islamaumaroc

الحسن الثاني ملك المغرب

  دعوة الحق

203 العدد

من الأمنيات التي تتطلع إليها نفسي، أن تتاح لي فرصة في يوم من الأيام ان اعكف على دراسة شخصية جلالة الملك الحسن الثاني، دراسة تحليلية، معتمدة على وثائق مدونة ، تدرس في اطارها العام، كمؤثرات تاريخية وتربوية، أسهمت بطريقة ما، في تكوين شخصية جلالة الملك ، الذاتية والفكرية والسلكوية ، وانعكست، بطريقة تلقائية، على تكوين مدرسة مغربية عصرية، في السياسة الداخلية والسياسية الخارجية ، وأصبحت تلك المدرسة التي انطبعت بطابع جلالة الملك الحسن الثاني، أهم ما يميز شخصية المملكة المغربية في العصر الحديث...
ولعل من أهم الأسباب التي تنمي في نفسي هذا الأمل، هو شعور المحبة والإعجاب بشخصية الحسن الثاني، كملك استطاع بذكاء ان يمزج بين مثله وقيمه المستمدة من عقيدته الإسلامية، وبين مسؤولياته كقائد لأمة، وكموجه لسياسة، وكراسم لمعالم دولة عصرية...
 وبالرغم من أنني كنت دائم الحرص خلال حياتي العلمية على ان يقتصر جهدي على قضايا الفكر، مسهما في رسم معالمه، مبينا دوره الرائد في خدمة مسيرة امتنا على دربها الطويل، الا ان شعورا وجدانيا عميق الجذور في ذاتي يظل يطرق الباب بالحاح على نفسي يثير في اعماقي، وباستمرار ، الرغبة في دراسة شخصية جلالة الملك الحسن الثاني، وهذه الرغبة تتزايد وتلح، وتجد في اعماق كياني، عاطفة من المحبة والإعجاب، تنمو في ظله تلك الرغبة، حتى تصبح في يوم من الايام حقيقة ملموسة مزدهرة..

الإطار العام المكون لشخصية الملك الحسن الثاني
تؤثر العوامل والمؤثرات الخارجية في تكوين الشخصية الانسانية، وتسهم في رسم معالمها الاساسية، تاركة للطاقات الذاتية لتلك الشخصية اطارا اخر للنمو والحركة، بحيث تتكامل المؤثرات الخارجية مع الاستعدادات الذاتية، وتسهم معا في تكوين شخصية انسانية متميزة ، ذات خصائص تختلف بها عن غيرها...
  ويمكننا ان نبحث عن الشخصية الإنسانية في إطارها العام من خلال عاملين اثنين:
احدهما: عامل تاريخي، يسهم بطريقة ايجابية في تكوين الشخصية الانسانية من خلال ما تختزنه الذاكرة ، من قيم ومفاهيم وعادات ومثل وامال، يسمعها الإنسان في طفولته الأولى، ثم تنمو في وعيه، حتى تصبح قيما ومثلا وامالا...
 ثانيهما: عامل تربوي، يسهم بطريقة مباشرة في تكوين الشخصية الإنسانية، وهذا العامل هو الذي يحدد للطفل في سنوات عمره الأولى بطريقة أكثر وضوحا خط سيره المستقبلي ، فكريا وسلوكيا، ويرتبط العامل التربوي بالعامل التاريخي برباط متين، فالعامل التاريخي يوحي بالقيم والمثل، في النفس، ويسهرعلى تنميتها، ويستعمل كل أساليب الإقناع العاطفي والعقلي لكي تاخذ تلك المثل والقيم مكانها في اعماق الذات البشرية، حتى تنعكس على جوانب السلوك الظاهري في الحياة العامة...

الإطار التاريخي
نمت شخصية جلالة الملك الحسن الثاني في اطار الشخصية المغربية المتميزة ، في خصائصها وطبائعها، وهي خصائص لا نجد صعوبة كبيرة في استكشاف بعض معالمها العامة..
  فالشخصية المغربية ذات كيان حضاري، وهي وليدة تمازح حقيقي بين الخصائص الذاتية للشعب المغربي بكل فئاته العربية والبربرية، وبين خصائص العقيدة الاسلامية، ذات العمق العقائدي والفكري في وجدان الشخصية المغربية.
  ومن اليسير على الملاحظ والمتتبع لطبيعة السلوكية المغربية في الحياة العامة ، من عادات وقيم ومعتقدات، ان يدرك حجم التلاحم والتكامل بين المفاهيم الاسلامية وبين العقلية المغربية ، وهذا يفسر لنا كثيرا من جوانب التاريخ المغربي، وخاصة في الفترات الزمنية التي اشتد فيها الصراع بين العالم الاوربي المسيحي وبين الشخصية المغربية الإسلامية، وانتصرت الشخصية المغربية في معاركها النهائية، لانها لم تكن تدافع عن الإسلام كدين فحسب .. وإنما كانت تدافع عن الاسلام كدين فحسب ... وانما كانت تدافع عن الإسلام كجزء من الشخصية المغربية.
 وبهذا الاعتبار اصبح الإسلام ركنا حقيقيا من أركان الشخصية المغربية، وهو الركن العقائدي والفكري، وهذا الركن هو الذي يعطي للركن المادي الممثل في الكيان البشري للإنسان عمقه الانساني، وهو يجعله أكثر قوة وصمودا في وجه التحديات المتجددة مهما بلغت قسوتها...
والعرش المغربي في نظر الشعب المغربي هو القيادة الدينية والسياسية والجهادية ، التي انبط بها مهمة الدفاع عن الشخصية المغربية، سواء في حماية معتقداتها الدينية، ومفاهيمها الاخلاقية، او في الدفاع عن وحدتها الوطنية ومصالحها العامة..
  وتعتبر " البيعة " هي الوسيلة للتعبير عن شرعية الارتباط بين العرش والشعب ، وظلت البيعة في المغرب حتى الان ، هي اداة التعبير المتجدد عن الولاء للعرش كسلطة عليا تستمد قوتها وشرعية تصرفها من الامة، ممثلة في أصحاب الرأي والفكر فيها...
  وبالرغم من كل ما اعترى العرش المغربي منذ نشأته الأولى في عهد مولاي ادريس حتى العصر الحديث، من صعوبات ونكبات وتمزقات وفتن داخلية وثورات، فقد ظل العرش المغربي قائما يمثل استمرارية الوجود المغربي، كقيادة عليا قادرة على إعادة الأمن والاستقرار في البلاد...
 وتعاقبت اسر حاكمة على العرش المغربي، أدت كل منها دورها في مرحلة تاريخية معينة، ثم تخلت عن العرش عندما فقدت مبررات وجودها، أمام قيادة أكثر منها قدرة على تحقيق الاماني الوطنية...
  وعندما أطلت الفتنة على العرش المغربي في مرحلة من مراحله التاريخية مهددة الشخصية المغربية بالتمزق والضياع تطلع الشعب المغربي نحو أسرة شريفة، تمثل القداسة الوطنية والدينية، وكانت بداية عصر الأسرة العلوية الشريفة...
    واستطاع العرش العلوي ان يحقق التلاحم بين القايدة الدينية والقيادة السياسية، وبذلك توفرت له من عناصر الكفاءة السياسية، وبذلك توفرت له من عناصر الكفاءة والجدارة ما مكن له من البقاء والاستمرار ، اذ قام ملوك هذه الاسرة بالمسؤولية الملقاة على عاتقهم، بصدق وأمانة ...
   وعندما اشتد الصراع بين الشعب المغربي وبين الاستعمار الفرنسي، اكتشف المستعمرون ان العرش المغربي ممثلا بجلالة المغفور له محمد الخامس طيب الله ثراه يقود حركة التحرير والاستقلال ، في ظل تحالف بين قائد الامة وشعبه،  وتكامل في توزيع الأدوار، لتحقيق الاستقلال الكامل، وعندئذ انتهكت فرنسا حرمة العرش الذي يمثل إرادة الأمة، وخلعت قائد ثورة التحرير والاستقلال عن عرشه، ولكن سرعان ما ادركت ان العرش المغربي لا تحميه ارادة فرنسية ، وانما تحميه وتدافع عنه ارادة شعب يمثل العرش ضميره وارادته وكبريائه..
  هذه العوامل والمؤثرات الخارجية، انطلاقا من الشخصية المغربية الاصيلة التي يمثل العرش المغربي قيادتها الحقيقية على مر العصور التاريخية، وانتهاء بخصائص الاسرة العلوية الشريفة، ودلالات وجودها على عرش المغرب، تمثل الإطار العام التاريخي لشخصية جلالة الملك الحسن الثاني، وقد اسهمت هذه العوامل بطريقة ايجابية غير مباشرة في رسم المعالم الذاتية والفكرية لجلالته والتي عنها فيما بعد...

الاطار التربوي
 إذا كان الإطار التاريخي يحدد المعالم الرئيسية للشخصية الانسانية، فان الاطار التربوي يسهم بطريقة مباشرة في صنع تلك الشخصية، عن طريق توفير المناخات النفسية والفكرية التي تنسجم مع القيم والمثل المطلوبة...
 ولما كان ملك المغرب هو ضمير الأمة المغربية، وهو المعبر بصدق وامانة عن تطلعاتها وامانيها كان من الملائم ان تكون المناهج التربوية التي يعدها ملك المغرب لسمو ولي عهده، مراعية تلك الجوانب، ولهذا فان جلالة الملك المغفور له محمد الخامسطيب الله ثراه قد اعد لسمو ولي عهده مدرسة خاصة به، يلقن فيها المبادئ الفكرية التي تحقق الغرض المطلوب، ابتداء بدراسة العلوم الدينية التي تحظى برعاية خاصة في هذه المدرسة، وانتهاء بالتكوين الفكري الذي يتسم بصفة الشمول والتكامل المؤهل لحمل المسؤولية القيادية..
  ولا املك المعلومات الدقيقة عن هذه المرحلة من حياة جلالة الملك، غير ان هذا لا يمنعني من محاولة استكشاف الإطار التربوي العام- في ضوء ما اطلعت عليه من بعيد ، عن طريق القراءة والاستنتاج- الذي اسهم بطريقة مباشرة في تكوين شخصية جلالة الملك..
  وفي نفس الوقت لا يمكننا النظر في المؤثرات التربوية المكونة للشخصية الإنسانية بعيدا عن المؤثرات الزمانية والمكانية، والظروف الخارجية العامة، التي تلعب دورا فعالا في تكوين الشخصية.
ومن المؤكد ان الطفل في مرحلة تكوينية يتأثر بكل الظروف التي تحيط باسرته ، وبمجتمعه، وجلالة  الملك الحسن الثاني هو الابن الأكبر لملك المغرب، والمؤهل لحمل مسؤولية الملك، لا يمكن ان يعيش في معزل عن الصراع الذي كان يتصاعد بين ملك المغرب والحماية الفرنسية..
ولهذا فان الطفولة في مثل هذه الظروف، لا يمكن ان تعتبر طفولة حقيقية، وانما هي مثقلة بمعاناو والام تتزايد مع تزايد حدة الصراع مع السلطة التي تريد ان تجعل نفسها وصية على عرش يرفض الوصاية عليه، وتتفاعل عواطف سمو الامير، مع تفاعل عواطف شعبه، وتنمو في نفسه بذور الكراهية للسلطة الطاغية التي تريد إذلال أمنه.
   وفجأة يجد سمو الامير نفسه وعلى غير إرادة منه، يقف بصراحة ووضوح في مواجهة القوة الطاغية، يحرض زملاءه في المعهد المولوي على الثورة، معلنا تضامن القصر الملكي مع تطلعات شعبه..
   وقبل ان يرتد الطرف اليه ، يجد القوة الطاغية بكل جبروتها ، تقتحم رمز الكرامة المغربية، وتخلع ملك المغرب عن عرشه، وتقوده مع اطفاله الى جزيرة نائية في مكان بعيد، وهناك يخلد الامير الجليل الى التأمل، ويسمع صوت شعبه من بعيد يناديه، وتتساقط الدموع من عينيه في صلاة خاشعة يكتشف فيها ذاته ، ويرفع يديه الى السماء .. يارب.. يارب..
   وقبل ان يذيل المل في كيانه، يجد نفسه –وكانه في حلم-فوق ارضه، برفقة ملك البلاد، يستقبله شعبه، ويمسح عنه عينيه كآبة ايام قاسية، ويرفع يديه من جديد الى السماء ...يارب...يارب...
إن هذه العوامل المختلفة، قد أسهمت في تكوين نفسية جلالة الملك الحسن الثاني ، وقد لا نستطيع ان نحدد على وجه الدقة طبيعة ذلك الأثر وحجمه وعمقه ، إلا أننا نستطيع ان نتلمس بعض ذلك من خلال تتبعنا الدقيق للجوانب الظاهرة من شخصية جلالته، سواء فيما يتعلق بعمق مضمون الإيمان بالله، والاعتماد عليه، والاعتزاز بالاسلام، او فيما يتعلق بإيمان جلالته بشعبه، وحرصه على تعميق الصلة بين العرش والشعب ، من خلال تدعيمه للمسيرة الديمقراطية التي تحقق تكاتف الجهود لبناء المغرب ، او فيما يتعلق بايمان بان العرش مؤتمن على وحدة المغرب ، وتوحيد ترابه، وان ملك المغرب سيظل دائما على راس اية مسيرة لتتحرير او اية مسيرة للبناء..

محاولة استكشاف ملامح شخصية
جلالة الملك الحسن الثاني
    تحظى دراسة شخصيات العظماء من الرجال باهتمام الباحثين والدراسين، فيشرعون في تتبع مراحل حياتهم، وأدوارها التاريخية، والمؤثرات النفسية والفكرية التي ساهمت في تكوين تلك الشخصيات...
 ويعود السبب في الاهتمام بهذه الدراسة التحليلية لعظماء الرجال بالرغم مما يتضمنه هذا الاهتمام من التدخل في بعض الجوانب الخاصة من حياتهم، إلى الإيمان بان العظماء من الرجال هم جزء من حضارة أمتهم، وهم بالتالي ملك لا متهم، أو ملك للبشرية جمعاء، لأنهم يسهمون في إثراء الفكر البشري بما ينهضون به، فكريا، أو عليما، أو إنسانيا.
  وجلالة الملك الحسن الثاني شخصية متميزة في خصائصها الفكرية، وفي تكوينها الذاتي، وفي إسهامها الحضاري والإنساني، ولذا فهي جديرة بالدراسة التحليلية الجادة الموضوعية، القادرة على ابراز معالم هذه الشخصية.
 ولما كان مثل ذلك الهدف يحتاج إلى أدوات للبحث والدراسة، ليست ميسرة لنا، ويحتاج إلى كفاءة فكرية عالية لا نرقى إليها، فقد اكتفينا بهذه المحاولة المتواضعة، ونأمل أن تكون لبنة حقيقية أولى لدراسات أكثر عمقا واستيعابا، في هذا المجال...

الشخصية الذاتية
  اعتقد أن دراسة الشخصية الذاتية للإنسان، وتحديد أبعادها الفكرية، مهمة ليست يسيرة،وهي في جميع الأحوال دراسة نسبية ، قابلة للخطأ والصواب، لان الباحث يحاول أن ينظر الى الشخصية من خلال النافذة التي يريدها ويتأثر في حكمه على المواقف بعاطفته الشخصية التي تربطه بتلك الشخصية، او بمواقف تلك الشخصية بما ينسجم مع رؤيته الخاصة..
 وإذا سلمنا منذ البداية بان دراسة الشخصية الإنسانية هي دراسة نسبية، تحددها وحدة المواقف وتلاقي الأفكار، أمكن لنا أن نطمئن إلى أن احتمالات الخطأ تبقى واردة وربما يراجع الباحث مواقفه اذا تكشفت له عناصر جديدة لم تكن متوافرة له من قبل..
وتتميز شخصية جلالة الملك الحسن الثاني بخصائص ذاتية، من اليسير على أي مواطن في المغرب ممن يتابعون خطب جلالته وأقواله أن يلتمس بعض تلك الخصائص...سواء من الناحية الفكرية المتمثلة المتمثلة في وضوح عقائدي ملموس أو في التزام أخلاقي في التعامل السياسي، او في عمق ثقافي أسهم في تكوينه ونضجه استعداد شخصي وعقلي، صقلته وعمقته ثقافة مزدوجة واسمه.. او من الناحية المرتبطة بأسلوب ممارسة الحكم، والمنطلقات الرئيسية الفلسفية لذلك الأسلوب.

 من الناحية الفكرية:
يعتبر جلالة الملك الحسن الثاني من الشخصيات السياسية القليلة التي تتميز بالوضوح الفكري المقترن بمدا الالتزام.. واعتقد ان هذا الوضوح قد أسهمت في تكوينه وتعميقه ثقافة حقيقية، تلقاها جلالته، في مدارس وجامعات متقدمة في مناهجها، واستطاع أن يصل بها إلى ما يرقى به عن درجة الثقافة العامة التكوينية إلى الثقافة المتخصصة في علم القانون.. وتختلف الثقافة المتخصصة المعمقة عن الثقافة التكوينية العامة، في ان الثقافة العامة ترتقي بمستوى صاحبها، الى مستوى التكوين التكوين الشمولي ولكنها لا تمنحه– بحكم اطارها العام – رؤية فكرية واضحة، وعند فقدان تلك الرؤية الوضوحية ينعدم ركن الالتزام، لان الالتزام لا يتوفر ركنه في ظل الرؤية الضبابية، وإنما في ظل الرؤية اليقينية التي تؤكدها الثقافة المعمقة المتخصصة.
ويظهر لنا هذا الوضوح الفكري من خلال الخصائص التالية:
1-الوضوح العقائدي:
  والمراد بالوضوح العقائدي هو الفكر الإيديولوجي الملتزم الذي لا يقبل المساومة، واعتقد ان المسلم الحقيقي يتميز دائما بوضوح عقائدي في فكره ووجدانه، وفي ظل الوضوح العقائدي تنعدم فكرة التعاطف الإيديولوجي الكلي او الجزئي مع أي من ضفتي الايديلوجية المعاصرة، الرأسمالية والماركسية...
 وهذا الوضوح العقائدي لدى جلالة الملك لا يحتاج إلى توضيح، فمن الملاحظات التي لا يختلف عليها اثنان لشيوعها بين الخاص والعام، هو تمسك جلالته خلال خطبه الرسمية التي قد لا تكون مرتبطة بمناسبة دينية ، بالاعتماد على اية قرانية او حديث شريف ، واعتبار ذلك النص منطلقا فكريا يحدد الاطار  الفكري العام للمناسبة المطلوبة...
 ولقد كنت اتتبع بدقة منذ ثلاث سنوات حتى الان هذه الظاهرة، وأتلمس اهافها ونتائجها القريبة والبعيدة، وكنت احس بالاعجاب على الربط المحكم المعجز بين النص والمناسبة، وكان النص قد أحكمت عبارته لكي يكون منطلقا للمناسبة..
 واستطيع ان استنتج من وراء ذلك ان جلالة الملك يوجه انظار شعبه من مسؤولين ومفكرين وغيرهم الى ان المغرب بلد مسلم، ويجب ان ينطلق في مسيرته من منطلق اسلامي  يمثل اليديلوجية الوحيدة التي ارتضاها الشعب المغربي الذي يعبر عاهله عن ضميره...
وعندما يحرص جلالته على ان يشرف بنفسه على الأنشطة الإسلامية، ممثلة في المناسبات الدينية، وحلقات الدروس الحسنية ، ويعطي لدار الحديث الحسنية وضعا قانونيا وأدبيا متميزا كمؤسسة عليمة معبرة عن اختيار ايديلوجي معين، قائما يؤكد جلالته بان الاسلام هو الاختيار الاديلوجي الوحيد للمملكة المغربية، وان ملك البلاد هو المؤتمن على هذا الاختيار والضامن لاستمراره...
ويلاحظ ايضا ان الدستور المغربي هو الدستور العربي الوحيد الذي رفض ان يكون الاسلام مجرد دين، وانما أراده ان يكون هوية فكرية للمغرب، قنص على ان المملكة المغربية" دولة اسلامية" لغتها العربية،
ولم يقل : دولة عربية دينها الإسلام ... وهذا تاكيد على ان الإسلام هو الهوية الفكرية الشمولية للمغرب، وان المغرب يرفض اية ايديلوجية اخرى مهما كانت منطلقاتها...
   واعتقد ان هناك عوامل متعددة بعضها " تاريخي " مرتبط بالشخصية المغربية التي تعتبر العرش العلوي مؤتمنا على عقيدة الامة، وبعضها " تربوي " اسهمت التربية القويمة في تكوينه وتعميقه، قد ساعدت على ابراز معالم هذه الخاصية الذاتية التي تعتبر في نظري من اهم الخصائص الذاتية الاصيلة في شخصية جلالة الملك...
 العمق الثقافي:
 ان المتتبع لخطب وأقوال جلالة الملك الحسن الثاني يلاحظ بسرعة ان جلالته يملك قدرة بالغة على التصرف في الفكرة التي يريد التعبير عنها ، من خلال امتلاكه لثروة ضخمة من المفردات اللغوية التي تصبح دلالاتها اللفظية اداة طبيعية للتعبير البليغ عما يقصده جلالته من معان وأفكار.
 وقد لاحظت بنفسي خلال بعض الاجتماعات والمؤتمرات ذات الضفة الدولية التي يفتتحها جلالته بكلمات توجيهية ترسم إطارا عاما للفكرة التي انعقد الجمع لاجلها، لاحظت على وجوه معظم الوفود تعابير الاعجاب، وكلمات الثناء، لامتلاك جلالته لناصية اللغة، وللتصرف في الالفاظ بما يؤدي الى المعنى من خلال صياغة الفكرة في عبارات متينة الأسلوب، صحيحة التركيب، واضحة الدلالة...
 وأحيانا، وبخاصة في الأحاديث ذات الموضوع الفكري، يطرح جلالته رؤيته للفكرة، معتمدا على قدرة تحليلية نادرة، مما يصعب على غير المتعمقين في هذا الجانب، متابعة الحوار ..
   واعتقد ان سبب ذلك يعود إلى عاملين، اولهما: عامل استعداد ذاتي فكري وشخصي، وثانيهما : عامل تكوين ثقافي متين البنيان متسع الآفاق ..
وتجدر الاشارة الى ان جلالة الملك يؤمن بفكرة الازدواج الثقافي ، كاداة لتوسيع دائرة الافاق الفكرلاية للانسان، وكلما تعددت نوافذ الثقافة ، واتسعت افاقها كانت ادعى لتوفير مناخ ملائم للفكر الشمولي المتوازن..
والازدواج الثقافي لدى جلالته هو إضافة ثقافة جديدة الى ثقافة الاصلية، وهذه الثقافة لا تولد أي خطر على الثقافة الحقيقية الأصلية، لأنها تظل في اطار الثقافة اللغوية أو الفكرية.
  وهذا يختلف عن تعدد المصادر الفكرية لثقافة المواطن، لان تعدد المصادر وهي متناقضة في الاحيان ، تؤدي إلى تكوين فكري ضبابي الرؤية، متناقض الهوية ، كالطفل الذي يتلقى مبادئ تكوينه العقائدي، على يد أستاذين، احدهما مسلم ويعلمه مبادئ التوحيد، وثانيهما مسيحي يعلمه مبادئ التثليث، او كالطالب الذي يتلقى من أستاذه الأول مبادئ الإيمان ومن أستاذه الثاني مبادئ الإلحاد، او النظرة الفلسفية الفردية والنظرية الفلسفية الماركسية...
  إذن الازدواجية الثقافية مطلوبة، لأنها تفتح آفاقا للمعرفة، بخلاف الثقافة ذت المصادر الفلسفية المتناقضة، فإنها تؤدي إلى الشك بدلا من اليقين، والى التميع الفكري بدلا من الوضوح الملتزم...
 من الناحية السياسية:
 من المؤكد ان هناك ترابطا وتلازما بين الفكر والممارسة الواقعية، واذا كنا قد تحدثنا عن الجانب الفكري في شخصية جلالة الملك الحسن الثاني المتمثل في خاصية جلالة الملك الحسن الثاني المتمثل في خاصية الوضوح الفكري والعمق الثقافي ، فان اثر ذلك الجانب ينعكس بطريقة تلقائية على الممارسة السياسية ، مكونا معالم مدرسة في الحكم ، متميزة المعالم ، متكاملة الخصائص ، نابعة من ضمير الشعب المغربي المكون للمعالم الرئيسية لشخصية جلالة الملك الحسن الثاني ..
  وقد ذكرنا قبلا ان شخصية جلالة الملك لا يمكن دراستها دراسة علمية تحليلية إلا من خلال استيعاب اطارين اساسيين : اطار تاريخي مرتبط بالشخصية المغربية، وإطار تربوي متأثر بعوامل بيئية ووطنية وتوجيهية تعتبر جزءا من قيم ومثل وتطلعات الشعب المغربي..
وهكذا نلاحظ ان هناك تكاملا بين شخصية ملك المغرب والشخصية المغربية ، وعندما يكون هذا التكامل حققيا فعندئذ يدرك ملك المغرب امال شعبه ، من خلال ذاته ، وبتفاعل مع تلك الآمال تفاعلا لا تكلف فيه.
وهكذا نصل الى ان مدرسة الحسن الثاني في الحكم هي مدرسة مغربية، وهي ذات خصائص متوارثة، وذات قيم ثابتة، قد طبعها جلالة الملك بطابع متميز دون ان يغير من خصائصها المتوارثة، الا بالقدر الذي لا يتعارض مع مثلها وقيمها الثابتة، مؤكدا فكرة الاستمرارية الت تكفل للعرش المغربي قداسة تاريخ طويل من الجهاد ، ورصيد مسيرة للبناء استمرت أكثر من عشرة قرون...
 ان جلالة الملك الحسن الثاني عندما يجعل الإسلام ركنا حقيقيا من أركان المدرسة السياسية في المغرب، فلان جلالته يؤمن بركنية العقيدة الإسلامية في البناء السياسي المغربي، انطلاقا من دور الإسلام في الحفاظ على الوحدة الترابية للمملكة المغربية ، وانتهاء بان الإسلام سيظل في جميع الظروف من أقوى العوامل التي تسهم في تحقيق الاستقرار، كراية يجتمع الشعب المغربي تحت ظلها، سواء في دفع الأخطار الخارجية ، أو في تدعيم الجبهة الداخلية..
وعندما ينادي جلالته بفكرة بين مختلف طبقات المجتمع ، فان جلالته يوقظ في الوجدان المغربي مسؤولية الحفاظ على الشخصية المغربية، التي لا يمكن ان تظل متماسكة البنيان ، الا في ظل الايمان بفكرة التعايش كأسلوب عقلاني وأخلاقي تنميه روح المسؤولية في الدفاع عن الشخصية الحضارية لهذه الامة...
وعندما يدعم جلالته مسيرة الديمقراطية متحديا بذلك مدرسة الديكتاتورية، ان جلالته يؤمن بالشعب المغربي كشعب جدير بالمسؤولية، متميز بفضيلة الالتزام بالدفاع عن الحقوق الوطنية، مدرك معنى الحرية وحدودها النهائية، بحيث تصبح أداة للبناء والتشييد...
   ومن المؤكد ان المدرسة السياسية المغربية في عصر جلالة الملك الحسن الثاني ستظل إحدى المعالم الرئيسية في تاريخ المغرب الحديث، لوضوحها العقائدي، ولالتزامها الفكري ولأسلوبها المتميز في معالجة المشكلات، ولمبادراتها الذكية والشجاعة على مستوى السياسة الداخلية والسياسة الخارجية...
  وبفضل تلك المدرسة فان جلالة الملك الحسن الثاني يعتبر من ابرز ملوك المغرب الذين استطاعوا ان يطبعوا السياسة المغربية بالشخصية المغربية الأصيلة، وان يعطوا للمغرب وجهه الحضاري والإنساني، كدولة متميزة الخصائص، إنسانية المنطلقات طموحة الأهداف تسعى داخليا لتكوين المواطن المطبوع بطابع شخصيته الحضارية المتميزة، وتسهم في تدعيم القيم الإنسانية، في إطار التكافل الدولي لتحقيق آمال المجتمع البشري في العدالة المحققة للسلام...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here