islamaumaroc

الإيديولوجية الاجتماعية عند الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون

  دعوة الحق

205 العدد

توطئة  :
اعتبر نفسي من المحظوظين السعداء الدين نالوا شرف التحدث عن السيد الشريف الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون (1) في الذكرى المائوية لالتحاق بالرفيق الأعلى رضي الله عنه ، وقد ينطبق على الكاتب كلام الامام البوصيري في همزيته اذ قال :
 واذا سخر الاله أناسا لسعيد ، فانهم سعداء!
فالكاتب الذي سخره الله للمساهمة في احياء أمجاد شخصية بارزة شريفة مجيدة كشخصية السيد رضي الله عنه سعيد اذن ، ومغتبط بهذه المناسبة التذكارية الشريفة التي تقيمها الاسرة الريسونية النبيلة ، وأصحاب السيد الاوفياء الذين ورثوا هذا الوفاء للبيت الريسوني الشريف ، ولشخصية السيد اللامعة ،من الأباء والاجداد ، الذين قلدوه  أمانة  روحية سامية في اعناق الابناء و الاحفاد.
وليست بعيدا عن اسرة السيد رحمه الله ، فأنا واحد من الاحفاد الذين كان لابائهم وأجدادهم شرف القرب من السيد و آل ل بيته ، فقد كان جدنا المجاهد الحاج محمد الشاوش المتوفي سنة 1292 هن– 1875م ، يتمتع بعطف السيد ورضاه الشريف ، وقد توج هذا الرضا والعطف بزواج السيد الشريف بالسيدة فاطمة بنت محمد الشاوش ، فكانت نعم الزوجة لنعم الزوج ، أخلصت له وأخلص لها الى أن اختاره الله لجواره سنة 1299 هـ – 1882م ،   وبقيت على العهد والوفاء لبيته وأسرته الى أن لحقت به سنة 1307 هن – 1890م ، وطبيعي أن يكون هذا الحفيد الكاتب وفيا لجده الراقد بالزاوية الريسونية العامرة ، ووفيا لعمة والده التي كرست حياتها على خدمة السيد زوجها وزاويته حيا وميتا ، ووفيا لولده الذي كان يجد في الزاوية الريسونية الشريفة خير بيت يلجأ اليه كلما شعر بالحاجة الى الراحة  النفسية والهروب من متاعب الحياة وصخبها الى رحاب الله الفسيحة في الزاوية الريسونية ، وكأنه بذلك يصل رحما كانت الدوافع النفسية الاصيلة ترفعه الى وصله ، وكان بذلك رحمه الله يلقن أولاده دروسا ثمينة في الاخلاص والوفاء وصلة الرحم.
(*) أقيمت في تطوان حفلة ثقافية كبرى بمناسبة الذكرى المائوية لوفاة المربي الكبير الولي الصالح الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون رحمه الله ( 16 شوال 1299 – 16 شوال 1399) شارك نخبة من الكتاب والادباء في ابراز مآثر الشيخ رحمه الله ومناقبه. وهذا نص العرض الاجتماعي الذي شارك به الكاتب في هذه المناسبة التاريخية.

الجانب الاجنماعي للسيد  :
ولست أنا الذي اخترت الكلام في هذا الموضوع الموسوم بالجانب الاجتماعي للسيد الشريف رضي الله عنه ، ولكن اللجنة المشرفة على احياء الذكرى المجيدة هي التي اختارت لي هذا الموضوع وعهدت الي بالكتابة فيه ، وهو موضوع لو خيرت في اختيار غيره من موضوعات المناسبة لاخترت غيره ، لام يتسم به من خطورة وشمولية من حيث هو موضوع  اجتماعي ، خصوصا وأن الامر يتعلق بالحديث عن الحياة الاجتماعية لشخصية كبيرة هي شخصية السيد رضي الله عنه.
فالحياة الاجتماعية تعني عدة أمور متداخلة يتصل بعضها ببعض كالسلسلة ، كلما اهتزت حلقة منها اهتزت بقية الحلقات ، وذلك ما ذكره الدكتور جميل صليبا في معجمه الفلسفي نقلا عن ابن سينا في رسالة الحدود اذ قال : « الاجتماع هو وجود أشياء كثيرة يعمها معنى واحد» (2) ، وكلمة  « الاجتماعية » تعني  فلسفيا العلاقات الاجتماعية ومجموع الصفات التي يميز بها الشيء الاجتماعي ، وهذه الصفات أو الظواهر لا بد لها من أسباب تؤثر فيها وتكون سببا في ظهورها ، وذلك ما ذهب اليه العلامة ابن خلدون المتوفي سنة 809 هـ – 1406م  في مقدمته. وجاء بعده الكاتب مونتيسكيو المتوفي سنة 1755م . ليؤكد تعليل ظواهر الحياة الاجتماعية بأسباب طبيعية . ثم جاء الفيلسوف الفرنسي أوغست كوتت المتوفي سنة 1857م . ليقرر ان الظواهر  الاجتماعية هي موضوع علم الاجتماع .
وهكذا يجد الكاتب نفسه واقفا وجها لوجه في هذا الموضوع أمام علم الاجتماع أو «السوسيولوجيا » التي تفرض عليه أن يصنف الرجل الكبير الذي يتحدث عنه في من تميزوا بمذهب اجتماعي خاص في حياتهم . وأصحاب المذاهب الاجتماعية الاسلامية  الاصيلة هم صانعو الحضارة الاسلامية ، وهم رواد الفكر الاسلامي بما اشتمل عليه من كلام وتصوف وأخلاق وسياسة ، وبما تميزوا به من تذوق خاص للمعاني الاجتماعية ، وتأويل رفيع للنصوص الاسلامية ، واحساس رهيف بالاشارات الكونية ، وفهم عميق للتصرفات الانسانية ، ونقد دقيق للاوضاع السيايسية ، ولعل السيد الشريف حسب ما استفدناه من المصادر والمراجع زاخرة بنثل هذه المواقف الفكرية الفلسفية التي اشرنا اليها، والتي تجعل منه شخصية اجتماعية نادرة في القرن الثالث  عشر الهجري  الموافق للقرن  التاسع عشر الميلادي ، وهو القرن الذي أخذت فيه الاطماع الاستعمارية تتجه محو المغرب  بعد احتلال فرنسا للجزائر سنة 1246 هـ – 1830م. وهو القرن الذي فشت فيه الفوضى الاجتماعية والتصرفات الرجعية التي ادت الى تدهور الاوضاع الداخلية في البلاد . وفي مثل الظروف العصيبة  التي أشرنا اليها ، كان رجال التصوف في المغرب يقومون بأدوار هامة من أجل النوعية الاسلامية والمحافظة على الاصالة والمشروعية بمختلف الاساليب النضالية ، وكان رجل النضال الصوفي في الفترة التي ذكرناها هو السيد الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون رضي الله عنه. واذا كنا قد التزمنا للجنة المنظمة للذكرى بالاختصار وعدم  التطويل بناء على التماسها ذلك ، مراعاة لتوقيت الحفل ، ولان مثل البحث يتطلب كتابا خاصا لا صفحات معدودات ، فانه لا مناص لنا من القاء الاضواء على بعض الجوانب الاجتماعية التي امتازت بها حياة السيد الشريف قدس الله سره.

الاديولوجية الصوفية للسيد :
ولا مناص لنا من الاشارة قبل كل شيء الى الاديولوجية الصوفية للسيد التي هي بحق الجانب الاساسي في حياة سيدنا رضي الله عنه.
وعلينا ان نعرف أولا أن التصوف علم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة كما قال ابن خلدون في مقدمته (3) وزاد قائلا وعضدته « دائرة المعارف الاسلامية» معتمدة على بحثي المستشرق لويس مانسينيون والاستاذ مصطفى عبد الرازق : بأن التصوف ظهر في القرن الثاني للهجرة ، ولكن سفيان الثوري المتوفى سنة 161 هـ– 777م . قال بأنه عرف قبل الاسلام ، وكان ينسب اليه اهل الفضا والصلاح (4).
ويرى الفقهاء بأن التصوف دخيل على الاسلام ، مقتبس من رهبانية النصارى ، او من فلسفة اليونان ، ولكن المستشرق الانجليزي نيكلسون المتوفي سنة 1945م. يرى أن هذا الكلام غير مقبول ، لان الانظار التي اختص بها الصوفية نشات في قلب الجماعة الاسلامية أثناء عكوف الملمين على دراسة القرءان والسنة . ويؤكد هذا الكلام ما ذكره الامام ابوا القاسم القشيري المتوفى سنة 465 هـ– 1072م عن امام الصوفية وعمدتهم أبي القاسم الجنيد المتوفى سنة 296 هـ– 909م .
قال : من لم يحفظ القرءان ولم يكتب الحديث لا يقتدى به في هذا الامر ، لان علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة.
وقال أيضا :علمنا هذا مشيد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) .
ويرى ابن خلدون أن علم الشريعة على صنفين : صنف مختص بالفقهاء ويتعلق بتفسير النصوص لاستخلاص الاحكام العامة في العبادات والمعاملات  ، وصنف مختص بتأويل النصوص واستنباط المعاني  ومجاهدة النفس ، وهو من اختصاص الصوفية (6) . والتأويل يعتمد على رهافة الحس وصفاء النفس ، والتأمل في أبعاد وأعماق النص لتذوق معانيه ، لذا قيل أنه مشتق من الايالة اي السياسية ، فكان المؤول يسوس الكلام سياسة ليستنتج منه أشياء يصعب على غيره أن يستنتجها ، ومن هنا كانت كلمة تأويل  أبلغ من كلمة تفسير التي تعتمد على اللغة والشرح . وقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم لسيدنا عبد الله ابن عباس رضي الله عنه فقال : « اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل ». ومن هنا نرى ان التاويل بالنسبة للفكر الصوفي يوافق المقصود من كلمة تصوف ،خصوصا وان الصوفي المسؤول ،أي الشيخ المربي ، لا بد أن يكون له المام شامل بالعلوم الاسلامية ، وهو ما أكده الجنيد رضي الله عنه في مذهب التصوف .
وقد عرف العلماء التصوف عدة تعاريف ، من ذلك ما قاله ابن خلدون بانه طريقة سلف الامة وكبارها من الصحابة والتابعين وغيريهم ، وهو طريقة الحق والهداية ، واصله  العكوف على العبادة والانقطاع الى الله ، والاعراض عن زخرف الدنيا وزينتها . ويقول الجرجاني المعروف بالسيد الشريف المتوفي سنة 816 هن – 1413م  في كتاب « التعريفات » التصوف هو الوقوف مع الآداب الشرعية ... وقال الجنيد : التصوف هو ترك الاختيار ، والصوفية هم القائمون مع الله تعالى بحيث لا يعلم قيامهم الا الله . وقيل ايضا : التصوف طريقة سلوكية قوامها الزهد  والتقشف والتخلي عن الردائل ، والتحلي بالفضائل ، وهو مسألة نفسية يشعر المرء فيها بأنه على اتصال بمبدأ أعلى (7).
والتصوف – على الحقيقة – وكما قال الاستاذ مصطفى عبد الرازق : مشتق من الصفاء ، صفاء القلوب ورضاها بما يجريه الله عليهم ، فهم مع الله في صفاء لا يشوبه المشاغل وهذا يتفق مع قول الجنيد : التصوف هو صفاء المعاملة مع الله تعالى .
ومنهم من يقول بانه مشتق من الصوف ، أو من أهل الصفة  (8) وهذا جائز ، ولكن الانسب هو اشتقاقه من الصفاء كما تقدم  . وقد قيل بأن أصل الاشتقاق من الصفاء هو صفوى ، فاستثقل اللفظ وقلب الى صوفي  (9) .
ومنهم من يقول بأن الكلمة مأخوذة من كلمة « صوفي » اليونانية ، ومعناها « الحكمة »  فيكون مقصود الصوفي هو الحكيم ، أو الفيلسوف ، باعتبار أن كلمة « فلسفة » من كلمتـــــــــــــــي « فيلوصوفي» اليونانيتين ، ومعناهما محب الحكمة . و مع أن الصوفي حكيم ، أو محب للحكمة حقيقة ، فان اشتقاق الصوفي من الصفاء أقرب الى التأويل الحكيم من غيرها . غير أننا نجد ما يؤيد مقولة احتمال تسمية الصوفي بالحكيم أو الفيلسوف ، وهو ما قاله الامام ابن القيم : اجتمعت كلمة الناطقين في هذا العلم على أن التصوف عبارة عن نشأة علم الاخلاق اللاسلامي . ولا يعزب عن البال أن مبحث الاخلاق ، ومبحث الارادة ، هما من مباحث الفلسفة العامة  بمعناها القديم والحديث .
ويقول ابن خلدون بأن   كرامات الصوفية واخبارهم بالغيبيات وتصرفهم الروحي ، أمر صحيح غير منكر ، وأن قال بعض العلماء بانكارها فليس ذلك من الحق . ولكن الامام الشاذلي المغربي المتوفى سنة 656 هن – 1258م قال : اذا عارض الكشف الكتاب والسنة ودع الكشف ، فان العصمة مضمونة في الكتاب والسنة . وزاد رضي الله عنه قائلا : بأن علماء الصوفية قد أجمعوا على أنه لا ينبغي  العمل بالكشف ولا الالهام  ول المشاهدة الا بعد عرض ذلك على الكتاب والسنة ، فما وافق الكتاب والسنة فهو مقبول ، وما عارض الكتاب والسنة فهو مرفوض (10) ومقولة الامام الشاذلي رحمه الله توافق الحديث الشريف : « دع ما يريبك الى ما لا يريبك » رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح. فقد يتطرق الشك في كرامة من الكرامات ، لانها وان كانت من خوارق العادة  فهي أمور بشرية ، والبشرية غير معصومة . ما الكتاب والسنة فلا يتطرق اليهما الشك بحال من الاحوال.
والواقع ان  الكرامة من اكرام الله تعالى لقوم عرفوا الله تعالى وأخلصوا له العبادة سرا وعلانية ، فصفت أرواحهم ،واستنارت عقولهم ، وتحرروا من قيد العبودية الا لله تعالى . ويقاس على الكرامة في وقتنا ما يتبأ به بعض المفكرين أو بعض السياسيين الماهرين ، فيتحقق حدسهم بطريقة أو بأخرى ، ونسمي ذلك مهارة سياسية ، أو صفاء روحيا ، أو الهاما فكريا . أما أهل التصوف فيردون الكرامة الى الفيض الالهي ، أو النور المحمدي ، أو الى تألق النور الاعلى في العقل الفعال ، وهو ما يعرف عندهم بالاشراق ، أو بوصول النفس الى موافقة الحق ، وهو ما يعرف عندهم بالوصول. ومن الاقوال الاسلامية المأثورة : ان المؤمن ينظر بنور الله .
ولعل مفهوم الكرامة يتفق مع مفهوم البشرى في قوله تعالى في سورة يونس : « الا أن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون .الذين آمنوا وكانوا يتقون.لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة » (سورة يونس :62 – 63 – 64 ).وقد بين الحافظ اين كثير في تفسيره بناء على الاحاديث الشريفة وأقوال الصحابة والتابعين ، ان البشرى هي الرؤيا الصالحة في الدنيا ، والجنة ونعيمها في الآخرة . ومعلوم ان الرؤيا تكون في المنام وتكون في اليقظة ، وذلك مبسوط في الدراسات النفسية الحديثة . فتكون الكرامة هي البشرى والله أعلم.
ولهم في التصوف مراتب ، و أشهرها مرتبة القطب ، والقطب هو رأس العارفين . قال الامام  الثعالبي المتوفي سنة 429 هن– 1038م صاحب كتاب « يتيمة الدهر» في التعريف بأبي الفتح ابن جنى صاحب كتاب « الخصائص » المتوفي سنة 392 هن– 1002م « هو القطب في لسان العرب ، واليه انتهت الرئاسة في «الادب » . أما  القطب في اصطلاح الصوفية فهو كما قال الامام الجنيد رضي الله عنه : من نطق عن سرك وأنت ساكت !
ولا ريب أن هذه المقامات الروحية لا تدرك الا بالزهد والنزوع الى الخلوة للتأمل والتعبد ، لأن
الخلوة  تكاد تكون أساسية في حياة الصوفي . ولكن الاب ماسينيون المستشرق الفرنسي المتوفى سنة 1962م  يرد النزوع الى الخلوة في مذهب التصوف الى ثورة الضمير على ما يصيب الناس من المظالم ، وظلم الانسان لنفسه في طليعة تلك المظالم . وقد ان التصوف ظهر في القرن الثاني للهجرة بعد انتشار المظالم وانحراف الانسان المسلم عن طريق السلف الصالح بانهماكه على ملذات الحياة واقتتاله على الحياة والسلطان ، فجاءت الصوفية لتعبر عن رفض هذا السلوك المنحرف بالعزلة والنزوع الى الخلوة. وقد ورد في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : « قيل يا رسول الله ، اي الناس أفضل ؟  فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم مومن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله . قالوا ثم من ؟ قال : مومن من شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره » . قال الامام القسلاني شارح البخاري : وفيه فضل العزلة ، والشعب كناية عن الخلوة .
ولا يعني هذا اهمال المتصوفين لانفسهم شكلا او مضمونا ، ولا يعني هذا عدم تمتع الصوفية بنعم  الله وما أحل الله لعباده من الزينة والطيبات من الرزق ، فان التمتع بالنعم يقتضي شكر المنعم ، والشكر واجب شرعا في حق المستفيدين من نعم الله تعالى ، وهو خصلة من خصال التصوف . والنعم التي أسبغها الله على عبادة ظاهرة وباطنة هي أساس عمارة الارض ، وحسن استغلالها وتدبيرها هو اساس صلاح المجتمع البشري . ولكن الزهد والخلوة والعزلة وغيرها من المعاني الصوفية يراد بها عدم  الاغترار بالدنيا وزينتها ، وتعني ان يعيش المومن في الدنيا وكأنه غريب أو عابر سبيل كما جاء في الحديث الشريف ، وتعني أن يملأ المومن وقت الثالث بالطاعات المؤدية الى الفوز برضا الله تعالى .
    ويجدر بنا أن نشير الى أن التصوف انتقل من المشرق الى المغرب في عصر المرابطين ، أي في القرن  الخامس الهجري الموافق للقرن الحادي عشر ميلادي ، ثم ازدهر في عهد الموحدين ، أي في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي على يد الامام أبي الحسن الشاذلي تلميذ العارف بالله تعالى القطب الشهيد سيدي ومولاي عبد السلام ابن مشيش المتوفي سنة 625 هن– 1227م . والامام الشاذلي هو عميد أغلب الطرق الصوفية في المغرب العربي ، وقد سبقت الاشارة  اليه أثناء هذا العرض .
وقد وجد التصوف في المغرب تربة صالحة ، فانتشئت الزوايا لتكون رباطات للجهاد وللتوعية الاسلامية . ثم ظهرت كقوى سياسية في المجتمع المغربي منذ العصر السعدي أي في القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر الميلادي ، خاصة في وقعة وادي المخازن وما بعدها ، حيث صار قوة سياسية لا يستهان بها قامت بأدوار هامة في الشؤون السياسية والدينية والاجتماعية  (11) .
واذا كان بعض المتصوفين قد انحرفوا عن منهاج التصوف الاصيل ، اتباعا لهوى النفس أو مجاراة لظروف سياسية أو اجتماعية ، فان ذلك لم يؤثر في جوهر التصوف كعلم  من  من العلوم الاسلامية ، وكمبحث من مباحث الفلسفة الاسلامية الاصيلة .
كان لا بد لنا من الاشارة الى هذه الحقائق لنستخلص منها الخطوط الرئيسية لايديولوجية السيد الصوفية بما اشتملت عليه من صفات واشراق وكرامات وسلوك ديني أصيل وهكذا كان رضي الله عنه صوفيا أصيلا جمع  في تصوفه بين الخلوة للعبادة  والتأمل ، ولرفض  المواقف المنحرفة كذلك ، وبين الجلسات الخاصة والعامة مع مريديه وأصحابه للارشاد والتوجيه ، وبين مجالس العلم والفن والحضارة كذلك ، وفي ذلك ما يدل دلالة واضحة على أن السيد كان ذا اتجاه فلسفي خاص ، مع أنه كان سني العقيدة مالكي المذهب (12) ، ويبدو من اطوار حياته رضي الله عنه ان فلسفته كانت تتجه نحو  القيم العليا أو ما يسمى فلسفيا بالاكسيولوجيا ، وهو المبحث المتعلق بالحق والخير والاخلاق والجمال .
وكان الى جانب ذلك مهتما بدراسة العلوم الاسلامية في مجالسه الخاصة التي كان يحضرها علماء وقته ، وكان يعبر عن رأيه بالطرق التي يراها مناسبة ، فحينها اعترض احد العلماء على الامام السيوطي صاحب كتاب « الاتقان في علوم القرءان » أثناء مجلس من المجالس المختصة لدراسة هذا الكتاب ، غادر السيد المجلس واعتزل اسبوعين كاملين (13) وهي طريقة واضحة للتعبير عن رفضه للاعتراض على عالم ضليع خدم الثقافة الاسلامية خدمة جليلة كجلال الدين السيوطي رحمه الله . وهذا واحد من المواقف التي تدل على ان الاحتجاب والخلوة انما هي تعبير عن الرفض بطريقة فنية سلبية ، رفض الظلم ، رفض سوء الادب ، رفض المواقف الارتجالية الهوجاء . فللنقد أصوله وطرقه ، وللحوار أصوله وأديه ، أما التهجم والارتجال فهو مما تقبله العقول السليمة كعقل السيد رضي الله عنه .
وظاهرة اخرى في صوفية السيد ، وهي أنها كانت صوفية ارستقراطية تتجلى فيها المظاهر الحضارية التي كانت تحيط به سواء في بيته أو في زاويته . وهذا لا يتنافى مع اديولوجيته رضي الله عنه . ويمكن القول بأن الطريقة التي سلكها هي طريقة صوفية بشيء من التجاوز كما قال الاستاذ محمد داود مؤرخ تطوان حفظه الله (14) .

بيت الامة :
أما بيت السيد فقد كان بحق بيت الامة في في وقته . يقصده العلماء والوجهاء والاشراف وأبناء الشعب ، يجد فيه كل واحد ما يصبوا اليه من عطف واحسان وضيافة وعلاج وبركة . ولا غرابة في ذلك ، فقد كان السيد رجلا اجتماعيا من الطراز الرفيع ، كما كان شيخ المدينة وسيدها ورائدها بدون منازع ، ولم ينازعه أحد في هذه المرتبة طيلة حياته رضي الله عنه ، وقد حدثتني خالتي السيدة الفاضلة الحاجة خدوجة بنت العربي اللبادي حفظها الله عن زوجها الشريف المرحوم سيدي محمد الحسني البقالي المتوفي سنة 1358 هـ - 1939 م وهو من اقرب المقربين الى بيت الامة وتلميذ السيد في الطب ، ان السيد الشيخ كان حسن الهندام ، يختار ملابسه من اجود الثياب وأنفسها ن و أن بيته كان بيتا نبيلا في المظهر والمخبر . وكان السيد يقابل الناس ويقضي حوائج المسلمين وينفعهم بما تيسر له من علم او نصيحة او ارشاد او علاج او مساعدة . وهذا العمل الانساني الكبير يتفق مع الحديث الشريف : « من نفس عن مومن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة ...» رواه مسلم عن ابي هريرة رضي الله عنه مرفوعا .
واذا قيل كل عظيم وراءه امرأة ، فقد كانت السيدة فاطمة بنت محمد الشاوش الزوجة الأخيرة للسيد الشريف هي المرأة التي ساهمت في اعطاء بيت السيد ما يليق به كبيت ارستقراطي مجيد ، ووفرت للسيد زوجها الراحة والنظام والوقت اللازم لخلواته ومجالسه ، بسهرها على تدبير شؤون بيتها تدبيرا يتفق مع تربيتها النبيلة وحضارتها العريقة . وقد وصفها الاستاذ محمد واود في تاريخه بأنها كانت فريدة في جمالها وحسن أخلاقها (15) . وقد اخبرها والدها المرحوم الفقيه سيدي أحمد بن عبد السلام الشاوش المتوفي سنة 1370 هـ ـ 1950 م  بانطباعاته عن بيت السيد حيث كان يزور عمته وهو طفل ، فيجد عمته كأميرة في  بيت أمير. وكانت تتفحه بعلب من الحلويات الممتازة التي لم تكن معروفة في تطوان .
ولم يكن السيد يفكر في تخليد أثر من مآثره العديدة أكثر مما كان يفكر في استمرار قيام زاوية  أسلافه و استمرارها في أداء واجبها الديني والاجتماعي حتى بعد وفاته ، وذلك ما دفعه الى تحبيس جميع الممتلكات على الزاوية المذكورة ، وهذه ظاهرة اجتماعية امتاز بيها السيد رضي الله عنه (16)
فساهمت أرملته السيدة فاطمة في هذه الميزة ، فأوصت الزاوية الريسونية في تطوان بثلث متاعها « من قليل الاشياء وكثيرها بما في ذلك  ربع غرسة كيتان التي آلت اليها من زوجها الصالح ، الكوكب الواضح ، المتبرك به حيا وميتا ، سيدي و مولاي عبد السلام ابن ريسون الحسني العلمي التطواني أفاض الله علينا من بركاته وبركات أسلافه الكرام ..» كما هو مبين ومفصل في وثيقة الوصية المذكورة المؤرخة في 23 ربيع التاني سنة 1300 هـ . أي بعد ستة أشهر بعد وفاة السيد زوجها رضي الله عنه . ومذا منتهى الوفاء في حياة زوجين كريمين صنعا  على تقوى من الله ورضوان حياة اجتماعية فاضلة .
واذا كان السيد يفكر باستمرار قيام الزاوية الريسونية ، فلانها الزاوية التي حملت على عاتقها مسؤولية الدعوة الى الله ن وتهيء النفوس للجهاد في سبيل الله ، منذ القرن العاشر الهجري الموافق للقرن السادس عشر ميلادي ، وظهرت نتائج جهودها النضالية في معركة وادي المخازن ، حيث كان القطب سيدي امحمد بن علي ابن ريسون المتوفى سنة 1018 هـ 1609م  في طليعة المجاهدين الذين قادوا المعركة التاريخية ضد الاستعمار الصليبي الغادر ،فحققوا للاسلام عزته ، واعادوا للمغرب مجده وصولته . وسارت الزاوية الريسونية المباركة بشيوخها ومريدها منذ ذلك العهد في الطريق التي اختطها مؤسسها سيدي امحمد بن علي رضي الله عنه ، فأعطت عطاء قيما في التصوف والجهاد ، وفي العلم والحضارة ، الى ان وصلت الامانة الى القطب سيدي عبد السلام الذي كان جوهرة لامعة في قبة هذه الزاوية العظيمة ، وكان السر المكنون الذي أعطى للزاوية الريسونية الاشراق والبهاء ، كما كان الضمانة النورانية لترسيخ هذه الزاوية في حياته واستمرارها بعد وفاته استمرارا ناطقا بالمجد والاصالة نابغا بالطهارة والامان .

الزاوية في خدمة العرش :
وكانت علاقات اقطاب الزاوية الريسونية مع العرش العلوي المجيد تتسم بالولاء والطاعة والاخلاص ، كما كان ملوك هذه الدولة الشريفة منذ عهد السلطان المقدس مولاي اسماعيل رحمه الله يقابلون وفاء الزاوية الريسونية بعطف بالغ وتقدير كبير ، حيث كانت مواقفها السياسية والوطنية تتسم بالنبل والذكاء مع الطاعة والولاء (17) .
وقد ورث القطب سيدي عبد السلام ابن ريسون هذا السر المقدس فيما ورثه عن آباءه وأجداده ، فكان رضي الله عنه يناضل من أجل وحدة البلاد وجمع كلمة الامة على امام واحد هو أمير المؤمنين . وكان في كل مناسبة يحض اصحابه من ذوي الوظائف المخزنية على محبة السلطان والنصح له في السر والعلانية ، مع الصدق والنزاهة في خدمة الراعي والرعية . وقد روى مؤرخ تطوان الاستاذ داود حفظه الله عم معاصره الوزير النقيب المرحوم سيدي محمد بن المكي الريسوني بلفظه عن الخيرة الدينة السيدة فاطمة بنت محمد الشاوش رحمها الله ان السيد زوجها كان مواظبا على الدعاء لملك  الوقت بالتوفيق والتأييد في أوقات الاستجابة ، خصوصا وقت السحر (18).
وقد سارت السيدة فاطمة على نهج زوجها بعد وفاته ، وحظيت برعاية السلطان المقدس مولاي الحسن الاول وعطفه الكريم . وكانت بينه وبينها مراسلات هامة في شؤون اجتماعية مختلفة توجت بالاستقبال الخاص الذي شرفها به بمحضر نجله الامير عبد العزيز ، أثناء زيارته التاريخية لتطوان في شهر المحرم سنة 1307 هـ - 1889م . حيث جدد لها التعازي في السيد زوجها جدد الله عليه الرحمات ، وأعرب لها عن عواطفه المولوية الكريمة نحوها ونحو الاسرة .. وأخبرنا الوالد رحمه الله بأن الامير مولاي عبد العزيز كان وقتئد في حدود العاشرة من عمره . وقد تألقت شخصية السيدة فاطمة في تلك المناسبة التاريخية حيث أعطت من ثقافتها وسلوكها نموذجا
حيا لوعي المرأة التطوانية وديبلوماسيتها في القرن التاسع عشر ميلادي .

مدرسة السيد السياسية :
كل ما أشرنا اليه يعطينا نظرة واضحة عن أثر مدرسة السيد التي تخرج منها زيادة على أسرته واهل بيته شخصيات بارزة من خواصه الذين قاموا بمهمات سامية في الحكومة المغربية بتزكية السيد او باقتراح منه ، ويمكن القول بأن هؤلاء الخواص كانوا بمثابة الديوان السياسي للسيد ، وبواسطتهم كان السيد حاضرا في أهم المواقف السياسية والديبلوماسية حتى ان نجاح السفير المرحوم الحاج عبد الكريم بريشة المتوفى سنة 1315 هـ ـ 1897م في مواقفه وهو من خواص السيد ، يعزي الى « بركة الولي الصالح سيدي عبد السلام ابن ريسون نفعنا الله به » كما ورد في رسالة الوزير الاول في حكومة الحسن الاول الى السفير المذكور (19) .
والذي استفدناه من مواقف السيد انه كان رجلا خبيرا في الشؤون السياسية ، بل ان مواقفه السياسية أثرت كثيرا في السياسة العامة للبلاد . ولا غرابة في ذلك ، فالسياسة في قمة الحياة الاجتماعية .
وعلينا انا نقول بان السياسة تكون شرعية مستمدة من الدين ، وتكون مدنية مستمدة من الحكمة السياسية او علم السياسة . والسياسة الشرعية لا بد و أن تتأثر بالسياسة الحديثة ليصدق التعريف الفلسفي للسياسة وهو : تنظيم المجتمع الانساني ، ورعاية مصالح الامة ، والتخطيط لعمارة الارض . وكما تطلق كلمة ساياسة على اساليب الحكم لرعاية المصالح وتدبير الشؤون وعمارة الارض ، كذلك تطلق على سياسة المرا لنفسه واسرته ومتاعه (20) .
واذا كان التصوف الاصيل قد قام على اساس رفض العبودية الا لله تعالى وحده ، مع السعي في اصلاح المجتمع بالرجوع الى كتاب الله وسنة رسوله ، فهو اذن سياسة شرعية تقوم تذوق المعاني تذوقا عميقا تصدر عنه اشارات في منتهى الدقة والحكمة ، وبهذا يكون الذوق السليم هو القاسم المشترك الاعظم بين التصوف والسياسة . وبذلك يكون الصوفي الاصيل سياسيا اصيلا كذلك ، وهذا هو السر الرباني الذي امتاز به السيد رضي الله عنه .
وقد كانت الحكومة المغربية تقدر مواقف هذا السياسي المتصوف الذي كان ركنا ركينا للدولة في شمال المغرب . وذلك ما جعلها تنظر اليه كزعيم وطني محرك ومتحرك يتمتع بنفوذ واسع بين أنصاره واتباعه الكثيرين . وذلك ما جعلها أيضا تعتمد عليه في المواقف الكبرى كما حدث عند وفاة السلطان محمد الرابع سنة 1290 هـ  ـ 1873م  ومبايعة ولده الحسن الاول في نفس السنة المذكورة ، حيث بعث  اليه رسالة خاصة لاخباره بهذا الحدث التاريخي ليكون من ذلك على بال ويكون عند حسن الظن به كما ورد في الرسالة المذكورة (21) . وقد استطاع السيد رضي الله عنه بصفاء روحه ونظراته البعيدة أن يكون عمدة وبركة في نفس الوقت ، وأن يكون كذلك بمنزلة مستشار دولة خاصة في عهد الحسن الاول .
وكان السيد رحمه الله سياسيا فحتى في سياحاته الصوفية ، فهو في رحلته الى زرهون لزيارة مولاي ادريس الاكبر مؤسس الدولة المغربية الاسلامية في القرن الثاني الهجري الموافق للقرن الثامن الميلادي ، ثم الى فاس لزيارة خلفه ووارث سره مولاي ادريس الازهر رضي الله عنهما، انما كان يعبر بلسان الحال عن تعلقه بوحدة المملكة المغربية ، وتمجيده لمؤسسي هذه المملكة الاسلامية المجيدة . وهو في رحلته الى مدينة سبتة الاسيرة ، وصلاته في ضريح سيدي مبارك السبتي رضي الله عنه ، وترحمه على علماء سبتة ومجاهديها جدد الله عليهم الرحمات ، انما كان يعبر بلسان الحال ايضا
عن رفضه لاحتلال هذه المدينة المغربية العريقة ، وقد تجلى ذلك بوضوح في رفضه لمقابلة الوفد الاسباني ، وكان الرفض  كذلك بطريقة سياسية فتية ، فهو لما بلغه الخبر يعزم اعيان سبتة من الاسبانيين على  المثول بين يديه للسلام عليه والاحتفال به ، نادى بالرحيل في الحين ، فما وقفت القافلة حتى وصلت الى الفنيدق (22) ويمثل هذا السلوك السياسي الرفيع كان يلقن أصحابه دروسا نافعة في الوطنية ، والنضال والاخلاص لله والوطن والملك .

موقف السيد في حرب تطوان :
ولكن السيد رضي الله عنه حينما يصبح التراب الوطني مهددا من طرف الاعداء ينقلب الى مقاوم بطل صامد ، يعلن الجهاد ويستنفر القبائل ، ويضع نفسه واتباعه تحت تصرف السلطة المركزية كمجاهد في سبيل الله لاعلاء كلمة الاسلام والدفاع عن حوزة البلاد . وذلك ما وقع حينما هاجمت الجيوش الاسبانية مدينة تطوان بقيادة الجنرال أودنييل في الحرب المعروفة بحرب الستيـــــــــن.(1860م – 1276هـ ) فقد كان السيد شخصيا على راس المجاهدين من قبيلتي انجرة و الحوز، كما نادى في القبائل الجبلية المجاورة بالتعبئة العامة للدفاع عن التراب الوطني المهدد بالاحتلال .
وخلاصة هذه الحرب ان الاسبانيين اعلنوا الحرب على المغرب في 22 اكتوبر 1859م من أجل ارغامه على قبول توسيع حدود سبتة ومليلية المحتلين ، وتسليم ما سموه بسنتاكروس الصغرى على شاطئ الصحراء  المغربية الغربية ليكون مركزا للصيد البحري الاسباني . وفي فاتح يناير 1860 وقع الزحف نحو تطوان ، ورغم الجهود المبذولة في الدفاع والمقاومة الصامدة ، فقد وقعت النكسة التاريخية المؤسفة ووقع احتلال المدينة في 6 فبراير 1860م موافق 13 رجب 1276 هـ . ثم  توصل الجانبان الى اتفاقية وقف اطلاق النار وعقد معا هدنة الصلح بين الامير مولاي العباس عن المغرب ، والجنرال اودونييل عن اسبانيا ، بمحضر النائب محمد ابن الحاج عبد الله الخطيب التطواني وهو من خواص أصحاب السيد ، وذلك في 25 مارس 1860 وقد رضخ المغرب تحت وظأة الاحتلال والتهديد للمطالب الاسبانية التعسفية مع غرامة مالية فادحة . ويجدر بنا أن نشير الى انه من نقطة « سانتاكروس » المتفق عليها في معاهدة الصلح اخذت اسبانيا تبسط نفوذها بالحديد والنار على مجموع صحرائنا المغربية الغربية المعروفة بالساقية الحمراء ووادي الذهب والتي عرفت منذ أوائل القرن العشرين في الاصطلاح الاسباني بالصحراء الاسبانية . وقد استعاد المغرب اقليم الساقية الحمراء بعد انطلاقة المسيرة الخضراء في 6 نونبر سنة 1975 وطبقا لاتفاقية مدريد المؤرخة في 14 نونبر 1975  ثم استرجع اقليم وادي الذهب في 14 غشت 1979 وقيل الحمد لله رب العالمين . وتعود حرب  الستين لنقول بأن معاهدة  الصلح قد امضيت في تطوان يوم 26 ابريل 1860 . وتم الجلاء عن المدينة في 10 مايو 1862 موافق 11 ذي القعدة 1278 هـ.
وعلينا ان نقول بان النكسة المؤلمة التي وقعت للمغرب في حرب تطوان ترجع الى سببين اثنين :
1) ان المغرب كان ضعيفا امام دولة استعمارية قوية وذلك ما دفعها الى التحرش به وفرض ارادتها عليه . مع العلم بأن القوى لم تكن متكافئة لا من  ناحية العدد ولا من ناحية العتاد . فالسلاح المغربي والانسان المغربي لم يكونا في مستوى تلك الحرب الضارية . وقد بلغنا ان الجد المجاهد سيدي محمد الشاوش رحمه الله وكان خبيرا  في الشؤون العسكرية وممن شاركوا في مقاومة الاحتلال الفرنسي للجزائر سنة 1830م  قرر ان يرابط في برج القبة يشارك في الدفاع عن المدينة ، بعد ان أرسل أسرته مع المهاجرين الى شفشاون . ولكن فوجئ في برج القصبة بعدم التجهيز الضروري والصالح للدفاع . فسأل : أين المدافع ؟ . فقيل له : هذا ما كاين !.. فتأسف وأجاب على الفور : اذا ما كاين مدافع ، باش غادي ندافع !.. ومع ذلك واصل رباطه مع ثلة من الطبجية الى ان وقعت النكسة ، وتفرق المجاهدون متسللين في أحياء المدينة بعد أن حالت ظروف الاحتلال بينهم وبين الهجرة . ثم ماذا يفعل قائد نبيل كالفقيه الامير مولاي العباس مع جنود لم يتعودوا الطاعة والنظام ، وتنعدم بينهم الروح
العسكرية ، فيتخاذلون ويقولون : عن تطوانهم ، واما نحن فحتى يصل لينا في عبدة أو دكالة (23)، هذا ما ذكره صتحب الاستقصا وزاد قائلا : والحاصل ان جيش المغرب ( وقتئد ) اذا حضروا القتال ، فانما يقاتلون هداية من الله لهم وحياء من الامير و قليل  ما هم (24). وبهذه الروح الانهزامية بدا الانسحاب من وجه العدر الذي اغتنم فرصة التخاذل والانسحاب ليصل الى ابواب تطوان ، بعد ان استمات التطوانيون من المقاومة الصامدة وان كان يعوزهم السلاح ، وينقصهم النظام والقيادة الحازمة .
وكان من نتائج هذه النكسة ان قرر السلطان محمد الرابع رحمه الله انشاء جيش نظامي حديث، واكمل السلطان الحسن الاول رحمه الله هذه المحاولة، وزود الجيش المغربي باسلحة حديثـــــــة(25) وبدا هذا الجيش النطامي  الناشئ يحتل المكانة اللائقة به رويدا رويدا حتى صار في طليعة  الجيوش العصرية بعد الاستقلال روحا وقوة ونظاما وبطولة ، ممثلا في القوات الملكية المسلحة التي حققت للمغرب الجديد امجاده التاريخية ورفعت راسه عاليا بين الدلول الناهضة المتقدمة منذ قيامه سنة 1956 . وكانت الحركة الوطنية المغربية قبل ذلك قد وحدت الامة المغربية الناهضة فكرا وشعورا وبعثت فيها روح  التضحية والفداء من البوغز الى الصحراء ، تلك الروح العالية التي قادت مسيرة التحرير الوطني اولا، ثم قادت المسيرة الخضراء بكل ايمان واقدام وشجاعة ، وستقود كل مسيرة مغربية من اجل العزه والكرامة واستكمال وحدة التراب المغربي .
2) اما السبب الثاني لنكسة حرب الستين : فكان لعدم الاخد بوجهة نظر السيد رضي الله عنه حيث كان يرى ترحيل النساء والعجزة عن المدينة ومواصلة الجهاد وعدم الاستسلام . ولكنه لم يجد آذانا صاغية لتوجيهاته السديدة ، لآن نكسة الجيش امام القوات المعتدية اذهلت الرأي العام ، وأحدثت بلبلة في صفوف المجاهدين المتطوعين ، كما ساعدت على ظهور جماعة من الانهزاميين الذين بيتوا  فكرة الاستسلام ، وعارضوا الراي الوطني الحازم الذي أشار به سيدي عبد السلام ابن ريسون . فلما يئس  السيد من الاستجابة لرأيه ، واصبح العدو على قاب قوسين أو ادنى من المدينة ، خرج مهاجرا الى تازروت مقر آباءه وأجداده (26) . وكان هذا الخروج تعبيرا صريحا عن رفض السيد لوجهة نظر الانهزاميين والمستسلمين . ولولا حكمة السلطان محمد الرابع في معالجة قضية  هذا الاحتلال ن لكانت وضعية تطوان أشبه بوضعية سبتة الاسيرة .
وقد حققت الايام رأي السيد . فقد كان الاستسلام و بالاعلى المستسلمين حيث عمت الفوضى المدينة قبل دخول الجيوش الاسبانية المحتلة ، وساءت الاحوال كما قال صاحب الاستقصا حتى كانت الدروب تخرب ، والحوانيت تنهب ،والبيوت تسلب ، والقوي يأكل الضعيف ... وبعد ما عبث المحتلون والغوغاء بالدماء والاحوال والاعراض والمقدسات ، وحولت بعض المساجد الى كنائس واصطبلات . وعند ذلك أدرك الناس صواب رأي السيد وبعد نظره ، الشيء الذي دفع الامير مولاي العباس الى المبادرة بالاعتذار للسيد مخالفة أمره واساءة الادب معه ، مع طلب العفو منه والتماس عودته الى المدينة ليفرج عنها ما نزل بها من الطامة الكبرى ، كما ورد في رسالته المؤرخة في 30 شعبان سنة 1276 هـ . ولكن السيد بقي معتصما في تازروت ، واجاب الامير برسالة قال فيها : بأنه لم ينعزل نكثا للمحبة والمودة . وانما راى القوم لا تنفع فيهم النصيحة ، فانخرف الى هذه الهيئة التي تنتظر الفرج (27) .
ثم بعد جلاء جيوش الاحتلال الاسبان عن تطوان ، بادر المغفور له السلطان محمد الرابع بالكتابة الى السيد يطلب منه أن يعود الى محله في تطوان ، فان اهل هذا   الثغر السعيد بخير ما دام أهله مثل سيدي عبد السلام ابن ريسون بين ظهر اليهم كما ورد في الرسالة الملكية المؤرخة في 18 ربيع الاول سنة 1279 هـ (28). وعاد السيد الى تطوان  استجابة للامر الملكي الشريف ، وواصل فيها حياته ونشاطه الديني والاجتماعي بما كان عليه من وفاء واخلاص لامير المومنين ، وحب وتقدير ورعاية لابناءه التطوانيين الى أن اختياره الله لجواره يوم 16 شوال 1299 هـ . موافق 31 غشت 1882م . فعم الحزن على فقده جميع الآفاق ، وبكت لموته جميع الطبقات . وكان يوم دفنه مأتما عظيما وخطبا جسيما كما قال مؤرخ تطوان السابق الشيخ الوزير المرحوم احمد الرهوني المتوفي سنة 1373هـ - 1953م في مخطوطه المسمى « عمدة الراوين ». ودفت السيد رضي الله عنه في زاوية والده القطب سيدي على بن محمد ابن ريسون بتطوان . أفاض الله علينا من بركاتهما وبركات أسلافهما ، ونفعنا بمحبتهما والوفاء لهما . والاشادة بفضلهما ومناقبهما ، وجعلنا من المشمولين بشفاعة جدهما رسول الله صلى الله عليه وسلم .

(1) عرف الشيخ سيدي عبد السلام ابن ريسون في المجتمع التطواني بلقب السيد في حياته وبعد وفاته.
(2) الدكتور جميل صليبا : المعجم الفلسفي ، ج 1 – ط . 1971 « مادة الاجتماع »
(3) مقدمة ابن خلدون : « علم التصوف ».
(4)  دائرة المعارف الاسلامية : ج 5 ، « مادة التصوف » .
(5) رسالة الامام القشيري : ص 20 .
(6) مقدمة ابن خلدون : « علم التصوف  » .
(7)جميل صليبا : المعجم الفلسفي ج 1– مادة التصوف .
(8) أهل الصفة : جماعة من الصحابة رضي الله عنهم كانوا يقومون في المسجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم .
(9) دائرة المعارف الاسلامية ج 5 ـ تصوف .
(10) الطبقات الكبرى للامام الشعراني ج 2 ، ص : 5 .
11) محمد خير فارس : المسألة المغربية ، ص : 29 – ط . 1961 .
(12) محمد داود : تاريخ تطوان – القسم 1 من المجلد 7 – ص : 106 .
(13) نفس المرجع – ص : 109 .
(14) تاريخ تطوان : ق 1 – م 7 – ص :104.
(15) نفس المرجع ص : 156.
(16) تاريخ تطوان : ق 1 . م 7 . ص : 157.
(17) احمد بن الامير الريسوني : حقائق تاريخية عن زاوية تازروت ، ص : 22 .
(18) تاريخ تطوان : ق 1 .م 7 . ص : 120 .
(19) علي الريسوني : ابطال صنعوا التاريخ ، ص : 50 .
(20)جميل صليبا : المعجم الفلسفي ج 1 . ص : 679 .
(21) أبطال صنعوا التاريخ ص : 46 .
(22) تاريخ تطران ق 1 م 7 . ص : 138 . والفنيدق قرية خارج حدود سبتة المحتلة .
(23) أحمد بن خالد الناصري : الاستقصا ج 9 . ص :  88 – طبعة 1956 .
(24) الاستقصا : ج 9 . ص 97 .
(25) المسألة المغربية ص : 46 – 47 .
(26) حقائق عن زاوية تازروت ص 30 – 31 . وابطال صنعوا التاريخ ص 40 . وقارن بكتاب  المرحوم عبد الرحيم جبور : حياة الصوفي التطواني سيدي عبد السلام ابن ريسون وكرامته .
(27) حقائق تاريخية عن زاوية تازروت ، ص : 32 – 33 .
(28) أبطال صنعوا التاريخ ص 44 .

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here