islamaumaroc

أصالة في الفكر وعراقة في الحضارة

  دعوة الحق

205 العدد

.. ليست الأصالة التعلق الغبي على علاته، وانما هي القدرة الذكية على استثمار التاريخ واستنباط الدروس والعبر منه  ، والنظر برؤية معاصرة الى التراث ،لا للا خذ به دون رؤية ووعي،ولكن لاستلهامه، والا قتباس منه،واستيعاب مضامينه الغنية بالعطاء،الزاخرة بالثراء،بعقل و فطنة و تبصر.
و حينما يتعلق الامر بأصالة الشعوب والدول ،فليس المرادالتنقيب-وأن اصطبع بالصبغةالاكاديمية-عن مظاهر الحياة اليومية في انحرافاتها واسقاطهاومباذلها.فهذامفهوم قاصرللا صالة الشعبية،وانما القصد من ذلك- احتكاما الى التعريف العلمي و التحديد الموضوعي لهذا الاصطلاح-البحث عن الجذور الحضارية،والأصول الفكرية ، و أسباب البقاء والاستمرار،وعوامل الصمود والتحدي التي ضمنت الاشعاع ، وعمقت التأثير، وحفظت للشعب هويته الخاصة ، وصانت كيانه المادي والمعنوي على مدى الاحقاب.
ومن هذا المنظور، فان اصالة المغرب ليست فلكلورا وآثارامعمارية فحسب،و ليست عادات و تقاليد و أعرافا و طقوسا فقط، و ليست أنماطا من السلوك الشعبي و الممارسة اليومية لاشكال الحياة في تدفقها وزخمها و تواترها،ولكن أصالة المغرب دين ولغة ،عقيدة و لسان،شعور و فكر،احساس و مبدأ،قلب و عقل ، بهاآمتزجت ،وفيها آنصهرت،وعلى أساسها قامت،و من قاعدتها آنطلقت،فاشعت الخيروالمحبة و الايمان ، وتدفقت عطاء موصولا،والهاما ممتدا،و تاثيرا مستمرا،فتخطت دود،وبلغت  آفاقا واسعة في آفريقيا و أوروبا و جزر البحر الابيض المتوسط.
لقد عرفت بعض مناطق المغرب قبل الاسلام الديانتين اليهودية والمسيحية ، وسادت لفترات طويلة بعض اللغات القديمة ، وتعاقبت على البلاد اجناس متعددة حملت معها مدنياتها وحضاراتها وثقافاتها ، فما اثر ذلك كله التاثير العميق الذي يلقي تجاوبا وتفاهما واستجابة من الشعب ، وما خلف الا اصداء واهمية ، وآثارا فانية ، ورسومات تشهد على المرور العابر والدور الفاتر.
بيد للاسلام قصة وملحمة فى هذه البلاد ، ما ان اقبل فاتحوه الاول حتى تشربت به نفوس المغاربة ، فخالط دماءهم ، فرضوا به دينا ، وتشبثوا به عقيدة ، واقبلوا عليه يذودون عنه ، ويحمونه بالمهج والارواح ، فكان ان استقر الدين الجديد فى الارض والعقل والوجدان ، واضحى خاصية من خصائص هذا الشعب ، به علا شانه ، وارتفع مقامه ، وذاع صيته ، وفتح الامصار ، واعتق الانسان ، واشاد الحضارة ، فلم يعرف المغرب مسلما ، والاسلام مغربيا ، وبذلك تحددت السمات الرئيسية لاصالة المغرب ، وارسيت  القواعد الاولية لحضارة هذه البلاد .
وقد يورد البعض ، فى سياق هذا الحديث ، ما سجله التاريخ فى عهد الفتح الاسلامي الاول للمغرب ، من ردة اهله ، وعصيانهم ، وتمردهم على الفاتحين العرب ، فى حالات متكررة . غير ان التمحيص التاريخي النزيه ، والركون الى الحجج القاطعة ، والدلائل الدامغة ، يثبت لنا حقيقة  جديرة بالتنويه . ذلك ان سكان المغرب ، الذين تجاوبوا مع عقيدة التوحيد ولغة الضاد ، لاول عهدهم بهما ، لم يرضوا من قادة الفتح وجندهم تصرفات اتسمت بالشدة والغلظة ، والكبر والازدراء ، فاثار ذلك حفيظة الاهالي ، وايقظ فيهم انفتهم واباءهم والشعور بالعزة ، فكان منهم ما تقراه فى كتب التاريخ من رد فعل عنيف ، لم يكن موجها – اساسا – ضد العقيدة الجديدة ، فهذه قد استقرت وانتهى امرها الى وسوخ على قصر العهد ، ولكنه كان رفضا للعدوان العنف واستغلال النفوذ ، حتى وان كان صادرا من حملة الرسالة ودعاة الحق . وهذه ميزة فريدة ، وشرف وفضل يحسبان لهذا الشعب ، لانه فرق بين الدين واهله ، وبين اللغة واصحابها ، فآمن بالدين عن اقتناع ورضي وارتياح ، واخذ باللغة لسانا له ، ورفض الظلم وابى الضيم . وتلك طبيعة المغربة فى كل وقت وحين .
واستمرت الحال تتراوح بين اخذ ورد ، ومد وجزر ، الى ان كان الفتح الاكبر فى النصف الاخير من القرن الثاني للهجرة على يد ادريس بن عبد الله رضي الله عنهما .
وفى كل الفترة اصطبغ المغرب بالصبغة الاسلامية الشاملة التي محت كل صبغة ، ولم تبق الا على الخصال الكريمة ، والمزايا الشريفة ، التي تعود الى الفطرة السوية التي فطر الله الناس عليها جميعا.
ومضت اثنا عشر قرنا ، والمغربة على دين واحد ، ولغة واحدة . ومرت مراحل تعرضت فيها الوحدة المذهبية لهزات عنيفة ، بحكم عوامل تاريخية ، وتطورات فكرية سادت العالم الاسلامي من اقصاه الى اقصاه فى القرون الاولى . ولم تنل تلك الاحداث من اصرار المغرب على التمسك بالوحدة فى مظاهرها المتعددة ، وانكشفت الغمة ، وبقي هذا الشعب موحدا دينا ومذهبا وعقيدة ولسانا ونظاما الى يوم الناس هذا . ولم يعرف المغربة فط نزعة عرقية جاهلية ، او دعوة قبلية بغيضة ، او نزوة عنصرية كريهة ، او ميل الى اعتماد الاصل التاريخي اساسا فى التفرقة والتمزق والتشتت ، الا فى عهد الاستعمار ، حينما تفتق مكره الخبيث عن حيلة عدوانية اراد بها ان يهز الكيان الوطني هزا عنيفا ، لتتداعى اركانه ، وبتساقط بنيانه . ونستطيع ان نؤكد ان تاريخ المغرب منذ الفتح المبكر الى سنة 1930 لم يعرف اتجاها من هذا القبيل او محاولة من هذا الصنف . بل انه قامت فى المغرب دول من عنصر غير عربي فى ارومته المتاخرة ، وحكمت البلاد ، ودان لها الجميع بالسمع والطاعة ، وساد الاستقرار والاطمئنان ، ولم يجد احد غضاضة فى ذلك . والاهم من هذا ان هذه الدول لم يصدر منها قط ما يؤكد تمسكها بالجاهلية الاولى ، وانحرافها عن الدعوة الاسلامية الخالصة التي تجعل الناس سواسية كاسنان المشط .
تلك قصة اصالة المغرب ..
ويقتضينا الانصاف – وقد الينا على انفسنا الاخذ بالمنهج العلمي فى استقراء وقائع التاريخ والتعامل مع الماضي – ان نؤكد على الاصل المشترك للعرب والبربر ، استنادا الى مئات الدراسات التاريخية المعمقة لعلماء ومفكرين ومؤرخين من ابن خلدون الى محمود شيت خطاب . وعلى هذا الاساس ، فان القول بثقافة المغرب الاصلية ، او بتعبير ادق اصالة اخوال ادريس بن ادريس ، لا معنى علمي له ، الا بالرجوع الى الاصول المشتركة للمجتمع المغربي ، هذا فى حالة القبول بالجدل الذي لا يغير من الحقيقة التاريخية شيئا .
ولعلنا واضحون الآن . لان الدعوة الى اصالة الشعب المغربي فى مفاهيمها العرقية التي ابطلها الاسلام لم تنشا الا فى حضن المحتل . وله فى بلاده اليوم  معاهدة ومراكز تختص بنوع من الدراسات ظاهرها العلم والادب والثقافة . ولكنها الحقيقة تخدم اهداف استعمارية ان الاوان لفضحها .
ولقد فضحها  علماؤنا ومفكرونا ورواد حركتنا الطنية منذ نصف قرن .
اننا جميعا تستظل بظل الاسلام ، ونقف تحت مظلته . فهي وحدها الواقية . وشعبنا مسلم ، الان هذا قدره ، وتلك هويته . والفصحى لغة القرءان ، ومن ثم فهي لساننا جميعا ، وهي الآصرة القوية
والعروة الوثقى . واي مساس بالفصحى انما هو نيل مباشر من الاسلام ، لان هذه من تلك .
ولعله من لطف الله بهذه الامة ، ان جعل على راسها اسرة شريفة من اهل البيت ، ظلت اربعة قرون تعيش مع البربر فى الصحراء الشرقية ، الى ان تولت عرش المغرب ، فانضوت تحت لوائها كل عناصر الامة ، وانتظم فى مسيرة العرش المغربة اجمعون . وبذلك اكتملت ضمانات الاستمرار :
- اسلام .
- عروبة .
- عرش مغربي عربي اسلامي .
- وحدة مغربية عربية اسلامية .
واذا كنا ناسف لشئ فاننا ناسف لما تضطرنا اليه تحديات المرحلة الراهنة من اعادة القول حول مسلمات وبديهيات آمن بها شعبنا واستوعبها ، وكانت منطلق الحركة الوطنية المغربية ، فى الثلاثينيات .
وان مما يثير الانتباه ويجدر بنا ان نسجله بالمناسبة ، ان المغرب يشهد حركة فكرية عميقة الجذور على واس الذكرى الخمسين لقيام الحركة والوطنية . وكان الاقدار شاءت ان تقترن هذه الذكرى المجيدة بمراحل تطور ، هي بكل المقاييس ، قمة فى النضج والاكتمال والاستواء .
ولنا ان نرصد مظاهر هذه الحركة الواعدة ونجتهد ان نحصرها فى المعالم التالية :
اولا : استكمال الوحدة التربية باسترجاع اقليم وادي الذهب .
ثانيا : انشاء المجلس العلمي الاعلى برئاسة جلالة الملك .
ثالثا : تاسيس اكاديمية المملكة المغربية التي تضم اعلاما شامخة من مختلف انحاء العالم .
رابعا : تنظيم ندوة الامام مالك بن انس .
خامسا : تعديل فصول من دستور المملكة يتعلق اولها بتنظيم مقتضيات مجلس الوصاية على العرش .
وتجري هذه التحولات الهامة فى الوقت الذي تستميت القوات المسلحة الملكية العتيدة فى مسح وتطهير الصحراء المغربية من جيوب
المرتزقة المارقين عملاء الالحاد والتبعية الذليلة . وهي حالة ، لو توفرت لبلد من بلدان العالم الثالث ، لكان داعيا الى ايقاف كل نشاط فكري وتعطيل العمل بالحريات العامة ، واعلان الاحكام العرفية ، وممارسة القهر بشتى اشكاله ضد ارادة الانسان بدعوى المحافظة على صلابة الجبهة الداخلية .
غير ان صلابة جبهات المغرب جميعا تستمد من اصالة فكره وعراقة حضارته ، مما يوفر له القدرة على الصمود فى جوانبه العسكرية والفكرية والدستورية .
وبهذا الرصيد الحضاري الضخم ، وبهذه الوحدة الدينية  واللغوية والسلالية المتراصة ، يستشرف المغرب القرن الخامس عشر الهجري ويتطلع الى مستقبل يعز به الاسلام ، ويسود فيه السلام ، ويعم معه الوئام ، بين الامة الاسلامية والمجموعة الانسانية قاطبة .
وما كنا لنصل الى هذا المستوى من الرسوخ والثبات والصحوة الدائمة ، لو لم تكن حصوننا آمنة مطمئنة ، وصفوفنا موحدة متماسكة ، ولو لم تكن اصالتنا عربية اسلامية فى مضمونها ومحتواها، وفى اصولها وجذورها.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here