islamaumaroc

الرسالة الملكية السامية إلى ندوة الإمام مالك.

  دعوة الحق

205 العدد

جمع المشاركون فى ندوة الامام مالك بن انس على ان الرسالة الملكية السامية الموجهة الى الندوة بعتبر بكل المقاييس وثيقة عمل ليس فقط فى اطار عملهم ، وانما فى كل ميدان فكري تطرح فيه الآراء وتناقش الافكار وتعالج الموضوعات المتصلة بالثقافة العربية الاسلامية .
لقد حددت الرسالة الملكية بدقة متناهية مسؤولية علماء الاسلام فى الحاضر والمستقبل ، وانطوت على توجيهات سدسدة انارت الطريق امام الباحثين فى التراث الاسلامي والدارسين لاثر الثقافة العربية الاسلامية فى ازدهار الحضارة الانسانية ، وتضمنت المقاييس الموضوعية لوظيفة المفكر الاسلامي واسلوب تعامله مع التراث على ضوء تغيرات عصره وتطورات بيئته .
وخاطب امير المؤمنين مصره الله العلماء يقوله : " لتكن ندوتكم هذه فرصة للبحث عن ذلك الاسلوب ومناسبة لتصدي  لهذا التحدي الحضاري الجديد ، وذلك بدراسة وتحليل قضايا العصر واتخاذ مواقف بناءة على ضوء منهجية الامام مالك ، موافق تتسم بالايجابية والاقناع والانسجام مع عقيدتنا وبيئتنا وطبائعنا وتكون امتدادا طبيعيا لتاريخنا وحضارتنا " .
وقال جلالة الملك : حاشا ان يكون التحجر والجمود من شيم الاسلام ، واكد حفظه الله ان هذا الدين برىء من كل من يقفون فى وجه التقدم باسم الاسلام .
والحق ان الرسالة الملكية الموجهة الى ندوة الامام مالك بن انس اشاعت فى اوساط الندوة جوا من الثقة والامل والاقبال على الحوار البناء والمناقشة الهادفة بحيث انطبعت اعمال الندوة بالروح العلمية . وانكب المشاركون على اشغالهم فى حماس كبير . وبذلك حققوا للندوة قدرا رفيعا من النجاح .
وفيما يلي النص الكامل للرسالة الملكية القيمة التي تلاها الاستاذ السيد احمد بن سودة مستشار صاحب الجلالة نيابة عن جلالته :

الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه حضرات السادة العلماء المكرمين منذ بضعة أيام ، حققنا بمشيئة الله وعونه ، أملا عزيزا علينا ، وحلما طالما راودنا ، وذلك بتدشين أكاديمية المملكة المغربية التي نامل أن يصبح المغرب بوجودها مركز إشعاع للعلم والفكر ، والحضارة البشرية بجميع مقوماتها وأبعادها .
ولم تصرفنا مشاغلنا اليومية ، ومشاكلنا الظرفية عن تكريس بعض جهدنا واهتمامنا الإقامة صرح تلك المؤسسة العتيدة ، علما منا بأن عظمة الأمم والشعوب لا تقاس بضخامة بنيانها ، ولا بسعة عمرانها ، ولا بكثرة سكانها ، ولكن بعدد ما أنجبته للإنسانية من عقول مبتكرة ، وأفكار نيرة ، وقيادات روحية تشع حكمة ونورا ، وتبقى على مر الزمان منارات تضيء الطريق للبشرية وتاخذ بيدها نحو السعادة الإبدية .
وإن من تواعث وضانا ، ودواعي غبطتنا وارتياحنا ، أن تقام على أرضنا هذه الطيبة الطاهرة ، وفي هذا الظرف بالذات ، ندوة خاصة بالإمام مالك بن أنس رضي الله عنه ، إحياء لذكراه ، وتذكيرا لأهله بفضله ، وتعريفا بمقامه الرفيع بين شبابنا المتطلع إلى ثراته الروحي العريق . وذلك بتسليط الأضواء بما سيلقي من محاضرات ، وما سيعقبها من مناقشات ، على جميع أعماله العظيمة الخالدة ، التي ضمنت للسنة النبوية البقاء والنقاء ، والصحة والصفاء ، وذلك بما احتواه كتابه " المؤطـأ " من صحيح الحديث ، وثابت الشمائل ، مما جعل تلميذه الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول : "ليس بعد كتاب الله أصح من موطأ الإمام مالك " .
وما أغناه ، رضي الله عنه ، عن التعريف والتذكير في بلد كالمغرب وبين قوم المغاربة ، فقد اختلط مذهبه العظيم بحياتنا منذ أن اعتنقناه . فلا يمر يوم دون أن نمارس فيه جملة من تعاليمه . ولا يتم أكل ولا شراب ، ولا صلاة أوصيام ، ولا زواج أو طلاق ، ولا معاملة دون الرجوع إليه ، والاهتداء بما أخرجه فيه ، من بيع وشراء ، إلى غير ذلك من المعاملات ، " فالدين المعاملة ".
وإن انعقاد هذه المدوة في مثل ظروفنا الراهنة لينطوي على أكثر من مغزى ؛ فقد ألهم الله أجدادنا المنعمين إلى اختيار مذهب الإمام مالك ، ونشرة – وحده دون غيره – في طول البلاد وعرضها، حفظا لوحدة البلاد المذهبية ، ودرءا لكل ما يحمله تعدد المذاهب والنحل من بذور الشقاق والخلاف ، فبرهنوا بذلك على بعد نظرهم ، وعمق محبتهم لشعوبهم ، ورغبتهم في إسعادها بدفء الوحدة ، وما ينتج عنها من قوة ومنعة . ولو صدروا في سلوكهم عن أنانية أو حب للتسلط ، لعملوا بمبدأ " فرق تسد " ولأصبحت بلادنا طوائف وشيعا تتقاتل فيما بينها وتتناحر، ولما وأينا اليوم هذا التماسك والتلاحم بين أفراد شعبنافي مواجهة الغزو الأجنبي الرامي إلى تمزيق وحدتنا الترابية ، وعرقلة  مسيرتنا الحضارية .
أما المغزى الثاني من إقامة هذه الندوة ، فهو تأكيد تمسكنا بالسير في الطريق الوسط التي اختطفها لنا إمامنا مالك رضي الله عنه ، عملا بقوله تعالى : " وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا " فتجنبنا باتباع مذهبه الإفراط والتفريط ، والانحراف عما يمليه العقل السليم ، والطبع القويم ، فقد كان ، رضي الله عنه ، في حياته مثالا للتوسط والاعتدال ، مقتديا بأخلاق وشمائل الوسول صلى الله عليه وسلم .
ورغم اعتداله ودماثة أخلاقه ، فقد كان درعا متينا للعقيدة ضد التحريف والتزوير ، والتاويل المغرض ، ونبراسا يضي الطريق أمام الخلفاء ، والأئمة والعلماء فى مملكة الإسلام . فكان المفتي الدقيق ، والشارح الواضح
والمؤول الصادق الأمين . ولم يبتعد ، في كل فتاواه وتعاليمه ، عن المنطق السليم ، والخلق المستقيم ، مما جعل غالبية المسلمين تطمئن إليه ، وتأتم بهديه . وهذا مغزى آخر نستخلصه م سيرة هذا الوجل العظيم .
ومما يجب استلهامه كذلك من سيرة الإمام مالك ، ثباته ، رضي الله عنه ، على المبدأ ، ومطابقة أقواله لأفعاله . فقد كان شجاعا في نصرة الحق ، قوي الإيمان بالله ، واضح المواقف ، لا يتنازل عن شروى مقير من مبادئ العقيدة وأوامر الله .
وقد امتحن من أجل ذلك في إيمانه أيما امتحان ، وضرب وعذب ، وأهين في سبيل الله ، وطيف به في شوارع المدينة ، وخلعت ذراعه ليتنازل عن رأيه ، ويفتي بغيرها ما أنزل الله ، ويأذن بطلاق المكره ، فأبى وصبر على الأذى، وخرج من محنته التي كان يرادها بها إذلاله ، أعز وأكرم على الله ، وأجل وأعظم في عيون قومه ، وفي ضمير الأمة الإسلامية إلى عصرنا هذا . وصدق الله وعده : " إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم " .
وذهب الإمام مالك ، وبقيت صيحته الشهيرة :" من عرفني فقد فرفني ، ومن لم يعرفني فأنا مالك بن أنس . طلاق المكره لا يجوز " . بقيت تتردد أصداؤها بين شعاب المدينة وتكبر وتعظم لتشمل أرجاء المعمور ، ولتبقى شاهدا حيا مدى التاريخ على رفض الظلم ، والانتصار للحق .
هذا عن جانب الإيمان ، والجهاد ، والثبات ، في شخصية الإمام مالك رضي الله عنه .
ولو أردنا تطبيق المقاييس العلمية العصرية على الجانب العلمي لهذا الرجل الفذ ، لبرزت لنا شخصية عبقرية ثاقبة الفكر ، متعددة الأبعاد ، واضحة المنهج ، شديدة العمق والانضباط . فهو لم يكتف بإثبات سند الحديث وتجشم المشاق في تقصي رواياته إلى نبعه الأصلي ،  استقامتها وصدقها ورسوخها في العلم .

وقد أفضى به اجتهاده ودقته العلمية إلى النزول ألى شوارع المدينة المنورة لدارسة البيئة الاجتماعية التي عاش فيها الرسول صلواة الله عليه وسلامه . فدرس عادات وتقاليد أهل دار الهجرة التي انطبع سلوك أهلها بالسلوك النبوي . وذلك حتى يطمئن إلى صحة ظروف بعض الأحاديث . فأوحى بذلك للعلامة المغربي عبد الرحمن ابن خلدون بالمنهج العلمي التجريبي الذي تصح به لتصحيح وقائع التاريخ القديمة بالوجوع إلى البيئات الاجتماعية التي وقعت فيها .
ولم يكتف ، رضي الله عنه ، بكل ذلك وغم عظمته ، فترك باب الاجتهاد مفتوحا للأئمة من بعده ، وذلك بسنه استنباط الأحكام في ما كان يستجد من قضايا يفرضها اتساع رقعة الإسلام ، بالقياس على ما ورد في السنة وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم . فضمن بذلك المرونة والشمولية للمبادئ والأحكام الإسلامية ، وقطع الطريق على السطحية ، والتزمت ، والركود .
وفد اكتشف الغرب المسيحي ، بعد ألف عام من وفاة الإمام مالك ، ما لمذهبه الكامل من قوة وثراء ودقة في بيظيم أحوال المجتمع البشري أبدع نظام . فاستعاروا الشيء الكثير ، وخرجوا به على العالم وكأنه من صنع أيديهم ، وعبقرية مفكريهم .
ورغم ما أسداه الإمام مالك للإسلام من خدمات جلى وما تحمله في سبيل الدفاع عن مبادئه من أذى ، فقد خالجته في أواخر حياته شتى الشكوك والمخاوف من أن يكون قد أفتى برأيه سهوا أخطأ بما يخالف الكتاب والسنة . قال ( معن بن عيسى ) : سمعت مالكا يقول : " إنما أنا بشر أصيب وأخطئ ، فانظروا في رأيي ، فما وافق السنة فخذوه به " .
وقال ( ابن قعنب ) وهو أحد رواته البارزين ، حين عاده وهو على فراش موته : جلست إليه فرأيته يبكي ، فقلت : يا أبا عبد الله ،  ما الذي يبكيك ؟ فقال : " يا ابن قعنب ، ومالي لا أبكي ؟ ومن أحق بالبكاء مني ؟ والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها برأيي بسوط سرط ، وقد كانت لي السعة فيما سقت إليه . وليتني لم أفت بالرأي .
وإن دل هذا على شيء ، فإنما يدل على شفافية في الروح ، وقرب من الملكوت الأعلى ، وإشراق داخلي لا يحظى به إلا الراسخون في العلم من أولياء الله والصالحين " ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون " .
وإذا تدبرنا حديث الرسول صلى الله عليه وسلم : " يبعث الله على رأس كل مائة سنة لهذه الأمة من يجدد امر دينها " وجدناه ينطبق انطباقا كاملا على الإمام مالك رضي الله عنه ، فقد ولد سنة 93 للهجرة ، وتوفي سنة 179 ، فملأ بعمله وفضله قرنا كاملامن الزمان ، وأخذ عنه العديد من العلماء والفقهاء من المشارفة والمغاربة . وقد حدث عنه أمم لا يكادون يحصون ، ومع ذلك لم يجلس للفتوى حتى شهد له سبعون من جلة العلماء بأنه أهل لذلك . ومن شهادات أهل عصره له ما قاله تلميذه الإمام الشافعي : " إذا ذكر الأئمة ( فمالك ) النجم الثاقب .وماأحد أمن علي من مالك " . وما كان أحد في زمانه أبرز منه ولا أعلم ، فهو بحق مبعوث هذه الأمة الأول بعد الرسول الله .
معشر العلماء المبجلين ، إن حيوية الأمة الإسلامية ، وتداخل مجتمعاتها مع حضارات ، وثقافات، وديانات ، ومذاهب كانت إلى أمد قريب تفصلها عنها المسافات المادية والمعنوية ، وإن التطورات والتغيرات السريعة التي طرأت على المجتمع البشري في السبعين سنة الماضية ، والتي قال عنها أحد المستقبليين : " بأن ما حدث خلالها  من تقدم يوازي ما حدث في مدى  الخمسة آلاف سنة الماضية " كل هذا يفرض علينا أسلوبا جديدا في التعامل مع ثراتنا الحضاري بجميع جوانبه . أسلوبا يتيح للمسلم والمسلمة أن يندمجا فى المجتمع التكنولوجي الذي يعيشان فيه، وينسجما مع هياكل الحضارة الحديثة في إطارمن الأخلاق الإسلامية السامية ، ودون شعور بالاغتراب والاستلاب ، أو بالتناقض ةالانفصام أو بالدونية والإثم .
فلتكن ندوتكم هذه فرصة للبحث عن ذلك الأسلوب ، ومناسبة للتصدي لهذا التحدي الحضاري الجديد ، وذلك بدراسة وتحليل قضايا 
العصر واتخاذ موقف بناءة منها على ضوء منهجية الإمام مالك ، مواقف تتسم بالإيجابية والإقناع ، والانسجام مع عقيدتنا ، وبيئتنا وطبائعنا ، وتكون امتدادا طبيعيا لتاريخنا ، وحضارتنا ، وإسهاما من مفكرينا في تحسين نوعية العيش ، ونماذج السلوك ، في مجتمعنا ، بل وحتى في المجتمعات الإنسانية الأخرى .
وهذه المواقف يجب أن تكون قابلة للبلورة حتى تصبح بديلا قويا ، وواضحا ، وجذابا لما هو مطروح في الأسواق من شعارات أجنبية عنا ، أفرزتها ظروف تاريخية واجتماعية لم نعشها ، وفي مجتمعات بعيدة كل البعد عن مجتمعنا .
وإننا على يقين من أنكم ستواجهون هذا التحدي بإقدام وإيمان ، ومن أنكم ستفوزون بهذا الرهان . فكل ما تعج به أسواق الكتب ، والصحف ، والندوات ، وأمواج الأثير من شعارات الحرية ، والديمقراطية ، والاشتراكية ، والعدالة ، والمساواة ، وحقوق الإنسان ، ما هو إلا بضاعتنا ردت إلينا معنونة بشتى العناوين.
وليست هذه أول مرة يطالب فيها علماء الإسلام بالتكيف بوضع جديد ، فقد كان لهذا الوضع في تاريخ أمتنا ما يوازيه . ولم يكن ذلك أبعد كثيرا من عصر إمامنا مالك . فقد جاء بعده من العلماء من استخدموا منهجه وانتهوا إلى غير ما انتهى إليه من نتائج ، فكانوا يعلنون عدم اتفاقهم معه جهارا بقولهم المشهور : " إن قالها مالك ، فلسنا له بممالك " ولم يجد أحد في ذلك غضاضة ولا انتقاصا من مقام الإمام العظيم . ذلك أن روح مذهبه قائمة على الاجتهاد فيما لم يرد في الكتاب أو السنة أو الأثر . والاجتهاد هو مفتاح المسلمين للتكيف مع كل تقدم أو تطور فكري أومادي في العالم ، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .
وحاشا أن يكون التحجر والجمود من شيم الاسلام . وهو برىء من كل من يقفون في وجه التقدم باسم الإسلام . فحتى في عهد الرسول
صلى الله عليه وسلم ، وجد من اساء فهم الإسلام من ذوي الأمزجة السوداوية الجامدة ، واعتقدوا أنه جاء للتحريم ، والتضييق ، والترهيب ، فحادهم الله تبارك وتعالى في كتابه العزيز بقوله : " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " .
ونحن على يقين من أن بركة الإمام مالك ستحل بينكم ، وتشمل ندوتكم هذه ، وأنكم ستخرجون منها موفقين إن شاء الله ، ومحملين بما يملأ مجلدات من الأبحاث ، والدراسات ، والاكتشافات ن تضاف إلى ثراته الخالد وتبقى مرجعا حافلا لدارسيه ، وشاهدا على فخرنا واعتزازنا بالانتماء إلى مذهبه ، وتشبثنا بمبادئه السامية .
" وقل اعلموا فسيرى الله عملكم ورسوله والمومنون " صدق الله العظيم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
حرر بالقصر الملكي بالرباط في يوم الجمعة 9 جمادى الثانية عام 1400 الموافق 25 أبريل سنة 1980.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here