islamaumaroc

ثورة على الأوقاف

  عبد الكريم غلاب

3 العدد

على رسلك...
قلت أنا الثائر، وليست الأوقاف في المغرب هي التي استهدفت للثورة. وإنما مجال الثورة كان هو الشق الآخر من بلاد المغرب العربي: هو تونس.

ثارت ثورتها الأولى على الأوقاف العامة، واستمرارا في سياسة المراحل ثارت ثورتها الثانية على الأوقاف الخاصة والمشتركة.

كانت الثورة الأولى في 31 مايو من سنة 1956 ضد الأوقاف التي تصرف فائدتها للإسعاف والصحة والتعليم والشعائر الدينية، وقد حولت أموال هذه الأوقاف - المنقول منها والثابت - إلى الدولة وألحقت بالميزانية العامة، وتكفلت الدولة بالإنفاق على المشروعات التي كانت تستفيد من الأوقاف.

ثم صدر أمر آخر في 18 يوليه الماضي 1957 يمنع الأوقاف الخاصة والمشتركة، ويحدد مصير الأوقاف الموجودة فحلت الملكية محل الوقف (وتحررت مئات الآلاف من الهكتارات الفلاحية من قيود الوقف المضروبة على حرية استثمارها، وإمكانية تداولها، وأقر جانب كبير من أهل البادية بأراضي الأوقاف في مقابل ما قاموا به من إحياء مواتها وما صرفوه عليها من مجهوداتهم المضنية تشجيعا لهم على تكوين ازدهار اقتصادي يفيد البلاد أكثر من استفادة المستحق للوقف بمئاب ضئيل لا يسمن ولا يغني من جوع)(1)

والثورة كانت منطقية ومعقولة إذا نظر إلى الأوقاف على أن لها هدفا اقتصاديا واجتماعيا، وإذا نظر إلى الموقوفات على أن لها أثرا في النظام الاقتصادي والاجتماعي. وكانت معقولة أيضا إذا بحث موضوع الأوقاف بفكر جديد متحرر واقعي لا تشغله كلمة المحبس بقدر ما يهتم للهدف الذي يرمي إليه المحبس، ولا يعني بالشكل بمقدار ما يهتم بواقع الأمر وحقيقة المصير الذي آلت إليه الأوقاف وما تحدثه في الحياة الاقتصادية والاجتماعية من خلل كان يراد منها أن تصلحه، وما تحدثه بين المستحقين من نزاع وخصومات لم تكن هدف الواقف ولا الغاية من أريحيته وإحسانه.

وإذن فكل الظروف التي تمت فيها الثورتان التونسيتان على الوقف كانت شفيعا للثائرين وحجة سليمة عند النقاش أو الجدل لو كان الأمر عندهم محط نقاش أو جدل.

والأمر عندنا -بالطبع- على غير ما هو في تونس، فإن الأوقاف العامة من المتانة والقوة بحيث لا تنال منها زعازع الثورات المجاورة، كانت الأوقاف على عهد ما قبل الحماية- وأحسب أنها لا تزال - غنية مشبعة بالغنى واليسر. وكانت -وأحسب أنها لا تزال- تؤدي خدمة كبرى في المجال الاجتماعي والديني. وكانت -وأحسب أنها لا تزال - تتمتع بشيء من الحصانة الصوفية المنبعثة من الروح الدينية التي أملت على الواقفين أن يتبرعوا بأموالهم وعقاراتهم حتى أن المستفيدين كانوا يقنعون بالقليل وإن بلغ هذا القليل عشر فرنكات شهريا في بعض العهود.

رغم كل هذه الحصانة، فإن الأوقاف استهدفت لاضطراب مادي ومعنوي كان بعضه مما سببته الحماية وكان معظمه مما سببه سوء التصرف وسوء الفهم لمهمة الأوقاف ولما ينبغي أن تقوم به.
والذي أعتقده أن عهد الاستقلال قد يستطيع أن يقضي على سوء التصرف فلا يلي  أمر الأوقاف - سواء أكانت من الأوقاف العامة أو الخاصة - إلا من توفرت فيهم شروط النزاهة والمقدرة، ولست أعني المقدرة الإدارية فحسب، ولكنني أعني إلى جانبها المقدرة الفكرية أيضا، فإن ناظر الأوقاف إذا لم يستطع أن يفكر في مهمة الوقف، وإذا لم يستطع أن يدرك أسرار التشريع الذي قد تصدره وزارة الأوقاف لبعث الروح التي انشئت من أجلها الأوقاف، إذا لم يستطع ذلك فقد لا يصلح لأن يلي أمر الأوقاف في العهد الجديد.

أما عن سوء الفهم لمهمة الأوقاف، فأحسب أيضا أن عهد الاستقلال كفيل بالقضاء على ما كان يغمر عقلية المسيطرين على الأوقاف من جمود وانحراف، فالاستقلال ليس حرية وسيادة فحسب، ولكنه تطور في العقلية والفهم لجميع مقدراتنا وإمكانياتنا كأمة عريقة في المجد متطلعة إلى مستقبل أمجد.

والشيء الذي أعتقده كنتيجة لتحرر عقلية الأوقاف أن الاتجاه سيسير إلى تحقيق الأهداف البعيدة من الأوقاف العامة والخاصة ولو لم ينص على ذلك «لفظ المحبس». وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (إنما الأعمال بالنيات) ولم يقل بالأقوال، ولهذا فإن عمل الأوقاف في ميدان الإسعاف قد يتسع إلى إنشاء مستشفيات أو عيادات شعبية، وفي المدن والقرى الفقيرة على الأخص، لتضمن إسعاف المصابين والمرضى والحاملات والوالدات وتقديم الدواء وتعهد المسعفين والمسعفات بالإرشاد والصيانة. إن وزارة الصحة قد لا تستطيع أن تقوم بكل ما يتطلبه منها شعب مريض فقير. والأوقاف يجب ألا تقصر همتها عن هذا الإسعاف الضروري.

والإسعاف المالي ميدان فسيح للأوقاف، ولكنه ينفذ في شكل صدقة وبصورة مزرية، وأولى بإسعاف الأوقاف أن ينظم تنظيما حديثا تستفيد فيه وزارة الأوقاف من تجارب وزارة الشؤون الاجتماعية في العالم، وقد يكون ذلك عبئا ملقى على وزارة الشغل والشؤون الاجتماعية، ولكن ميدان الإسعاف أفسح من أن يسعه نشاط وزارة واحدة ميزانيتها محدودة وميدان عملها يتصل بالعمل والعمال وشؤونهم الاجتماعية أكثر مما يتصل بمقاومة الفقر وإسعاف الفقراء في غير ميدان العمل. ولعل تنسيق العمل بين الوزارتين كفيل بتحقيق التعاون في ميدان الإسعاف الاجتماعي.

أما الشؤون الدينية ورعاية المساجد وأماكن التعبد فلعل وزارة الأوقاف أكثر إدراكا للنقص الذي تبدو فيه المظاهر الدينية والمساجد وتلاوة القرآن (الحزب) بالصورة المشوهة الغريبة التي تسيء إلى القرآن والدين أكثر مما تحسن، ثم الواجبات الدينية التي يقوم  بها المكلفون بالمساجد ومستواهم العلمي وخطبهم الجمعية والأجور المزرية التي تنزل بهم كطبقة اجتماعية.

وتأتي بعد ذلك المهمة الثالثة، وهي مهمة الوعظ والإرشاد، والأوقاف تضطلع بهذه المهمة، ولكني أحسبها في حاجة إلى تنظيم وإلى تحرر في الفهم. فالوعظ المهمل المضطرب لا يؤدي الغاية منه، والواعظ البسيط المتواضع علما ومركزا لا يستطيع أن يؤدي مهمته. ثم إن مهمة الوعظ يقصد منها التربية والتثقيف للذين فاتهم ركب التعليم والتثقيف، وذلك معنى رفع الأمية والتربية الأساسية في العصر الحاضر. فلم لا ينظم الوعظ والإرشاد على أساس رفع الأمية والتربية الأساسية، ولم لا تستغل المساجد ومراكز الوعظ والإرشاد للتربية الأساسية بما فيها من مبادئ الدين والخلق والصحة وشؤون الحياة العامة.
أحسب أني أشرت إلى الخطوط الرئيسية لثورة في الأوقاف ولا أقول على الأوقاف. والثورة في الأوقاف معناها النقد الذاتي للمهمة الرئيسية التي تقوم بها الأوقاف، وإصلاح هذه المهمة وتوجيهها نحو الهدف الذي كان يرمي إليه الواقفون.

والذي نعتقده أن انحراف الأوقاف عن خطتها في تونس هو الذي أوحى بالثورة عليها، ورجاؤنا أن يكون في خطة إصلاحية تهدف إلى التطور والبعث ما يغني عن التفكير في ثورة عارمة لا تبقي ولا تذر.
وأعتقد كذلك أن وزارة الأوقاف في عهد الاستقلال جديرة بأن تعلق عليها أكبر الآمال في خطة بعث وإحياء.

المساوة
2) وفي الإسلام خلة أراها من أشرف الخلال وأجلها، وهي المساواة بين الناس، وهذا يدل على أصدق النظر وأصوب الرأي، فنفس المؤمن راجحة بجميع دول الأرض والناس في الإسلام سواء.          

 

(1) من تقرير وزير العدل التونسي عن قرار إلغاء الوقف الخاص والمشترك                                         

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here