islamaumaroc

الإمام الخطابي رائد شرح البخاري.

  دعوة الحق

207 العدد

من بين عيون التراث الإسلامي الذي عثرت عليه وأنا أقوم بتحضير أطروحة الدكتوراه في موضوع " مدرسة الإمام البخاري في المغرب". كتب ناذرة ونفيسة أغلبها غير معروف وفي مقدمة ما وجدت من تلك النفائس والنوادر كتاب أعلام السنن في شرح البخاري، للإمام الخطابي ويعتبر أول شروح صحيح البخاري على الإطلاق- فيما نعلم – كما سنتبين ذلك فيما يلي في أثناء دراستنا لهذا الكتاب بعد ترجمتنا(1) لصاحبه.

اولا :التعريف بالإمام الخطابي :
حياته :
أبو سليمان أحمد(2)بن محمد بن إبراهيم الخطابي البستي من سلالة زيد بن الخطاب بن نفيل العدوي.
الإمام المحدث الأديب الرحال(3)، ولد بمدينة بست من بلاد كابول الأفغانية في شهر رجب سنة 319 للهجرة، وبها توفي في ست من ربيع الآخر سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة الموافق لسنة 998 ميلادية.
ولا نعرف شيئا عن بداية أمره ونشأته بمسقط ٍأسه،حيث لم يشر إلى شيء من ذلك كل الذين ترجموه وأرخوا له. رحل كثيرا إلى البلاد الإسلامية من أجل الرواية والسماع و الأخذ عن الشيوخ بالحجاز والعراق وخرسان وبلاد ما وراء النهر وغيرها (4).
فقد اخذ الفقه عن أبي بكر القفال الشاشى وأبي علي بن أبي هريرة. وسمع الحديث بمكة من أبي سعيد بن الأعرابي، وسمع ببغداد من إسماعيل بن محمد الفار وطبقته، ومن أبي بكر بن داسة بالبصرة، أبي العباس الأصم بنيسابور(5). كما أخذ اللغة عن أبي عمر الزاهد، وأبى جعفر الزاز وغيرهم(6).
أشهر الآخذين عنه :
ولما استكمل حظه من السماع والرواية، وشهد له شيوخه أساتذته بالتفوق والتحصيل والإدراك، عاد إلى بلده وتصدر للإقراء والإملاء، فأقبل الناس عليه يروون عنه ويسمعون منه،وكان ممن روى عنه وسمع منه : الحافظ أبو عبد الله بن البيع المعروف بالحاكم الفارسي.
والحافظ المؤرخ عبد الغفار بن محمد الفارسي وأبو القاسم عبد الوهاب الخطابي. والشيخ أبو حامد الاسفرايني ، وأبو نصر محمد بن سليمان البلخي الغزنوي وأبو مسعود الحسين بن محمد الكرابيسي. وأبو عمرو محمد بن عبد الله الزرجاهي و سواهم كثير(7). وأبو ذر عبيد بن أحمد الهروي.
وصفه :
وصفه الحافظ أبو المظفر السمعاني في كتاب "القواطع في أصول الفقه" قال : "قد كان من العلم بمكان عظيم، وهو إمام من أئمة السنة صالح للإقتداء به والإصدار عنه"(8)، و " كان حجة صدوقا"(9). وقال عنه أبو سعيد ابن الأعرابي :
"لو أن رجلا لم يكن عنده من العلم إلا المصحف الذي فيه كتاب الله ثم هذا الكتاب – يعني معالم السنن – لم يحتج معهما إلى شيء من العلم البتة"(10). ووصفه الحافظ الذهبي في التذكرة : "بالإمام العلامة المحدث الرحال" ثم قال : "وكان ثقة متثبتا من أوعية العلم..(11)
شعره :
وقد كان الإمام الخطابي أديبا شاعرا لغويا ترك شعرا جيدا وظريفا ذكر بعضه ياقوت الحموى، وابن السبكي ومنه قوله : (12)
أرض للناس جميعا
          مثل ما ترضى لنفسك
انما الناس جميعا
            لكنهم أبناء جنسك
فلهم نفس كنفسك
            ولهم حس كحسك
ومنه قوله : (13)
قد أولع الناس بالتلاقي
              والمرء صب إلى هواه
وإنما منهم صديقي
             من لا يراني ولا أراه
ومنه قوله : (14)
إذا خلوت صفا ذهني وعارضني
                     خواطر كطراز البرق في الظلم
وان توالي صياح الناعقين على
                     أذنى عرتني منه كنه العجـــــم
ومنه قوله : (15)
لعمرك ما لحياة وان حرصنا
                عليها غير ريح مستعارة
وما للريح دائمة هبوب
                ولكن تارة تجري وتارة
ومنه قوله : (16)
تسامح ولا تستوفي حقك كله
                    وابق فلم يستقص قط كريم
و لا تغل في شيء من الأمر واقتصد
                   كلا طرفى قصد الأمور ذميم
آثاره :
لقد كان الإمام الخطابي كثير الكتابة، كثير التصنيف، كثير التدريس، وقد خلف كتبا كثيرة، وتصانيف مهمة، وخاصة في علم الحديث، فنذكر منها :
كتاب غريب الحديث
وكتاب معالم السنن في شرح أبي داود، وهو مطبوع في جزءين
كتاب شرح الأسماء الحسنى
وكتاب العزلة
وكتاب المنية عن الكلام(17)
وكتاب أعلام السنن في شرح صحيح البخاري
وكتاب إصلاح غلط المحدثين
وكتاب النجاح
وكتاب تفسير الأدعية المأثورة عن رسول الله عليه وسلم(19).
وكتاب بيان إعجاز القرآن وهو مطبوع(20)
وكتاب معرفة السنن والآثار(21)
ثانيا : التعريف بكتاب أعلام السنن :
أتشرف بأن أقدم للعالم الإسلامي ولرجال الفكر والمحدثتين منهم على الخصوص أول شروح صحيح الإمام البخاري على الإطلاق – فيما نعلم – إذ لا يعرف التاريخ الإسلامي العلمي شرحا قبله لكتاب الصحيح. كما أنني أعتبر أول من ينشره، ويقدمه للباحثين والدارسين غير مسبوق إليه – فيما اعلم -، وقد كان بودي أن أقوم بتحقيقه قبل نشره لولا أن النسخة الثانية الموجودة بالخزانة الملكية قد أصبحت عديمة الفائدة والجدوى لالتهام الأرضة لأغلب صفحاتها، ولذلك تعمدت تصوير بعض الصفحات ليتأكد استحالة الاعتماد عليها في التحقيق والمقابلة بالإضافة إلى أنها مبتورة وناقصة، لا يمكن التعويل عليها ومقابلتها مع النسخ الكاملة التي نشرتها ملحقا.
وأنني إذ أسجل هنا هدا السبق في النشر والتقديم بما يضفيه للبحث العلمي هذا السفر النفيس، والتراث الإسلامي العظيم معلنا التزامي بتحقيقه وطبعه في المستقبل القريب إن شاء الله عند طبع أطروحتي.
والنسخة التي ننشرها لأول شرح للبخاري من ذخائر الخزانة العامة (قسم المخطوطات) ضمن كتب مكتبة   تامكروت، وليس عليها اسم الكاتب أو عنوانه الذي أخذناه من فهرس نوادي المخطوطات العربية المعروضة في مكتبة جامعة القرويين بفاس بمناسبة مرور ألف سنة على تأسيس هذه الجامعة، حيث جاء فيها اسم الشرح كاملا كما يلي :
"أعلام السنن في شرح أشكل من أحاديث البخاري(22)
أما نسخة الخزانة الملكية والتي صورنا بعض صفحتها المتآكلة فهي مسجلة تحت عدد 1822 ، وقد كتب على أولها اسم الكاتب، كما يظهر في الصفحة الأولى منه وهو كما يلي :
"كتاب الأعلام في شرح معاني جامع الصحيح" :
لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل  بن ابراهيم البخاري رحمه الله "تصنيف الإمام أبي سليمان أحمد بت محمد الخطابي البستي رحم الله روحه ونور ضريحه آمين".
ويمكننا أن نستشف كون هذا الكتاب أول شرح البخاري من عدة مصادر أولها مقدمة الكتاب نفسه حسبما شرح مؤلفه إذ قال في مقدمته :
"..فان جماعة من إخواني ببلخ كانوا سألوني عند فراغي لهم من إملاء كتاب معالم السنن لأبي داود سليمان بن الأشعت السجستاني رحمه الله أن أشرح لهم كتاب الجامع الصحيح للإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله وأن أفسر المشكل من الأحاديث وأبين الغامض من معانيه، وذكروا أن الحاجة إليه كانت أمس و المؤونة على الناس فيه أشد، فتوقفت إذ ذاك عن الإجابة إلى ما التمسوه من ذلك إذ كنت استصعب الخطة وأستبعد فيه الشقة لجلالة شأن الكتاب، وأنه كما قيل كل الصيد في جوف الفرا، ولما يشتمل عليه من صعاب الأحاديث وعضل الأخبار في أنواع العلوم المختلفة التي قد جل عن أكثرها كتاب المعالم، إذ كان معظم القصد من أبي داود في تصنيف كتابه ذكر السنن والأحاديث الفقهية وغرض صاحب هذا الكتاب  انما هو ذكر ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من حديث في جليل العلم أو دقيق،وكذلك أدخل فيه كل حديث صح عنده في تفسير القرآن وذكر التوحيد والصفات ودلائل النبوة ومبدأ الوحي وشأن المبعث، وأيام رسول الله صلى الله عليه وسلم وحروبه ومغازيه وأخبار القيامة والحشر والحساب والشفاعة، وصفة الجنة والنار وما ورد منها في
القرون الماضية وما جاء من الأخبار والمواعظ والزهد والرقائق إلى ما أودعه بعد من الأحاديث في الفقه والأحكام والسنن والآداب ومحاسن الأخلاق وسائر ما يدخل في معناها من أمور الدين.
"فأصبح هكذا كنزا للدين وركنا للعلوم وصار لجودة نقله وشدة تمسكه حكما بين الأمة فيما يراد أن يعلم من صحيح الحديث وسقيمه وفيما يجب أن يعتمد ويعول عليه منه ثم إني فكرت بعد فيما عاد ‘ليه الزمان في وقتنا من نضوب العلم وظهور الجهل وما عليه أهل البدع وانحراف كثير من أبناء الزمان إلى مذاهبهم وإعراضهم عن الكتاب والسنة وتركهم البحث عن معانيها ولطائف علومها ورأيتهم حين هجروا هذا العلم وبخسوا حظا منه وامنعوا الطعن على أهله.."
إلى أن يقول :
"...وتحققت أن يكون للأمر فيما يناجز  من الزمان أشد والعلم فيه أعز لقلة عدد من أراه اليوم يعني بهذا الشأن ويهتم به اهتماما صادقا. ويبلغ مبلغا صالحا. فخص بي النية في أطلابهم ما سألوه، وثابت إلى الرغبة في إسعافهم ما التمسوه منى، ورأيت في حق الدين والنصيحة لجماعة المسلمين أن لا مانع ميسور ما أسبغ له من تفسير المشكل من أحاديث هذا الكتاب ودقيق معانيه ما تلقه معرفتي، ويصل إليه فهمي ليكون ذلك نصرة لأهل الحق وحجة على أهل الباطل والزيغ، فيبقى ذخيرة لعامل الزمان يخلد ذكره ما اختلف الملوان، والله لذلك المعين عليه." .
وهكذا يظهر من المقدمة الذكورة أن الظروف والأسباب الداعية إلى تأليف شرحه كثيرة. أولها حاجة الناس. إلى شرح البخاري، كما يلاحظ أن الإمام الخطابي لم يذكر أو يستدل بأي شرح يكون اعتمد عليه أو نقل منه، مما لا نجد له أثرا في جميع الكتاب، ومما يرجع أنه أول شروح البخاري، ناهيك وأن الشراح بعده كثيرا ما ينقلون عنه ويعقبون عليه بناء على هذا الاعتبار.
وثانيها أن جميع الذين أرخوا للفكر الإسلامي، واهتموا بتدوين ما كتب حول مصنفات الحديث وفي مقدمتها صحيح البخاري لم يذكروا شرحا قبله، وذكروا أعلام السنن باعتباره أول الشروح، كما فعل أغلب من ترجموا للخطابي وآثاره ومنهم : حاجي خليقة "في كشف الظنون" فقد كتب حوله ما يلي :
"وأما الشروح فقد اعتنى الأئمة بشرح الجامع الصحيح قديما وحديثا وصنفوا عليه شروحا منها : "شرح الإمام أبي سليمان أحمد بن محمد الخطاب المتوفى سنة 388 ، وهو شرح لطيف فيه نكت لطيفة ولطائف شريفة وسماه أعلام  السنن.(23) كما ذكره صاحب "مقدمة لامع الدراري على الجامع الصحيح" في أول قائمة شروح البخاري في أثناء كلامه عليها.
ومنهم فؤاد سزكين في موسوعته العظيمة، تاريخ التراث العربي، فقد وضعه عند الكلام على شروح صحيح البخاري في مقدمته الشروح واعتبره أولها(24) .
النسخ الموجودة منه في النسخ المغربية :
يوجد بالمغرب من كتاب أعلام السنن نسختان :
- الأولى بالخزانة العامة ضمن كتب خزانة تامكروت وهو المنشور ملحقا لأطروحتنا.
- والثانية بالخزانة الملكية.
نسخة الخزانة العامة :
لا نعرف من هذه النسخة نفسها اسم صاحبها ولا من نقلها وجلبها إلى المغرب غير أن وجودها ضمن ذخائر خزانة تامكروت يدل على أنه ربما تكون ضمن ما نقله واشتراه الشيخ أبو العباس أحمد ابن ناصر الدرعي من كتب وتراث في رحلته إلى الحج، عندما اشترى نسخة من الرواية اليونينية لصحيح البخاري،ونقلها معه، فلربما تكون هذه النسخة أيضا ضمن مشترياته وما نقله من كتب أثناء حجه.
أما الخط الذي كتبت به فهو شرقي، وقد سجل ناسخه اسمه في النسخة نفسها كما هو واضح : "فرغ من إتمامه العبد المذنب الراجي رحمة ربه شمس الدين فخر الدين ابن الشيخ  تقي الأصبهاني.
وقد بلغت صفحات النسخة اربعمائة وتسعة وأربعين صفحة وهي في مجلد.
نسخة الخزانة الملكية :
وتوجد بالخزانة الملكية نسخة من شرح الإمام الخطاب مسجلة تحت عدد 1822 ، مكتوبة بخط شرقي أيضا، غير أنها مبتورة، وقد أكلت الأرضة أغلب صفحاتها، مما جعلها عديمة الجدوى، ولا يمكن التعويل عليها والاستفادة منها في التحقيق أو المقابلة، مما لا يسمح بالتعرف على صاحبهما وناقلها كاتبها ولا تاريخ كتابتها ونقلها.
!

(1) انظر ترحمته في :
وفيات الأعيان  1/208 و 209
فهرس ابن خير ص 201 .
طبقات الشافعية 2/218 – 222
شذرات الذهب 3/ 127 و 128
مرآة الجنان 2/435 -441
كشف الظنون 1008 و 1032 و 1205 و 1410 و 1439 و 1739 و 1908
معجم المؤلفين2/61 و 4/74
الأعلام للزركلي 2/ 273
(2) وقد نعت الذهبي بالوهم من سماه حمد بدون ألف تذكرة الحفاظ  3/ 209
معجم الأدباء4/141 و 143
المنتظم لأبن الجوزي 6/397
بغية الوعاة 239
تذكرة الحفاظ 3/ 209  و 211
النجوم الزاهرة 4/199
بروكلمان 1/165
(3) تذكرة الحفاظ 3/209
(4) معجم الأدباء 4/141
(5 طبقات الشافعية 2/218  و تذكرة الحفاظ 3/209
(6) معجم الأدباء 4/141
(7) تذكرة الحفاظ 3/209
(8) طبقات الشافعية 2/218
(9)  معجم الأدباء 4/141
(10) طبقات الشافعية 2/218
(11) تذكرة الحفاظ 3/209 و طبقات الشافعية 2/218
(12) طبقات الشافعية 2/ 219
(13) معجم الأدباء4/142 و 143
(14) المصدر السابق 4/142
(15) المصدر السابق
(16) معجم الأدباء4/142
(17) تذكرة الحفاظ 3/ 209
(19) فهرس ابن خير ص 201
(20) الأعلام للزر كلي 2/273
(21) كشف الظنون 1739
(22) قائمة نوادر المخطوطات ص 18 (180 ق)
(23)
(24) تاريخ التراث العربي المجلد الأول ص 312 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here