islamaumaroc

التجربة الأخيرة

  دعوة الحق

210 العدد

جرب المسلمون مع مطالع القرن الرابع عشر الديمقراطية الغربية فأخفقوا في الوصول إلى استقرار سياسي وسلام اجتماعي ورخاء اقتصادي ، والتجأوا إلى الاشتراكية دون أن ينتهوا إلى نتيجة تضمن لهم ما يتطلعون إليه من كفاية وعدالة ومساواة وتكافؤ للفرص وقضاء على الفوارق ومحو للطبقات ، وعمد بعضهم إلى تبني الأنظمة الديكتاتورية . سواء منها ذات الطابع العسكري والبوليسي أو ذات النزعة العنصرية والقومية الضيقة ، فلم يزدهم ذلك إلا تخلفا واندحارا وامعانا فى التخبط والفوضى والتيه . وقامت في البلاد الإسلامية تجارب ستى . شرقية وغربية. مدنية وعسكرية . متطرفة ومعتدلة. يزدادوا الا انحرافا وزيغا عن الصراط المستقيم وطريق الحق وسبيل الرشاد ومضى القرن الرابع عشر بكل الانتكاسات والهزائم والتجارب الدامية والفاشلة التي عرف بها ، فمن الانقلابات الى الثورات ، الى الضطرابات ، الى الديكتاتوريات المتعددة الأشكال والأنماط ، ومن القهر الى الارهاب ، الى القمع ، الى امتهان الكرامات واذلال العباد وافقار البلاد وتمزيق الصف . ومن العمالة والخيانة والتواطؤ مع عدو . الى التآمر ضد الامة باسم الثورة والتقدمية. والى التطاول على عقيدة الشعوب المسلمة بدعوى تحريرها وتحديثها وعصرنتها. والى النيل من القيم والمقومات والمقدسات. ومن تشويه التاريخ وتزييف حقائق الى تضليل الافكار وتخدير العقول تارة بدعوى العلم والعلمانية . وتارة اخرى باسم التنوير والمدنية. بدعوى العلم والعلمانية. وتارة اخرى باسم التنوير والمدنية. وفي غالب الاحيان بالضغط والاكراه والتهديد والاساليب الوحشية في التبليغ والدعاية والاعلام والتعليم والتلقين دون مراعاة لحقوق الانسان في التلقي والتعلم والاخذ والاقتباس والحرص على ذاتيته وانسيته وقيمته الادمية. وكان من نتائج هذه الغارة على الانسان المسلم على مدى قرن كامل ان تفشت فى البلاد العربية انماط من السلوك الذي يستمرئ الذل الفكري ويستسيغ المسكنة وانحطاط الشان ويرضى بالخنوع ووضاعة المكانة ، اللهم الا ما كان من نماذج ابت على الذوبان وانفلتت من الاحتواء والاستيلاء والاجهاض. ورضت ان تكون حرة وسط غابة كثيفة يفترس فيها وحوش الانس ذوي الارادات الضعيفة والاستعداد للسقوط فى حماة الضياع الحضاري والارتباط بالقوى الشرسة المتامرة ضد اصحاب الفكر النير وعزة النفس وقوة الارادة وصلاحية الاختيار ، وانتشرت في البلاد العربية والاسلامية انظمة الجبروت تفتك بالانسان وتقتل فيه النخوة والرجولة والشعور بالذات فكان ان نشات اجيال متعاقبة لا بفقه من امر دينها مثقال ذرة. ولا تدرك حدود حضارتها ومعالم تاريخها. ولا تكاد تعي وجودها المادي والمعنوي. مما مهد الطريق امام اعداء الانسان ليعيثوا في الارض فسادا ويدمروا الشخصية الانسانية من الداخل ويقيموا لانفسهم هياكل من الوهم والخرافة والاسطورة ويخلقوا لذواتهم صروحا من الخيال اضغاث الاحلام وفاسد التصورات وساقط الشعارات. وبذلك انقادت الشعوب الاسلامية وراء جلاديها. وسارت دون وعي في طريق الغواية والضلالة والبهتان. فضاعت فلسطين . وضاعت الكرمة الاسلامية بضياعها . وانزوى المسلمون في جانب . وخلا الميدان من وجودهم . واصبح شذاذ الافاق ابطالا وزعماء وقادة .اوجدوا لانفسهم تلامذة وانصارا ومريدين.
في هذه الاجواء القاتمة الملبدة بسحب الردة والتراجع والانهزام الحضاري مضت القوى الدولية الرهيبة تضرب معاقل الاسلام وحصونه معقلا بعد معقل وحصنا اثر حصن . فتساقط منها ما تساقط. وتضعضع ما تضعضع. وانهار . وزلزلت الارض من تحت اقدام
المسلمين، فإذا ه في وضع لا يحسدون عليه، تتناوشهم السهام من كل جانب، وتتواطأ ضدهم أمم الارض، وصدق فيهم حديث رسولهم عليه السلام، فإذا هم كثرة، ولكنها كثرة كغثاء السيل،وتلك من دلائل النبوة في هذا العصر.
ما من أمة من أمم الأرض أصابها ما اصاب أمة الإسلام على مدى تاريخها الطويل، وكان نصيبها من الهزال والضعف والعجز في القرن الرابع عشر أضخم وأكبر مما نالها على امتداد القرون السابقة. وبذلك أمكن القول إن جميع القوى الدولية المتصارعة في ساحة الأمم ساهمت بطريقة أو بأخرى في التآمر على أمة الإسلام في العصر الحديث.
ولكن هذه الأمة خيبت ظنون أعدائها وانتعثت على حين غرة. وقامت تسعى إلى استرداد مكانتها تحت الشمس وتدافع عن حقها في الوجود الحر القوي المكثف. وتكافح من اجل البقاء والحياة الكريمة. ومن هنا كانت حركات الصحوة واليقظة العسكرية منها التي انتهت بطرد الجيوش الغازية أو الفكرية والسياسية التي لاتزال تعمل عملها في إيقاظ الهمم واستنفارها وحفزها ودفعها الى المزيد من التحرك الحضاري الإيجابي في الاتجاه الذي يحقق القوة والمناعة والعزة للمسلمين في كل مكان.
يمكن لنا أن نجزم دون مبالغة او مغالاة ان الوضعية الراهنة للمسلمين في مشرق العالم الإسلامي زمغربه تبشر وتطمئن القلب. ذلك ان الازمات الخانقة التي تعيشها الأمة الإسلامية لا يمكن ان تكون إلا إيذانا بزوال أسباب التخلف وقرب الخروج من المأزق . وما هذه الفتن والقلاقل والفواجع والحرائق التي تملأ الساحة الإسلامية إلا الام المخاض وقمة العسر الذي كتب الله ان يعقبه يسر طال الوقت ام قصر. وتلك سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلا.
ليس من شك أن المسلمين يمرون اليوم بظروف بالغة السوء والشدة والإفلاس.
وليس من شك – أيضا – أن المسلمين يقفون على مفترق طرق. وتحاصرهم معارك من شرق وغرب على السواء. ولكن هذا الواقع الشديد الحلكة والقتامة والسواد لا يمكن ان يمنعنا من التفاؤل طالما ان الاسلام لا يزال هو القوة المحركة والحافز والدافع المباشر في كل ساحة يصطرب فيها الوضع وفي كل ميدان بشتد فيه الوطاة على المسلمين. وذلك بالرغم من غلبة القوى المناهضة لهذا الدين وتفوقها وبطشها. بل ان هذه الصفات جميعا ما هي الا ارهاصات النصر وعلامات الفوز وامارات الغلبة التي كتب الله في اللوح المحفوظ منذ الازل ان تكون للمرمنين.
الامر في هذا المستوى يخرج عن نطاق التفاؤل والتشاؤم. او التخمين والرجم بالغيب او التنبؤ. لانه يتعلق بقضية ايمانية هي جزء من ايمان المسلم في كل عصر. ذلك ان الاسلام قاهر كل عقيدة. وتبقى مسالة التوقيت وهذه خارجة عن علمنا وارادتنا وتقديرنا.
من هذه الزاوية نتطلع الى افاق المستقبل. بهذا المقياس نحكم على الماضي والحاضر ونستقرئ ما تموج به حياتنا المعاصرة من صخب وصراع وفتنة واضطراب.
والحق ان التجارب المريرة التي مر بها المسلمون طوال القرن الرابع عشر الهجري ليست الا دروسا وعبرا وعظات ومن حقنا ان نعمل عقولنا . في وعي كامل . في تدبر النتائج المستخلصة والستيعابها حتى تكون لنا مصابيح على طريق المستقبل.
ان العالم الاسلامي وهو يعيش السنة الاولى من القرن الخامس عشر يتلمس طريقه في وعي وبصيرة نحو استعادة دوره الحضاري. ولن تفلح كل القوى المعادية في ايقاف زحفة المبارك.
وهو زحف ما في ذلك شك ومبارك لان الله يرعاه ويزكيه ويباركه.
وتلك هي عقيدتنا...
وذلك هو يقيننا ...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here