islamaumaroc

الرؤية المستقبلية الإسلامية-2-

  دعوة الحق

202 العدد

المستقبلية الإسلامية :
إن المستقبلية الإسلامية اليوم يجب أن تكون لها أرضية صلبة تعتمد (أولا) على دراسة الماضي نفسه، (ثانيا) دراسة الحاضر بالمعطيات التاريخية والمقارنات المعاصرة اقتصاديا واجتماعيا وبشريا .. ليكون التصميم الاستقبالي تخطيطا يتجاوز الإسقاطات والتوقعات، مرتكزا على التطورات التقنية في العالم المتطور تقنيا، هذه الدراسات ذات الخيوط المتعددة والتي يجب أن تكون مستوفية للانطلاقات العلمية المتعددة مزاوجة بين العلم والدين الإسلامي، الذي يجعل الإنسان قوة خلاقة مبدعة يضفي على علمه (عبادة) الله أي تزويد الإنسان المسلم بشحنة ذاتية تربطه بإنسانيته والمجتمع الإنساني في انسجام كامل.
ومن السهل أن يتحرك المسلمون إلى المستقبلية بوضوح وفعالية ذلك لأن الذي يربط الإنسان بتاريخ وماض له هي ( الحقائق ) التي يتمسك بها الإنسان كصخور يعتبرها أساسا يشيد عليه مستقبله. والإسلام لا يرى في الوجود إلا حقيقة نسبية تتغير بتغيير الإنسان، ومن الحقيقة يستمد القيم والتوجيه في الحياة ليكون الإنسان في جدلية دائمة مع الكون يمارس حريته واجتهاداته ... والسنة النبوية أكبر عون على هذه الممارسة لأنها أقوال وأفعال وتقارير وهي النمط الحق لممارسة الحياة الإسلامية. وكان النبي صلى الله عليه وسلم الإنسان الكامل النموذجي كما كان الصحابة مثلا للعقيدة الإسلامية (والانتلجستا) التربوية لخلق جماعة مسلمة تشق طريقها على النمط الجديد دون مجادلة فكرية مع الاتجاهات الفلسفية والدينية الأخرى لتركز على الهدى القرآني والطريق المستقيم، واضعة سلطان العقل والتجربة فوق مختلف التجارب السابقة كتجربة العنصرية اليهودية وتجربة السلبية المسيحية، وغريزية الاستغلال الوثني للإنسان ... فكان السلوك الإسلامي أساس واقع جديد للإنسان ليعمل ويصنعا التاريخ بوعي جديد يضمن للإنسان الحرية والإبداع.
إن الإنسان المسلم طاقة قوية لأنه يستمد القوة من (وحدانية الخالق) ويختار لنفسه طريقة الخير واضحة ترضي الله ورسوله والناس أجمعين. وهو يعتمد عقله الذي يعمق إيمانه، وإيمانه الذي يضبط عقله.والمحجة التي يسير عليها الإنسان المسلم كالخط البياني لأنها سنة لها قواعد ذاتية من البداية إلى النهاية، فالزمان مستمر ومتطور وليس بزمان دائم يدور في حلقة مدار الأرض حول الشمس، ليكون دين تناسخ الأرواح، والقيم والأفكار. أن الاستقبالية الإسلامية امتداد واستمرار لأن الزمان في الإسلام امتداد له بداية، وله نهاية نسبية. فالموت نهاية زمانية للفرد، والثورة نهاية زمانية للدولة، والقيامة نهاية زمانية لوجود الإنسان على الأرض، ثم يبدأ الزمان الأخروي. وبذلك فالزمان وحدة عضوية مرتبطة بعقل الإنسان وشعوره ... والإنسان في مسيرته الزمانية والمكانية خاضع لنوامس الضرورة، والعلة، والحتمية، والصراع الطبقي، والكفاح الدولي، ولكن إرادة خالقه وقدرته تشمل كل اتجاهاته وأعماله، فعليه أن يحرك التاريخ وفي نفس الوقت أن يدين بالقدر الإلاهي. ولهذا فالسنة في الإسلام هي قواعد الخلق وقوانين الكون المرتبطة بإرادة الله وقدرته. إن هذه الفلسفة الإسلامية تعطي للإسلام مفاهيم واضحة فهو دين شامل للوجود، وعام لكل التطورات، وهو حيوية وصراع وحركة دينمية، ثم وهو في نفس الوقت قوة تحول دون سيطرة الإنسان على الإنسان. وبذلك تقف في وجه الاستبداد في ثورة استمرارية، وتقر العقلانية والوجدانية في ذات الإنسان ليفكر حرا ويؤمن حرا ويقاوم العبودية السياسية والاقتصادية.

الثورة الإسلامية المستقبلية :  
الإسلام ثورة استمرارية للدفاع عن الفرد المسلم والجماعة الإسلامية. وكان منذ بدايته خطرا على الاستغلال والعبودية. فقد قاوم (الملا المكي) البرجوازي وقاوم أدب الأرستقراطية الجاهلية التي جعلت من الأدب الجاهلي معبرا عن سيادتها وخصالها، فشذب هذا الآداب ليقر الالتزام التعبيري في خدمة المثل العليا للفرد والمجتمع.
وإذا كانت الإيديولوجية هي البنية الفوقية التي تستخلص مما للشعوب من عقائد واتجاهات وأفكار ومصالح اقتصادية واجتماعية، فإن الإسلام أشمل من الإيديولوجية، لأنه لصالح قضايا المجتمع البشري كافة لا في مرحلة خاصة من مراحله. وشريعته قادرة على استيعاب نواميس التطور، وعامل الدينمية والفعالية، لأنها تحمل جذور العطرة الإنسانية دون التضحية بمكتسباتها العرفية ... وتاريخ الشعوب التي دخلت الإسلام شاهد على ذلك، لأن التاريخ مختبر لكل الحركات والاتجاهات. وقد بلور الإسلام هذه الشمولية سواء في لغة القرءان الكريم الذي فسح تعابيره لكلمات حبشية وأرامية ونبطية ورومانية كدليل على التفتح اللغوي لكل الشعوب، وفسح لأحكامه المجال لتطوير التشريع، وفتح لثقافته الإيبسيمولوجية الديانات المختلفة، وفسح للعقل مجال الفهم والنقد.
وإذا كانت الانطلاقة الإسلامية تبدأ من النظرة الاستقبالية لتعود إلى الأصول السلفية الأولى، فهي تعتمد نظرة جديدة في الإنسان، وفلسفة الوجود، لأن التاريخ مختبر لكل الحركات والاتجاهات. وقد بلور الإسلام هذه الشمولية سواء في لغة القرءان الكريم الذي فسح تعابيره لكلمات حبشية وارامية ونبطية ورومانية كدليل على التفتح اللغوي لكل الشعوب، وفسح لأحكامه المجال لتطوير التشريع، وفسح لثقافته الايبستيمولوجية الديانات المختلفة، وفسح للعقل مجال الفهم والنقد.
وإذا كانت الانطلاقة الإسلامية تبدأ من النظرة الاستقبالية لتعود إلى الأصول السلفية الأولى، فهي تعتمد نظرة جديدة في الإنسان، وفلسفة الوجود، وايبستيمولوجية المعرفة، وتطور علوم الكمو والتحليل الذري. وإذا كانت المعرفة ضرورة إنسانية، فالدين ضرورة إنسانية كذلك يستوعب المعرفة ويتخطاها إلى العبادة لإقرار سلام عادل مستمر لا يظلم الناس فيه شيئا.
وعلى المسلمين أن يحتفظوا بجذوة الإسلام ليستمروا في ثورة نفسية تعلن عن نفسها بسرعة وفعالية كلما ديست كرامة الإنسان وفرض عليه أن يرتبط بتبعية سياسية وثقافية واقتصادية واجتماعية ... والإسلام ليس منغلقا على نفسه داخليا ولا خارجيا، وإنما هو متفتح عندما يملك وسائل إثبات الذات والرغبة في التفتح. ولقد برهنت التكتلات الاستعمارية الواعية، وظهر ذلك جليا في أندونيسيا والفلبين والباكستان والبانكلاديش وإيران ونيجيريا والسنغال.
إن الإسلام إما أن يكون أو لا يكون، وشروطه هي فعاليته، وفعاليته هي وجوده وحضوره سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وتربويا، فلذلك لا ينفصل الإسلام عن السياسة وهذا ما يستلزم دستورا إسلاميا لحكومة وطنية إسلامية تملك وسائل إخراج الأمة من أزمة الوضع التاريخي والمرحلي الذي وضع فيه الإسلام قسرا إلى وضع (المعاصرة) في واقعية ومن مطل علمي ... ولذلك فإن الديمقراطية بشكلها ومضمونها الغربي التكتلي لا تنسجم مع طبيعة الإسلام الواقعية، والاشتراكية بمضمونها الغربي لا تنسجم معه كذلك ... فهو في حاجة إلى حكومة إسلامية أصالة ومضمونا تعمل وتنفذ وفق رغبات الممثلين الحقيقيين للشعب، على أن تكون الحكومة نخبة من الشعب منتخبة بإرادته ومتمتعة بثقته ... وعلى أن تعود الجماهير إلى النادي الأكبر، إلى المسجد لتمزج بين الإيمان والقول، وبين القول والالتزام، وبين الالتزام والعبادة، وتحرس يقظة مصالح الأمة مقاومة الاستعمار بمختلف صيغه وأشكاله، ومقاومة كلاب الحراسة الذين يرصدهم الاستعمار فيعملون بوحيه وإرادته.
إن كل إصلاح في عالم الإسلام يجب أن يأخذ باعتبار ثقافة الإسلام كأساس للتوعية الشعبية وتنظيم أسس التحكم وتبسيط البيروقراطية وإعادة الفلاحة للازدهار والفلاح لمكانته والموظف لمسؤولياته والعامل لنشاطه والاقتصاد لنزاهته والتربية للتكوين الأصيل والخلق السليم، والإعلام لخدمة الشعب لا لتضليله واستيلابه. ومن هذا المطل الحضاري سنقبض على ناصية الموضوع لنعود إلى دينمية  الإسلام في تعامل كيميائي مع الأحداث المعاصرة والتاريخ. فالغلاف الديني هو الغلاف الاجتماعي والاقتصادي والسياسي لجعل الجماهير قادرة على تحقيق أهدافها في وحدة دينية لا تقر إسلاميين متواجدين في مكان واحد : إسلام موظف، وإسلام شعبي. وتكتل الجماهير الإسلامية في موقف إيجابي عملي غير تجاوزي لتبقي هيمنته الإنسانية الإسلامية مدافعة عن كرامة الإنسان وحريته. وليبقى دين (المستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا)... وسوف يعلم المثقفون الذين لم يتمكنوا من دراسة الإسلام أن الإسلام قادرا على تحرير الشعوب والأفراد، وأنه التزام الحرية الإنسانية وكرامة الشعوب، وأنه عبادة وفناء في مصلحة الإنسان، فقد أخطأ الذين يرون أنه ماركسي أو أنه ليبرالي. وكذلك الذين يخافون أن يسقط اليسار العربي في الخط الإسلامي، وهو يبحث المادية الجدلية في الإسلام؛ ويحاول خلق المعايير بينهما لتأسيس جدل إسلامي ماركسي، يمزج بين الموقف (الإيديولوجي والموقف الإبستيمولوجي). فقد رأى الدكتور حسين مروة في قراءته المنهجية في كتابه (النزعات المادية في الفكر العربي الإسلامي)  عدم صحة المقارنة بين الماركسية والإيلام، وكما رأى ذلك : الدكتور طيب تزيني في كتابه (مشروع رؤية جديدة للفكر العربي في العصر الوسيط) ومن (التراث إلى الثورة).
ويخطئ كذلك الذين يرددون مع رودسي ما يتهم به الإسلام من أنه ثورية ورجعية قائلا : (يعتبر الإسلام عاملا محركا للجماهير في اتجاه ثوري. ولكن علينا أن نكون حذرين. فإذا اختل التوازن بين علماء الدين الرجعيين والثوريين فإن هذا الاختلال سيكون لمصلحة الرجعيين منهم. وبشكل عام من الأسهل استعمال الدين رجعيا). ويزيد قائلا : "كذلك الحال في المسيحية خلال القرون الوسطى. فمعظم الانتفاضات حتى الثورة الفرنسية قامت باسم المسيحية. كان شعار هذه الحركات أن المسيح لم يأمر بتقسيم المجتمع بين نبلاء وفلاحين أو عبيد. ولكن كذلك باسم الإنجيل ضربت أحيانا بعنف معظم الحركات".
إن هذه المقارنات لا مجال لها إطلاقا في الدين الإسلامي لأنه ليس أداة للاستغلال، وإنما هو حركة شعبية استمرارية لتحرير الشعوب. وأنه ليس دين بمفهوم تعريف الدين في المعجم الغربي.

تاريخ المغرب والمستقبلية :
لقد حرص المغاربة منذ فجر تاريخهم على التخطيط للمستقبل ... وعرفت كل حركة سياسية بسبق إيديولوجي لتخطط للمستقبل ... فالدولة الإدريسية التي أذاعها (إدريس الأول) في رسالته التاريخية، وكذلك فعل ابن ياسين في دولة المرابطين والمهدي ابن تومرت في دولة الموحدين وطمح ابن باجة أن يحقق مدينة فاضلة على غرار المدينة الفاضلة للفرابي وأفلاطون.
وليس معنى ذلك أن المغاربة ذوي تفكير طوباوي ولكنهم كانوا يرغبون في تكوين (بنية اجتماعية) سليمة محكمة النظام لأن الثقافة جوهر المجتمع. وهي أساس المساواة والعدل والاستمرار،ولهذا فقد اعتمد (الموحدون) المغاربة على أسس النظام الذي يراد به الإسهام في التوجيه التربوي واستمرارية (الثورة) التي لا تعني (الفوضى) ولكن تعني (استمرارية البناء).
إن النظام الإسلامي بمفهومه الحق ليس مجرد سرد الكلمات والإغراق في تصوف أو العقلانية،
أو الذاتية الشخصية، بل إن هذا النظام كفيل بإصلاح (الإنسان المسلم) سواء بالنسبة للعبد الذاتي الداخلي أو للعبد الذاتي الخارجي. وسواء بالنسبة لفرديته أو لمجتمعه ... وسوار كان الإصلاح سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا ... ولذلك فإصلاح المسلم يتحقق على أساس توازن القوى، والمزاوجة بين الفرد والجماعة وهذا التعديل لن يكون إلا بالقوة لأن الإسلام ليس صياغة (موعظة الجبل) وإنما هو قوة التحدي والمواجهة لكل (القوى المحاصرة) والتي باتت الآن واضحة في الاستعمار بمختلف أشكاله.
إن الحكم في الإسلام يعني تطبيق التعاليم والمبادئ الإسلامية على الأمة الإسلامية. وليست هذه محاولات نظرية فقد عرف تاريخ الإسلام حكومة استطاعت أن تبرهن عن إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية بسهولة ويسر وبساطة ... وأن تتمتع الأمة المسلمة بالعدالة والحرية والمساواة ... وكانت الدولة الإسلامية في شكلها ومضمونها دولة ديمقراطية شورية يختار فيها الشعب حكامه ليقيموا (شريعة الله) فيما يتعلق بالثوابت من القواعد الإسلامية، ويجتهدوا في قضايا الإنسان المعاشة ومعاملاتهم العادية، بل يطبقوا تعاليم القرءان بحذافيره، وشريعة الله متكاملة كما يقول الغزالي وابن تيمية، إنما تؤخذ كلها دون تجزيء.
 غير أن العلاقات بين عالم المسلمين وغيرهم وضعت سياسة الحكم الإسلامي في عدة تناقضات. ذلك أنه دين لإسعاد الإنسان ضمن المجموعة البشرية ومن تم فالقومية والاشتراكية والوطنية إنما هي أطر وشكليات. ولهذا فالحكم في الإسلام اليوم يتصارع بين أصولية رادكالية سلبية، وبين قومية ولبرالية. فالسلفيون يرون أن الإسلام يسعى لإسعاد الإنسان دون اعتبار للقومية والاقتصاد بينما القوميون يرون ضرورة إحلال القومية كأساس لتنظيم المجتمع المسلم، والاشتراكيون يؤكدون على اقتصاديات الشعوب لتحقيق سعادتها ... ولذلك فإن انصهار تجديد وعصرنة للأمة الإسلامية عن طريق بلورة نظام الحكم وتحقيق معادلة مستوحاة من فلسفته ...
وقد كان المصلحون المسلمون يرون في فتح باب (الاجتهاد)  وسيلة للتجديد. وأكدت حركات التاريخ أن (الثورة) هي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ المسلمين عن المؤامرة الاستعمارية التاريخية الكبرى عن طريق المسارعة باتحاد المسلمين والعالم الإسلامي عن طريق تطوير نظام الحكم على أساسه الإسلامي.

تغيرات استقبالية في الحضارة الغربية :
سيشاهد القرن الواحد والعشرون تغيرات كثيرة تتمثل في الثورة الصناعية، فهذا القرن استمرار للقرن العشرين، الذي كان عصر التقنيات، بينما كان القرن التاسع عشر عصر العلم والمعرفة ولهذا فإن الثورة الصناعية ستظهر في مختلف القطاعات .. ففي ميدان (التغذية) ستظهر ثورة صناعية تعتمد على الكهرباء الذرية ... كما سيتقدم علم ارتياد عوالم الفضاء، واستغلال الطاقة الشمسية، والغيوم الاصطناعية، واستغلال الطاقة الشمسية، والغيوم الاصطناعية، وبناء حضارة صحراوية وبحرية، بعد أن ضاق المعمور بالسكان وهذه الثورة الصناعية ستغير (النظام الحضاري) حيث سينعكس ذلك على التفكير والعقل، وهذا ما سيدفع إلى إحداث ثورة تربوية وتعليمية حيث يخضع العقل نفسه للدراسة من أجل تطوير التعليم وتغيير اتجاهاته حتى يلائم المستقبل العلمي الجديد.
إن الثورة الصناعية الاستقبالية هادفة إلى أن تحقق عالما تنجزه التقنية المعاصرة. وذلك أن تحقق عالما تنجزه المعاصرة. وذلك عن طريق البحث عن مصادر جديدة للطاقة حتى يمكن توفر تغذية صحية جيدة تحفظ للجسم البشري قوته الطبيعية، وتوفر تغذية فكرية بالتربية والتعليم مزيدا في البحث في علم (الاجتماع) هذا العلم الذي نهمله إهمالا كليا في بلادنا، ومن ثم نعرض شعوبنا للإستيلاب وتحكم الغير. فالدراسات الاجتماعية تهدف إلى معرفة الفرد في المجتمع وحركة المجتمع عن فهم مثله العليا ومشاركة الأفراد. لقج كان التطور والتغيير الاستقباليين يحدث تحت وطأة الظروف والمناسبات، وكان تطلع الإنسان القديم لمعرفة المستقبل عن طريق النجامة والعرافة ...ثم تطلع بعد ذلك ليعيش حياة أفضل بما عبر عنه (بالثورة المغيرة) (أي التطور الطبيعي) ويعني بذلك بتدخل (العقل) أو بحركة التدرج والتطور وبتدخل العقل في المجال الطبيعي. أما الآن فقد أصبح التغيير التربوي أجدى بعد ظهور تحديات عوامل مختلة بالتفجير السكاني، وتناقص المواد الطبيعية وتلوث البيئة، وتقدم المدن وتزايد العنف، والحروب، ولذلك فقد أصبح لزاما البحث في المستقبل على أساس علمي متأصل في العقلانية ومتلائم مع الثقافات وتوفر الموضوعية والواقعية والابتهاج العلمي، حيث يمكن أن نخطط للمستقبل بشمولية وتعاون واستغلال تام لإمكانات مجتمعنا وأرضنا بشريا وإنتاجا. إن النمو الديمغرافي والتقدم  التقني والخوف من المصير بعد انتشار وسائل الدمار والخراب حقق كل ذلك هموما معاصرة وتطلعا إلى مستقبل إن لم يكن أحسن فلا اقل من أن يكون واضحا ...
لقد أصبح التنافس بين الشعوب يذكي المغامرة الاستقبالية لتخرج من وطأة (التخطيط الاجتماعي) (والخيالية العلمية) وساعدت التكنولوجيا الحديثة بما فيها من أوطوماتية وسيبيرنية وإلكترونية على تحريك عقل الإنسان لنمو المعرفة بمختلف فروعها حتى يستفاد من المهارات والخبرات. ولن يتغير المستقبل إلا على أساس (ثورة تربوية) وبناء تعليم الغد على العلم والتكنولوجيا والثورة الصناعية ... وليس العلم هو التكنولوجية هي ولا التكنولوجية هي العلم، بل التكنولوجية مظهر من مظاهر العلم ...فالعلم قد يكون إنسانيا وقد يكون تكنولوجيا، ولذلك فحضارتنا الاستقبالية تطبع العلم والتكنولوجيا بإنسانية الثقافة الإسلامية، ولن تكون ثورة تربوية إلا على أساس تغير وسائل المعرفة، وتغير معرفة المعرفة بتطوير الفكر عن طريق معرفة (الدماغ الإنساني) والبحث في خلاياه عن طاقات جديدة، وعلى ضوء الدراسات البيولوجية في الدماغ مع تحليل ابستمولوجية المعرفة المتعلقة بذلك ستغير طرق المعرفة ذاتها، ومن هذا ستغير تبعا لذلك أسلوب التعليم والتربية والتلقين والتوجيه الداخلي الذاتي، والتوجيه الخارجي عن الذات ...
وهذا التحليل الجديد للمخ ومعرفته بدقة واستغلاله إلى أبعد حد سيتم أيضا على أساس التحليل النفسي الوجداني واستقلاله مع تأكيد صلاته الدينية والاجتماعية واللغوية ...إذ أن تطور آلات التحليل الإشعاعي والإلكتروني وبالأخص في ميدان (البيولوجية) مكن من معرفة الخلايا والهرمونات المخية حيث أتاح للباحثين المربين معرفة دقيقة بطريقة المخ في تسجيل الأحداث والصور والزمان والمكان وغير ذلك ...وبدلا من اصطناع (المقولات) لاقتباس المعرفة أصبحت وسائل أخرى أدق وأشمل لمعرفة المعرفة ... بل سوف يتغير نشاط أجهزة الدماغ تبعا للاستفادة من إفراز مواد كيميائية خاصة، فمثلا مادة A.D.N أيNucleiqui desoxyribo a cide وهو المكون لجزء أو لمعظم المواد المكونة (كروموزوم)Chromosomes وجنيز  des guenes  وهذا الجهاز قادر على امتصاص آلاف المسميات عندما نحس الاستفادة منه. وقد أئبت أن هذا المركز المخي يقتنص آلاف الكلمات كما أشارت الآية القرآنية إلى ذلك في قوله تعالى : "وعلم آدم الأسماء كلها" وفي قوله تعالى :"قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفذ البحر قبل أن تنفذ كلمات ربي ولو جئنا بمثله مدادا".
وتوضح البيولوجية ذلك بأن الحوامض الفوسفورية التي تعتبر من المكونات الأساسية لنواة الخلية هي في الواقع جزيئات كبيرة ناتجة عن تكثسف خطى للأجسام المسماة "النوكليوتيد"  Les nucleodes وهذه الأجسام بدورها مكونة من تكتيل السكر والسودة الازوطية وبين مجمع الذرات الفسفورية ويتكون هذا التكتيل بواسطة مجموعة فسفورية تضم السكريات إلى بعضها جاعلة منها سلسلة من النوكليوتيد وتحتوي جزيئة A.D.N على أربعة أنواع من (النوكليوتيدات) المكونة لكل منها وتسمى هاته السودات (بالادين)   Adénine السيطوزين     Cytosine التيمين  Thymine والكوانين Cuanin ويرمز لها في الأبجدية السلالية (الوراثية A.G.C.T. هذا ولأسباب حجمية تتجمع الأدنين مع التيمين والكوانين مع السيطوزين. وتتكون A.D.N من (ليفبتين) متعددة النيكليوتيدات مجتمعتين فيما بينها وذلك عن طريق اجتماع الادنين مع التيمين والكوانين مع السيطوزين ثم التيمين مع الادنين والسيطوزين مع الكوانين مما يجعل اللفتين متكاملتين ويتم تكاثر جزيئة A.D.N به بافتعال اللفتين وتضاعف كل منهما فينشأ عن ذلك تواجد جزيئتين جديدتين تحتوي كل منهما على ليفة من الجزيئة الأم وليفة جديدة التكوين. ومن خصائص هاتين الجزيئتين أنهما متطابقتين ومطابقتان للجزيئة الأم، وقد يحدث (تغيار إحيائي) في هيكل الجزيئة بسبب حوادث عديدة عند التكاثر مثلا :
ويتبين من هذا التحليل البيولوجي مدى إمكان استغلال هذه الدراسات في ميدان البيولوجية التربوية فيصبح التعليم بذلك نقطة انطلاق لتطوير الفكر المستقبلي وليطور هو بنفسه العلوم حتى يتأتى تغيير الواقع فالتعليم في المستقبل سيتجاوز التلقين إلى التصوير وتكوين الملكة والشخصية لمواجهة التطورات العلمية أيضا في عملية جدلية بين الإنسان والطبيعة والمجتمع.

النظرة البيولوجية المستقبلية :
إن تطور البحث العلمي معتمدا على التكنولوجية الحديثة ساعد على تطور التحليلات البيولوجية التي أصبحت أساسا لتفسير الحياة الإنسانية، ولذلك فالبيولوجيون اليوم يضطلعون بمهمة قيادة الإنسان .. فهل سيتطور هذا العلم للتدخل المفيد في الحياة الاجتماعية .. وما دام العلماء في القرن التاسع عشر استطاعوا إرجاع الأخلاق والسياسة إلى علوم  الحياة فإن القرن الواحد والعشرين سيرجع علم البيولوجية .. ومن ذلك يصبح من الإمكان تصميم المجتمع وإخضاعه لنظام عقلاني.
أن علم (الاجتماع البيولوجي) سيعتمد استقبالا على جينيتيكية السكان، وعلى علوم البيئة والعادات. ليتطور الإنسان (المستقبلي) على أساس قوانين الوراثة (جينيتيك) وقوانين الطبيعة : (البيئة) والعلاقة الجدلية بين الإنسان والكون .. وهذا المذهب التطوري الجديد سيكون نتاج (الاجتماع البيولوجي) ليوضح الوجود الإنساني وطبيعة الأخلاق، والعلاقات الإنسانية والعلاقات بين المكان والزمان والإنسان .. وبذلك يستطيع (علماء النفس) تحليل الطبائع الفردية (كالجنس، والخلق، والابتكار، والحرب، والعدوان، والاثره، والإيثار، والتوازن الذاتي وعلاقته بالتوازن الاجتماعي).
وهكذا سيملك الإنسان السيطرة على طريق التطور، ويصبح علماء الاجتماع البيولوجيون هم علماء الأخلاق الجدد. وسنضطر لمراجعة كل المذاهب الأخلاقية والاقتصادية والاجتماعية التي لا ترتكز على الاجتماع البيولوجي، وبهذا سيفقد الفنانون والأدباء القدامى مراكزهم فلن تعود القيادة لأدب هوميروس، والمتنبي وطاغور، وشكسبير، وتوكوستي، لأن هؤلاء لم يكونوا على علم بالتحليلات البيولوجية وبالأخص في (الجينيتيك) و(الكروموزوم) مثلا.. أن الفرد هو خلية صغرى في المجتمع، لا يعمل إلا مع الخلايا ... ودوره إنتاج جينات فردية متأثرة بجنيات أخرى عموديا وأفقيا لتستمر متحركة في المجموعة البشرية الكبرى.
إن هذه (الجينات) (الجنيات !! ) هي التي تعبر عن عبقرية النخبة القيادية في الهيكل العام من أنواعها المتعددة. وكأنها مجموعة من النحل تخضع لليعسوب، وليس هذا تعبيرا أساسيا، عن قيادة النخبة، ولكنه تعبير بيولوجي عن نشاط النخبة .. وهذه الطبيعة هي التكييف الجينيكي في طبيعة المجتمع للمسيرة الإنسانية التي هي مجموعة من العلاقات والتصرفات وسوف تفسر أعمال العقل الباطن الإنساني المجتمعي بالدين الذي تعبير للسلوك الأخلاقي الإنساني، حتى نعرف أسباب تحريم المحرمات بيولوجيا .. فالزواج من الأقارب المحرمات مثلا يوجد في بعض الحيوانات لأسباب بيولوجية .. وهذه التفسيرات ستعطي للمستقبل مفاهيم جديدة للقيم والمثل الإنسانية العليا التي لن تصبح مجرد عادات وراثية وتعاليم نابغة عن مصالح اقتصادية ... بل ستغير النظرة للموضوع.
ولهذا، فهذه الدراسات والأبحاث البيولوجية المحلية ستعين على برمجة العقل كما تبرمج آلات (الكمبيوتر) و(الاردناتور) فيتطور الذكاء الطبيعي ويستغل الذكاء الصناعي بتنظيم الفكر، واستغلال خلايا الدامغ استغلال قويا بدل أن يستغل منها الآن (عشرها) عند معظم الناس، وسوف يتعلم (العقل) كيف يفكر، وكيف يتعلم، ويلقن الخلايا  المخية منذ عهدها في (الرحم) دروسا لتعد الناس في المهد صبيا)، إن هذا الحدث الماضي الذي كان معجزة للنبي (عيسى) قد يصبح (معجزة) الإنسان كله في العلم المستقبلي أيضا. وأن المربين يجدون بعد هذه الدراسات العلمية قادرين على تربية الوجدان الداخلي وتنمية المهارات، والذكاء .. واستمرارية التكوين الشامل العام في الحياة الاجتماعية سواء على الصعيد السياسي بتنمية الحرية، أو على الصعيد الاجتماعي بتنمية العلاقات وضبطها أو على الصعيد الاقتصادي بتنمية الاكتفاء الذاتي ...وإذا كان في الكون طاقات متعددة لا حصر لها فإن طاقة البشر لا حد لها كذلك، فالمواد البشرية عن عقل وإيمان تنمو بالتعليم والتربية ... والتأمل والدين الصوفي وبالتفكير والغريزة، وهي لا يمكن أن تسمو وحدها بل بنظام (التكوين الاجتماعي العام) فالإنسان لا يعيش وحده، والمعرفة لا تسمو وحدها، بل لا بد من الحوار المستمر ليمكن أن يحقق الإنسان معجزة وجوده على الأرض، فالتنمية الاجتماعية تتحقق عن طريق (القانون)، والشرع و(الأخلاق) ... القانون الذي نريد به التنظيمات الاجتماعية المتغيرة، والشرع الذي نريد به التنظيمات الاجتماعية القارة، والأخلاق التي نريد بها التكوين المستمر عن طريق السلطة (الذاتية) الداخلية في الإنسان ... وتستمر فكرة العيادة وسيلة لحفظ الثقافة من التردي والاستلاب ليظل كل إنسان واعيا قادرا على تقرير مصيره ... فكل مجتمع يقرر مصيره بأفراده، وإلا فسيقرر مصيره الآخرون ... وتلك هي العبودية الرخيصة.
إن الإنسان المسلم طاقة قوية لأنه يستمد القوة من (وحدانية الخالق) ويختار لنفسه طريقه بعد أن هداه خالقه النجدين ويصنع مصيره دون معارضة الخالق، أو تحدي لإرادته لأن طريق الخير واضحة ترضي الله ورسوله والناس أجمعين. وهو يعتمد عقله الذي يعمق إيمانه، وإيمانه الذي يضبط عقله.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here