islamaumaroc

جيل الخمسين جيل التحدي

  دعوة الحق

203 العدد

إن رجالات المغرب البالغة أعمارهم -الآن- ما بين الستين والسبعين عاما هم جيل الرواد، وهم القادة للحركة الوطنية المجيدة. هم الذين حملوا المشاعل الوضاءة. وساروا في الطليعة. في وقت كانت الأمة تعاني من محنة نزول الاستعمار. بجحافله ودهاقنه وماكريه. فكان السحق والمحق. وكان الاستيلاء على مقاليد الأمور كلها. وكان إحكام خطة الاستعمار ما بعدها إحكام، خصوصا وأن المغرب كان آخر المعاقل الإسلامية التي تسقط، فكان ولا بد أن يطبق الاستعمار الأجنبي آخر ما عنده من أساليب التعسف والمكر.
  إنه ليقتضي منا التكريم والتبجيل لجيل الرواد أن نعلن لهم اعترافنا بالجميل والامتنان اللذين لا يبليان بمرور الأيام. وأن نؤكد للأجيال الشابة أن فضل جيل هؤلاء الرواد فضل كبير. وأن دورهم في تاريخنا الحديث خطير وعظيم... ولنقل لهم بإخلاص: دعكم ممن يهونون من شأن ذلكم الدور أولئك الذين يعمدون تحليل الوقائع الكبرى الشهيرة بنزعة مدسوسة مشوبة.عليها لمسات من أيدي العدو والأجنبي. فيصورون المشاهد الكبرى الخالدة التي هزت الدنيا يومئذ. وكأنها أحداث عادية. لا تستحق كبير اهتمام. بل يتجرأون على النقد والتجريح والتهوين، وحتى التشويه إن أمكن.. وليس هذا بمستغرب فيهم. فهم ذوو ضمائر مهزوزة، وعواطفهم مع غير أمتهم واحتفالهم كما يقال في غير عرسها!
مع هذا وبالرغم عنه هناك أبحاث غير قليلة كتبت لتأريخ حركتنا الوطنية. وبفضلها تجلت الأدوار الوطنية في المراحل الأولى للنهضة والمراحل الوسطى ثم المراحل الحاسمة... فعرف من لم يكن يعرف، بسبب صغر السن أو البعد عن الميدان، كيف أن قلة مستضعفة ومضطهدة ومضايقة من الشبان هي التي تصدت للاستعمار المتجبر، وصرخت في وجهه: ( لا، لا، نحن نرفضك، ونرفض مخططاتك الإجرامية...) كان الرد أن أهينوا، وعذبوا، واعتقلوا مرارا وتكرارا ... ولكن لم يلبثوا أن تقووا، وشاع ذكرهم وبرزوا في الميدان، وتكاثر من حولهم الأنصار، أولئك الأنصار الأوفياء الذين لم يبخلوا عليهم بالتأييد القوي المستمر ماديا ومعنويا.
وأعظم تعزيز رفع من شأن الحركة الوطنية وقوى جانبها هو تأييد جلالة الملك الشهم محمد بن يوسف، الذي ظهر في الآونة الأخيرة على لسان رجال كانوا من صحبته، أو من حاشيته، أي دور أدى وأية خدمات أسداها لهذا الوطن... فالتأييد لم يكن منه.. -رضوان الله عليه- تأييدا معنويا وشكليا، وإنما كان تأييدا عمليا وفعالا وقياديا. وجاءت الأزمات الخطيرة المهولة فتأكد أن الموقف
الوطني للملك المفدى، للسلطان الجليل، موقف ثابت نابع من وطنية حميمة، بكل ما في كلمة الوطنية من نبل وشهامة وثبات على المبادئ.
وواكب هذا الموقف التاريخي العظيم موقف آخر، موقف كله شجاعة وإقدام ومثالية، ذلكم هو موقف الأمير مولاي الحسن، ابن الملك وولي عهده، وأمير الأطلس، كما كان يلقبه الوطنيون، وزعيم الشباب كما كان يوصف بحق، وعدو الاستعمار كما يعرف الاستعمار نفسه، والمناضل المتحدي الصارم الذي لا يعرف المهاودة، وهذا خير ما يوصف به شاب مغربي أبي أصيل.
إنه ليسعدنا ويشرفنا نحن جيل الخمسين سنة، جيل الحسن الثاني، أن نصف أنفسنا باعتزاز أننا كنا وطنيين صادقين صارمين أيام المحنة، وأن الرواد كلهم وجدوا فينا -والفضل لله-المعززين المتحمسين، الدعاة الجهيرين الحافظين للعهد، مهما تقلبت الأحوال -إن كل وصف من هذه الأوصاف يستحقه جيلنا، لأننا حققنا ومارسنا وأنجزنا ما كان يؤمل فينا، وأن العهود التي قطعناها على أنفسنا، منذ التزمنا بالخط الوطني، ..من الأمير الحسن المحبوب إلى أي شاب من أوساط الشباب بالمدن والقرى وفينا بها جميعا.
نؤكد باعتزاز وافتخار أن قائدنا الشاب ولي العهد برهن على أنه وطني صميم بقدرما هو أمير أصيل وبأنه مناضل ثابت في الوقت الذي هو طالب على مقعد الدرس، وبأنه ليس ابنا بكرا لمحمد بن يوسف، سلطان المغرب، كما كان يسمى يومئذ، بقدر ما هو أمين سره، ومستشاره الأول،  ومشاركه في اتخاذ المواقف الحاسمة، التي طالما أقلقت أساطين الاستعمار وأزعجتهم... حتى لقد روي عنهم أنهم كانوا يضعون المخططات والمشاريع المدسوسة، ويرفعونها إلى جلالة السلطان، وهم واثقون أنه سيرفض، ما دام صاحب الأمر، وحامل المسؤولية ومستشاره الأمين، لن يترددا، هما معا في اتخاذ الموقف الحازم الصارم الرافض...  ويجن جنون العدو المبيت للمكر والضرر والخبث، حين يجد أمامه معاندين له، لا يدري بالضبط أيهما أصلب وأعند من الآخر وأيهما يضمر له مقتا وكراهية أشد.
 ما أحلى تلك الأيام عند الشعب وما أخلدها!...
فزينة الأيام وبهجتها كانت عند هذا الشعب هي حين يبرز صاحب الجلالة، صاحب الطلعة البهية والجلال الرباني والإشعاع الفريد فتهتف له الألسنة، وتهتز الأفئدة، وتدمع العيون ابتهاجا ونشوة وطربا... لكم سعد جلالة الملك بشعبه المتعلق به أشد التعلق، كما سعد الشعب برعاية جلالة الملك وعطفه الأبوي الكريم، وتجلى التجاوب النادر العميق المؤثر في المناسبات التي يظهر فيها مدشنا لمشروع، أو متفقدا لمدينة من المدن أو قرية من القرى أو واضعا حجر الأساس لمؤسسة من المؤسسات العلمية أو الاقتصادية... يبسم فتسعد القلوب ببسمته، ويشير بكفه الكريمة فتنجذب الأبصار لأشارته، ويلتفت فيملك أزمة الأرواح بالتفاتته، ..تلك كانت مشاعرنا الحقيقية الصادقة نحن الشعب بجميع طبقاته.
 نفس الحالة، ونفس الموقف، ونفس المشاعر كانت إذا برز ولي العهد -يومئذ- مولاي الحسن في مثل تلك الجماهير... ومثل هذه المهرجانات الصاخبة الطافحة بالمشاعر الوطنية، ومثل تلك المواكب العامرة كانت تغيظ المستعمرين الأعداء وتقض مضاجهم، وتحرمهم أحاسيس الاستقرار والثقة في المستقبل.
 وبسبب هذا كله، بسبب المجابهة السياسية من جهة، والحب والتفاني والتمسك المتين من جهة أخرى اشتدت غضبة الاستعمار وتفاقم جبروته، فلم يعد أمامه من حل سوى إنزال الضربة الظالمة... بدأ بجيل الرواد فأودعه السجون، وطوح به إلى المنافي وأبقى على جيل الأنصار والأتباع على اعتبار أنه مجموعة هشة العود، فتية القلوب مبعثرة العواطف، ..ولكن ظنه خاب، فقائد الشباب وجموع الشباب تهيأوا كلهم للمعركة الفاصلة الثقيلة الأعباء...
فالأمير الشاب دخل المعركة بجانب والده العظيم وصعدا الموقف إلى درجة التحدي، واتخذا موقف المجابهة الصارمة على طول الخط، وبلا هوادة.
  وهكذا ركبت السلطة الشرعية الأصيلة المركب الصعب واتخذت القرار التاريخي بعدم الخضوع
والاستسلام وأوعزت ببدء التصدي العنيف، فكانت حوادث البطولة والوفاء بمنطقة وجدة.
وذهب السلطان الشهم وولي العهد والأمراء ذوو الشهامة والوفاء إلى المنفى، وكان هذا حدثا لم يتقدم على نفس الشكل والكيفية في تاريخ الملوك والأمراء، ..فهو لما طار طارت معه القلوب، وحين قيدت حريته قيد الشعب هو أيضا حريته، وحين غاب السرور عن مجلسه هجر الشعب هو أيضا مسراته كلها، فلا أفراح، ولا أعياد، ولا منتزهات ولا مسرات، حزن في حزن وكدر في كدر.
 وتحرك جيل التحدي، جيل الوفاء، جيل الصمود، وكان في قمة الرفض والتحدي والمجابهة، ..جمع الأموال، وزع المناشير بعد طبعها وتحريرها، ومضى يستنهض الهمم، يشيع الدعاية الصالحة، ويتعقب المنحرفين ويحاصرهم، ..إن جيل الوفاء هذا كان هو الأمل الوحيد الباقي للمغرب، فلو لم يكن لكان للمغرب شان آخر، ولن يكون شأنا طيبا على أي حال.
ودليلي على ما أقول، أن الطاغية الخائب الجنرال كيوم تفطن إلى ما يمثله جيل الشاب من أهمية وخطورة، الشيء الذي يهدد النتائج المرتقبة بعد الفعلة النكراء، لهذا راح يخطب في مناسبة سنحت له -ويدعو الشباب إلى أن يتجه للتعاون معه ومع مساعديه، ووعد بأنه سيعطي التسهيلات وأنه سيحقق الرغبات المادية والمعنوية، وأنه يرتأي ربط الاتصال بالشباب الفرنسي والأوروبي للتفتح على العالم المعاصر..إلى غير هذا من الأقوال المضلة المخدرة. ..
لكن شباب التحدي والوفاء والصمود تجاهل هذه الدعوة الماكرة، ورفضها، ووضعها في مكانها الوطيء تحت الأقدام، وهذا ما تستحقه وانصرف إلى تنفيذ مخطط العزة والكرامة، وهذا ما جعل اللعلعة تملأ الأسماع، وتعم الأنحاء، لعلعة ضربات المرحومين الشهداء، علال بن عبد الله والزرقطوني، والراشدي، ومولاي الطاهر، ..وغيرهم كثيرون.
لم يكن هناك دخل في الموقف الخالد هذا، لا للثقافة ولا للأمية، ولا للغنى والفقر، ولا للجاه والبساطة...
 وإنما الدخل كل الدخل كان للشهامة المغربية، والعزة القومية والنخوة الإسلامية، وإلا لما كان يفرضه الوفاء والإخلاص لمن هم رهن الاعتقال أو رهن المنافي، خصوصا الأسرة العزيزة الغالية التي تملأ كل القلوب، وتشغل كل الأفكار، وتشرد كل الأذهان...
 والشعب الذي له شواغله وميوله ونزعاته الفكرية والفنية مثل جميع الشعوب في الدنيا لم يعد به من شواغل سوى مواقف محمد بن يوسف وأسرته، وتحدياته للاستعمار، ثم الحديث عن خزي المؤامرة والمتآمرين، وعن ارتباكات المتسلط على العرش، ثم تسامى الحديث وتكيفت النبرات فيه إلى حد التحمس والفخر والانتشاء حينما أخذت أخبار الفداء والمقاومة تنشر، وتذاع في الإذاعات المناصرة، وتتناقله الألسن في كل مكان، ..صارت الأمور شبيهة بمشاهد متلاحقة لملحمة تاريخية كبرى.
ان هذا تحدث بنعمة أنعم الله بها على هذا الشعب في فترة نادرة، يجب أن تكتب - كما كان يقال -بماء الذهب...
لله ما أروع وما أبدع بل وما أعجب!
استعمار عتي جبار، تؤيده وتسانده الامبريالية العالمية، وتباركه علانية أو صمتا دول عديدة، فهو يصول ويجول ويفعل بنا الأفاعيل الإجرامية المشينة المريعة الكريهة، فيواجهه ملكنا، ويواجهه ولي عهدنا ويواجهه روادنا، وتواجهه جموع شبابنا، ويتحدونه ويناجزونه ثم يتصدون له، ويكيلون له الصاع بالصاعين، ويردون على اللطمة لطمتين، فيتهاوى ويتراجع، ثم يستسلم، ويرغم على جمع متاعه، وقلع أوتاده، وحمل حقائقبه، وملاحقة أول قطار، أول باخرة، أول طائرة ليرجع من حيث أتى، ..وبذلك أعطينا لغيرنا دروسا، في قيادة حركات التحرير، وفرض كلمة الحرية، وتحقيق مطلب الاستقلال.
إن اغرق الناس في التفاؤل وأطولهم تعلقا بالآمال لم يكن يحلم ببعض هذا الذي وقع وحصل وتحقق. ..فالحمد لله على نعمه...

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here