم ومستحضراتهم. ويعتبر خالد بن يزيد الأموى أول من نقل علم الكيمياء إلى اللغة العربية. وقد نقل هذا العلم عن مدرسة الأسكندرية. وعن خالد هذا أخذ علم الكيمياء جعفر الصادق الذى توفى سنة 140 هـ بعد هذا تطالعنا في المجال الكيميائي أسماء لامعة في تاريخ الحضارة الإسلامية أمثال: جابر بن حيان والكندى والرازى وغيرهم. ويعود إلى هؤلاء العلماء الفضل في اكتشاف كثير من المركبات التي بنيت عليها الكيمياء الحديثة. فالقلويات معروفة في المصطلحات الحديثة باسمها العربي. وقد ذكر محققو الإفرنج أن العرب هم الذين استحضروا ماء الفضة (حامض النتريك). وزيت الزاج ( حامض الكبرتيك). وماء الذهب (حامض النيتروهيدروكليريك). واكتشفوا البوتاسا وروح النشادر وملحه. وحجر جهنم (نترات الفضة). والسليماني (كلوريد الزئبق). والراسب الأحمر (أكسيد الزئبق ) وملح الطرطير. وملح البارود (نترات البوتاسا). وكبريتات الحديد والكحول والزرنيخ. وغير ذلك من المركبات التي لم يصل الينا خبرها. على أننا نستدل من وجود بعض المركبات الكيماوية في أيامهم مما لم يكن له مثيل في تاريخ الكيمياء قبلهم. فقد أشار ابن الأثير إلى مادة كيماوية استخدمها العباسيون في واقعة الزنج سنة 269 هـ إذا طلى بها الخشب امتنع احتراقه. بيد أنه لم يذكر لنا ماهي.
ويذكر للعرب أيضا أنهم أول من وصف التقطير والترشيح. والتصعيد والتبلور والتذويب. وفوق هذا ألف العرب في إبطال الكيمياء القديمة. وأول من ألف ذلك منهم يعقوب الكندى أواسط القرن الثالث الهجرى.
ومن العلماء العرب البارزين في عالم الكيمياء جابر بن حيان الذى عاش في أواخر القرن الثامن من الميلاد. وهو صاحب الفضل فيما عرفه الأوربيون عن ملح النوشادر. وماء الذهب والبوتاس وزيت الزاج وبعض السموم. وقد ترجم له كتاب السبعين وكتاب تركيب الكيمياء إلى اللغة اللاتينية في أوائل القرن الثاني عشر. وظلت كتبه المرجع الأساسي في هذا العلم بين الأوروبيين حتى أواخر القرن السابع عشر. فترجم كتابه الاستتمام إلى اللغة الفرنسية سنة 1972.
ومن العلماء العرب أيضا أبو بكر الرازي المتوفي سنة 932. وهو أول من اكتشف زيت الزاج الذى يستخرج بتقطير كبريت الحديد وأن الكحول يستخرج بتقطير المواد اللبية أو السكرية المختمرة ونقلت كتب الرازى كما نقلت كتب جابر بن حيان. ومنها تلقى الأروبيون تقسيم المواد الكيماوية إلى نباتية وحيوانية ومعدنية. وتقسيم المواد المعدنية أدق تقسيم عرف في العصور الوسطى. وكان علماء الكيمياء قبل ذلك يرون أن المعادن مركبة من عناصر كثيرة غير معروفة. وكان هؤلاء العلماء يسمون هذه العناصر -على حسب الأحوال- ببعض الأسماء كالكبريت والزئبق حتى وإن لم تدل هذه الأسماء على العناصر التي أطلقت عليها.
وفي الحقيقة فإن لعلماء الكيمياء العرب اكتشافات كثيرة. ويدلنا على ذلك كثرة ما كان مجهولا قبلهم من المركبات التي ذكروها في مؤلفاتهم ومن ابتداعهم لفن الصيدلية. كمايستدل على مقدار معارفهم في الكيمياء الصناعية من حذقهم لفن الصباغة. واستخراج المعادن. وصنع الفولاذ ودباغة الجلود.
وأما علم النبات فللعرب القدح المعلى في دراسته والتأليف فيه. وقد أخذوا هذا العلم عن المعارف اليونانية والهندية. ففي عهد الخليفة المتوكل ترجم كتاب ديسقوريدس العالم اليوناني إلى العربية. ترجمه اصطفان بن باسيل. وقد ظل هذا الكتاب هو المعول لدارس النبات حتى أواخر القرن الرابع الهجرى. ثم جاء ابن جلجل فألف كتابا فيما فات ديسقوريدس ذكره وجعله ذيلا لذلك الكتاب.
بعد ذلك نبغ ابن البيطار المالقي النباتي أواسط القرن السابع للهجرة. وقد درس هذا العالم كتاب ديسقوريدس وتفهمه. ثم سافر إلى بلاد اليونان وإلى أقاصي بلاد الروم. وقابل جماعة يزاولون دراسة النبات. وأخذ عنهم معرفة نبات كثير عاينه في مواضعه. واجتمع أيضا في الغرب وغيره بكثير من علماء النبات وعاين منابته بنفسه. وذهب إلى الشام ودرس نباتها. وجاء الديار المصرية في خدمة الملك الكامل الأيوبي. وكان يعتمد عليه في الأدوية والحشائش. حتى جعله رئيسا على العشابين. وبعد طول ذلك الاختبار ألف ابن البيطار كتابا في النبات. وهذا الكتاب فريد في بابه. وكان عليه معول أهل أوربا في نهضتهم الحديثة.
ومن المبرزين في علم النبات رشيد الدين بن الصورى المتوفي سنة 689 هـ صاحب كتاب الأدوية المفردة. وكان هذا العالم كثير البحث والتدقيق يخرج لدرس الحشائش في منابتها. ويستصحب مصورا معه ليصور الأصباغ والليق على اختلافها وتنوعها. ويتوجه إلى الأماكن التي بها النبات في لبنان وسوريا فيشاهد النبات ويحققه. ويريه للمصور فيلاحظ لونه ومقداره ورقته وأعضاءه وأصوله. ويصور بحسبها بالدقة وهذا غاية ما يقوم به الباحثون في هذا العلم في الوقت الحاضر.
وفي الطبيعات أخرج العرب الثقل النوعي لكثير من العناصر والجواهر النفسية. ونقلوا رأى الإغريق في الجاذبية. وتعليل الثقل وفحواه أن الأجسام الثقيلة مجذوبة إلى معدنها من مركز الأرض. وأن الأجسام الروحانية مجذوبة إلى أصلها في السماء، ولكن البيروني شك في ذلك ووجه إلى ابن سينا سؤاله الذي يدل على ميله إلى القول بأن الأجسام كلها مجذوبة إلى مركز الكرة الأرضية. وذلك حيث يقول:
ما الصحيح من قول القائلين، أحدهما يقول إن الماء والأرض يتحركان إلى المركز. والهواء والماء يتحركان من المركز، والآخر يقول: إن جميعها يتحرك نحو المركز، ولكن الأثقل منها يسبق الأخف في الحركة إليه ؟
وقد مهدت هذه الآراء سبيل "نيوتن" إلى اكتشاف قانون الجاذبية وتعليل الثقل على الأساس العلمي الأحدث، وللبيروني أيضا فضل السبق إلى درس السوائل في عيون الأرض ومرتفعات الجبال. وما تحكم به حركاتها في حال التوازن والارتفاع. ومن رواد هذه المباحث في اللغة العربية أبناء موسى بن شاكر أصحاب "كتاب الحيل" الذي يعد أصلا "الميكانيكا" قبل تطورها الأخير في عصر الآلات.
وعلى سذاجة البحوث التي انتهى إليها علم التاريخ الطبيعي قبل القرن الثامن عشر كانت مؤلفات العرب خير المراجع في هذه العلوم للأوربيين. فإنهم جمعوا المتفرق من المعلومات القديمة عن الحيوان والنبات وزادوا عليه وتوسعوا فيه فنقلوا عن الهنود والكلدان واليونان. واعتمدوا على المشاهدة في بلادهم وغير بلادهم.
لم يهمل العرب تطبيق المباحث النظرية على الصناعات. وقد كان لصناعات العرب تفوق عظيم بفضل معارفهم العلمية. فمن المعروف عن العرب أنهم كانوا يعلمون استغلال مناجم الكبريت والنحاس والحديد والذهب. وأنهم كانوا ماهرين في الدباغة. وأنهم أتقنوا فن تسقية الفولاذ. وأنه كان لمنسوجاتهم وجلودهم وورقهم شهرة عالية. ولعل التاريخ الأوربي لم يتأثر بشيء من كشوف العرب في المعدنيات كما تأثر بكشف البارود واستخدامه في قذائف الحصار وأسلحة القتال.
هذا - بإيجاز - ما أسهم به العرب في الكيمياء والعلوم. وقد اتضح لنا من العرض السابق أن المؤلفات العربية التي وضعت في هذا المجال كانت لأصالتها عمدة المراجع التي اعتمدت عليها معاهد أوربا وجامعاتها حتى القرن الثامن عشر. وبالتالي كانت الأساس الذى اعتمدت عليه النهضة الأوربية الحديثة.  

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here