islamaumaroc

دفاع عن الوندال

  دعوة الحق

202 العدد

تطرق الأستاذ "فوتيي" أحد المتخصصين في تاريخ إفريقيا الشمالية قبل الإسلام في كتابه "جنصريق، ملك الوندال"1 إلى الظروف التي حملت الوندال بقيادة ملكهم جنصريق على اجتياز البحر الأبيض المتوسط في طريقه إلى إفريقيا الشمالية؛ والذي يهمنا في هذا المقام ليس هو الطريقة التي تمت عليها عملية العبور هذه التي تحدث عنها أكثر من واحد ممن لهم اهتمام ودراية بتاريخ بلادنا بقدر ما يهمنا معرفة ما إذا كان لهؤلاء الوندال –بقطع النظر عما نسب إليهم من أعمال تخريبية2 – تأثير على الأوضاع السياسة والاجتماعية القائمة في هذه البلاد وقتئذ، وما يكون قد ترتب عن ذلك من عواقب لها دلالتها الواضحة في توجيه الأحداث التاريخية التي ستشهدها إفريقيا الشمالية مباشرة بعد اضمحلال سلطة البزنطيين منها، وظهور الطلائع الإسلامية الأولى المطلة عليها من المشرق.
ولقد استقر في أذهان الباحثين على اختلافهم أن الباعث أو المشجع لجحافل الوندال على اجتياز مضيق البحر الأبيض المتوسط هو الكونت بنيفاص، الوالي على مدينة طنجة من قبل المملكة الرومانية الغربية حيث قرر، وهو إذ ذاك في نزاع مع المملكة "بلا سيدينا" أن ينزع من عنقه شعار الولاء للملكة الرومانية وينادي على الوندال الذي كانت جحافلهم قد اجتاحت أرض الإسبان، مزينا لهم تملكهم لأراضي المغرب الخصبة وواضعا تحت تصرفهم مدينة طنجة بعد اجتيازهم للبوغاز .. وتضيف الرواية أن جنصريق، ملك الوندال لم يتردد في أن عبر المضيق في جم غفير من أهله وحشمه بلغ عددهم 80.000 نسمة ...3 .
ومع ذلك فإن الأستاذ "فوتيي" يلاحظ في هذا المقام كما لا يلاحظ غيره من الباحثين أن جنصريق لم يكن في حاجة إلى نداء الكونت بونيفاص لتحقيق رغبته في الانتقال بقضه وقضيضه إلى شمال إفريقيا، وذلك نظرا لما كان الوندال يلاقونه من معارضة شديدة في إسبانيا من طرف القوط، سكان البلاد الأصليين؛ وعليه فقد كانوا إذن مضطريين إلى  مغادرة هذه البلاد طوعا أو كرها في اتجاه المغرب. وذلك ما عبر عنه أحد المؤرخين اللاتينيين بقوله وسواء أيكون الوندال قد انتقلوا إلى إفريقيا الشمالية راغبين فيها أو مدفوعين إليها من طرف الكونت بونيفاص، الذي نقل عنه أن زوجته، وكانت وندالية، هي التي دفعته إلى تحريض جنصريق على اجتياز البوغاز، فالسؤال المطروح علينا في هذا المقام سؤال ذو شقين، يتعلق أوله بمعرفة الطريق الذي سلكه جنصريق للالتحاق لقرطاجنة العاصمة بعد نزوله بأرض المغرب، وثانيه وهو أهم من الأول، يعود إلى التعرف على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي سادت في البلاد بعد استيلاء الوندال عليها، وتصديهم لمقاومة النظام الروماني السابق مقاومة عنيفة أصبحت البلاد بعدها في حالة استعداد إن صح هذا التعبير، لتقبل ديانة سماوية، غير المسيحية التي حملها الرومان إلى المغرب وحاولوا دون جدوى إرغام السكان على اعتناقها ومزاولة حقوقها.
وجوابا على السؤال الأول يبدوا أن الطريق المعقول الذي يكون جنصريق قد سلكه من إسبانيا إلى شاطئ المغرب هو الطريق البحري الذاهب  من مدينة طريف الاسبانية إلى مدينة الغزوات Afratpes بمقاطعو وهران الواقعة بالمغرب الأوسط (الجزائر).
ولم يدر قطعا بخلد جنصريق أن ينتقل بالمرة من إسبانيا إلى إقليم قرطاجة لأن الذي كان يهمه هو تجنب رحلة بحرية طويلة لا تخلو عادة من مشاكل ومخاطر؛ والسبب الثاني الذي يكون قد حمله على أن يميل إلى سلوك أقصر مسافة بحرية في انتقاله من القوط إلى المغرب هو عمله بأن الطريق البرية الواصلة بين الغزوات وقرطاجنة كانت معبدة أحسن تعبيد؛ وقد يكون جنصريق قد فكر في استخدام الطريق الرابطة بين الغزوات وطنجة أو سبتة، حيث يحتمل أن يكون قد نزل أول مرة بسبتة عوض طنجة قبل الانتقال منها إلى الغزوات عن طريق البحر لأن الطريق البرية لم تكن صالحة للإستعمال، نظرا لقلة اهتمام الرومان على وجه العموم بالمناطق الواقعة في داخل موريطانيا القيصرية وموريطانيا الطنجية بسبب وقوع جبال الأطلس وجبال الريف منيعا في وجه المتنقلين من المشرق إلى الغرب؛ يضاف إلى ما تقدم أن المواصلات كانت سهلة يسيرة بين موريطانيا الطنجية وإسبانيا، بل كانت أسهل بكثير مما كانت عليه تلك المواصلات بين إسبانيا وموريطانيا القيصرية؛ ونتيجة لذلك ونظرا لاعتبارات استراتيجية أخرى ليس هذا مكان بحثها فإن روما لم تهتم ببسط نفوذها المباشر على الأهالي الذين كانوا يسكنون الاقاليم الواقعة بين تلمسان  Pormaria  وسبتة Septen وطنجة Tingis ؛ إنما كانت تكتفي بولاء السكان للسلطة المركزية مقابل استقلال داخلي يتمتع السكان بفضله بالمحافظة على لغتهم الأصلية وعوائدهم العريقة.
وبناء على ما تقدم فإن الرأي السائد اليوم عند كثير من الباحثين هو أن جنصريق نزل أولا بمدينة سبتة أو طنجة واستقر بها مدة قليلة من الزمان قبل أن يلتحق بالغزوات بحرا، ومنها إلى قرطاجنة عن طريق البر كما تقدم.
وواضح أن جنصريق كان على علم بمخاطر هذه الرحلة البحرية نتيجة الاضطراب البحر الأبيض المستمر وقلة المرافئ الصالحة لإيواء السفن كما  يشير إلى ذلك المؤرخ اللاتيني سالست Salluste بقوله :
ولا بد من التنصيص أيضا على أن عملية العبور التي قام بها جنصريق من إسبانيا إلى طنجة أو إلى سبتة ومنها إلى الغزوات كانت مدبرة لديه منذ زمن بعيد بمعنى أن تلك العملية ما كانت تحمله في طيها من مخاطر لا تنكر، جاءت نتيجة لاستطلاعات بحرية متعددة يبق لجنصريق أن قام بها في عرض البحر الأبيض المتوسط، وذلك للتعرف على الجزر والموانئ التي قد يضطر إلى الاعتصام بها عند الحاجة؛ والذي لا شك فيه هو أن هذه الاستطلاعات أكسبت جنصريق تجربة ودراية واسعة بشؤون البحر، وهي التي مكنته أيضا من السيطرة على جنوده أثناء عملية العبور وقيادة مراكب الونداليين بكل مهارة وحكمة إلى أن بلغ بهم شاطئ السلامة والنجاة؛ مثله في ذلك كمثل القائد المحنك الماهر الذي لا يستطيع أحد أن ينازعه في سلطته على الجيش سلطة تامة شاملة سواء كان الأمر يتعلق بعملية برية أو عملية بحرية.
ومعلوم أنه متى كانت القيادة العسكرية موزعة بين سلطتين اثنتين تتمثلان في قائد للجيش من جهة وقائد آخر مسؤول على حركة السفن الحاملة لهذا الجيش من جهة أخرى فإن الأمر غالبا ما يقضي إلى خلاف بين القيادتين، من شأنه أن يتسبب في الإضرار بمصالح الجيش؛ وهذا الذي كاد يقع بالضبط سنة 1830 بالنسبة للجيش الفرنسي في هجومه على القطر الجزائري الشقيق في مجموعة من السفن بقيادة مشتركة بين الجنرال برومان    BOURMONT  والأمير دوبيري DUPERRE قد اشتد بينهما النزاع إلى حد أن أوشكت عملية الغزو أنم تبوء بالفشل قبل أن يضع الغزاة أقدامهم على أرض الجزائر.
أما السؤال الآخر الذي يتبادر إلى الأذهان عند الحديث على اكتساح جنود الوندال لشمال إفريقيا فهو هل هناك من تغيير يكون جنصريق قد أدخله على النظام الإداري مما أدى إلى تغيير في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والدينية التي كانت سائدة إذ ذاك في هذه البلاد ؟ وبعبارة أخرى هل كان لوجود الوندال بالمغرب أثر فعال على الحياة عامة بحيث أدى ذلك إلى تحويل ملموس في معنوية السكان، وأعدادهم بالتالي لتقبل دعوة دينية جديدة مخالفة كل المخالفة للديانة المسيحية التي أقبل عليها سكان البلاد حينا من الدهر، لا لشيء إلا لأنها كانت تدعو إلى محو الفوارق بين طبقات الأمة، وإقرار مبدأ المساواة والحرية بين الأفراد ؟
والواقع أنه بالإمكان أن نتساءل عما إذا كانت هناك علاقة بين الفتوحات الوندالية والفتوحات الإسلامية بعدها ؟ أو بعبارة أخرى هل كانت حملة الوندال سوى مقدمة للفتح الإسلامي من بعدها ؟ سؤال وجيه يطرح نفسه بإلحاح على الذين يتتبعون بالبحث والاستقصاء حياة جنصريق مع تقويم للأعمال التي حققها في إفريقيا الشمالية في كل ما يتعلق بحياة الأفراد والجماعات ابتداء من تركيز عقيدة دينية في هذه البلاد أنسب لطبيعة الفرد والمجتمع وتشجيعه لنشاط اقتصادي مرموق ونظام إداري جديد كان له اثره الفعال في تغيير مجرى الحياة عامة في بلاد المغرب.
وإذا نحن عدنا إلى صفحات التاريخ القديم نقرأها ونتدبرها رأينا أن إفريقيا الشمالية لم تتأثر بالحضارة اللاتينية مثل ما خضعت لها بلاد إسبانيا وبلاد الغال، اللهم إذا استثنينا القسم الأدنى من الشمال الإفريقي، وهو ما نطلق عليه  منطقة قرطاجنة وما إليها، فهي وحدها التي خضعت فعلا للنفوذ الروماني المباشر، وتأثرت بحضارة الرومان ولغتهم وثقافتهم. أما بقية المناطق الأخرى من إفريقيا الشمالية فإنها مع اعترافها بالولاء للسلطة الرومانية المركزية إلا أنها كانت تدبر شؤونها بنفسها وتعتمد في حياتها اليومية على ما لها من عوائد أصيلة كما كان أهلها يتحدثون باللغة البربرية أو البونكية بعدها وكلتاهما لغتان ساميتان لهما شبه كبير باللغة العربية في خصائصها ومميزاتها.
وليس من شك أن سياسة الرومان كانت تهدف إلى توطيد دعائم الديانة المسيحية في أنحاء البلاد كلها، وغرس تعاليمها في نفوس المواطنين كافة؛ والواقع أن السكان قد انقادوا إلى هذه السياسة، وأقبلوا على اعتناق دين السيد المسيح في رغبة وحماس شديدين، مؤملين من وراء ذلك الاستفادة من تعاليم الدين المسيحي الرامية إلى إقرار عدالة حقيقية بين الأفراد والانفلات من نير الاستعباد الروماني الذي كان المغاربة يقاسون الشيء الكثير. ولا غرابة أن سياسة التنصير هذه كللت بنجاح نسبي خاصة في المنطقة الشرقية من البلاد، حيث برز من بين المواطنين في ميدان العلم والثقافة أفراد طبقت شهرتهم الآفاق كالقدس أفستان من مواليد مدينة عنابة بالمغرب الأوسط، والكاتب توتوليان وغيرهما من الذين سجلت أسماؤهم على صفحات التاريخ.
وكان من المتوقع أن يستمر هذا المد الكاتليكي، فتنتشر تعاليم المسيحية في كل مكان، لكن جنصريق باستيلائه على لإفريقيا الشمالية بادر إلى وضع حد لانتشار المسيحية فيها، وللثقافة اللاتينية أيضا، محولا بذلك مجرى الحوادث التاريخية في هذه البلاد التي أصبحت مضطرة لفتح صدرها لعقيدة دينية جديدة هي الديانة الآرية التي كان يدين بها جنصريق، والإقبال على نمط في العيش وأسلوب في الحياة مخالفين تماما للكيفية التي كان يعيش عليها الرومان في إفريقيا الشمالية.
ولنتمكن من تقدير أهمية التغييرات العميقة التي أدخلها جنصريق على نظام الحياة في المغرب وجب التذكير بأن الوندال شعب من طبقة الشعوب الرحل التي كانت تجوب الفيافي القاحلة الواقعة في أوربا الوسطى، يتنقلون من مكان إلى مكان طلبا للرزق أو ردا لهجمات الأعداء، لا يفتأون عن ركوب الخيل حتى قيل عنهم أنهم يكادون ينامون على صهوات جيادهم.
وكذا يمكن القول بالنسبة للعرب الذين عرفوا هم أيضا باهتمامهم بتربية المواشي وكثرة تنقلاتهم في المناطق الصحراوية الواسعة بحثا عن الكلاء لماشيتهم ودوابهم؛ وكما أن الوندال امتازوا بخوض المعارك وركوب الأخطار في سبيل المحافظة على شرف العشيرة فكذلك كان العرب مستأنسين بحياة البدو البسيطة، متمسكين بالأخلاق الفاضلة، محافظين بكل وسيلة على شرف القبيلة وإن أدى بهم ذلك إلى حرب عوان لا تبقى ولا تذر ... فإذا عدنا، بالإضافة إلى ما تقدم، نحاول البحث عن وجهة تقارب إلى ما تقدم، نحاول البحث عن وجهة تقارب أخرى بين هاتين العقليتين، أو قل بين المسلمين من جهة والوندال من جهة أخرى وجدنا، وهذا ما يبعث على الاستغراب أن ديانة الآريين كانت تدعوا إلى عبادة إله واحد لا ثاني سواه، وهو القادر على كل شيء، لا إله إلا هو؛وهذه العقيدة مخالفة تماما للعقيدة المسيحية التي تقول بالتثليث، وهي في نفس الوقت تقترب من تعاليم الديانة الإسلامية التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم حينما أعلنها ثورة عارمة على مجتمع فاسد متعفن، داعيا أهله وعشيرته وبقية العرب والشعوب كافة إلى عبادة إلاه واحد، لا إله إلا هو، يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير.
ومما تجدر الإشارة إليه أيضا هو أن جنصريق بادر بمجرد استقراره في إفريقيا الشمالية إلى تأسيس مملكة شبيهة بالممالك الشرقية في نظامها وتقاليدها؛ أو قل هي مملكة شبيهة بالممالك الإسلامية التي ستنشأ من بعده في هذه البلاد، فبينما كان الملك من قبله ينتخب بالنسبة للملكة الرومانية من طرف الشعب أو من طرف الجند، فإن جنصريق قرر العدول عن هذه الخطة التي لم تجن من ورائها الامبراطورية الرومانية إلا الخسارة والاضطراب، وأمر أن المملكة ستكون وراثية، بمعنى أن الملك الحاكم يعين أثناء حياته من يخلفه من بين أبنائه، حتى إذا مات، خلفه ولده الأكبر دون جدال أو نزاع.
هذا التدبير الذي ابتكره جنصريق لأول مرة في الحياة السياسية بالمغرب يعتبر بحق تدبيرا عبقريا وقانونا سياسيا ساعد من دون شك على الاستقرار السياسي في أيام الدولة الإسلامية المغربية من بعده.
ثم أن جنصريق لم يلبث أن تصدى لمقاومة كل ما يتصل من قريب أو بعيد بالديانة الكاتليكية نظرا لبعدها عن المبادئ الدينية التي كان الوندال يدينون بها؛ وهكذا عمل على إبعاد الرهبان المنتمين إلى الكنيسة الكاتليكية عن الكنائس الرسمية وعوضهم برهبان آريين في تلك الكنائس نفسها التي أصبحت منذ ذلك الحين تدعو إلى تقديس إلاه واحد، لا ثاني معه.
وفي خضم الاستعمار الروماني الغاشم كانت رومة قد أفسحت المجال أمام المستعمرين الرومانيين على حساب سكان البلاد الأصليين بإقامتها مستعمرات فلاحية كبرى كانوا يستغلونها عن طريق فلاحين ومزارعين صغار، كانوا يتحملون شتى المشاق والمتاعب في سبيل استصلاح تلك الأراضي الفلاحية الكبرى التي كان يعود مردودها كله على طبقة قليلة من البورجوازيين الرومانيين الذين فضلوا الإقامة في المدن حيث تروق لهم حياة البدخ والرفاهية والفراغ ... وأثناء هذه الظروف التي اشتد فيها حنق هؤلاء المزارعين الصغار على كبار الملاكين جعل مذهب الدوناتيين ينتشر في البلاد، وهو عبارة عن حركة دينية كأصحابها يتوجهون بالنقد اللاذغ للكاتلكيين، يعيبون عليهم عدم تمسكهم بتعاليم السيد المسيح، كما يعيبون عليهم إخلادهم إلى حياة التهتك والانحلال الخلقي5 ؛ ولم يلبث ذلك المذهب أن تسرب إلى نفوس المزارعين الصغار الذين أخذوا يتمردون على رؤسائهم بل على ممثلي السلطة الحاكمة نفسها؛ فلم يمض زمن طويل حتى انتشرت الاضطرابات في كل مكان وأضرب العمال والفلاحون عن العمل، وقلت الصادرات من حبوب وزيوت، وتدهورت الحالة الاقتصادية بصورة مهولة؛ ومعلوم أن إفريقيا الشمالية كانت تنتج كمية هائلة من الحبوب والزيوت، نجد دليلا على ذلك في كثرة الخوابي التي كانت تحتفظ فيها الزيوت والزياتين أو تسوق بواسطتها إلى الخارج، خاصة إلى روما عن طريق مدينة أستي   Ostie الإيطالية، كما يدل على  وفرة إنتاج الزيوت كثرة المصابيح الزيتية التي عثر عليها هنا وهناك أثناء الحفريات وخاصة في المنطقة الخاضعة لقرطاجنة، وكذلك صادف نتيجة هذه الاضطرابات التي عمت البلاد نقص ملحوظ في مادة المرمر والعاج والخيول والفيلة التي كانت تصدر إلى عاصمة الإمبراطورية الرومانية، كل ذلك نتيجة لانتشار المذهب الدوناتي في البلاد. ومما زاد في الطين بلة أن مروجي هذا المذهب ذهبت بهم كراهيتهم للرومان وبغضهم لكبار المزارعين الذين كانوا من المؤيدين طبعا لسياسة الرومان إلى التعرض للعربات التي كانوا يركبونها وإرغامهم على تركها للخماسين وصغار المزارعين، تشفيا فيهم، وانتقاما من ممثلي السلطة الرومانية الإقليمية كوسيلة للوصول إلى تحطيم النفوذ الروماني وتقويض دعائمه.
ومما لا شك فيه أن هذه الأحداث التي وضعت حجا لطغيان السلطة الرومانية في كل ميدان من ميادين الحياة هي التي حملت السكان على تغيير وجهتهم للحياة عامة وجعلتهم، إن صح القول، في حالة تأهب للإقبال على الدعوة الإسلامية بعد ذلك، والتمسك بتعاليمها السمحة.
وعليه فلا بد من الاعتراف بأن إقامة الوندال بالمغرب لمدة مائة عام لم يكن من شأنها إلا القيام بأعمال تخريبية مشكوك فيها، ومقاومة عنيفة للسياسة الرومانية، إنما كانت أيضا بمثابة عملية تمهيدية فريدة من نوعها إذ هي التي ستفتح الطريق أمام اللغة العربية لتستقر وللديانة الإسلامية كي تنتشر في ربوع إفريقيا الشمالية من أقصاها إلى أدناها.
وفي الختام لا يحق لنا أن نتساءل عما كان يمكن أن يكون لو أن جنصريق لقي حتفه في ذلك اليوم الذي كبا به فرسه، فلم ينهض من الأرض إلا وهو يعرج ؟ أجل لو مات من كبوته في الحين لاستحال إذ ذاك على الجحافل الوندالية أن تخترق البوغاز، ثم تنتشر في ربوع إفريقيا الشمالية كلها، ولما جرت أحداث التاريخ كما علمناها وحفظناها ... وبما أن الأيام كانت حبلى بهذه الوقائع فمن الجائز أن نقتنع بأنه لو لم يتحقق للوندال أن يكتسحوا إفريقيا الشمالية خلال القرن الخامس الميلادي لقدر لجنصريق آخر من أبطال هذا الوطن أن يتولى قيادة هذه الأحداث التاريخية طبقا لما توحي به إليه عبقريته وعبقرية هذا الشعب الأصيل ...
لو حدث ذلك لتغير بالفعل مجرى التاريخ بالنسبة لهذه البلاد، ولربما تمكنت من ربط حبل الاتصال بأحداث الشرق الإسلامي في ساعة مبكرة من التاريخ ... وما يدريك ؟.


1 – هو عنوان هذا البحث الممتاز "جفريق ملك الوندال" تأليف ف. فوتيي، استاذ بجامعة الجزائر، مطبعة بباريس 1932.
2 – والواقع أن الوندال لم يقوموا وحدهم بالأعمال التخريبية التي نسبت إليهم ظلما عبر التاريخ على لسان أعدائهم من مؤرخي الرومان، إذ كيف يعقل أن يقبل جنصريق على إتلاف مسافات شاسعة من المزروعات والأشجار والغابات كان هو الأول في أمس الحاجة إليها ليضمن لأهله وعشيرته العيش الهين الذي من أجله قرر العبور إلى إفريقيا الشمالية ؟ (انظر كتاب كريستيان كوروطوا بعنوان : "الوندال وإفريقيا" مطبعة الفنون والصنائع سنة 1955 بباريس).
3 – انظر "لإفريقيا الشمالية في العصر القديم" للمؤلف، طبعة دار الكتب العربية ص 118، سنة 1389هـ (1969م).
5 – هي حركة دينية سياسية تزعم قيادتها الرهيب الإفريقي "دونة" Donat ، فأصبح أصحابها يعرفون بالدوناتيين. وقد أنكرت هذه الطائفة بشدة على خصومهم من المسيحيين ما كان يتصف به هؤلاء من انحلال وتفسح في الأخلاق وبرودة فيما يتعلق بممارسة الشعائر الدينية؛ ثم أن هذه الحركة كانت ملونة بلون سياسي إذ اصبح الدونانيون بين المدن والبوادي للاعراي عن نقمة الطبقة الضعيفة من السكان على كبار الملاكين الذين كانوا يعيشون عيشة البدخ والرفاهية على حساب الأغلبية الساحقة من السكان.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here