islamaumaroc

مجلة السلام أول صحيفة وطنية مغربية

  دعوة الحق

203 العدد

توطئة
 حماية اسبانيا لشمال المغرب قامت على أساس اتفاقية مدريد المؤرخة في 27 نونبر 1912 بين فرنسا واسبانيا، اعترفت فيه الأولى للثانية بسط حمايتها على المنطقة الشمالية التي صارت منذ ذلك الاتفاق لاتعيش في وضعية خاصة مستقلة سياسيا وإداريا عن المنطقة الجنوبية التي بسطت فرنسا حمايتها عليها طبقا لمعاهدة فاس المؤرخة في 30 مارس 1912.وقد انبثقت اتفاقية مدرير المذكورة على المادة الأولى لمعاهدة فاس التي نصت على أن فرنسا ستقوم بالمفاوضة مع اسبانيا فيما يخص  مصالحها  بالمغرب ، ولم يكن الرأي العام المغربي يتوقع النتائج المؤسفة التي أسفرت عنها اتفاقية مدريد بين الدولتين المذكورتين في غيبة المغرب الذي لم يستدع للحضور كطرف معني بالأمر فمفاوضة فرنسا لاسبانيا فيما يخص مصالحها بالمغرب لا تعني اقتطاع جزء هام منه ووضعه تحت حماية اسبانية تتصرف فيف تصرفا مطلقا بعد فصله عن المنطقة الجنوبية ، ووضع حدود سياسية بين المنطقتين جرأ الدولة الإسبانية على التفكير في خلق كيان مصطنع في شمال المغرب لفصله عن جنوبه من اجل تفتيت وحدة التراب المغربي وذلك كان هو المقصود من اتفاقية 27 نونبر 1912 التي رفضها جلالة السلطان المقدس مولاي يوسف ولم يصادق عليها قط(1)  وبذلك أعطى إشارة واضحة بلا قانونية الحماية الإسبانية المفروضة على شمال المغرب، مع التأكيد على وحدة المملكة المغربية المعترف بها المعاهدات الدولية وخاصة معاهدة الجزيرة الخضراء سنة 1906 التي نصت على الاعتراف بوحدة التراب المغربي وسيادة السلطان على جميع المغرب .
ورغما عن إقرار اسبانيا بمبدأ الوحدة المغربية وسيادة السلطان على مجموع البلاد، وموافقتها على تنصيب خليفة للسلطان في الشمال يمثل تمثيلا صوريا سيادة السلطان، فان طبيعة اتفاقية مدريد المذكورة كانت تهدف إلى تفتيت وحدة البلاد تدريجيا.
 وتحويل المنطقة الشمالية الممتدة من العرائش غربا إلى الناضور شرقا إلى منطقة اسبانيا واداريا وعسكريا تؤمن احتلالها اللاقانوني أيضا لمدينتي سبتة ومليلية الأسيرتين من جهة وتمكنها من مواصلة احتلال الأقاليم الصحراوية تحت ستار الحماية من جهة أخرى وهذه هي مصالح اسبانيا في المغرب التي اشارت إليها معاهدة فاس، وأبرزتها للوجود اتفاقية مدريد.فلا غرابة ان قوبلت الوضعية المفروضة على شمال المغرب بالرفض المطلق من طرف المواطنين الشماليين ، ولا غرابة ان اصطدمت الحماية الإسبانية بمقاومة مسلحة عنيفة امتدت من غرب المنطقة الى شرقها في شجاعة وصمود ، إلى ان فوجئت باتفاقية تطوان في 28 يوليو 1925 بين الجنرال " بريمو دي الريبيرة " الإسباني والماريشال " بيطان " الفرنسي من اجل القضاء على هذه المقاومة الصامدة ، وجدد هذا الاتفاق في 6 فبراير 1926 فلم يعد في امكان المقاومة الشمال بإمكانياتها المحدودة ان تقف في وجه دولتين قويتين متحالفتين ، فاضطرت الى الاستسلام في شهر ماي 1926 وبذلك صفا الجو لحكومة الحماية الاسبانية لتطبيق نظامها الاستعماري في شمال البلاد .

 الكتلة الوطنية بتطوان:
لكن المقاومة المسلحة بالرغم من النكسة العنيفة التي تكبدتها، فإنها كانت قد فتحت الأعين وصقلت العقول وشحدت الهمم، وانعكست أثار مدها وحزرها على نفوس الشباب والكهول الذين هبوا للعمل على تضميد الجروح النفسية البليغة المترتبة عن أثار النكسة الوطنية المروعة، فظهرت حركة سياسية واجتماعية بزعامة المرحوم الحاج عبد السلام بنونة تهدف إلى تجديد الإيمان بالله واستعادة الثقة بالنفس وتوعية المواطنين بحقهم ومصيرهم .وتكتيل الجهود لمواصلة مسيرة التحرير المقدسة مع التشبث بالاذاة والحكمة واتخاذ الأساليب السياسية المشروعة لتحقيق الأهداف الوطنية التي عجزت القوة عن تحقيقها فكانت هذه الحركة الناشئة هي ما عرف بالحركة الوطنية، وكان هؤلاء الذين تكتلوا مع الحاج عبد السلام بنونة لخدمة الأهداف الوطنية هو ما عرف بالكتلة الوطنية بتطوان.
 وعلينا ان نقول بان كتلة تطوان بدات حركة سياسية سرية سنة 1926.وكانت البديل الطبيعي للمقاومة المسلحة المنهارة، ولم تكن كتلة تطوان فرعا لاية حركة وطنية اخرى، بل كان أصلا قائم الذات والكيان بقيادة الرائد الحاج عبد السلام بنونة، كان من بين هذه النخبة الأساتذة الحاج محمد دواد حفظه الله  والمرحوم سيدي التهامي الوزاني، والمرحوم عبد الخالق الطريس الذي تولى قيادة الحركة بعد وفاة الحاج عبد السلام بنونة.
وكان على كتلة تطوان ان تبحث عن وسائل الاتصال المشروعة بالمواطنين، بعد ان صارت الحركة في حاجة ماسة إلى هذا الاتصال. فاغتنمت انقلاب الحكم في اسبانيا وقيام الجمهورية مباشرة عريضة المطالب الوطنية التي كان من بيتها مطلب خاص بحرية الصحافة والنشر والاجتماع.

ظهور مجلة السلام:
 وبعد حوار طويل ونضال شاق .استطاعت كتلة تطوان ان تظفر بالموافقة على تأسيس اول جمعية وطنية هي (جمعية الطالب المغربية ) فوقعت المصادقة على قانونها الأساسي في 4 أكتوبر 1932 ووقع الترخيص بفتح فروعها في بعض مدن المنطقة فكانت الجمعية الناشئة مكسبا هاما من مكاسب الكتلة، وكان مركزها في تطوان وفروعها في شفشاون والعرائش والقصر الكبير أندية للمثقفين ورجال الفكر . ومراكز للتوعية الوطنية والتربية السياسية.
ثم حققت الكتلة مكسبين جديدين بعد السماح للأستاذ الحاج محمد داود بإصدار مجلة السلام فصدر العدد الاول منها في شهر اكتوبر 1933 كما سمح للأستاذ عبد الخالق الطريس بإصدار جريدة الحياة، فصدر العدد الاول منها في فاتح مارس 1934.
فكانت هي الصحيفة الوطنية الثانية بعد مجلة السلام.
تقويم مجلة السلام في شهر جمادى الثانية 1352الموافق لشهر اكتوبر 1933 أما الآخر عدد منها وهو العدد العاشر فقد صدر في شهر رجب 1353 الموافق لشهر نونبر 1934 وكان غلاف المجلة يحمل شعارا وطنيا وهو: الإسلام، المغرب العروبة كما تحمل الصفحة الأولى البيانات الآتية: السلام –مجلة شهرية مصورة جامعة –استت سنة 1352 1933 –صاحبها ورئيس تحريرها: محمد داود ودأبت المجلة على تصدير اعدادها بصفحات مصورة تشتمل على صور شخصيات وأحداث ومناسبات.
وكل ذلك بعنوان: السلام المصور وكانت المجلة تطبع في المطبعة المهدية بتطوان ، وهي اول مطبعة وطنية أسست في تطوان سنة 1928 من اجل نشر الثقافة الإسلامية والنشرات الوطنية وكل الصحف والمجلات الوطنية كانت تطبع فيها .

نضال مجلة السلام:
 وتعتبر السلام من أهم مصادر نشأة الحركة الوطنية بالمغرب بما الفته من أضواء على مختلف المجالات النضالية ومواقف الكتلة الوطنية بالشمال والجنوب من مختلف القضايا الداخلية والخارجية زيادة على الموضوعات العلمية والأدبية والتاريخية القيمة وقد أصدرت حكومة الحماية الفرنسية قرارا يمنعها من الدخول إلى جنوب المغرب كما اخبر صاحب المجلة بذلك في العدد التاسع المؤرخ في شهر صفر 1353 الموافق لشهر يونيو 1934.
  وتسجل لمجلة السلام إنها أول مجلة وطنية مغربية اهتمت بقضية فلسطين وعبرت عن تضامن الشعب المغربي مع المناضلين الفلسطينيين ضد الاستعمار الانجليزي وضد وعد بلفور سنة 1917 بتحويل فلسطين الى وطن قومي لليهود وقد نشرت المجلة في عدد مارس 1934 وثيقة احتجاج تاريخية على سياسة بريطانيا في فلسطين مؤرخة في رمضان 1352 الموافق لشهر يناير 1934 ومذيلة بإمضاءات العلماء والمفكرين وممثلي الرأي العام المغربي.
  ونشرت مجلة السلام في عدد مايو 1934 حديثا قيما للزعيم الفلسطيني موسى كاظم باشا المتوفى سنة 1934 ولم تنس المجلة ان تنقل وصيته وهو على فراش الموت حيث قال: أنا ميت لا محالة، وقد أودعت أيديكم وذممكم الأمانة الإسلامية العربية في فلسطين فجاهدوا لتريحوني في قبري:
 واهتمت مجلة السلام بالحركات الوطنية في العالم في العالم الإسلامي والعربي، وأعطت صورا ناطقة لنضال الشعوب الإسلامية من اجل الحرية والكرامة والمشروعية كما اهتمت بنهضة المغرب العربي. وخاصة بالحركة الوطنية التي دأبت العجلة على تقديم أخبارها بكل أمانة ، والتعليق عليها بكل موضوعية ، مع انتقاد الأوضاع والأشخاص بكل صرامة والجهر بالمطالب الوطنية بكل جرأة .
ونسجل لمجلة السلام إنها أول صحيفة وطنية رفعت نداء حارا إلى المغفور له جلالة الملك محمد الخامس بشان حرية الصحافة والاجتماع طالبة من جلالته أن يصدر أمره المطاع ، بصفته ملك البلاد الشرعي ورمز وحدة البلاد برفع القيود الجائرة وكسر الأغلال الثقيلة ، وإطلاق الحرية القانوينة للصحافة العربية، ومنح الأمة حرية الاجتماع والنشر وتأليف الجمعيات والأحزاب لتتمكن من التعبير عن رغائبها ...وقد نشر هذا النداء الوطني الخطير في العدد السادس المؤرخ في شهر ذي القعدة 1352 الموافق لشهر مارس 1934.
 هذه النماذج من نضال مجلة السلام تدل على اهتمامات الكتلة الوطنية الشمالية بزعامة الرائد الحاج عبد السلام بنونة المتوفى سنة 1935 وإذا كانت مجلة السلام صوت الوطنية المغربية الناطق فقد كانت مدينة تطوان قلب الوطنية المغربية النابض، ومعاذ الله ان يكون هذا القول تعصبا او تحيزا ، ولكنه الإنصاف للحقيقة والتاريخ ، ومجلة السلام بصورها ومحتوياتها اعدل شاهد على ذلك .

احتجاب مجلة السلام:
 وفي العدد العاشر والأخير من مجلة السلام، عبر صاحب المجلة عن أسفه لما لاقته المجلة من اتعاب مادية وان عدد المشتركين فيها لم يتجاوز مائة مشترك وان قيمة الاشتراك السنوي كانت هي 25 بسيطة اسبانية او 50 فرنكا  في المغرب واسبانيا و 30 بسيطة او 50 فرنكا في بقية الأقطار وان سنة العجلة عشرة اشهر ، وزاد صاحب العجلة قائلا بأنه سدد العجز من جيبه وانه ذكر هذا ليس افتخارا ، بل تكديبا لمن ذكروا أنهم قدموا للمجلة إعانة مالية وزاد قائلا : بان صندوق المجلة لم يدخل اليه سنتيم واحد لا من ملك ولا امير ولا من باشا ولا وزير .
 ولعل هذه الوضعية المادية المتعبة التي تكبدتها مجلة السلام كانت سببا في توقفها واحتجاجها وما اكثر المشروعات الوطنية النافعة التي توقفت بسبب الأتعاب المادية التي تحملتها.
 ورغما عن احتجاج مجلة السلام، فقد بقيت أصداؤها تملأ الأسماع التاريخية، فقد كانت مجلة مكانة وطنية رائدة وكانت منبرا حرا لحركة الانبعاث الوطني في مجموع المملكة المغرب.

(1) بويع  مولاي يوسف بن الحسن الاول في الرباط يوم 12 غشت 1912 وتوفي بفاس يوم 17 نونبر 1927 وفي عهده انتقلت عاصمة المغرب من فاس الى الرباط.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here