islamaumaroc

أطفالنا اليوم وغدا

  دعوة الحق

197 العدد

الحديث عن الطفل أمر صعب وشاق. لأن موضوع الأطفال متشعب ومتداخل في بعضه في بعض. فدوافع الأطفال وسلوكهم وما يخالج أذهانهم من تصورات وتخيلات ومحاولة تفسر تصرفاتهم بموضوعية أمر قريب من المستحيل حتى بالنسبة إلى علماء النفس المتخصصين في دراسة عقلية الأطفال. فالأمر إذا صعب جدا بالنسبة إلى إنسان متأسي كل خبرته في هذا الميدان محصورة بكونه أب لأربعة يعايشهم يوميا بحنان ورأفة وأحيانا بشيء من القسوة التي يغلفها العطف.
لأن التعامل مع الطفل ليس بالأمر الميسور فهو في حاجة  إلى صبر أيوب ومال قارون. فالمثل القديم يقول : المرأة والطفل الصغير يحسبان أن الرجل على كل شيء قدير. فالطفل طبعا لا يحس بفائقة الأب المالية. وقد لا يحس بالتعب والإجهاد الذي يعانيه الأب خارج المنزل وهو يكافح من أجل أسرته وما يصادفه  في حياته اليومية  من مضايقات ومنغصات تجعله في حاجة إلى جو فسيح من الهدوء والراحة  يلتمسه في أركان بيته. وأغلب الأحيان لا يجد الأب هذا الجو في داره المليئة بالأطفال وشكواهم ومتطلباتهم وإلحاحهم واستفساراتهم التي بمجز أحيانا عن تقديم الجواب المقنع لها. فالطفل بطبيعته كثير الأسئلة ومحب للاستطلاع يفرض عليك أن تقدم له أجوبة واضحة على تساؤلاته. فإذا لم تقنعه صاغ لك السؤال نفسه بشكل جديد لأنه يصر على أن يفهم وحريص على استخلاص الجواب الصائب منط علما منه أنك أب قادر على كل شيء واسع العلم والمعرفة فجدير بك أن تدله على ضالته. ويتسلل معك في حوار منطقي إلى أن يصل إلى معرفة ما يجهل. وما يجهله الطفل قد يجعله الأب أيضا. وهنا تكون المصيبة. فلماذا لا نهتم بتربية الآباء قبل أن نهتم بتربية الأبناء.
صحيح إن أطفالنا أكبادنا تمشي على الأرض. وحري بنا أن نعمل على إسعادهم وتوفير كل ما يمكن توفيره لهم من وسائل الراحة والمعرفة. وجدير بنا أن نبدل قصارى جهودنا لتنشئتهم النشأة الملائمة لنخلق منهم جيلا قادرا على تحمل المسؤولية الوطنية والاجتماعية والحضارية خاصة في هذا الزمن الذي نعيشه حيث مسؤولية الفرد في بناء المجتمع مسؤولية كبرى تفرض على أطفال اليوم أن يتسلحوا بكل ما يمكن من المعرفة والقوة والخلق والسلوك والضمير.
حقيقة أن أطفالنا اليوم أحسن حال من أطفال الأمس حيث هيأت لهم الحياة أجواء أفسح من الأجواء الماضية. فهم يتعلمون في بساتين الأطفال والمدارس العصرية. يجلسون مسترحين وينقلون إلى مدارسهم بسيارات النقل. ويتلقون العلم في
كتب مدرسة ومعدة خصيصا لعقليتهم. الشيء الذي لم يثح للكثير منا. فأنا مثلا وأنا في العاشرة من عمري كنت أسير على قدمي إلى المدرسة مسافة سبعة كيلومترات وأحيانا لم أكن أجد الكتاب اللازم. أما اليوم فالحال غير ذلك الحال. وسائل الراحة متوفرة ووسائل المعرفة متوفرة. ومع ذلك نجد أن الزمن الغابر أنتج من الأطفال عباقرة وأفذاد قد يعجز الزمن الحاضر عن إنتاج أمثالهم.
كثيرا ما تتفتق عبقرية الأطفال عن سن مبكرة. فطرفة بن العبد أحد أصحاب المعلقات أظهر نبوغا وهو حدث. واللورد تومس ماكولي الشاعر البريطاني كتب شعرا وهو في الخامسة من عمره. وجون كيتسن توفي في الثانية والعشرين من عمره طبيبا وشاعرا تاركا وراءه ديوان شعر قيم.
فمن واجبنا إذا  أن نعتني بالأطفال وأن نعمل على نتيجة مواهبهم التي ستخدم الوطن وسترفع من قيمته الحضارية.
وليس الحديث عن الطفل بالأمر السهل، وهو كذلك إذا حاولنا أن نضع إطارا شاملا عاما ومخططا نموذجيا يتخذ قاعدة للأخذ بيد الطفل ليكون قادرا على مواجهة القرن الحادي والعشرين الذي لا يبعد عنا إلا بعشرين سنة لا تلبث أن تمر كمر السحاب.
لا يستطيع أحد أن يتنبأ مهما بلغ من علم ومعرفة، ومهما كانت الدراسات والإحصاءات التي يعتمد عليها من الدقة والصدق- الوضع العالمي الذي سيكون عليه القرن الحادي والعشرين- فقد تتقدم دول كانت متأخرة وقد تتأخر دول كانت متأخرة وقد تتأخر دول كانت متقدمة فالعبقريات ليست محصورة في شعب معين، لأن العبقرية قد تلد في البناء الشامخ الرحب الجميل. وقد تلد أيضا في الكوخ المتواضع البسيط. ومن الممكن جدا أن تنقلب الأوضاع رأسا على عقب، فنرى أمما نفضت عن رأسها غبار التخلف لتلحق في أجواء الرقي والتقدم والازدهار، إذا أحسنت التخطيط واستغلت كل خيراتها وطاقاتها وإمكاناتها لتقفز قفزة واسعة عريضة وتصل إلى ما هدفت له مخططاتها.
وفي طليعة التخطيطات في نظري بالنسبة لعالمنا العربي والإسلامي هو ما يتعلق بالإنسان العربي المسلم بالطفل العربي المسلم. الذي يعاني الآن الكثير من الحرمان، فطفل اليوم هو رجل المستقبل .. هو الركيزة والعماد الذي تقوم عليه الحضارة ويقوم عليه التمدن والتقدم في كل مضمار. أن الطفولة الصحيحة هي أقصر الطرق إلى مستقبل سعيد. وأن الطفولة التي تجد النوعية اللازمة المدروسة، وتجد البرامج التعليمية الكفيلة بتقديم المعرفة المفيدة التي لا تبعدنا عن أصالة الإسلام وجوهر الإسلام ودساتير الأخلاق الإسلامية التي نتلمسها في القرءان الكريم وفي السنة النبوية الشريفة، مع بذل كل مجهود يمكن بذله لجعل الطفل العربي المسلم قادرا في ذكائه ومداركه على مسايرة أطفال العالم المتقدم، كل هذا كفيل بتوفير جيل عربي مسلم قادر على تحمل مسؤولياته رغم جسامتها في عصر التكنولوجيا والعلم.
إن أطفال العالم في نظري مهددون بما يشاهدون من أفلام ومسلسلات تأخذهم من الطريق الأمثل الذي نحرص على جعلهم فيه إلى طريق معوج، قد يجرهم إلى الويلات والأخطار. فإن ما شاهده الطفل على الشاشة الصغيرة أو الكبيرة يشده إليها بوثاق قوي ليس في وسع الآباء مهما استعملوا من قوة فكهم من هذا الوثاق، لأن الطفل لا يعلم الحدود الدقيقة بين الخيال والواقع، ولا يعرفون مقدار الخيال فيما يشاهدون ومقدار الواقع.
ناهيك عن برامج العنف ومسلسلات العنف وأفلام الرعب، وبرامج المصارعة والملاكمة، والأفلام المحشوة بالعدوان والضرب والرصاص وإسالة الدماء والسرقة والنهب والاختطاف التي تضر بنمو الطفل وهو في مرحلة يحتاج فيها إلى حنان وتدليل. وليس هذا فحسب بل أن ما يشاهده الطفل على شاشة التلفزيون من هذا القبيل قد يكون عاملا على دفعه إلى حالات مؤلمة من انفصام الشخصية.
إن التلفزيون الذي تدخل برامجه إلى المنازل بدون استئذان ينبغي أن يكون مدركا لمسؤوليته الوطنية والإنسانية فلا يدفع بالأطفال إلى المهالك والأخطار.
أين البرامج والمسلسلات التي تغرس في نفسية الطفل قيم الحق والخير، والتي تشحذ همته لأن يكون إنسانا فاضلا نبيلا شجاعا جوارا مقدرا لترائه وأصالته وقيمه الحضارية، ليخرج رجلا معتزا بترابه منسجما مع مجتمعه عاملا على خدمة وطنه ومواطنيه عارفا بحقوقه وواجباته.
نريد قصصا هادفة للأطفال، وبرامج حافزة للأطفال، ومسرح يقدم للأطفال أروع الأمثال في إطار من التسلية والترفيه. نريد موسيقى للأطفال تهذب النفس وتسكوا بالروح وتصقل الموهبة. نريد إنتاجا يساعد الطفل على أن يكون إيجابيا وفعالا ومنسجما مع مجتمعه. لا نريد له أن ينكمش أمام الشاشة عدة ساعات وهو يشاهد خيالا تافها يضر بصحته النفسية والعقلية وبالتالي يرده عدما لا ترجى منه فائدة لبلاده ولا لنفسه. ينبغي أن نطلعه على المعلومات الفياضة النابعة من الواقع والتي تؤدي بدورها إلى تنمية معارف الطفل وتوسيع مداركه وجعله قدرا على إدراك وجوده وموقعه من العالم فوق أرض صلبة أساسها المعرفة.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here