islamaumaroc

مسؤولية الطفولة

  دعوة الحق

197 العدد

إن الطفل من أول المخلوقات الجديرة بالعناية الفائقة، والقيام بواجباته المقدسة الشرعية أحسن قيام، من أهم وأعلى وأنبل الغايات التي يتأكد الاهتمام بها وجعلها شغلا دائما وأبدا، وليس ليوم أو شهر أو عام فقط، لأن بذل كل الجهود في القيام بواجبات الطفل ليس أنه من أهم الضروريات الحيوية فحسب، بل أوجبته الفطرة والغزيرة، وجاءت به الشرائع ونزلت به الكتب السماوية، وينادي به الضمير الإنساني دائما، وقد كان ولا يزال من أجل الأهداف والشرف المقاصد والأعمال التي فرضها الله على الإنسان، كيف لا وقد كان الطفل ولا يزال وسيبقى هو النواة المخصبة، والثمرة الطيبة، والأصل العميق الجذور، والفرع الباسق الناضر، وقد اجتمع فيه السلف والخلف، إذ هو سلف لمن بعده، وخلف لمن قبله، جعله الله أداة لتعمير الأرض، واستمرار الحيوية فيها إلى الوقت المقدرة لها. فالطفل بذر الماضي وجناء المستقبل، وأمانة الآباء أورثوها الأبناء إرثا موروثا تتداوله الأيام فالأعوام، والقرون والأجيال إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وهو خير الوارثين.
فالواجب على الأمم البشرية أن تتواجد وتتكتل وتتعاون تعاونا مخلصا على تربية الطفل أينما كان وكيفما كانت جنسيته أو لونه أو ديانة أهله، إذ لا فرق أمام الإصلاح بين إنسان وإنسان، فكلنا لآدم وآدم من تراب جنسنا واحد، وخلقنا من مادة واحدة فكل طفل يستحق العطف والحنان من كل أب، لأن الأطفال أبناء الكل، وفي إصلاحهم جميعا، إصلاح للبشرية جمعاء، وإصلاح للأرض، بل إصلاح للكون كله وبتالي إسعاد للخلق، والسعادة العامة هي الضالة التي ينشدها كل مخلوق. فهل للأمم والشعوب، والمسؤولين فيها خاصة أن تنهض نهضة واحدة للعمل على إغاثة الطفولة، وإنقاذها مما تعانيه من الخصاصة، والبؤس، والجهل، والمرض، والضلال والفوضى، والحرمان واليأس، والوحشية ... فكل من يتيم ضائع ما منعه أن يكون نبتة صالحة في المجتمع إلا عدم المواساة، وفقد المعين والعناية، وأن خسارة طفل خسارة للإنسانية التي هو واحد أفرادها  وغصن من أغصائها، وأن عدم العناية بالفرد، وإلقائه بيد الضياع والإهمال يؤدي إلى إهمال أفراد فأفراد ثم إلى جمع وجموع، وهذا ما وقع بالفعل. فكم من أطفال مشردين، ويتامى ضائعين، ومجاويع متسكعين ضالين، لا يجدون من يهديهم، ولا من يرثى لحالهم فيمد لهم يد الإنقاذ، فهناك كثير من الأطفال في كل قطر وكل بلد من البلدان المتخلفة المنتشرة في المعمور بؤساء ... والمسؤولية في هذا الشأن أعظم من أن تقع على فرد وأفراد، لأنها مسئولية جديرة باهتمام الكل وعمل الكل، ودراسة وأضاع كل أمة وكل دولة لمعرفة وضع الطفولة وأحوالها وما عليه من خير أو 
شر، وما تحتاج إليه، وكم تحتاج إليه من إصلاح، وأنواع الإصلاح المختلفة، وكيفية تنفيذها إلى غير ذلك مما يحتاج إليه الأمر من الجهود والجهاد.
حقا أن الطفولة العالمية ما زالت تستفيث وتستنجد الضمير البشري الحي منذ الأعوام والسنين الطوال، فهل كان لندائها من مجيب ؟.

والطفولة في جملتها إلى ثلاثة أقسام :
 القسم الأول : الأغنياء والمترفين الذين لا يشتكون شيئا من الوجهة الاقتصادية. فهؤلاء أن عوزهم شيء فلا يعوزهم إلا التوجيه إلى ما يجب عليهم، وكيف يقومون به.
القسم الثاني : قسم الأيتام الأغنياء منهم والفقراء، فالأغنياء يحتاجون إلى من يحفظهم  في نفوسهم وأموالهم أن لا يقربها صاحب غرض إلا بما ينميها ويصلحها لتزكو وتزيد. فكثيرا ما اعتدى عليهم المعتدون، واستغلوا ضعفهم طمعا في اغتصاب أموالهم، وربما قتلوهم، فلابد لهم من ضمان الأمن والتعليم، والتربية الصالحة حتى يبلغوا أشدهم، ويتلوهم أمرهم بأنفسهم.
أما القسم الثالث : وهم الفقراء. مطلقا سواء كانوا يتاما، أو ذوي آباء عاجزين، وما أكثر هؤلاء خصوصا في الدول المتخلفة. فلابد إذن من وجود من يضمن للأطفال اليتامى أمنهم وراحتهم، وتعليمهم وتربيتهم التربية الصالحة التي تكفل لهم سعادة الدنيا والآخرة، وتمنعه من أن يكونوا حماما بين الصقور. أما غير اليتامى فيلزم أن يكون لهم سند يستندون إليه كي يعيشوا أولا ثم يكفلوا تربية وتعليما ليتمكنوا من مسايرة ركب الحياة الكريمة ويكونوا مادة صالحة في بناء مجتمعاتهم، وبالتالي يتمكنون من بناء المجتمع البشري العام.
وأن إهمال الأطفال أو بعضهم في أي أمة من الأمم ستكون له نتائج وبيلة لا تنحصر في أمة مخصوصة أو بلد معين، بل قد يستطير شرها إلى بلدان وأمم أخرى في العالم. فالأطفال الذين نهمل تعليمهم وتربيتهم، ونتركهم لحياة الصدف والمقادير، يعيشون عناء تتقاذفه أمواج اليم، فماذا يرجى لهم، الهالك منهم خسارة فادحة، والناجي منهم يكون كلا وثقلا على المجتمع، وقد يستفحل شره فيحترف الجريمة فيشتغل بالنهب والسلب والسرقة والإرهاب وقطع الطرق والقرصنة ... إلى غير ذلك من الشرور والجرائم والفواحش فيشقى هو وبشقى غيره ويكدر صفو الحياة، فيقف حجرة عثرة في طريق الإصلاح والأمن، فأي إنسان عاقل يقبل هذا ويرضى عنه أو يرتاح ضميره إليه. بل كيف يقر للأغنياء والمترفين قرار، أم كيف يتم لهم الأمن ويطيب لهم العيش، وهم يرون من بينهم مشردين وبؤساء وجهلاء لا يكادون يفقهون شيئا، وربما أفسدوا بجهلهم الصالح، وزادوا الفساد فسادا.
فيجب أن نعلم أن البشرية كلها أسرة واحدة، تربط بينها روابط شتى، وتجمعها دار واحدة وهي الأرض، ومبدأها واحد ومصيرها واحد. فما يمنعها أن توجد أهدافها وترعى مصالحها وما يعود عليها بالنفع بصفة جماعية مثل الاهتمام بالطفل الفقير واليتيم، وغيرها من عموم الأطفال في سائر العالم، إن هذا لمن أجل المبرات والأعمال الصالحات، ولهذا كان من الأعمال التي حثت عليها الكتب السماوية من قبل ودعت إليها الأنبياء والمرسون، وجعلها الله في قمة الأعمال الصالحة وأعظمها، حتى أنه أقسم بالوالد وما ولد، بل قد جاء القرءان حافلا بالرأفة والمساواة للطفل عموما وللأيتام والفقراء منهم خصوصا، ومنع قتل الأطفال خوف الفقر، وبين أن الله متكفل برزقهم، وتحمل مسئولياتهم كاملة، ومنع وأد البنات، وهدد وتوعد من يقدم على ذلك بأسلوب ولهجة ترتعد منها الفرائس،  وتهتز لها القلوب فجعلها صورة بارزة معربة بحالها وما وقع عليها من الظلم، وضمن ذلك أن الله تعالى سينتقم لها بأشد العذاب «وإذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت». ثم كم أشاد القرءان بالطفل اليتيم وتكريمه والعطف عليه مع المحافظة على ماله وكامل حقوقه، والإحسان إليه، وهدد من يتعدى على اليتيم باغتصاب شيء من ماله ظلما بالنار، وجعل ذلك من أفظع كبائر الذنوب وأشنعها. ومن خضم الأمثلة القرآنية في شأن اليتيم وحقوقه قوله تعالى : 4 =9-10 « وليخش الذين أو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم، فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا. أن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا».
وكما اهتم القرءان الكريم باليتيم ورفع شأنه، وأعظم الأجر وأعلى درجة المحسنين إليه والمخلصين في معاملته. كذلك فعل في أمر الفقير ومنحه كل العطف والرحمة والمساواة وجعل له حقا واجبا في أموال الموسرين « والذين في أموالهم حق معلوم للسائل والمحروم»، وأثنى القرءان ثناء عاطرا على أولئك الذين يواصلون النفقة على اليتامى والمساكين، ويشاطرونهم الأموال دون تعل أو من. وبالجملة فإن القرءان أعطى هذا الجانب الإنساني من الأهمية ما هو جدير به، ولم يترك فيه شاذة ولا فاذة إلا نبه عليها وبينها كافيا لا مزيد عليه، وبقي على الناس أن يقوموا بواجبهم من الدراسة والتنظيم، والبذل والعطاء بسخاء وانشراح، نحو مجتمعاتهم البشرية. فإذا قصر الناس فمن المسئول ؟ وكيف يرجون السعادة والاطمئنان وجموع من بينهم، من محتاجين وأيتام وأطفال ونساء ورجال تحترق نفوسهم في جحيم من الخصاصة وضيق المتربة وآلام الحرمان.
ثم أن الإهمال بشؤون الأطفال والقيام بواجباتهم من تغذية وتربية وتهذيب بدون حد، أمر أمر مرغوب فيه قريب إلى العقول والإفهام لا يكاد يغيب عن الإدراك السليم، والطبع المستقيم، إذ جل الناس يعيشون مع الأولاد والبنين من ذريتهم أو من قرابتهم وفي المجتمعات التي تضمهم بحكم الضرورة والبيئة. ومن الدين لا يحب أن يرى الأطفال في مجتمعه في حالة تمثل البهجة والسرور وذلك لأن الأطفال يمثلون ركنا مهما من زينة الحياة ورونقها وهو سر عظيم من أسرار نظام الله سبحانه في تعمير الأرض وتطوير الحياة، إن جبل الإنسان على حب البنين وحب تنشئتهم على الكمال إلى أقصى حد الاستطاعة، بل فوق حد الاستطاعة متى أمكن وكيف لا، والله تعالى يقول : «زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين ...» الآية : ومن ذا الذي لا يحب أن تكون ذريته وذرية من حوله قرة عين وباعث خير واطمئنان بال- 71- 25- : «ربنا هب لنا من أزواجنا ودرياتنا قرة أعين، واجعلنا للمتقين إماما»- وقال : «المال والبنون زينة الحياة الدنيا». وما داموا كذلك وجبت المحافظة عليهم، وبذل كل ممكن في تنظيمهم وحسن تربيتهم وجعلهم صالحين مصلحين إصلاحا يشمل الأرض وما فيها من نبات ومسالك ومياه وحيوان فضلا عن الإنسان. وقد قال القرءان : «قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة». ولن نستطيع وقايتهم إلا بتعليمهن وتدريبهم على الخير وفعله وإبعادهم عن الشر وفعله ليكونوا زينة الحياة الدنيا وبناة الخلود في الحياة الأخرى ليسعدوا هم في أنفسهم، وتسعد بهم البشرية في الأرض.
وزيادة على مواعظ القرءان القيمة في التاليد البليغ على تربية الأطفال والعمل على إصلاحهم، فقد جاء في السنة النبوية ما لا يتسع المقام للكلام عليه، ومنه أن أهم ما ينفع المرأ منفعة تمتد له بعد موته : ( ولد صالح يدعو له). وأعلى مثل في هذا الشأن ما كان عليه الرسول عليه السلام من ملاطفة الصبيان والاعتناء الزائد بشؤونهم كلها، فلو اقتفينا ما أثر عن النبي عليه السلام في هذا الباب وعملنا له لكنا أسوة صالحة لغيرنا، لأن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن معلما للكمال البشري عالما وكفى، بل كان مثالا أعلى في كل ما تتوقف عليه حياة بني آدم وتزكو به وتزدهر على كل حال، فكما كان على مثل يحتذا في رجولته ونبوته حين نزول الوحي عليه، كذلك كان مثلا أعلى وأسوة حسنة في نشأته وطفولته، وقد ورث من التعاليم يعلو بالطفولة ويسعدها على طول الحياة وبعد الممات. « لقد كان لكم في رسول  الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر».
ونضيف إلى هذا ذلك أن حب الطفولة وإسعادها أمر عاطفي وغزيرة فطرية. وإنما يجب علينا أن نوسع دائرة هذه العاطفة لنشمل جميع الجنس الإنساني بدون تحيز ولا عنصرية تجعل العمل لخير الطفولة قاصرا على جنس خاص أو شخص أو بلد أو دين أو لون أو غير ذلك، لأن العطف والحنان من فضل الله ورحمته التي يجب أن تكون عامة بين عباد الله في أرضه، لا تخص أحدا دون آخر. ولأن مجموع الأطفال، أبناء لمجموع النساء والرجال ...
إنمــا أولادنـــا بيننــــا
              أكبـــادنـا تمشـــي على الأرض
لوهبـــت الريح على بعضهـــم
              لامتنعت عينــــي من الغمـــض

والله أرجوا أن يوفق الكل إلا ما فيه خير الكل.

العدد الأخير

This is a SEO version of Numero 404 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here

العدد ما قبل الأخير

This is a SEO version of Numero 400 Page 1
To view this content in Flash, you must have version 8 or greater and Javascript must be enabled. To download the last Flash player click here