islamaumaroc

الافتتاحية: العرش المغربي رسالة الحاضر والمستقبل

  دعوة الحق

203 العدد

• كلما ادلهمت الخطوب، واشتدت ألازمات وجد المغاربة في عرشهم الملاذ الأمين، والحصن الحصين، يأوون إلى ظله، فارين من هجير الحيرة والذهول، وملتمسين منه الإنقاذ، وكلما عصف بالمسلمين مكره واستبد بهم مستعمر ظلم لقوا في العرش المغربي نعم النصير، وإذا كان للمغرب دور قيادي في الإشعاع الإسلامي بإفريقيا وأوربا على مدى الأحقاب، فان مرد ذلك كله إلى اجتماع الشعب حول العرش، والتحام الأمة بالقيادة الشرعية والوطنية المتمثلة في ملك البلاد، بحيث يمكن القول في ثقة واطمئنان ، إن للعرش المغربي رسالة في الحاضر والمستقبل ، تستمد استمراريتها وفعاليتها وقابلتيها للتطور من ماضيها المشرق ، وتجاربها الفنية ، ورصيدها التاريخي الذي يشكل جزءا أساسيا من تاريخ العروبة والإسلام في هذه البلاد.
وان رسالة العرش المغربي بما يكتنفها من جلال وقداسة وسمو تنبثق من وظيفة العقيدة الدينية، التي تجعل من كرامة الفرد وحرية الجماعة المنطلق الأساسي نحو التغيير والتطور والرقي ببن البشر، على نحو يتجلى لنا في عشرات الملاحم والبطولات التي أثرت الحياة الإنسانية، وعمقت مسيرة الانسان، واذا كان الإسلام ينشد التحرر الكامل من رواسب الجهل والجهالة ومخلفات عصور الانحطاط العقلي الذي ساد العالم قبل انبثاق النور المحمدي، فان له حماة فيضهم الله لنصرة كلمته وتعزيز أنبيائه ورسله.
ومن الحق ان نقول ان ما اسهم به المغاربة في هذا الحقل يمكن ان نجسده في رسالة العرش المغربي باعتباره  مجمع العبقرية المغربية، والبوثقة التي تنصهر فيها الاصالة والوطنية، وتقاليد الجهاد الذي حمل لواءه طيلة ثلاثة عشر قرنا.
إن رسالة العرش المغربي في عصرنا الحديث لا يمكن أن تكون إلا استمرارا لذلك العطاء الإنساني الممتد والمواصل، بحيث تسير في خطم متواز مع مسيرة الإسلام، ومواكبة له، وحاميه لحماه، ومناصرة لمقدساته، ومدافعة عن قيمه، ودافعة عنه غارات الخصوم، ومؤامرات التطاول والتنكر والطعن والمكر.
لقد حمى عرشنا بيضة الإسلام، وذاد عن حوزة العروبة، ودافع عن حق الإنسان في الحرية والكرامة، وانتصر لقضايا السلام والأمن، ووقفت بالمرصاد للغزاة الطامعين من صليبين واستعماريين وإمبرياليين وشيوعيين سعوا في النيل من سلامة كياننا والمساس بمقدساتنا، وعملوا لتحويلنا عن وجهنا على مر العصور، ولعل أوضح صورة لهذا الصمود والثبات والشجاعة في التصدي لأعداء الحق والإنسان ، ما يتمثل اليوم في مواقفنا الراسخة دفاعا عن وحدتنا الترابية وإسلامنا وعروبتنا وانتمائنا الإفريقي الأصيل وحيادنا وتحررنا واستقلالنا.
• ولطالما اسمعنا الأشقاء والأصدقاء إن تمسكنا بحقنا الطبيعي في الوجود المستقل الحر على صحرائنا المسترجعة ، يخدم في الأساس قضية الحرية في افريقيا، بقدر ما يعزز الوجود الإسلامي والعربي بها، وهو الأمر الذي ينفي كل اتهام بالأنانية والانطوائية والتشبث بالإقليمية يوجهه إلينا هذا الطرف أو ذاك.
•  ولعل من نافلة القول، وقد أوضحنا جانبا من رسالة عرشنا، إن العبء الأكبر الذي يتحمله المغرب في الظروف الراهنة، سواء على الصعيد الدبلوماسي، أو على مستوى الاقتصادي الوطني، مرد إلى إصرارنا على المضي إلى ابعد مدى في الاستماتة والثبات والتحمل في معركة اضطرارنا إلى اقتحامها اضطرارا، دفاعا عن هويتنا الإسلامية والعربية، وكل جهد ننفقه في هذه الساحة المحتمدة، وفي سبيل هذه الغاية الشريفة، نحتسبه في الله ولا نريد به جزاء ولا شكورا، وإنما هو قدرنا الذي وضعنا في هذا المصير منذ ان كنا دولة وكان لنا عرش.
 فإذا ألححنا اليوم على العلاقة المشتركة بين رسالة العرش المغربي وبين حاضر ومستقبل الإسلام والعروبة في هذا الجزء من العالم، فلسنا نطلق الكلام على عوامله، منساقين وراء عاطفة وطنية او نزعة إقليمية ضيقة، ولكننا نقر بالواقع الذي لا يرتفع، ونأتي بشاهد من تاريخنا المعلوم.
  وانطلاقا من هذا الإدراك الشمولي، وعلى أساس الفهم المستوعب لقوانين التاريخ، لا نجد غضاضة في الصدع بكلمتنا، والجهر بدعوتنا، والتبشير برسالتنا، باعتبارنا دعاة خير وهداية، وحماة ارث وحضارة، وجنودا في ثغر من ثغور الإسلام.
 ولا غرو، والحال كما وصفنا بصدق، أن يكون لعرشنا دور في الحاضر والمستقبل، لا على الصعيد الوطني فحسب، فهذا من باب تحصيل الحاصل كما يقال، ولكن على صعيد العالم العربي والإسلامي وإفريقيا ، بل نستطيع أن نضيف النطاق البشري كله إلى دائرة مسؤوليتنا المقدسة.
 والحق ان المغرب بما حباها الله من نعمة الاستقرار، واعتمادا على رصيده الحضاري الثري، مرشح القيام بواجب طالما تنصل منه البعض ، واعرض عنه البعض الآخر، استثقالا له، وتحسبا لعواقبه، وفرارا من تكاليف التضحية وأعباء الجهاد، وليس للاسلام اليوم من قاعدة للعمل الخالص، وجبهة للصمود الحق ، سوى المغرب بعرشه الثابت البنيان، وإمارته الموطدة الاركان، واجماعة الشعبي القوي الكيان، مما يجعله في مستوى المسؤولية التاريخية، ويرقى به إلى مصاف الدولة الأمينة على التراث الإسلامي والعربي، ولقد سار المغرب خطوات في هذا الطريق، فكان مؤتمر القمة الإسلامي الأول في رباط الفتح ، وكان المؤتمر العاشر لوزراء خارجية الدول الإسلامية في عاصمته العلمية، وصدرت منه المبادرة لانعقاد المؤتمر الإسلامي الأخير بإسلام أباد ، ويترأس ملكه اليوم لجنة تحرير القدس ، هذا بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الخصائص والميزات التي ينفرد بها المغرب دون غيره من الدول العربية والإسلامية نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر:
• أولا في المغرب أقدم نظام نتحكم في العالم الإسلامي على الإطلاق.
• ثانيا ك كان المغرب آخر دولة عربية إسلامية افريقية تقع النفوذ الاستعماري.
• ثالثا: المغرب البلد الوحيد في العالم الذي مزقت أراضيه إلى تسع مناطق، كل منطقة منها تختلف عن الأخرى.
• رابعا: الموقع الجغرافي للمغرب يجعله قاعدة استراتيجية في مواجهة الأخطار المحدقة بالإسلام ومطمع القوى الدولية المعادية للكرامة الإنسانية.
• خامسا: من المغرب انطلق الفتح العربي الإسلامي لأوروبا وإفريقيا السوداء، وظل دائما مصدر إشعاع حضاري، وهو وريث الحضارة الإسلامية الاندلسية.
• سادسا المناخ الديمقراطي في المغرب الذي يقوم على التعدد والتعايش والتمازج في إطار ملكية دستورية ذات جذور شعبية ضاربة في أعماق التاريخ.
تلك القواعد أساسية للبنية الحضارية التي تعطي لبلادنا طابع الاستمرار والبقاء وتضفي على شعبنا صبغة الحماس المتواصل للاضطلاع بأعباء الأمانة التاريخية.
 ولا غرو أن يبرز جلالة الملك في ندوته الصحافية بالمملكة العربية هذا الدور في كلمات بليغة حيث قال:
• " كان المغرب دائما الرابط بين الإسلام وبين شعوب إفريقيا السوداء في غرب إفريقيا. ويعتبر المغرب انه يتحمل على عاتقه دورا وأمانة إلا وهو تبليغ الشريعة المحمدية والحفاظ عليها وتنمية تفهمها بالمدارس والمساجد وبالوعاظ وبالعلماء".
 ان تحديد الهدف من ممارستنا السياسية، وتحركنا الديبلوماسي، ووجودنا الحيوي في هذه المنطقة من العالم أمر في غاية الأهمية حتى تتضح الرؤية، ويرتفع الالتباس، وتبين معالم الطريق أمام الأجيال الصاعدة. ولذلك نجد جلالة الملك يحرص اشد ما يكون الحرص على تأكيد رسالتنا الاسلامية التي يستمد منها عرشنا دوره ووظيفته.
يقول المؤمنين على ارض الحرمين الشريفين:
• " اذا نحن سمحنا لنظام مادي غير إسلامي أن يكون حاجزا بيننا وبين السينغال، وبين مالي، وبين نيجيريا، وبين النيجر، وبين تشاد، وبين غينيا، وبين الدول الإفريقية الأخرى، سنكون أولا قد خنا الأمانة كمواطنين وطنيين، وسنكون في آن واحد قد تقاعسنا عن الواجب التاريخي الملقى على عاتقنا، والأمانة التي ألقاها مسلمو الشرق على مسلمي الغرب للحفاظ على الإسلام، بل لتوسيع رقعته والزيادة في تفهمه وفهمه".
• هذا الحرص من جانبنا على أداء الدور المنوط بنا، والوفاء للأمانة العظمى، يعتبر بالمقياس الإيماني، صمام الأمان، والوقاية ضد الانحراف والزلل والتعثر.
وعلى هذا الأساس، فان وجودنا في هذا الجناح الغربي من عالم الإسلام والعروبة، ليس اعتباطا ولن يكون، وإنما هي مشيئة الله أرادت أن ننهض بالعبء الأكبر للحفاظ على الإسلام.
 ولعله من باب تحصيل الحاصل ان كل محاولة لصرف المغرب عن دوره ف هذا الصدد، لن تكون إلا مؤامرة ضد الوجود الإسلامي برمته، ليس في المغرب فحسب، ولكن في الدول الإفريقية التي أشار إليها جلالة العاهل الكريم، بالإضافة إلى حرمان القضية الإسلامية الأم من عنصر يشهد له العدو بالقوة والشجاعة والإقدام.
• ولا ينبغي أن يغرب عن أذهاننا هذا المعنى ونحن نحتفل بالذكرى التاسعة عشرة لجلوس جلالة الملك الحسن الثاني على عرش أجداده المنعمين، فهو المعنى العميق الذي يعطي لاحتفالنا الشرعية .
                          

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here