islamaumaroc

مساهمة المغرب في حركة الجهاد البحري.

  دعوة الحق

العددان 198 و199

القرصنة من سمات الحروب البحرية القديمة، ولم تتوقف عملياتها عن إقلاق حركة البواخر التجارية وسفن النقل إلا في إبان القرن الماضي، وقد اتخذت صبغة جهاد بحري حقيقي في عصر الإنحطاط الإسلامي الذي كان إلى حد كبير عصر قوة بالنسبة للشمال الإفريقي، وفي هذا الجزء من البحر المتوسط سجل ابن خلدون لأول مرة نشاط المغاربة في عمليات الجهاد البحري قبل ثلاثين سنة من دخوله إلى بجاية التي لاحظ وجود عناصر المقاومة البحرية بها (1)، وكانت سفن المجاهدين تنطلق نحو السواحل أوربا فتهاجمها على حين غرة، أو تباعت سفن الدول المسيحية ثم تعود مثقلة بالغنائم والأسرى.
على أن النورمنديين والجنوبيين كانوا يقومون بأعمال مشابهة في سواحل الشمال الإفريقي، أمنا مجاهدو وهران فكانوا خلال القرن الخامس عشر وما بعده، يلقون الرعب في الشواطئ الإسبانية حيث يهاجمونها ليلا، فيقبض بعضهم على الرجال، ويسبي آخرون النساء والذرية ويستولون على المتاع، وقد يترصدون للسفن القادمة من أمريكا وعلى متنها سبائك الذهب فيستولون عليها ويقتادون البحارة إلى الأسر.
وقبل طرد الموريسكيين من الأندلس بحوالي ستين سنة كان مجاهدو تطوان يقضون مضاجع السفن الإسبانية، فيرد القشتاليون على ذلك بمهاجمة تطوان ونهبها أن استطاعوا، ولكن السفن الإسبانية ظلت تعاني طويلا من غزو التطوانيين لوحداتها. وفي القرن التاسع الهجري الخامس عشر الميلادي هاجرت عائلة من ناحية غرناطة، وهي أسرة بني المنظور التي استقرت بتطوان، فواجهت سفن الإسبان بشجاعة في عرض البحر المتوسط، في ظروف كانت دقيقة، لأن سبتة القريبة من تطوان كانت بيد البرتغال فضلا عن قرب الشواطئ الإسبانية من هذه المدينة، وكانت السلطة المركزية عاجزة عن ايقاف الزحف المسيحي على الشاطئ المغربي، ولذلك كانت المقاومة البحرية التي تولاها في الغالب مجاهدون من أصل أندلسي وسيلة فعالة للإنتقام من السفن المعادية. وكان الهدف من هذه العملية إضعاف قسوة الطرف الآخر بحريا واقتصاديا، وهي على أي حال نتيجة للخيبة والإذلال الذي مني به الموريسكوس في الأندلس قبل أن يغادروا هذه البلاد.
ومعلوم أن مسلمي غرناطة لم ينعموا طويلا 
بالحربية الدينية التي خولتها لهم معاهدة تسليم غرناطة، والأسباب العميقة لهذا التحول تعود إلى اعتبارات كاثوليكية عامة تشمل حتى غير الكاثوليك من المسيحيين، فالصراعات الدينية، والاضطهاد الذي حدث خلال القرن السادس عشر بين الكاثوليك والبروتستانت، والذي كانت عدة بلاد أوربية مسرحا له، قد وجد ميدانا خصيبا في شبه الجزيرة الإيبيرية التي قررت أن ترفع شعار الحرب ضد الشعوب الأوربية التي لا تدين بالكاثوليكية. ومن ثم وجب أن يؤدي المسلمون الثمن في اسبانيا قبل غيرهم. فمن ليس بكاثوليكي غير مرغوب فيه، لكن، ليس في هذا الطرف سوى المسلمين واليهود، وهكذا أحرق عشرة آلاف شخص خلال ثمانية عشر عاما لإرضاء نزوات فيليب الثاني وتحقيق فكرة اعتناق المسلمين المسحية بالقوة.
ودون أن نسترسل في ذكر الأحداث التي طرأت بالأندلس وقعت سنة آلف وستمائة وعشر، ذلك أن جماعة من الموريسكيين كتبوا إلى محمد الشيخ المأمون السعدي من أبناء أحمد المنصور الذهبي رسالة يلتمسون فيها باسم ثمانية آلاف أندلسي مساعدة ناجعة لجهاد الإسبان في عين المكان، غير أن محمد الشيخ فضل أن يخبر بهذا التدبير أصدقاءه الإسبان الذين نفذوا على الفور إجراءات الطرد التي استمرت مع ذلك إلى سنة ألف وستمائة وأربع عشرة، وكان محمد الشيخ من أسوأ الأمراء سلوكا حتى مات والده وهو ( أي محمد الشيخ) رهين السجن؛ وأخيرا لقي مصرعه على يد الشهب بعد حادث خيانة.
وقد استقبلت عدة بلاد هؤلاء المهاجرين الأندلسيين، خصوصا مصر والشام وتركيا، على أن أكثر الأفواج المهاجرة استقرت بتونس على السواحل وجلهم من الفلاحين الذين سبق أن نفوا إلى أراغون؛ ولقي المهاجرون في أغلب المناطق التي حلوا بها ترحابا وعطفا، على الرغم من أن أفواجا منهم نهبت أمتعتهم وأموالهم من لدن البدو بنواحي تلمسان وفاس، بينما لم يصادفوا خطرا في استقرارهم بالسواحل التونسية، أما الدين انضموا إلى إخوانهم بتطوان أو عاصمة الجزائر فقد لقوا هناك أحسن استقبال.
وشملت أماكن استيطان الموريسكوس بالمغرب، بالإضافة إلى تطوان وضواحيها، القصر الكبير والعرائش، فأحصى بعضهم حوالي عشرة آلاف مهاجر بتطوان وحدها سنة ألف وستمائة وثلاثة عشرـ كما استطون قسم آخر منهم بلا والرباط، وقدر مصدر اسباني عدد الذين هاجروا إلى المغرب من الموريسكيين بأربعين ألفا ويعلق خوان بينيلا Jean Penella  على أهمية وجود العنصر المورسكي كعامل بناء في المحافظة على الثقافة الأندلسية بالمغرب بقوله : «يمكن القول بأن الأندلس الإسلامية قد انصبت بثقافتها المشعة على المغرب أثناء احتضارها لتفتح مجالا لنهضة جديدة على الأرض المغربية».
وكانت تطوان تمارس عمليات الجهاد البحري منذ القرن العاشر الهجري السادس عشر الميلادي أيام الوطاسيين فانضم المهاجرون الجدد الذين اختاروا الإقامة بهذه المنطقة إلى إخوانهم الأندلسسيين، وبدلوا يتعاونون على مهاجمة السفن الإسبانية  والبرتغالية الراسية وطنجة وأصيلا، وكان لهم دور في مضايقة الإسبان بسبتة خاصة؛ هذا الدور الذي تولاه الأندلسيون قبل الهجرة الموريسكية الأخيرة، حتى كادوا يفتحون سبتة بقيادة رئيسهم أحمد النقسيس بن عيسى التطواني، وكان لهجومهم هذا سنة تسعمائة وسبع وتسعين هجرية (1588م) في عهد أحمد المنصور أصداء في الأوساط الشعبية والرسمية بالمغرب، حتى اقتادوا أعداد كبيرة من الأسرى إلى فاس ليشاهدهم أحمد المنصور والجمهور المتحمس.
 وحيثما حل المهاجرون الموريسكوس، احتفظوا بحنين شديد وطنهم، كما حافظوا على تقاليدهم وشعائر دينهم، وهكذا فإن اختلاف البيئة جعلهم يعيشون حينما استقروا في شبه عزلة عن الوسط الاجتماعي الذي استقبلهم، ومن ثم كرهوا كل سلطة دخيلة ولو خضعوا لها، وكانوا يعتقدون أنهم أرقى مستوى من غيرهم.
وكان الموريسكوس ذوي مهارة خاصة في الأعمال الزراعية والصناعية، إذ بفضل مساهمتهم في النشاط الاقتصادي عرف المغرب فترات من الازدهار لم يشهدها من قبل، وعلى العكس من ذلك، فإن اسبانيا تعرضت لنكسة اقتصادية خطيرة منذ أن غادرها الموريسكوس، والتأخر العلمي والتقني الذي شهدته اسبانيا مدة أربعة قرون لم يكن إلا نتيجة لحرمان نفسها من كفاءة هذا العنصر الذي ترك بصماته حتى الآن في الأرض الإسبانية بالرغم من كل شيء.
وحاولت الدولة السعدية بالمغرب، والتي استمرت في الحكم طيلة قرن ونصف إلى منتصف القرن الحادي عشر الهجري السابع عشر ميلادي، أن تستفيد من كفاءة العنصر الموريسكي الذي بدا أنه يختلف كثيرا عن العناصر الأندلسية القديمة المتميزة بحبها للاستقرار في المدن والميل إلى الرفاهية. وصادف أن هجرة الأفواج الأولى من العناصر الموريسكية سبقت زمن الملك أحمد المنصور وقلما تعاونت هذه العناصر مع السعديين في الحروب التي خاضوها بالسودان، فالأولون رغبوا في الحصول على مناجم  الذهب الإفريقي ليتهيئوا لاسترجاع الأندلس، سيما في عهد الملك المذكور الذي أعرب جهازا عن رغبته هذه في خطابات دبلوماسية، أما الموريسكوس الذين حلوا بالرباط وسلا، فقد فتحوا صفقة جديدة من تاريخ المسيحية بوجه عام، وإذا كان السعديون قد خططوا في عهد محمد المهدي الشيخ ثم في عهد أحمد المنصور الذهبي لعملية عسكرية واسعة المدى لغزوا اسبانيا، فإن وضع الدولة السعدية بعد وفاة هذا العاهل سنة 1603 م أصبح أبعد ما يكون عن تحقيق هذا المخطط، ومن ثم هجرت الحكومة الوطنية كل العمليات العسكرية خارج التراب الوطني، وليس ذلك فحسب، بل تعين على المغرب أن ينتظر أزيد من قرن ونصف ليقوم في عهد محمد الثالث بمحاولة لتجديد أسطوله، لكن السلطة الرسمية لم تفلت الزمام من يدها بصورة تامة في العمل العسكري الخارجي، بل حدث هناك تعاون حقيقي بينها وبين القوات الشعبية في نطاق الجهاد ضد السفن المسيحية التي تمخر عباب البحر المتوسط والمحيط الأطلسي، وبرز اسم الموريسكوس بالرباط وسلا ذا أثر واضح المعالم في حركة الجهاد البحري بشواطئ الأطلسي خاصة.
وفي غمرة النزاع بين السعديين والحركات الثورية الشعبية احتفظ الموريسكوس في سلا والرباط باستقلال حقيقي عن السلطة الرسمية في فترة معينة من التاريخ، على الرغم من أنهم كانوا لا يتخلون عن الوفاء يالتزاماتهم المادية نحوها طالما فرضت هيبتها بصفة أو بأخرى.
وفي ظروف استقلال الرباط وسلا بالحكم الذاتي تمتعت المنطقة بسلطة ديمقراطية حقيقية أتاحت لها أن تنظم عمليات الجهاد البحري بطرق فعالة، وأن تستغل نوارها على الصعيد الداخلي ولصالح الجهاز المركزي أيضا.
وأطلقت المصادر الأجنبية على هذه المنطقة التي تتكون من مدينتين وضاحيتها المجاورة اسم جمهورية أبي رقراق، لأن سلا والرباط يفصل بينهما نهر ينبع من جبال الأطلس المتوسط، ويدعة نهر أبي رقراق.
ولم تكن الرباط وسلا خاليتين تماما من السكان قبل استقرار العنصر الموريسكي بهما، بل كانت سلا آهلة بعناصر أندلسية تعاقبت عليها منذ العهد الموحدي، وعناصر أخرى وطنية، أما الرباط التي بناها الموحدون أساس لتكون مفخرة لدولتهم ولتكون أحد الموانئ الرئيسية بالبلاد، فقد بقي سكانها قلة حتى أنضاف إليهم العنصر الموريسكي التي توزع بين سلا والرباط، وهذا العنصر قدم من منطقة استرامادورا، وبالذات من إحدى مدنها الصغيرة وهي حرناشو Harnacho   وتقع المنطقة جنوب شرقي ماردة، وكان الحرناشيون من أثرى بقاء العنصر الأندلسي، وكانوا يتهمون في اسبانيا بتزوير العملة. وخوفا من عقاب السلطات الإسبانية، هاجروا تلقائيا إلى المغرب سنة 1609م، وعرفوا مع ذلك بحبهم للقتال وركوب الأهوال، كانت لهم خبرة في استعمال الأسلحة، وهكذا مارسوا نشاطهم في الجهاد البحري منذ أن تم استقرارهم في وطنهم الجديد، وتعاونوا مع عناصر المقاومة البحرية التي كانت توجد بالمعمورة، وهي مركز بحري قديب منسلا شمالا، وكان ضحاهم جميعا من العناصر المسيحية، وفد وقع في قبضتهم فيما بين 1618- 1626 حوالي ستة آلاف أسير كانت مواردهم منها بيعا أو فداء أزيد من خمسة عشر مليون جنيه، وقد رفضوا كل تدخل في الشؤون الداخلية للسلطة المركزية، حتى امتنعوا عن الإسهام في الحملات التي جندها السلطان زيدان السعدي ضد بعض المناطق التي تخلت عن بيعته، وبالمقابل، تعاونت جمهورية أبي رقراق مع مختلف عناصر حركة الجهاد البحري المنبثقة في المراكز الساحلية بالشمال الإفريقي، وكان الأتراك يمارسون عمليات الجهاد البحري قبل أن يتولوا الحكم في مجموع التراب الجزائري والتونسي. وقبل أن يغادر الموريسكوس الأندلس، كان أتراك الجزائر يولونهم عطفا خاصا، وفي أواسط القرن العاشر الهجري السادس عشر ميلادي حاول والي الجزائر علج على أن يزود الموريسكوس بأسطول يحمل ذخائر عسكرية، فاعترض الإسبان سبيله، كما حاول الأتراك أن يوجهوا متطوعة إلى الأندلس، وعمدت اسبانيا من جهتها إلى مهاجمة تونس حتى تمنع على الجزائر التوصل بنجدات من تونس، وارتأى رجال المقاومة بجمهورية أبي رقراق، أن يتركوا اجتياز مضيق جبل الفتح، حتى ينشغل المجاهدون في تطوان وسائر مراكز الشمال الإفريقي بالتصدي لسفن الدول الأوربية في حوض البحر المتوسط بينما ينشغلون من جهتهم بمهاجمتها في المحيط الأطلسي، حيث كانت تمتد عملياتهم فيما بين جزر الخالدات (الكناري) وسواحل بريطانيا. وإلى سنة ألف وخمسمائة وخمس وتسعين، وكانت جزر الخالدات تؤدي ما لا يقل عن تلاثمائة عائلة أندلسية، فضلا عن العناصر المغربية التي كانت لها الفضل في نقل عدد من المزروعات إلى تلك المناطق.
ومهما يكن من شيء، فقد اتخذ رجال الجهاد البحري من حركتهم، وسيلة لعمل ايجابي في الميدانين السياسي والاقتصادي، ومع أنه لا يمكن التغافل عن الدفاع الوطني في هذا النشاط، فهو تعبير عن عاطفة نحو تراب وطني كانوا يقيمون به فيما مضى، وليس نحو أرض جديدة أقلتهم ولها بالوطن القديم أكثر من صلة، ومن ثم نجد أن الرابطة الدينية نفسها لم تخضع العنصر المهاجر لعملية تفتح واسع نحو الطرف الآخر المساكن لهم، والذي استقبلهم إخوانا له ... إنهم معذورون على كل حال في كثير من مواقفهم، فلو تفككت وحدتهم منذ البداية، أو اندمجوا بسرعة ويأس في العناصر الاجتماعية الأخرى، لما تحقق الكفاح البطولي الذي خاضوه عدة أجيال. وبالرغم من عزلتهم فإن عدة عناصر مكن المغاربة تعاونت معهم كملاحين وعمال ماهرين، ذلك أن الهدف المشترك واحد هو إضعاف القوة الأوربية، وتحقيق الكسب عن طريق الاعتداء على سفنها ولذلك نجد كثيرا من ممثلي الدول الأوربية يفاوضونهم؛ أن خطرهم على السفن الإنجليزية وفتيانها الذين كانوا يساقون أسرى إلى الرباط، أدى بحكومة انجلترا إلى مفاوضتهم عن طريق ممثلها ماين وأرينغ  Main Waring بشأن تحرير الأسرى المسيحيين عموما.
وقد كان المجاهدون إذا بلغوا السواحل الإسبانية رفعوا راية الدولة الإسبانية، ثم يستولون على الغنائم والأسرى والسلاح، حيث يقومون بعملهم بسرعة خاطفة في الساحل الإسباني نفسه ثم ينطلقون بغنيمتهم، والواقع أن هذا العمل لم يكن خاصا بالمهاجرين الأندلسيين، فقد كان الجنويون يقومون بتجارة واسعة النطاق في أسواق النخاسة، وكان من بين ضحاياهم أسرات مسيحيات يتم بيعهن في أسواق الشمال الإفريقي، وكان في خدمة الجنوبين أنفسهم أسيرات من الشمال الإفريقي.
أما المكاسب التي يحصل عليها المجاهدون فيقتسمونها كما يلي : عشرة في المائة لمجلس الجمهورية- أربعون في المائة لرب الباخرة، خمسة وأربعون في المائة للربان وضابط المدفعية والطبيب الجراح، والبحارة وسائر الضباط.
وعندما يخضع المجاهدون للسلطة الملكية المباشرة، وهذا أمر نادر، يؤدون لبيت المال خمس المكاسب، بإضافة نصف الباقي، وأما النصف الآخر أي ما يعادل الخمسين ( بضم الخاء) فيقم بين النوتية والضباط.
وقد خصص الحرناشيون، وهم رواد عمليات الجهاد البحري بمنطقة أبي رقراق خمس مواردهم لصيانة القصبة المجاورة للرباط والتي هي مقرهم الأصلي بهذه المدينة وكما يقول كايي Caille فإن حوض أبي رقراق أصبح بمتابة ميناء هافر للإسلام بالمغرب الذي هو أقرب بلد إلى أروبا.
ولم يكن المجاهدون يملكون أكثر من بضع بواخر سنة 1617م، وبعد عشر سنوات توفروا على أسطول من ستين باخرة وتمثل السفن الفرنسية التي يحتجزونها أكبر نسبة من السفن الأوربية، مما جعل الوزير ريشوليو Richelieu يقرر اغراق إحدى السفن الفرنسية في حوض أبي رقراق ليمنع تحرك السفن الجهادية ولكن فرنسا لم تحصل بذلك على نتائج تذكر.
وهكذا عاشت حركة الجهاد البحري عصرها الذهبي من 1036 إلى 1054 هـ( 1644م) حيث بدأ أسطولها تدريجيا بعد هذا التاريخ.
معظم السفن الجهادية كان يتم استيراده من أوربا تصنع القطع محليا بمساعدة تقنين هولنديين.
وكان المجاهدون يخضعون أنفسهم لحياة متقشفة نسبيا في عرض البحر حتى يحافظوا على سلامة جسمهم وقابليتهم لسرعة الحركة. وبالإضافة إلى التقنيين الهولنديين تعاون معهم على تدريب الملاحين وقيادة السفن تقنيون آخرون من انجلترا وحتى من البرتغال واسبانيا. وكانت مراكبهم خفيفة مستديرة الشكل تحمل صواري وأشرعة كثيرة وقد تحرك بالمجاديف عند الاقتضاء.
وكان حوض أبي رقراق ذا مسلك صعب، حتى أن سفن الأوربية تعجز عن القيام بأي هجوم على القصبة شتاء لهيجان البحر، وكان تفاوض الدول الأوربية مع جمهورية أبي رقراق يتم بواسطة قناطهم لمقبولين، ولا يزال بالرباط شارع يحمل اسم شارع القناصل.
وقد امتدت غزوات هؤلاء المجاهدين إلى جزر أيسلندا، وابتداء من سنة 1624م تعاونوا مع مجاهدي الجزائر على القيام بغارات مشتركة، حيث يتعوجهون بأسطول من عشر بواخر لمهاجمة موانئ ايسلندا وبريطانيا، وكانت هذه المغامرات ذات الجرأة المتناهية تلقي الرعب في قلوب السكان هناك، وفشل البريطانيون في كل محاولاتهم منذ سنة 1637 م لوضع حد لنشاط المجاهدين، بمحاصرتهم في حوض أبي رقراق.
وكانت العمليات الجهادية التي يقوم بها سكان الجمهورية سببا في وجود علاقات دبلوماسية حقيقية بينهم وبين الدول الأوربية، خصوصا مع هولاندا وفرنسا وانجلترا.
وقد سبقت الإشارة إلى أن فرنسا طالما اشتكت من السفن الجهادية التي كانت تعرقل مراكب صيدها في المحيط الأطلسي، وفكرت الحكومة الفرنسية في عهد لويس الثالث عشر أن تضمن أمن بواخرها بحراسة مسلحة، انطلاقا من حوض أبي رقراق أيام الصيد، ولكنها وجدت نفسها مصرة في النهاية إلى عقد اتفاق مع الموريسكوس سنة 1038 هـ، 1629م وما بعدها، وهو يضمن تبادل تسليم البواخر المحتجزة وفتح موانئ كل طرف لسفن الرف الآخر والتعامل الحر في الميدان التجاري كما سمح للحكومة الفرنسية بتعيين قنصل لها بالرباط.
وبالنسبة لإنجلترا كانت العلاقة في الغالب متوترة، ولكن في سنة 1626 م بعت البلاط الإنجليزي ممثلة جون هاريسن ليجري اتصالات مع جمهورية أبي رقراق، قصد القيام بعمل عسكري مشترك ضد اسبانيا، وكان ذلك في عهد الملك البريطاني جاك الأول. وشمل مشروع المعاهدة تحرير الأسرى الإنجليز، وتسليم أربعة عشر مدفعا إلى الموريسكوس وكمية من الذخائر، وبعد الاتفاق على المشروع لم تسلم بريطانيا في السنة الموالية سوى ستة مدافع وكمية من الذخائر، لأنها لم ترتح لإعلان الموريسكوس رفضهم للتبعية للسلطان زيدان بعد أن ساءت العلاقة بينه وبينهم؛ لكن بموجب هذا الاتفاق تم تحرير الأسرى الإنجليز.
وفي مايو 1627 م اتفق الطرفان على فتح موانئ كل منهما للرعايا من تجار البلد الآخر، وعدم القيام على أي سفينة تحمل علما انجليزيا أو موريسكيا وتعهد مجاهدوا الرباط من جهتهم بمساندة بريطانيا تشهر ضد أعدائها وبقي هذا الاتفاق الذي عقده باسم بريطانيا جون هريسون مجرد مشروع أمضاه عن الطرف المغربي إبراهيم باركاش ومحمد باركو، وذلك أن شارل الأول رفض المصادقة على هذا المشروع واستولت البواخر الإنجليزية  بعد قليل على سفينة جهادية، فرد المجاهدون بقوة، مستولين على عدة سفن انجليزية
وبالرغم من الاعتذارات التي قدمها هاريسون باسم حكومة بلاده فإن قادة الجمهورية استشاطوا غضبا عندما شاهدوا باخرة في حوض أبي رقراق، ومنعوه من مغادرتها، وهكذا بقي يشتغل عدة سنوات على إيجاد اتفاق سلمي دون الحصول على نتائج تذكر.
وإذا كانت بعض المدن الساحلية بالمغرب قد تصدت لحركة الجهاد بصورة تلقائية وبقيادة العناصر الأندلسية، فقد حاولت الدولة السعدية  طيلة القرن السادس عشر ميلادي، وقبل أن تتخل عن العمل السياسي الجاد وبالعيد عن التطاحن من أجل السلطة، أن تعيد للأسطول الحكومي قوته وهيبته التي عرفها المغرب أيام المرابطين والموحدين وخلال فترة القوة من الحكم المريني. وهكذا بدا الإهتمام بإنشاء الأسطول مند عهد محمد المهدي الشيخ الذي دعاه الأتراك إلى القيام بعمل مشترك لغزو اسبانيا، غير أن السعديين والأتراك لم يكونوا في أغلب الظروف على وفاق تام، وهذا مما شجع الإسبان والبرتغال على التمادي في سياسة العدوان على تراب الشمال الإفريقي، وفي منتصف القرن العاشر الهجري السادس عشر ميلادي أعد المهدي العدة لبناء أسطول من مائة قطعة، ولكن أنه لم يحقق كل الأهداف المتوخاة، وأن شدد الرقابة على تحرك السفن الاسبنية والبرتغالية التي توجه نحو سبتة واستغل محمد المهدي موانئ باديس والعرائش وسلا حيث وزع بينها وحدات الأسطول الجديد، وكان ميناء العرائش في مطلع القرن السادس عشر أي في وقت اعتراف الوكايسين بالسيادة الرمزية للخليفة العثماني مرسى لسفن الجهاد التركية الجزائرية خلال فصل الشتاء.
ويظهر أن تطور صناعة السفن جعل كل من المخزن والمجاهدين يشترون السفن مباشرة من هولندا وانجلترا، وقد يتم استيرادها شراء عن طريق التهريب، فقد كانت الأوساط الحكومية في أوربا لا توافق على تزويد المغاربة  بسفن قد تستعمل في الحرب ضده، ومهما يكن من شيء فإن الحكومة السعدية لم تخرج بمشاريع غزو اسبانيا لحيز التنفيد، فالاتفاقات النهائية أو القريبة من النهائية، والتي تمت بين أحمد المنصور الذهبي والملكة اليزابيت البريطانية لم يعد من الممكن مباشرة تنفيذها أو إتماما بسبب وفاة العاهلين في سنة واحدة، علما بأن اسبانيا ظلت تعتبر طرفا عدائيا مشتركا لكل من المغرب وبريطانيا وأن تحاشى المغرب الاصطدام باسبانيا على الصعيد الرسمي وفي ترابها الخاص لسببين :
1- لعدم وجود انسجام بين السياسة التركية والمغربية.
2- لأن الاسبان والبرتغال لا زالوا يحتلون مراكز رئيسية بالمغرب كسبتة ومليلية والعرائش والجدية، ولذلك تعين على المغاربة أن يكافحوا الوجود البرتغالي والاسباني ببلادهم قبل كل شيء.
ولا مراء في أن الوجود الاسباني أو البرتغالي سواء بالجزائر أو المغرب، وكذلك لفترة معينة بتونس ليس إلا نتيجة لحركة الاستيراد الاسبانية. ورد فعل للوجود الإسلامي والمغربي بالأندلس طيلة ثمانية قرون، ومن ثم تعين على المغرب أن يواصل المقاومة ضد الايبريين على ترابه، بقدر ما تعقب سفنهم وتصيدها بسواحل الأطلسي والبحر المتوسط.
ولقد كان من مهازل إحداث التاريخ أن طنجة وقعت فريسة للاحتلال الإنجليزي أيضا خلال القرن السابع عشر، حيث ثم تقديمها صداقا إلى الأميرة البرتغالية كاترين زوجة شارل الثاني ملك انجلترا.
وهكذا واصلت المقاومة الشعبية العارمة نضالها ضد الاحتلال الأجنبي بجميع أنواعه، ولم تتوقف حركة الجهاد البحري بعد انهيار السعديين بل وجدت فيها السلطة الحكومية الجدية، سلطة العلويين سندا لا يقدر بثمن؛ فتبناها السلطان مولاي إسماعيل وجعل من قائدها ابن عائشة أميرا للأسطول العسكري المجاهد، ولم تجد تدخلات الدول الأوربية شيئا في تصيد السفن التي تنتمي إلى هذه الدول. وفي عهد هذا العاهل تم استرجاع المهدية والعرائش وطنجة، بينما لم يوفق إلى استرجاع سبتة ومليلية في وقت كان مشغولا فيه بالصراع ضد عدد من أمراء أسرته الطامعين في العرش، أما مدينة الجدية فقد استرجعها السلطان محمد الثالث بفضل الأسطول الجديد الذي أنشأه لهذا الغرض.
وبعد هذا السلطان بدأ المغرب يتعرض لهجمات مباشرة من أساطيل بعض الدول الأوروبية كفرنسا والنسما واسبانيا كرد فعل ضد هجمات السفن المجاهدة، وكانت هذه الضربات التي بدأ المغرب يتلقاها في موانئه في منتصف االقرن التاسع عشر، بداية لتحرشات مستمرة، ومنورات من مختلف الحكومات الأوروبية ذات النوايا الاستعمارية، لفرض سيطرتها على المغرب، وكانت حركة الجهاد البحري التركي الجزائري من الأسباب التي تداعت بها فرنسا قبل ذلك لاحتلال الجزائر.
وبكلمة مجملة، فاحتلال الجزائر تم تونس فالمغرب هو نتيجة بعيدة للوجود المغربي بالأندلس للأسباب التالية :
1) كان الفرنسيون يشكلون أكبر قوة من المتطوعة الذين يستدعيهم الاسبان لمساندتهم في الحرب المقدسة ضد المسلمين بالأندلس.
2) كانت السفن الفرنسية كما سبقت الإشارة إليه أكثر البواخر الأوروبية تعرضا لهجمات المجاهدين المغاربة والأتراك.
3) كانت الشواطئ الفرنسية الجنوبية تنال باستمرار من هجمات البواخر الجهادية المغربية والتركية.
وبما أن اسبانيا والبرتغال وليا وجهيهما عبر أمريكا الجنوبية وسواحل إفريقيا الشرقية والجنوبية، فإن فرنسا اهتمت بالضفة الجنوبية من البحر المتوسط، فكانت لها محاولات في مصر، كما عملت فيما بعد على أن تبلغ الجزء الشرقي من البحر المتوسط حيث سوريا ولبنان، ولكنها قامت بعملية إثبات ذات أكثر في الشمال الإفريقي.
                                                               
(1) ينبغي التفريق بين الأعمال العسكرية أو الغزوات التي قامت بها حكومات الشمال الإفريقي التي قامت في عين المكان ابتداء من الأغالبة، وبين الأعمال التلقائية التي تقوم بها مجموعات شعبية ، وهي المقصودة هنا، وإن كانت تلقى أحيانا دعما حقيقيا من الأنظمة القائمة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here