islamaumaroc

أقدم عالم مغربي وصلنا تراثه: أبو الربيع سليمان ابن سبع الستي -3-

  دعوة الحق

202 العدد

د- المآخذ التي أخذت على ابن سبع.
ورغم أهمية الكتاب -حسبما وصفناه1 -فقد أخذت على ابن سبع مآخذ منها:
1- إيراده الأحاديث مجردة عن الإسناد.
2- إغرابه في بعض الأحاديث.
3- أنه لا يتعقبها بتصحيح أو تضعيف2
أما عن إيراده الأحاديث مجردة عن الإسناد، فهذا لا يختص بابن سبع، بل أكثر علماء السيرة  سلكوا هذا المسلك3 ، وقد حاول القاضي عياض- في كتابه "الشفا" -أن يتخلص من هذه المؤاخذة فلم يستطع، ولم يسند من الأحاديث التي أوردها -على كثرتها- إلا نحو ستين حديثا4 .
وقل مثل ذلك في عيون الأثر لابن سيد الناس، الذي حاول نفس المحاولة5 ، ولعل عذرهم في ذلك صعوبة التطويل التي تواجههم في طرق الإسناد، وخصوصا في مثل كتاب ابن سبع الضخم، الذي مر بنا أنه يقع في خمسة عشر مجلدا6، وتقدر صفحاته بآلاف الصفحات .
وأما إغرابه في بعض الأحاديث، فقد أشرت -سابقا- إلى أن جملة منها أحاديث في فضائل7 الأعمال، وأكثر العلماء على أنه يجوز العمل بالحديث الضعيف في فضائل الأعمال -كما عند ابن عبد8 البر وغيره.
وكذلك ما جاء من أخبار في أوصاف الناس وأيام العرب وسيرتهم، وما يجري مجرى ذلك، فقد تسامح كثير من العلماء في حمله عمن لا تحمل عنه الأحكام، وممن حكى عنه الترخص في ذلك الإمام أحمد بن حنبل9
وهناك أحاديث ذكروا أنها موضوعة تابعه عليلها عياض في الشفا10، والقسطلاني في المواهب11، وقد حاول شراح الكتابين أن يجدوا لها مخرجا12، ولكن ليس كل داء يعالجه الطبيب.
أما بالنسبة للمؤاخذة الثالثة -وهي أنه لم يتعقب ذلك بتصحيح أو تضعيف- فربما كانت العلة في ذلك صعوبة التطويل أيضا، والحقيقة أن ذلك ليس مبررا، وقدر النبوة أسمى من أن يحتج له بالأحاديث الضعيفة، والتأويلات الواهية- كما يقول الذهبي-13.
ولنذكر من الأحاديث المطعون فيها -على سبيل المثال- حديث كعب الأحبار، قال: "لما أراد الله أن يخلق محمدا -صلى الله عليه وسلم- أمر جبريل أن يأتيه بالطينة التي هي قلب الأرض وبهاؤها ونورها، قال: فهبط جبريل في ملائكة الفردوس، وملائكة الرفيق الأعلى، فقبض قبضة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من موضع قبره الشريف، وهي بيضاء منيرة، فعجنت بماء التسنيم، في معين أنهار الجنة، حتى صارت كالدرة البيضاء، لها شعاع عظيم، ثم طافت بها الملائكة حول العرش والكرسي، وفي السماوات والأرض، والجبال والبحار، فعرفت الملائكة وجميع الخلق -سيدنا محمدا- صلى الله عليه وسلم- وفضله قبل أن تعرف آدم -عليه الصلاة والسلام 14".
وقد تابعه على ذلك العارف الرباني أبو محمد ابن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس"15، ونقله صاحب المواهب دون أن يتعقبه بتصحيح أو تضعيف، لكن شارحه أبا عبد الله الزرقاني ذكر عن بعض العلماء أنه قال: إن هذا لا يقال من قبل الرأي -يعني فهو إما عن الكتب القديمة، أو عن المصطفى - بواسطة، فهو مرسل، وقد ضعفه بعضهم أشد الضعف، ورد ذلك الشارح الزرقاني -قائلا: وتضعيف بعض المتأخرين جدا له - باحتمال أنه من الكتب القديمة، وقد بذلت -غير مسموع، فالتضعيف إنما هو من جهة السند، لأنه المرقاة، وليس كل ما ينقل عن الكتب القديمة مردودا بمثل هذا الاحتمال16 .
ومن ذلك أيضا حديث الحجب السبعين ألفا، الوارد في قصة الإسراء والمعراج، يرويه عن ابن عباس عن علي قال: سلوني قبل أن تفقدوني، سلوني عن علم لا يعلمه جبريل ولا ميكائيل، أعلمني رسول الله مما علمه ليلة الإسراء، قال: علمني ربي علوما شتى، فأعلمني -صلى الله عليه وسلم- قال: كنت نورا في جسد إبراهيم، وذرة في ظهره، فلما عارضه جبريل -وهو في المنجنيق- فقال له: يا خليل الرحمان، هل لك من حاجة، قال: أما إليك فلا، فعاد إليه ثانية -ومعه ميكائيل- فقال: لا إليك ولا إلى ميكائيل، فعاد إليه الثالثة فقال: هل لك من حاجة إلى ربك، قال: يا أخي يا جبريل، من شأن الخليل أن لا يعارض خليله، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنطقني الله أن قلت: إن بعثني الله نبيا، واصطفاني بالرسالة، لأ جازين أخي جبريل، وكان السفير بي إلى ربي، إلى أن انتهى إلى مقام، ثم وقف عند ذلك، فقلت: يا جبريل، في مثل هذا المقام يترك الخليل خليله، فقال: إن تجاوزت احترقت بالنور، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: يا جبريل، هل لك من حاجة إلى ربك -الحديث17 .
ذكره عن ابن سبع أبو الحسن علي بن غالب في كتاب ألفه في الموضوع18 . ونقله القسطلاني عنه في المواهب، وقال: إن العهدة في ذلك عليه19 .
وأورده النعماني -تلميذ ابن حجر- بطوله في نحو ورقتين20.
وقد تعقبه أبو عبد الله محمد بن يوسف الشامي، وبالغ في نقده حتى قال: إنه كذب بلا شك21.
ولا ندري كيف يكون كذبا -ويتواطأ هؤلاء الشيوخ على نقله، ويطبقون بالسكوت عنده، وقد جمع ابن غالب رواياته، وحاول النعماني التوفيق بينها فيما يذكر الزرقاني22 ، ولم يكتف بهذا، بل قال: إنه لا يستبعد وقوع هذا كله في بعض  ليلة23 .
ولعل الذي جرأ الشامي على هذا الهجوم العنيف، قول القسطلاني -بعد أن نقل الحديث أن العهدة في ذلك عليه، وعلل ذلك بأن تكثير الحجب -الآنف الذكر- عن ابن سبع- بواسطة ابن غالب-: لم يرد في طريق صحيح، ولم يصح في ذلك غير ما في مسلم -يعني في الإيمان عن أبي موسى الأشعري24. وهذا لا يعني أنه كذب صراح -كما زعم الشامي-.

هـ- بين شفاء ابن سبع وشفاء عياض:
أشرت سابقا25 -إلى أن لابن سبع أثره القوي في كتب السيرة، وأفاد من كتابه "شفاء الصدور" كثيرون، في مقدمتهم القاضي عياض في "الشفا"، وقد تأثر به شكلا وموضوعا، والغريب أنه لم يذكره ولو مرة واحدة في كتابه هذا، ولم يشر إليه لا من قريب ولا من بعيد! ولعله اكتفى بهذه العبارة المجملة التي أوردها في المقدمة: 
(... وأن أجمع لك ما لأسلافنا وأيمتنا في ذلك من مقال26...).
أما من حيث الشكل، فنجده يحاذيه في كثير من تقسيمات الكتاب، وجملة من أبوابه وفصوله ... حتى أن الباب الأخير من كتاب "شفاء الصدور" -وقد عقده لبيان وجه الحكم فيمن سب النبي صلى الله عليه وسلم أو انتقصه27، جعله عياض القسم الأخير28 من كتابه "الشفا" وتوسع في ذلك أكثر من ابن سبع، وربما اكتفى بتلك الإلمامة القصيرة في الموضوع، لأنه أقرب إلى الفقه، منه إلى السيرة.
وأما من حيث الموضوع، فيكفي أن نحيل القارئ الكريم ليقارن فقط بعض موضوعات الباب الرابع من القسم الأول في كتاب شفا عياض، التي نجملها فيما يلي:
- معنى المعجزة29 - إعجاز القرءان، ووجوه إعجازه30 - دلائل نبوته31 - صلى الله عليه وسلم - مع القسم الأول32 من "شفاء
الصدور" مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم (1383ك) على أننا نجد لعياض في مواضع من كتاب "الشفا"  تنكيتات على ابن سبع، مثل قوله -وهو يتحدث عن أوجه إعجاز القرءان-: (وكثير مما ذكرنا أنه ذكر في إعجاز القرءان- إلى وجوه كثيرة ذكرها الأئمة لم نذكرها، إذ أكثرها داخل في باب بلاغته، فلا نحب أن يعد فنا منفردا في إعجازه، إلا في باب تفصيل فنون البلاغة، وكذلك كثير مما قدمنا ذكره عنهم، يعد في خواصه وفضائله، لا في إعجازه، وحقيقة الإعجاز الوجوه الأربعة التي ذكرنا، فليعتمد عليها33 ...) -ويعني بذلك ابن سبع الذي جعلها من وجوه إعجاز القرءان، وعدها عشرة، وفصل القول فيها تفصيلا.
ومهما يكن، فالقاضي عياض قد استقى كثيرا في كتاب "شفاء الصدور" وليس فقط -فما توهمه عبارة الذهبي: (أنه قلد ابن سبع فيما أورده من أحاديث ضعيفة، أو موضوعة34 ...) بل ذلك من مجازفاته التي تصدر عنه أحيانا في بعض الشيوخ، وقد قال الخفاجي إنه تحامل لا ينبغي35 .
وبعد: فهذه سطور عن حياة ابن سبع -وهو علم من أعلام المغرب في العصر المرابطي، ومن العلماء البارزين في علوم القرءان والحديث.
خلف تراثا ضخما أصابته عين الزمن فتبدد شر بدد، وأتى عليه الذي أتى على لبد؛ وأهمله التاريخ ولم يلمحه بطرف عين، وأطبقت كتب التراجم بالصمت عنه فلم تذكره في آن ولا أين؛ وأرجو أن تتاح لي الفرصة للاطلاع على بقية آثاره التي تلقي بعض الضوء على معالم حياته، وقد قيل من أرخ عالما، فكأنما أحيا أمة، وعلى الله قصد السبيل.
         
مصادر البحث:
- شفاء الصدور – لابن سبع- مخطوطة الخزانة العامة بالرباط رقم 1383 كـ.
- شفاء الصدور – نسخة الخزانة الملكية رقم 5733.
- كتاب الحجة في إثبات كرامات الأولياء –لابن سبع، مخطوطة الخزانة العامة بالرباط رقم 35 ق.
- كتاب الجهاد لابن النحاس – مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم 21 ق.
- التمهيد لابن عبد البرج 6.
- بهجة النفوس لأبي محمد بن أبي جمرة.
- التعريف –لمحمد بن عياض.
- التكملة لابن الأبار وملحقها – طبع مجريط.
- تاج العروس للشيخ مرتضى.
- عيون الأثر، في فنون المغازي والسير لابن سيد الناس.
- المواهب اللدنية للقسطلاني – بشرح الزرقاني.
- نسيم الرياض في شرح شفا عياض للخفاجي.
- البرهان في علوم القرءان –للزركشي.
- كشف الظنون لحاجي خليفة.
- مختصر السيرة النبوية لزينى دحلان – هامش السيرة الحلبية.
- الرسالة المستطرفة –للكتاني.
- الكشاف، في مخطوطات الأوقاف – لأسعد طلس.

1 - انظر القسم الثاني من هذا البحث.
2 - أورد هذه المآخذ ابن النحاس في كتابه "فضائل الجهاد"، انظر مخطوطة الخزانة العامة بالرباط رقم 21 ق.
3 وحتى إمام هذا الفن -وهو ابن إسحاق في سيرته المشهورة- لم يلتزم فيها الإسناد المتصل، وأكثر أخباره مراسيل.
4 - انظر الرسالة المستطرفة ص 106.
5 - انظر مقدمة الكتاب ص 7.
6 - انظر صدر هذا البحث.
7 - انظر القسم الثاني من هذا البحث.
8 - انظر التمهيد ج 6/39.
9 - انظر مقدمة عيون الأثر ص 15.
10 - انظر نسيم الرياض، في شرح شفا القاضي عياض، للخفاجي ج 1/4، والرسالة المستطرفة للكتاني ص 106.
11 - ينقل صاحب المواهب كثيرا عن شفاء الصدور -كما يقول الزرقاني شارحه- ج6/93. وسيأتي بعض هذه الأحاديث.
12 - انظر نسيم الرياض ج1/4، والزرقاني المواهب ج 1/42 -43.
13 - انظر نسيم الرياض ج 1/4، والرسالة المستطرفة ص 106.
14 - انظر شفاء الصدر، مخطوطة الخزانة العامة ص 86-87.
15 - انظر ج 2/91-92.
16 - انظر الزرقاني على المواهب ج 1/43.
17 - لم نقف على هذا الحديث في القطعتين اللتين تحدثنا عنهما من كتاب شفاء الصدور، والقسطلاني نفسه لم يقف عليه في شفاء الصدور، وإنما نقله عنه بواسطة ابن غالب. انظر المواهب بشرح الزرقاني ج 6/93.
18 - انظر الزرقاني على المواهب ج 6/93.
19 - المصدر السابق ج 6/ 95.
20 - نفس المصدر.
21 - نفس المصدر.
22 - نفس المصدر.
23 - نفس المصدر.
24 - نفس المصدر.
25 - انظر صدر هذا البحث.
26 - انظر الشفا ج 1/3.
27 - انظر القسم الأخير من كتاب "شفاء الصدور" -مخطوطة الخزانة الملكية رقم 5733.
28  - انظر ج 2 ص220.
29 - انظر ج 1/207.
30 - ج 1/212-233.
31 - ج 1/304-309.
32 - انظر ص 40-85، وص 105.
33 - انظر نسيم الرياض ج ¼.
34 - نفس المصدر.
35 - نفس المصدر
.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here