islamaumaroc

شارع الملك (قصة)

  دعوة الحق

210 العدد

كيف نسيت هذا الحدث ، لا ادرى !
انا الذي كتبت ما يملأ مجلدا من الاحداث والقصص الواقعية التي رويتها عن العائدين من منطقة الغسق .. تلك المنطقة الغامضة العابرة بالاسرار التي يلتقي فيها العالمين : الظاهر والباطن ، عالما الغيب والشهادة ..
قال لي صديقي محمد عيسى وهو يثقب سيجارة ، وبشمه وينصت اليه !
- كيف نسيت هذه الواقعة وقد كدت تكون احد اطرافها ؟
قلت وانا اراقبه يشعل السيجارة بعناية ، ثم يدخل الجزء المشتعل فى فمه ، وينفخ فيه فيخرج الدخان كنافورة من الثتب ، ومعه غبار التبغ :
- لا أدرى .. ولكنى لم اكن بعد بدات اهتم بعالم الغيبيات والارواح .. اهتمامي بهذا الميدان ، بدا فى الستينات بعد استقرارى بالولايات المتحدة .
وأعاد السيجار الى فمه ، واخذ يمص دخانه ونحن ننتظر القصة بشوق كبير واخيرا بدا :
" حدث ذلك فى خريف سنة 1954 ، اى بعد سنة بالضبط من سفرهم الى مصر .. وغادرت انا المغرب للالتحاق بكم هناك .
نزلت من الباخرة فى الاسكندرية ، وفى جيبي رسالتك الاخيرة الى قبل ان اغادر المغرب ، كانت عامرة بالتفاصيل والارشادات التي يجب ان انبعها اثناء سفرى .. حتى ارتام الحافلات والتزام ، والعناوين بالتدقيق .
ولكن الذى كان يملأ راسي فى تلك اللحظة التى نزلت فيها من الباخرة بميناء الاسكندرية هو تحذير انك الحمراء المتكررة من ذئاب الميناء ، وكلاب الجمارك ، والسماسرة والشيالين .. فما زلت اذكر ما قلته لى عن المبلغ الذى اخذه السماسرة منكم بالميناء ليخرجوكم من الجمرك وقسم الجوازات ! خمس جنيهات ! راسمال كامل ! اما انا فلم يكن فى جيبي ساعة نزرلي على ارض النيل غير اربع جنيهات فقط !
وحرصت عل الا ادفع اى شيء لاحد .. واستطعت اجتياز الجمرك والشرطة بدون دفع قرش واحد ! ربما لانني كنت ابدو لهم صغير السن ، وعديم المال .. فقد كنت احمل حقيبة ملفوفة فى لحاف مربوط حولها بشريط ، فلم يطمع فى احد ..
وفى المحطة سالت عن اول قطار الى القاهرة
فقيل لى سيقوم بعد ساعة .
وجلست على احد الارائك الخشبية الكبيرة انتظر .. واصبحت هدفا سهلا لسماسرة المحطة ، كلهم يريد ان يبيعنى سلعته ، او يمسح حذائي ، او يشترى لى تذكرة سفر .. وانا احرك واسى رافضا ومشيحا عنها بوجهى.
ولم اشعر كيف جلس وجل .. التفت فوجدته هناك .. كان فى حوالى الثلاثين او الاربعين ، نحيفا شاحب الوجه ، هادئ الملامح ..
ولسبب ما لم يزعجنى وجوده المفاجئ بجانبي وغم تحذيراتك الصارخة التي اكاد اسمعها من داخل رسالتك فى جيبي .
وحاء احد سماسرة المحطة وسالني :
- هل معك تذكرة ؟
فقلت : لا ..
وحين عرض على ان يشتريها لى رفضت ، واشحت عنه بوجهى اشارة له بالانصراف ، ولكنه اصر على خدمتى رغم انفى .. فاشار الى شارة نحاسية على صدره ، وقال :
- انا شغال رسمى هنا – فلا تخف .. ساشترى لك التذكرة الى اي بلد تريد دون حاجة منك للوقوف فى الصف .. انا اعرف البيه الذي وراء شباك التذاكر ! وحين لم اقتنع خلع شارته النحاسية ووضعها حجرى ..والتفت الى الرجل الجالس بجانبي النمس مساعدته على تخليصى من هذا المساعد الثقيل ، نحرك لى راسه وقال :
- لا تخش شيئا – اعطيه خمسين قرشا ليشترى لك التذكرة .
ودون ان اراجع تحذيراتك ، مددت للرجل الخمسين قرشا ، وقلت له .
- درجة ثالثة من فضلك !
وفعلا عاد الرجل بعد بضع دقائق بالتذكرة والرد ، فاعطيته خمسة قروش بقشيشا ، وشارته النحاسية ، فانصرف شاكرا.
والتفت الى الرجل ممتنا فابتسم ظل ابتسامة سالني :
- من اين حضرتك ؟
- من المغرب .
ثم صححت :
- من مراكش –
فحرك رأسه فاهما :
- محمد بن يوسف ! والجلاوى وبن عرفة – علال بن عبد الله – الى غير ذلك من اسماء الاشخاص والاماكن التي اقترنت بمعركة استقلال المغرب.
وفى القطار وجدت نفسى مرة اخرى فى نفس الغرفة مع ذلك الرجل النحيل الشاحب . فابتسم لى وحيانى تحية من يعرفني – وظل صامتا طول الطريق ، لا يتكلم الا اذا خاطبته . ورغم صمته ، فقد اخرج لى من جيبه بطاقة وقال :
- خذ هذه ، اذا احتجت الى اى شئ اتصل بى بهذا العنوان.
ووضعت انا البطاقة فى محفظتى متاكدا من اننى لن احتاج اليها ..
وحين وصلنا محطة باب الحديد بالقاهرة سالنى :
الى اين انت ذاهب ؟ هل تعرف احدا بالقاهرة.
حين اجبت بالايجاب سالني :
- هل تعرف كيف تصل ؟
فاخرجت الرسالة ، وقرات له العنوان :
- بيت المغرب – شارع السلولى رقم 12 – قبالة (كلية البنات) ترام (15) او اوتوبيس (6)
فقال :
اتبعنى اذن .. ذلك هو اتجاهي .
وركبنا الترام الى (الدقى).. وظهرت لى المسافة بعيدة جدا ، فلم اكن عشت قبل ذلك فى مدينة فى ضخامة القاهرة واتساعها ، بدلت اشك فى اتجاه الترام ، رغم ان رقمه (15) ، وفى المحطة التي ينبغى ان انزل فيها .
وبعد ما يقرب او يزيد عن العشر كيلو مترات نزلنا . وساعدنى الرجل النحيف فى حمل حقيبتى الى شارع السلولى ، ولم استرح وتذهب وساوسى حتى قرات اسم الشارع على الحائط ، ورايت لوحة كلية البنات ، ومقابلها (بيت المغرب) بحديقته الجرداء ونوافذه المكسرة الزجاج..
وكنت انت جالسا فى البلكونة فنزلت مع صاحبنا احمد الرياحي وقباقبكما تطقطق على الرخام كاللقالق حتى تعانقنا على الباب .. وخرج عدد من الطلبة الذين كانوا يعرفوننى فاجتمعوا حولى وهم يلتسون البيحامات والشباشب والقباقب ، كما يجتمع المعتقلون على الاسير الجديد .
والتفت حولى بحثا عن الرجل الذى جاء بى هنا لاشكره ، واقدمكم له ، ولكنه اختفى وكأن الارض بلعته .. وجريت لألحقه قبل ان يلوى الشارع فلم اجده ..
وسالنى الرياحى عما ابحث فقلت له عن الرجل المصرى الذى تطوع لمرافقتى ، فقال آسفا :
- خسارة ! كان لا بد ان نشكره حقيقة ! هل تعرف اسمه ؟
فقلت :
- لقد ترك لى اسمه وعنوانه . واخرجت من محفظتى بطاقة كان اعطانى اياها فى القطار للاتصال به فى القاهرة اذا احتجت لشئ .
وقرأها الياحى ، وقال :
- 10 شارع الملكة – اعرف هذل العنوان – ليس بعيدا من الاسعاف .. غدا لا بد ان نذهب اليه، ونشكره ، فامثال هذا الرجل قليلون !
- ودخلنا بيت المغرب ، وسهرنا تلك الليلة على اخبار المغرب ، والفدائية ، رسائل العائلة التى حملتها اليكم .
وفى الغد لم ينس الرياحى وعده ، وهو كما تعرفه ، حريص على اصول اللياقة والآداب الاجتماعية. وكنت انت مشغولا بعمل ما ، فلم تذهب معنا ، وركبنا الترام الى شارع الملكة ، ونزلنا عند المحطة القريبة من عنوان صاحبى ، وبحثنا عنه فعثرنا عليه يسهولة .. كان دكان حانوتى – دافن اموات ! وسالنا عن اسم صاحبنا ، فسالنا صاحب المحل بدوره بنوع من الفضول الممزوج بالاستغراب .
- كيف عرفتموه ؟
فاخرجت له بطاقته ، فنظر الى البطاقة ، وسالنا :
- من اعطاكم هذه ؟
- صاحبنا بنفسه .
- متى ؟
- بالامس وانا قادم معه بالقطار من الاسكندرية.
- مستحيل !
- لماذا ؟
- هذا الرجل كان صاحب هذا المحل فعلا قبل ان آخذه انا .. ولكنه مات منذ سنة ! انا الذى جهزته للدفن بنفسى ..
فلما وصفته له فتح الرجل فمه عجبا ، وغرق فى تامل عميق !
واخذت انا البطاقة من بين انامله وتركته لتاملاته .." 

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here